أصول في المنهج - 2 - فِقْــهُ الائْتِــلافِ

(2)
فِقْــهُ الائْتِــلافِ


إنَّ الحمْدَ للهِ، نَحمدُهُ، ونَستعينُه، ونَستغفِرُه، ونَعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفُسِنا، وسيِّئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِلْ فلا هادِي له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا الله، وحدهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه.

أمَّا بعدُ:

فهذا -أيُّها الإخوة!- اللقاءُ الثاني من دُروسِنا في المنهج، التي كانتْ فاتِحتُها ذِكرَ تعريفاتٍ ومصطلحاتٍ، مع تفصيلِها وشرحِها وذِكر أقوالِ أهلِ العلم فيها.

ومِن بابِ التلخيصِ والإضافةِ والإفاضة: أذكُر أنَّ كلمةَ (المنهج) -على ما فصَّلنا وبيَّنا-: لها ثلاثةُ اعتِبارات: الأول: الاعتبارُ اللغويُّ؛ فهي بمعنى: (السَّبيل والطريق)، والاعتبار الثاني: الاعتبار بالتعريف العام؛ فإذا ذُكر التعريفُ العام؛ فهو -كما أشرنا- أعمُّ من المنهجِ بالتعريفِ الخاص؛ فحينئذٍ: التعريفُ العام يشملُ معنى الدِّين ومعنى عُمومِ الشـريعة، أما التعريفُ الخاص -وهو الذي استقرَّتْ عليه كلمة أهلِ السنة، وعلمائِهم، وطلبَتِهم في العصورِ الأخيرةِ-: أنه طريقةُ أهلِ السُّنة في نشـرِ العقيدةِ والسُّنة، وردِّ البدعةِ والشِّـِرك، وما يَنبني على هذا وذاك مِن أصولٍ ومواقف؛ كالردِّ على أهل البدع وكَشفِهم، وما أشبه.

وعليه: فإنَّ كلَّ مَن كان على منهجِ السلفِ بالمعنى الخاص؛ فهو مِن بابِ أولَى أنْ يكونَ كمثلِه أو عليهِ في المعنى العامِّ، ولكنْ: هل يلزمُ العكس: أن كل مَن كان على منهجِ السلفِ بالمعنى العامِّ أنه على المعنى الخاص؟ نقول: لا يلزمُ.
وها هنا تنبيهٌ مهمٌّ: أن بعضًا مِن علماء الدعوةِ السلفيَّة، وكثيرًا من أبناءِ الدَّعوةِ السلفيَّة يحصُرون المنهج -سواءٌ بِلسان الحال أو بلسان المقال- يحصُـرون المنهجَ في الرَّدِّ على المبتدِعة، وتناوُلِ الجرحِ والتعديل، وما أشبهَ هذا وذاك. وهذا حصْـرٌ باطل؛ فالردُّ على المبتدِعة من حيث هو، والجرح والتعديل مِن حيث هو؛ هذا له أعلامُه، وله أئمتُه، وله أهل الاختصاص فيه، وسيأتي ذلك في المحاضرة الأخيرةِ، وهي بعنوان: (الجرح والتعديل) -كما سنذكر بعد قليل-إن شاء الله-تعالى-.

ولكني أذكرُ -الآن- مثالًا واحدًا: وهو الإمامُ أبو بكرٍ بن أبي الدنيا -رحمه الله-تعالى-. فهذا الإمام مِن أئمة العلم -بغير مبالغة- له مئات الأجزاء الحديثية، والكتب التي تَروي بالسَّنَد، حتى إن بيتَ الشِّعر الذي يَستدلُّ به ابنُ أبي الدنيا تراهُ يَرويهِ بسَندِه، أحيانًا الكلمة في تعريفِ غريبِ الحديثِ؛ تراهُ يَرويها بالسَّنَد، وكتبُه -كلُّها- في بابِ الرَّقائق والوعظ والزُّهد: كتاب: (الصمت)، كتاب: (الغِيبة)، كتاب: (مكارم الأخلاق)، كتاب: (إصلاح المال)، كتاب: (الإخوان). . وهكذا في لائحةٍ طويلةٍ -وطويلةٍ جدًّا- من الكتب. ولا نعلم له كتابًا -فيما أذكر-حتى لا أنفيَ ما لا علمَ لي به- لا أعلم كتابًا له في الردِّ على أهل البِدع، ولا أعلمُ له كلامًا في الجرح والتعديل؛ ومع ذلك هو ثقةٌ من ثقاتِ أئمة العلم، وكبير من كبراء أئمة الدِّين، لم يكن سُكوتُه عن هذا موقِفًا يُضعف ثقتَه، أو يُلجلجُ حُجتَه.

هذا أمرٌ أول أذكرُه كمقدِّمة لمجلِسِنا هذا.

الأمرُ الثاني؛ المحاضرات الباقية: أوَّلها: هذه المحاضرة -اليومَ- وهي بعنوانِ: "فِقهُ الائتِلاف"، والمحاضرةُ الثانية -إن شاء الله- ستكون بعنوان: "فِقه الاختِلاف"، والثالثة ستكون: "الرَّد على المُخالف"، والخامسة ستكون -إن شاء الله- بعنوان: "الجَرح والتَّعديل".

وعندما أشرنا -في المجلسِ الماضي- إلى أنَّ عنوانَ مجالِسِنا: "أُصولٌ في الَمنهجِ"، وليستْ بعنوان: "أصول المنهج". لو قلنا: "أصول المنهج"؛ فهذا يُلزِمنا أن نحصـرَ كل أفرادِ ودقائق وأصول المنهج؛ وهذا يكاد يكونُ مستحيلًا، حتى يعني نبالغ فنقول: لو كان ذلك على وجهِ السـردِ! فكيف إذا شرحنا وفصَّلنا وأصَّلنا؟! فما ذكرتُه أظن أن الحاجةَ إليه ماسَّةٌ -جدًّا-، وأظن أن كثيرًا مِن الخللِ والخلافِ والزَّغَل الذي يقعُ والذي وقعَ، وأقولُ -وأعني ما أقول- والذي سيقعُ -والله تعالى-أعلم- بين أهلِ السُّنة وبين السلفيين، بين هؤلاءِ وهم هم أنفسُهم؛ أقول: قد يكونُ عدمُ وُضوحِ هذه التأصيلاتِ مِن أعظمِ أسبابِ هذا الخللِ وهذا الزَّلل وهذا الخلاف. ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله.
كلمةُ "فِقْه الائتِلاف": الفِقْه: هو الفهم، "مَن يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيرًا؛ يُفَقِّههُ في الدِّين" أي: يُفهمه ويعرِّفه، وهكذا. و(الائتلاف): مصدر مِن الفِعل )ائْتَلَفَ)، وأصلُ هذا الفِعل )ائْتَلَفَ): (ألِفَ)، وكلُّها تدور على معنى: الاجتماع، والمناصرة، والتوافق، والالتِئام، والاعتصام. هذا المصدر وما ينبني عليه، ونقول: (الائتِلاف) مصدر، وأيضًا- مِن مصادر: (الألَفَان)، يُقال: (ائتِلاف وأَلَفَان)، ويُقال: (أُلْفَة)، ويُقال: (إِلْف). كل هذه مصادر للفعل الثلاثي، وما انبنى عليه مِن الفعل الخماسي: )ائْتَلَفَ)، وهما -كما قلتُ- ذَوُو جَذرٍ واحد.

"الائتِلاف": -بهذا المعنى- ضد "الاختلاف". إذا ذكرنا (الائتلاف) يكون ضدُّه (الاختلاف)، كما إذا ذكرنا النهار يكون ضدُّه الليل . . وهكذا؛ فهما نقيضان، لا يجتمعان. و(الائتِلاف) فيه معنى الثَّبات، وفيه معنى الاستِقرار، بَيْنا (الاختلاف) فيه معنى التذبذُب، والتردُّد؛ لذلك جاءت نصوص الشـريعةِ -كما سيتبيَّنُ مَعنا- في الحضِّ على الائتلاف، وفي نقضِ الاختلاف.

أما نصوصُ الشـَّريعةِ في ذلك؛ فهي كثيرةٌ في كتابِ الله، وفي سُنَّة رسولِ الله -صلى الله عليه وآله وسلَّم-: مِن ذلك قولُه -تعالى-: {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ - إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود: 118-119]. {وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ}: أي: لِما هُو ضِد الاختِلاف، وهم أهلُ الاستِثناء: {إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ}؛ هم أهل الاستثناء، هم أهل الائتلاف، فالمَرحومون هم المُؤْتَلِفُون، والمغضُوب عليهم هم المُختَلِفون -عياذًا بالله-.

وأيضًا: قولُ النبي -صلى الله عليه وآلِه وسلم-: "سألتُ ربِّي ثلاثًا؛ فأعطانِي اثنَتَين، ومَنَعَنِي الثالثة"؛ ما الثالثة التي مُنِعَها رسول الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-؟ قال: "سألتُه أن لا يجعلَ بأسَ أمتي بينها شديدًا؛ فمَنَعَنِيهِ". فهذا حُكم قَدَري -فضلًا عن الحُكم الواقعِي- في الأمة، والتي لا يجوزُ لها أن تسكنَ إليه، وأن تَرضَى به؛ تقول: نحنُ في اختِلاف؛ إذًا نرضَى بهذا الاختلاف! هذا غير صحيح، وليس جاريًا على نسَق عقيدةِ أهل السُّنَّة النبويَّة.

والنصُّ في "سورة آلِ عمران" -في آياتٍ متعدِّدة، جاءت لتُسلسِل معانيَ الائتلاف، والوِحدة، والاعتصام، ونَبذ الفُرقة، والردِّ على الاختلاف في هذه الأمة-، وهو قولُه -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ - وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [آل عمران: 100-101]. الاعتصام: هو الائتلاف، ونقيضُ هذا نقيضُ ذاك. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]، كلما جاء النص بالخِطاب للمؤمنين؛ هذا فيه بيانٌ لحُكمٍ، كما قال ابن مسعود -رضي اللهُ عنه-:"إذا سمعتَ اللهَ يقولُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا} فأرعِه -أو: فأوْعِه- سمعَك؛ فإنما هو أمر يأمرُك الله به، أو نهيٌ يَنهاك الله عنه". ثم في الخطاب للجماعة المؤمنة بالنص القرآني إشارةٌ -أيضًا- إلى الائتلاف والاعتصام والتعاضُد والتناصُر. كم من آيةٍ في القرآن: {وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ}، {وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}؟ هذا موجودٌ، وهذا موجود. {وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}، {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى}، {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا}؛ كلُّها خطابات يُستفادُ منها -سَماعًا، وحقيقةً، وشرعًا، ولُغةً- هذا التعاضُد، وهذا الائتلاف، وهذا التناصُر الذي رضِيَ الله -تباركَ وتَعالى- لنا.

ثم ماذا قال بعد هذهِ الآيةِ -مباشرةً-: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} {وَاعْتَصِمُوا}: لم يكتفِ بهذا الأمرِ، {بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا}: توكيدٌ، ثم لم يكتَفِ بذِكر التوكيدِ لهذا الاعتصامِ حتى نقضَ ما يُخالِفه: {وَلَا تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ} أيضًا: {فَأَلَّفَ} من الائتلاف والأُلفة، {فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا}: هذا دليل أن ما يُخالف الائتلاف والأُلفة والاعتصام -مِن التدابرِ والتناحُر والاختلاف-؛ إنما يكون أصحابُه على شَفا حُفرةٍ من النار -أعاذنا اللهُ وإيَّاكم مِن النَّار-. قال: {عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا} أنقذكم منها بماذا؟ بهذا الائتلاف، وهذه المحبَّة، وهذا الاعتصام، {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ - وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ}: أرجح الأقوالِ -في هذه الآيةِ- أنَّ {مِنْ} ها هُنا لِبيان الِجنس، وإذا قُلنا هي للتَّبعيض؛ فالمقصود بها أهل العلم -خاصَّة-.

{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ - وَلَا تَكُونُوا}: انظروا بعد كل هذا التركيز على الاعتصامِ، وعلى الوِحدة، وعلى الأُلفة، وعلى النهي عن الفُرقة؛ قال: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ - يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ}.

ورد في كتب التفسيرِ: عن ابن عباسٍ -رضيَ اللهُ عنه- أنه قال: "يَوم تبيضُّ وُجوهُ أهلِ السُّنَّة، وتَسْوَدُّ وُجوهُ أهلِ البِدعة". وهذا مَرضيٌّ -وإن كان سندُه ضعيفًا-. مِن باب الأمانةِ العِلميَّة؛ نقول: الأثرُ المرويُّ عن ابنِ عباسٍ في تفسيرِ هذه الآية على هذا المعنى؛ إسنادُه لا يَثبُت، لا يَصحُّ، وإن كان هذا مِن حيث العُموم اللُّغوي لتفسيرِ النصِّ القرآني مقبولًا، ولا يُقال الآية تتكلَّم عن الكفَّار؛ بدَليل: {فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ}؛ نقول: نعم، كما أن الإيمانَ درجاتٌ؛ فإنَّ المعصيةَ درَجات، كما أنَّ الإيمانَ -أيضًا- مَراتب؛ فإن الفِسقَ مَراتب: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ} [السجدة: 18] الفِسْقُ: يطلقُ على الكُفر، ويُطلَقُ على المعصية. وكذلك هذا السَّواد والاسوِدادُ -نسأل الله أن يُبيِّض وُجوهَنا وإيَّاكم والمسلمين دُنيا وأُخرى- كما قد يُطلقُ على أهلِ الكُفر؛ يُطلق على أهل البِدع؛ بل قيل -من كلام أئمةِ السلف-: "البِدعةُ بريدُ الكُفر" هذا مِن كلام أئمةِ السَّلفِ.

قال: {وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ - تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ - وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ - كُنْتُمْ}: أيضًا كرَّر ذِكر الأمر بالمعروفِ -الذي ذُكر، وسردناه في وسطِ الآية- ذَكَرَه في آخِر هذه الجملةِ القرآنية -المجموعة مِن هذه الآيات-: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} -نسأل الله-تعالى- أن نكونَ وإياكُم أن نكونَ مِن أهلِ الطاعة والسُّنةِ والجماعة-.

أذكر أمورًا مهمةً -وهي أمور واقعية نعيشُها ونَحياها، ونلمسها بأيدِينا، ونراها رَأيَ العَين، ونسمعها آناءَ الليل وأطرافَ النهار-، أقول -وللأسف-:

صار حالُنا -اليومَ- إذا ذُكر الاختلافُ والمختلِفون -وللأسف-أقولها-: صار يُذكر معها الدَّعوةُ السلفيَّة! وهذا -أنا أقول- شيءٌ يوجَد منه قَدْرٌ لا بأسَ به مِن الواقع. وأنا سافرتُ وذهبتُ ورحلتُ ورأيتُ؛ فلا أكاد أذهبُ إلى مكانٍ إلا وأَرى فيه الاختلاف! وهذا شيء مُؤسِف!

ومِن هنا جاءَت رغبتي الكبيرةُ في أنْ يكونَ أوَّل مجلسٍ في بيان الائتلاف؛ لنبيِّن نصوصَ الشـريعة، وأقوالَ أئمةِ العلم -مِن أئمة الكتاب والسُّنة، ومِن علماء الدعوة السلفيَّة- كم هو عظيم قدْرُ الائتلاف، وليكونَ -في المجلسِ الثاني؛ وهو: »فِقهُ الاختلاف«- بيانًا لتلكمُ السَّوأة العظيمة التي يتلبَّس بها أهلُ الاختلاف، والتي يَرتكس في أَتونِها المختَلِفون على ما نعرفُ وتعرفون.
نقطةٌ أخرى: بالعكس -أيضًا- ومِن جهة مقابِلة؛ صار الذي يَذكُر الائتلاف، ويُحبِّب الناسَ فيه، ويعظِّمه في قلوبِهم وعُيونِهم، ويحضُّ عليه، ويَذكُر مَمادِحَه؛ صار يُنبَزُ -ولو مِن فئةٍ قليلة قد تكثُر وقد تَقِل-، صار يُنبَزُ بالتمييعِ، والتميُّع! هذا الذي يتكلمُ في الائتلاف؛ هذا ليس ناصرًا للسُّنَّة! هذا الذي لا يتكلَّم في كذا؛ مائعٌ وضائع! . . إلى غير هذا وذاك من ألفاظٍ؛ إذا بحثتَ عن أصولِها، ونظرتَ إلى أُسسِها؛ لا تجدُها مبنيَّةً على أساسٍ؛ وإنما هي على شفَا البُعدِ عن الهُدى، ومُجانبةِ الصوابِ، ومواقعةِ الرَّدَى.

ولئن استدلوا على هذه النقطة بأنَّ القرآنَ الكريمَ اسمُه الفُرقان. القرآنُ الكريمُ اسمُه الفُرقان، و(الفُرقانُ) مقصودٌ لذاتِه؛ ليكونَ فيصلًا بين الكُفر والإيمان، بين الحقِّ والباطِل، بين الهُدى والضَّلال، نحن لا نتكلَّمُ عن هذا الذي يجبُ أن تكونَ القلوبُ والعقولُ مُتناصرةً عليه؛ ولكن نتكلمُ عن ائتلافٍ نكادُ نفقِدُه في بيوتِنا، نكادُ نفقدُه في مساجدِنا، نكاد نفقدُه مع تلاميذِنا وأبنائِنا، نكادُ نفقدُه مع أساتِذتِنا وشُيوخِنا، فلا يُستدل على هذا بِذاك؛ فهذا استدلالٌ قَبيحٌ -بل قبيحٌ جدًّا-.

ولا يُستدل -أيضًا-ويكون الرَّد هو الرَّد- بحديث البخاريِّ الذي وصفَت الملائكةُ فيه رسولَنا الكريمَ سيدَنا محمدًا -عليه أفضلُ الصلاةِ، وأتم التسليم- بأنه فَرْق بين الناس، أو فَرَّق بين الناس؛ فليس المقصودُ بالتفريقِ هذا الذي ننعاهُ ونتكلم عليه؛ وإنما المقصودُ بالتفريقِ هو ذلك المعنى القرآني لاسم القرآن: (الفُرقان) الوارِد في كتابِ الله -تبارَك وتَعالى-.

وكذلك -أيضًا- قد يُستدل -والرَّدُّ هو الرَّد، والجوابُ هو الجَواب- بأثرِ ابنِ مسعودٍ -رضي الله-تعالى-عنه- لما قال: "الجماعةُ ما وَافقَ الحقَّ؛ وإنْ كُنتَ وحْدَك"؛ فهل هذا يعني أن تنفِّر الناسَ مِن حولك؟! وهل هذا يعني: أن لا تُبقيَ حولكَ أحدًا؟! فأيُّ خلافٌ وقع فيه غيرُك -ولا تقبلُه، ولا تَرتضيه-؛ تنفِّر الناسَ عنه، وتستأصلُه، وتُسقِطه، وتُضلِّلُه، ومِن أهل السُّنة تُخرِجُه؟!! هل هذا هو المُراد؟ لا؛ لكن المُراد: الثباتُ على الحقِّ إذا انفضَّ الناس عن أهلِ الحق.
لكن؛ لو لم يكن هنالك حضٌّ لتكثيرِ جماعة المسلمين بالحقِّ المُبين، والصوابِ المُستَبين؛ لما كان هنالك فائدةٌ مِن النصوصِ القُرآنية، ومن الأحاديثِ النبويةِ التي فيها الحضُّ على الدَّعوة، الدَّعوة إلى ماذا؟ الدعوة إلى الله، الدعوة إلى سُنَّة رسولِ الله، إذا كنتَ تبقى على الحقِّ -وَحدَك-، دون أن تلتفتَ إلى الآخَرِين، ودون أن تُقيمَ وزنًا للآخَرِين؛ فحينئذٍ: ابْقَ وَحدَك لِتفهمَ الدِّينَ على غيرِ ما يُريدُه ربُّ العالمين، وعلى غيرِ ما يريدُه نبيُّنا الأمينُ -صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبِه أجمَعين-!

ولا يجوز أن يفهمَ أحدٌ أنَّ في هذا الكلامِ -أيضًا- شيئًا من ذلك التمييعِ -أو التضييعِ- الذي نَرُدُّه، وننقدُه، وننتقدُه، وننقضُه؛ وإنما نريدُ وضعَ الأمور في نصابِها، كما ستسْمَعون -قريبًا- مِن كلامِ شَيخِ الإسلامِ وعَلمِ الأعلام: الإمام ابنِ تيميَّة -رحمهُ الله-تعالى-.

وإذ نَذكر ابنَ تيمية -على وجهِ الخُصوص-؛ لأنه إمامُ هُدى، ولأنه إمامُ سُنَّة، ولأنه مقدَّمٌ ومعظَّمٌ عند كلِّ المختَلِفين؛ بل حتى عند بعضِ المُخالِفين الذين يستدِلون عل أهلِ السُّنة بكلام هذا الإمامِ العظيم؛ لكنهم يَحمِلونَه على غيرِ وجهِه، ويَطيرون به على غيرِ مَحمَلِه.

أقول -أيها الإخوة!- لقد وجدتُ لشيخ الإسلامِ ابن تيميةَ -رحمهُ الله- كلامًا في أهميةِ الائتلاف، وعظَمتِه، وأنه مِن أهم وأبرزِ علاماتِ السُّنَّة وأهل السُّنة، أقول: لقد رأيتُ شيئًا كثيرًا مِن ذلك، حتى لو أن أحدًا من طلابِ العلم أراد أن يجمَع كلامَ شيخ الإسلام ابنِ تيميةَ في موضوع الائتلافِ؛ ممكن أن يخرجَ معه مجلدٌ ضخم في باب الائتلاف!

وعليه: فلا يجوز لأحدٍ أن يخدعَ نفسَه -فضلًا عن أن يخدعَ غيرَه- ليزعمَ ويدَّعيَ أن شيخَ الإسلامِ ابنَ تيمية -رحمه الله- مِن أهل التَّمييع، أو مِن أهل التميُّع، أو مِن غير أهلِ الثَّباتِ والاستقرار! هذا كلام باطل، وأيُّ باطل -والعياذ باللهِ -تبارك وتعالى-.

يقول شيخُ الإسلام ابنُ تيمية-رحمه الله- في (المجلد الثامن والعشـرين) مِن "فَتاوِيهِ" -ويجوز أن نقول: (فتاواه)- قال:
"وتعلمونَ أن من القواعدِ العظيمةِ التي هي مِن جِماعِ الدِّين [ويجوزُ أن نقولَ: (مِن جُمَّاع الدِّين)] تأليفَ القلوب، واجتماع الكلمة، وصلاحَ ذاتِ البَيْن، فإن الله -تعالى- يقول: {فاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ}، ويقول: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}، ويقول: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}".

قال: "وأمثال ذلك مِن النصوصِ التي تأمُر بالجماعةِ والائتلاف، وتنهى عن الفُرقة والاختلاف".

إذًا: نحن لا نسعَى سَعيًا، ولا نستحثُّ أقدامَنا، ونغذُّ سيرَنا لنوقِع فينا -أهلَ السُّنة- الفُرقة، أو لِنُوجِدَ بيننا -أهلَ السُّنة- الاختلاف، ولكنْ؛ نحن عندنا التواصي بالحقِّ، والتواصي بالصَّبر، وعندنا التَّناصح، وعندنا إقامةُ الحُجَّة، وعندنا المَعذرة، ولا نزعُم أنَّ ما قالَه البَعضُ يلتقي مع هذا التأصيل. ما قال البعضُ مِن أننا: (نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويَعذُر بعضُنا بعضًا فيما اختَلَفْنا فيه)؛ هذا باطلٌ، لا يلتقِي هذا التأصيل.

تأصيلُنا عِلميٌّ؛ مَبنيٌّ على الحُب في الله، وعلى الوَلاء لله، وعلى الطاعة لِسُنَّة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أما تلك؛ فقاعدةٌ باطلة، وما بُني عليها -مما أُريدَ تحريفُه، وأريدَ تغييرُه-؛ فيُلحق به؛ فلا حَقَّ ولا صَواب.

قال: "وأهلُ هذا الأصلِ هم أهلُ الجماعةِ، كما أنَّ الخارجِين عنه هُم أهلُ الفُرقة، وجِماعُ السُّنَّة طاعةُ الرَّسول -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-؛ ولهذا قال النبيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- في الحديثِ الصحيحِ الذي رواه مسلم في "صحيحِه" عن أبي هريرةَ: "اللهَ يرضى لكم ثلاثًا: أن تَعْبُدوهُ وَلا تُشـرِكوا به شيئًا، وأنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَميعًا ولا تَفَرَّقُوا، وأن تُناصِحوا مَن وَلَّاه اللهُ أمورَكم".

ثم ذكر حديث زيدِ بن ثابت وابن مسعود -فقيهَي الصحابة- هذا كلام ابن تيمية- عن النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- قال: "نضَّـر اللهُ امرَءًا" [(امرءًا): إذا فُتِحتْ؛ يُفتَح راؤُها، وإذا كُسِـرتْ (امرِئٍ) يُكسَـرُ راؤُها، وإذا كانت على الرَّفع؛ يُرفَع رَاؤها (امرُؤٌ)؛ إذًا: الرَّاء تتبعُ الحركةَ الإعرابية] "نضَّـر الله امرَءًا سمِعَ مِنَّا حديثًا فبَلَّغَهُ إلى مَن لم يَسمَعْه؛ فرُبَّ حامِلِ فِقهٍ غير فَقيهٍ، ورُبَّ حاملِ فِقهٍ إلى مَن هو أفْقَهُ مِنه. ثلاثٌ لا يُغَلُّ عليهِنَّ قلبُ مُسلمٍ: إخلاصُ العملِ لله، ومُناصحةُ ولاةِ الأمر، ولُزومُ جماعةِ المسلمين؛ فإنَّ دَعوتَهم تُحيطُ مَن وَراءَهُم".

قال شيخُ الإسلام: "وقولُه: "لا يُغَلُّ" أي: لا يُحقَد عليهن؛ فلا يُبغِض هذه الخِصالَ قلبُ المسلمُ؛ بل يُحبهُنَّ ويَرضاهن".

قال: "وأول ما أبدأ مِن هذا الأصلِ: ما يتعلقُ بي [لا يُؤمِنُ أحدُكم حتى يُحبَّ لأخيه ما يحب لنفسِه] وأولُ ما أبدأُ مِن هذا الأصلِ ما يتعلقُ بي [كلامُ شيخ الإسلام]؛ فتعلمون -رَضيَ اللهُ عَنكُم- أنِّي لا أحبُّ أنْ يُؤذَى أحدٌ مِن عمومِ المسلمين -فضلًا عن أصحابِنا- بشـيءٍ -أصلًا- لا باطنًا، ولا ظاهرًا، ولا عندي عَتَبٌ على أحدٍ منهم، ولا لَومٌ -أصلًا-؛ بل لهم عندي مِن الكرامةِ والإجلالِ والمحبةِ والتَّعظيم أضعافُ أضعافِ ما كان، كلٌّ بِحَسَبِه".

أين مثل هذه القلوب؟! أين مثل هذه النُّفوس؟! أين مثل هذه العُقول؟! أين مثل هذه المسالكِ التي لا يتجنَّبُها إلا هالك؟ نسأل الله أن يعافيَنا وإياكم.

يقول -أيضًا-في المجلدِ نفسِه-: "وتعلمون أنَّا -جميعًا- مُتعاونون على البِرِّ والتقوى، واجبٌ علينا نصـرُ بعضِنا بعضًا -أعظمَ مما كان، وأشدَّ-، فمَن رام أن يُؤذيَ بعضَ الأصحابِ -أو الإخوان- لمِا قد يظنُّه مِن نوعِ تخشينٍ" انتبهوا: حتى كلمة (تَخشين)؛ قال: "مِن نوعِ تَخشين«يعني: أنه تخشينٌ فيه رحمة، ليس [تخشينًا] فيه تضليل، ليس تخشينًا فيه إسقاطٌ، أو فيه استِئصال، أو فيه تضلِيل، أو فيه إخراجٌ لمَن كان مِن أهلِ السُّنة مِن دائرةِ أهلِ السُّنة. هذا ليس نوعَ تخشين؛ هذا تخشينُ التخشين -أعاذنا الله وإياكم-.

قال: "فمَن رامَ أن يؤذيَ بعضَ الأصحابِ -أو الإخوان- لِما قد يظنُّه مِن نوعِ تخشينٍ -عومِل به بِدمشقَ أو بمصـرَ-الساعةَ-أو غير ذلك-؛ فهو الغالِط".
إذًا: هل إذا وقع شيء من المخاشنة؛ انتبهوا: »نوع تَخشين«؛ بمعنى أن يكون هنالك نصيحة فيها شيء مِن القوة، أن يكونَ -هنالك- شيء من الزَّجر -بحسبِه ومِن أهلِه- لمن أخطأ، ولمن غلط؛ فهذا لا يُستدل به على غيرِ ما وُجد له، وبالتالي: فمَن استدل به على غيرِ ما وُجد له؛ فهو الغالِط -كما يقول شيخ الإسلام-.

قال: "وكذلك مَن ظن أن المؤمنين يبخلونَ عما أُمروا بهِ من التعاوُن والتَّناصرِ؛ فقد ظنَّ ظنَّ سَوءٍ، {وإنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الحق شيئًا}، وما غاب عنا أحدٌ مِن الجماعة، أو قدِم إلينا الساعة، أو قبل الساعة [يعني الساعة: أي الوقت، هذا الوقت]؛ إلا ومنزلته عندنا -اليوم- أعظمُ مما كانت وأجلُّ وأرفع".

ويقول -رحمه الله- في المجلد الثامن والعشـرين: "فاللهَ الله! اللهَ الله! عليكم بالجماعةِ والائتلافِ على طاعةِ اللهِ ورسولِه، والجهادِ في سبيلِه؛ يجمعِ الله قلوبَكم، ويُكفِّر عنكم سيئاتِكم، ويَحصُلْ لكم خيرُ الدنيا والآخرة. أعاننا الله وإيَّاكم على طاعتِه وعبادته، وصـَرَف عنا وعنكم سبيلَ معصيَتِه . . . ". وأتمها بأدعيةٍ طيبة ومباركة منه -رحمه الله-تعالى-.

وقال في "المجلد الثالثِ"، قال: "إن الله -تعالى- أمرنا بالائتلاف، ونهانا عن الفُرقة والاختلاف، وقال لنا -في القرآن-: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}، وقال: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} [الأنعام: 159]، وقال: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ}".

وقال -رحمه الله- في "المجلد التاسع عشـر": "إذا كان الله -تعالى- قد أمرنا بطاعة الله، وطاعة رسوله وأولي الأمْر مِنا، وأمرَنا عند التنازعِ في شيءٍ أن نردَّه إلى الله وإلى الرسولِ، وأمرَنا بالجماعةِ والائتِلاف، ونهانا عن التفرُّق والاختِلاف، وأمرَنا أن نستغفرَ لمن سبَقَنا بالإيمان، وسمَّانا المسلمين، وأمرَنا أن ندومَ عليه إلى الممات: {وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}. فهذه النصوص -وما كان في معناها- توجبُ علينا الاجتماعَ في الدِّين كاجتماع الأنبياءِ قبلنا في الدِّين، وولاةُ الأمور فينا هم خلفاءُ الرَّسول، ومَن هم خلفاءُ الرَّسول؟ »العُلماء وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ«، هؤلاء هم خلفاء الرَّسول؛ بمعنى: خلافة العلم، ووراثة الدِّين؛ لذلك قولُه -تعالى-: {وأولي الأمرِ مِنْكُمْ}؛ حَمَلَه أهل العلم على الدِّين والدنيا. فحكَّام العدل، وحُكام المسلمين -وإن جارُوا، أو وقع شيءٌ مِن الجَور منهم-ما داموا مُسلمين-؛ هم أولوا الأمر في الدُّنيا، وعلماء الأمة -مِن أهل السُّنة- هم أولوا الأمر في الدِّين.

قال: "قال النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-في الحديث الصحيح-: "إنَّ بَنِي إسْرائيلَ كانت تَسُوسُهُم الأنبياءُ" تسوسُهم أي: تقودهم وترعاهم، ومِن هنا أُخذت كلمةُ (السِّياسة) بمعناها اللغوي والشـرعي، وليس بمعناها الإغْريقي، أو اليُوناني -فضلًا عن المعنى المُعاصر-.

قال: "إن بني إسرائيل كانت تسوسُهُمُ الأنبياءُ، كلَّما هَلَكَ نَبِي؛ قامَ نبِي، وإنه لا نَبِيَّ بعدي، وسيكون خلفاءُ، ويَكثُرون" قالوا: فما تأمرنا -يا رسولَ الله!-؟ قال: "أَوْفُوا بيعةَ الأولِ فالأوَّل، وأدُّوا لهم الذي لهم؛ فإن اللهَ سائلُهم عما استَرعاهم"، وقال -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: "العلماءُ ورثةُ الأنبياء".

فهولاء هم ولاة الأمر بعده، وهم الأمراء والعلماء، وبذلك فسَّـرها السلفُ ومَن تبعهم من الأئمة -كالإمام أحمد وغيره-. فالأصول الثابتةُ بالكتاب والسُّنة والإجماع؛ هي بمنزلة الدِّين المشترَك بين الأنبياء، كما قال النبي -عليه الصلاةُ والسلام-: "الأنبياءُ إِخْوَة، أُمَّهاتُهُمْ شَتَّى، ودَعْوَتُهم واحِدة".

قال: "لَيس لأحدٍ خروجٌ عنها، ومَن دخل فيها كان مِن أهل الإسلامِ المَحْضِ؛ وهم أهلُ السُّنَّة والجَماعة، وما تنوَّعوا فيه مِن الأعمال والأقوال المشروعة؛ فهو بمنزلة ما تنوَّعت فيه الأنبياء".

ويقول -رحمه الله-تعالى- في (المجلد الثالث): "وفي الصِّحاح: عن النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- أنه قال: "مَثَلُ المُؤمِنِينَ في تَوادِّهِم وتراحمِهم وتعاطفِهم؛ كمثل الجسدِ الواحِد إذا اشتكى مِنهُ عُضوٌ؛ تَداعَى له سائرُ الجَسَدِ بِالحُمَّى والسَّهَر".
وفي الصِّحاح -أيضًا-: أنه قال -عليه الصلاة والسلام-: "المؤمنُ لِلمُؤْمِنِ كَالبُنْيان"؛ زيادة: (المرصُوص) لا أصل لها. كثير مِن الناس تسمعهم يقولون: (كالبُنيانِ المَرصُوص)؛ زيادة (المرصوص) لا أصلَ لها؛ إنما في النَّص القرآني: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} [الصف: 4] هذه في الآية وليست في الحديث، ولا يجوز أن نخلطَ ما هنا هنالك، وأن نضعَ ما هنا هنالك!
قال: "قال -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: "الُمؤمِنُ لِلمُؤْمِنِ كَالبُنْيانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا" وشبَّك بين أصابِعِه. وفي الصِّحاح -أيضًا- أنه قال -عليه الصلاة والسلام-: "والذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لا يُؤْمِنُ أحَدُكُم؛ حتَّى يُحبَّ لأخيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِه"، وقال -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: "المُسلِمُ أخُو المُسلِمِ: لا يُسْلِمُه، ولا يَظْلِمُه". "لا يُسْلِمُه"؛ أي: لا يخذلُه ويَجعلُه سَلَمًا للآخَرين. وأمثال هذه النصوص في الكتاب والسُّنة كثيرة، وقد جعل اللهُ فيها [أي: في هذه النصوص] عبادَه المؤمنين بعضَهم أولياءَ بعض، وجعلهم إخوةً، وجعلهم مُتناصِرين مُتراحِمين، مُتعاطِفين، وأمرهم -سبحانه- بالائتلاف، ونهاهُم عن الافتِراق والاختِلاف، فقال: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}، وقال: {إنَّ الذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وكانُوا شِيَعًا لستَ منهمْ في شيءٍ إنَّما أمرُهم إلى اللهِ...} إلى آخر الآية". قال: »فكيف يجوز -مع هذا- لأمة محمدٍ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- أن تفترقَ وتختلفَ؟!"!!

واللهِ، وتاللهِ، وبالله؛ أرى -بل نَرى- بعضَ الناسِ كأنهُم يَحلُمُون بالاختِلاف! ويَعشقُون الاختلاف! ويتمنَّون الاختلاف! ولا يَرَون شيئًا أعزَّ -عندهم- من الاختلاف!! فما يجدون فئةً مُسلمةً على دعوةٍ خيِّرةٍ إلى الكتابِ والسُّنةِ ومنهجِ سَلفِ الأمة؛ إلا ويُوَجِّهون إليها عقاربَ الاختلاف، والأصابع التي تَبذُر بذورَ الفُرقَةِ والتفرُّق -عياذًا باللهِ -تبارك وتعالى-.

الحقيقة: الكلام كثير، والوقتُ قليل، وأظن أنه لم يبق إلا دقيقتان أو ثلاث. .
أنا أذكر -أيضًا- كلامًا للإمام الشَّوكاني، وأذكرُه بدقائق، نقرَؤه قراءةً؛ لبَيان أهميَّتهِ، وهو: (أسبابُ الخروجِ عن دَائرةِ الإنصافِ والتي تكونُ مُناقِضةً للائتِلاف).

ذكر الشَّوكاني في كتابِه: "أَدَب الطَّلَب، ومُنْتَهَى الأَرَب"، وهو مِن أجمل الكتب في آداب العِلم، يقولُ:

"اعلم؛ أنَّ سببَ الخروج عن دائرةِ الإنصاف، والوُقوع في موبِقات التعصُّب كثيرةٌ جِدًّا".

تأملوا هذه الأسباب، وانظروها -مُتأمِّلينَها- ناقضةً ومُناقضَةً لأصولِ الائتِلاف والاعتصام والمناصرة والتعاضُد التي سمِعنا كلامَ شيخِ الإسلام فيها، وله في ذلك -أيضًا- فيها كلامٌ كثيرٌ كالدُّرِّ النثير.

يقول: "أولًا: نشأةُ طالبِ العلم في بيئةٍ تَمذْهَبَ أهلُها بمذهبٍ مُعين، أو تلقَّوا عن عالِم مَخصوصٍ؛ فيتعصَّبُ ولا يُنصِف".

الكلام مِن وضوحِه، ومن صراحتِه، ومن واقعيَّته؛ لا يحتاج إلى تعليق، ولا
يحتاج إلى تحقيق؛ بل لا يحتاج إلى شَرح؛ لأنه يُمثِّل واقعًا ملموسًا محسوسًا -كما قلتُ: (نراهُ ونَسمعُه)-.

"ثانيًا: حُب الشرَفِ والمالِ، ومُداراةُ أهلِ الوَجاهة والسُّلطان، والتماسُ ما عندهم؛ فيُقوِّي ما يُناسِبُهم، ولا يُنصِف".

يغيِّر أحكامَ الشـريعة، ويُداهِن في الدِّين بغيرِ أمرٍ ولا حقٍّ، ولا هُدى ولا يقين؛ فيقع منه الذي وقَع.

"ثالثًا: الخوضُ في الجدال والمِراءِ مع أهل العِلم، والتعرُّض للمناظراتِ، وطلب الظُّهور والغَلبة؛ فيَقْوَى تعصُّبه لِما أيَّده، ولا يُنصِف".

إذا وُجد هذا فيه؛ أين الائتلاف؟ وهو يريد الغَلبة، وهو يريد الظُّهور، وهو يُريد الانتصار!

"رابِعًا: الميلُ لمذهَبِ الأقرباء"، ويقصد: القَريبين، وليس المقصود قرابة النَّسب. "الميْلُ لمذهبِ الأقرباء، والبحثُ عن الحجج المؤيِّدة له؛ لِلمباهاةِ بعلمِ أقربائِه؛ فيتعصَّب حتى لخطئِهم، ولا يُنصِف.

خامسًا: الحرجُ مِن الناس في الرجوع عن فتوى قالَها، أو قولٍ أيَّده واشتهر عنه، ثم تبيَّن بطلانُه؛ فيتعصَّب -دفعًا للحَرج-، ولا يُنصِف".

إذا وُجد هذا؛ هل يوجَد معه ائتلاف، أم لا يكونُ معه إلا الاختلاف؟!

قال: "سادسًا: الزَّلة في المناظرة مع مَن هو أصغر سِنًّا، أو أقل عِلمًا وشُهرةً، تجعله يتعصَّب للخطأ؛ ولا يُنصِف.

سابعًا: التعلُّق بقواعدَ معينة، يصححُ ما وافقَها، ويُخَطِّئ ما خالفها، وهي -نفسُها- غيرُ مسلَّمةٍ على الإطلاق، فيتعصَّب بالبِناء عليها، ولا يُنصِف"!

نرى -الآن- قواعد وأصولًا توضَع -هنا وهناك-، ثم يُبنَى عليها تبديعٌ وتضليل وإسقاطٌ واستئصال، وليس هي عليها -أصلًا- دليلٌ؛ بل هي قواعد قد تكون مخرومةً في نفسِها، وساقطةً في ذاتِها وبُنيانِها.

"ثامنًا: اعتماد أدلةِ الأحكام مِن كتب المذاهب، لأنه سيجِدُ ما يؤيِّد المذهب باستبعادِ دليلِ المُخالف، فيتعصَّب، ولا يُنصِف".

أين الائتلاف مِن حالٍ كهذا؟!

"تاسِعًا: الاعتماد في (الجرح والتَّعديل) على كتبِ المتعصِّبين".

إذًا: في (الجرح والتعديل) منهم مَن هو أهل تعصُّب، منهم مَن هو أهلُ تَشدد، منهم من هو أهلُ تَساهل، وهذا -كلُّه- مذكور، وسنشير إليه في مجلسِ: (الجَرح والتَّعديل)-.

قال: "الاعتمادُ في (الجرح والتَّعديل) على كتبِ المتعصِّبين؛ إذ يعدِّلون الموافِق، ويُجرِّحون المخالف؛ فمَن بَنى على كُتبِهم؛ يتعصَّب، ولا يُنصِف.

عاشِرًا: التنافسُ بين المتقارِبَين في الفضيلة أو المنزلة؛ قد يدفع أحدَهما لتخطئةِ صوابِ الآخر؛ تعصُّبًا ومجانبة للإنصاف"

فأين هو الائتلاف؟

"الحادي عشر [وبه أختم]: الاعتماد على الآراء والأقوال من عِلم الرَّأي [المُخالِف والمناقِض لعلم الأثر] المخلوطة بعلوم الاجتهاد -كأصول الفقه-؛ مما يترتب عليه تعصبٌ للرأي، وخروجٌ عن الإنصاف".

هذه أحدَ عشـرَ سببًا من أسباب المخالَفة للحق، المؤدية للخروج عن الإنصاف، والمناقِضة -أصلًا وفَصلًا، بدءًا وانتهاءً- للائتلاف الذي يجب أن نفقهَه، ويجب أن نفهمَه، والذي يجبُ أن نعرفَ كيف نُحِب حتى نعرف كيف نبغِض، يجب أن نعرف كيف نأتَلِف حتى نعرف كيف نختَلِف.

وفي هذا القدر كفاية.

وصلى الله وسلم وبارك على نبيِّنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ...

طباعة
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل

Powered by: MktbaGold 6.5