أصول في المنهج - 3 - فِقْهُ الاخْتِلافِ

(3)
فِقْهُ الاخْتِلافِ
(ضوابِطُ الاختِلافِ)

إنَّ الحمْدَ للهِ، نَحمدُهُ، ونَستعينُه، ونَستغفِرُه، ونَعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفُسِنا، وسيِّئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِلْ فلا هادِي له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا الله، وحدهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه.

أما بعدُ:

فإنَّ أصدقَ الحديثِ كلامُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ مُحدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضَلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النَّارِ، وبعدُ:

فعطفًا على مجلسِنا السابِق الذي كان عنوانُه: »ضوابطَ الائتِلاف«؛ كان درسُنا هذا بعنوان: »ضوابِط الاختِلافِ«.

وقبل أن نبدأ بموضوعِ هذا اليومِ؛ أذكر أمورًا متعلقةً بموضوع المجلسِ السَّابق:

فقد أشرنا إلى قاعدةٍ اتخذها بعضُ الناسِ -اليومَ- دينًا وطريقًا، وهي قولُهم: (نتعاونُ فيما اتفقنا عليه، ويعذُر بعضُنا بعضًا فيما اختلفنا فيه)، وبينَّا بُطلانَها، وبيَّنَّا فسادَها.

ولمَّا كان موضوعُ هذه الدروسِ منهجيًّا، وفيه مِن دِقةِ المسائلِ وحساسيَّتِها الشيءُ الكثيرُ الكثيرُ؛ كان لا بُدَّ مِن مَزيدٍ من البَيان.

فقد خرج علينا بعضُ الدُّعاةِ بقاعدةٍ أخرى، وصارُوا يُكرِّرونها، ويُردِّدونها؛ وهي قولُهم: (نُصحِّحُ ولا نجرِّح)! وهذه القاعدةُ -على هذا الإطلاقِ- ملتَحِقةٌ بالقاعدةِ السابقة التي هي قاعدةُ المَعذِرة والتعاون -المزعومة تلك-: (ويَعذُر بعضُنا بعضًا فيما اختلفْنا فيه) -على هذا الإطلاقِ-؛ هذا باطِل، و(نُصحِّحُ ولا نُجرِّح) -على هذا الإطلاقِ-؛ باطل. فالتصحيحُ له شُروطُه، كما التجريحُ له شُروطُه. كما أن التصحيحَ له أهلُه؛ فإن التجريحَ له أهلُه. أمَّا أن نصحِّح -هكذا- على الإطلاق، ولا نجرِّح -هكذا- على الإطلاق؛ فهذا يُناقض أصولًا علميةً كثيرةً من أصولِ أهلِ السُّنة.

نقطة أخرى: سألني سائلٌ -مِن إخوانِنا الحاضِرين- وأنا في طريق الخروج -في المجلس السَّابق-، فقال: ما الموقفُ من أهلِ البِدع في ضوءِ (فِقه الائتِلاف)؟

فأجبتُه بِكلمَتين:

الكلمة الأولى: أن الموقفَ مِن أهلِ البِدع مَبنيٌّ على الاختِلاف، وليس على الائتِلاف؛ فموضِعُه ليس في هذا المقام.

أما النقطةُ الثانية: فلا بُد للمُسلمِ -طالبِ العلم- أن يتعلَّم كيف يأتَلِف حتى يعرِفَ كيف يختلف، أن يتعلَّم كيف يُحبُّ حتى يتعلمَ كيف يُبغِض. وبالتالي فإن الموقفَ مِن أهل البِدعِ -وأحكامَ ذلك- مَنوطةٌ بفِقهِ الاختلافِ -ما كان سائغًا منه، وما كان غيرَ سائغ. . وما أشبه ذلك-، مَنوطةٌ بالردِّ على المُخالف، والجَرحِ والتَّعديل وأحكامِهما، وهما عنوانا المحاضرَتين الآتِيتَيْن -إن شاء الله- تعالى-.

النقطةُ الثالِثة: أن التقريبَ بين المذاهبِ بِدعةٌ قديمةٌ متجدِّدة، ومَن عاشوا -دَهْرَهم- على السَّب والضربِ والحربِ لأهل السُّنة؛ لن نستطيعَ أن نمُدَّ أيديَنا إليهم؛ لأننا إذا مددْنا إليهم أيديَنا؛ ستكون أيديهم الأخرى تَطعنُنا في الخَلفِ -شِئْنا أم أبَيْنا-.

فالواجب معرفةُ هذه الحقائقِ بأكثرِ الأُمور دِقةً، وأعظمِها تنبُّهًا، أمَّا الخلطُ بين الائتِلافِ الواجبِ وجودُه بين أهلِ السُّنَّة، وبين الموقفِ من أهلِ البدع، أو النَّظرِ إلى التقريبِ بين المذاهبِ وبين الفِرَق والطوائف؛ فهذا كلُّه خلطٌ قبيح، وإنما نحنُ نتكلم -ها هُنا- عن ضوابط الائتِلاف بين أهلِ السُّنة، نتكلم -ها هُنا- عن ضوابط الاختِلاف بين أهلِ السُّنة. أما أن نخلطَ بين هذا -كلِّه-، وأن نجعلَ ذلك -كلَّه- سواءً؛ فلا، بل ألْفُ لا.

النقطةُ الرَّابعة: تذكرتُ حديثًا -قبل قَليلٍ- عن رسولِ الإسلام -عليه الصلاةُ والسَّلام- يلتقي ما نحنُ فيه، وينبِّهُنا إلى أمورٍ يجبُ أن تكونَ -فينا- بيِّنةً واضحة، وهو قولُه -عليه الصلاة والسـلام-: »المُؤْمِنُ يَألَفُ وَيُؤْلَفُ«، و(الائتِلاف): أصلُه -كما قُلنا- الأُلفة. هل تَرَون ائتِلافًا بغير أُلفَة؟ قد نرى أُلفةً بِغيرِ ائتلافٍ -وللأسف-؛ لكن لا يمكن أن نَرى ائتلافًا بغير أُلفة. »المُؤْمِنُ يَألَفُ وَيُؤْلَف، وَلا خَيرَ فِيمَنْ لا يَأْلَفُ وَلا يُؤْلَفُ« هذا حديثُ رسولِ اللهِ -عليه الصلاة والسلام-، فَلْنَجعلْه نُصبَ أعينِنا، وأمامَ نواظرِنا، وقِبلةَ قلوبِنا وعقولِنا؛ حتى -كما قلتُ- نفهمَ كيف نأتَلف؛ لِنعرفَ كيف نَختلف.

أما (الخِلاف) في اللغة، أو عنوان مُحاضرتنا: »ضَوابط الاختِلاف«. أولًا: أبدأ بمعنى (الضَّابط).

(الضابِط): هو الذي تنضبط به الأمورُ، ويُميِّز بعضَها عن الآخَر، فإذا لم نضبِطْ؛ فسيصبحُ -هنالك- اختلاط، بدلًا مِن الانضباطِ بالضَّوابِط؛ سيكون -هنالك- اختلافٌ واختلاط.

فـ (ضَوابطُ الاختِلاف): هي الوُجوهُ التي يتميَّزُ مِنها -أو بِها- هذا الاختلافُ، وتُعرَفُ حقائقُه.

أما معنى (الخِلاف): فالخِلافُ -في لُغةِ العَرب-: المُضادَّة، ومصدرُه: إما أن يُقال: خالَف خِلافًا، أو مُخالَفةً.

الآن: هل الخِلاف والاختِلافُ شيءٌ واحِد؟

اختلف أهلُ العلم -حتى في حدِّ الخِلاف والاختِلاف-. فقال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ -رحمهُ الله- -في رِسالتِه »الفرقان«-: »لفظُ (الاختِلافِ) -في القرآن- يُرادُ به التضادُّ والتَّعارُض، ولا يُراد به مُجرد عدمِ التَّماثل«.

يعني الآن- عندنا -كما وصف اللهُ -عزَّ وجلَّ- الثمارَ وما تُنبت الأرض: {مُخْتَلِفٌ أكُلُهُ}؛ لكن مِن غيرِ تَضادٍّ، الاختلاف -ها هُنا- بمعنى عدمِ التَّماثُل؛ لكن لا تَرى شيئًا فيه قُبحٌ وشيئًا فيه سَلاسة وسلامَة؛ هذا يكونُ اختلافًا بمعنى التَّضادِّ، والتَّهاتر، والتضارُب، والبُعد عن ذلك الاختِلافِ الذي هو مجرَّدُ عدمِ التماثُل الذي نَفاهُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ -رحمه اللهُ-تعالى-.

ثم؛ بعضُ أهلِ العلمِ يَرى أنهُ لا فرقَ بين الخِلاف والاختِلاف -ويبدو أنَّ هذا هو الأرجح-، وما ذُكرت مِن وُجوه الخِلاف والاختِلاف هي أقرب أن تكونَ اصطلاحيةً، أو لها ظُروفُها وأوضاعُها الخاصَّة. فمَن رأى فرقًا بين الخِلاف والاختلاف؛ جعل الاختلافَ ما كان مَبنيًّا عن دَليلٍ واجتِهاد؛ بينما الخِلاف -عندَه- ما لا دليلَ عليه، وما كان مَبنيًّا على هوًى. هذا أحد وجوه الفَرقِ بين الخِلاف والاختِلاف -عند القائِلين بذلك-.

وذكروا فَرْقًا آخرَ بين الاختِلاف والخِلاف. فقالوا: (الاختِلافُ) المقصودُ فيه واحِد -وإن كانَ الطريقُ إليه مُختَلِفًا-؛ بينما (الخِلاف) الطريقُ إليه مختلِفٌ، كما المقصودُ منه مُختلف، أو المقصود فيه مختَلِف. فهذا وجهٌ، أو مِن وجوه الفَرقِ بين الخِلاف والاختلاف -عند مَن يُريده-.

إذًا -على هذا التفريقِ-؛ نقول -باختصار-: كل خِلافٍ اختِلاف؛ لكن هل كل اختِلاف خلاف؟ لا؛ لأن الاختلافَ منه ما هو سائد، بينما الخِلاف -على هذا الرَّأي- كلُّه شَر؛ لذلك صحَّ عن ابنِ مسعودٍ أنه قال: »الخلافُ شَرٌّ«، هذا ثبت عن ابن مسعودٍ -رضي الله-تعالى-عنه-.

وإذْ قد ذكرنا الوجهَ بين الخِلاف والاختِلاف؛ لا بُدَّ أن نذكرَ الفَرقَ بين الاختِلاف والافتِراق.

أولًا: (الافتِراق) جزءٌ من الاختِلاف، أو نوعٌ من الاختِلاف، ولكنه أشدُّ أنواعِه؛ لما يَترتَّب على الافتِراق مِن تَقاطُع، وتدابُر، وخُصومة. وعندما قال الرَّسول -عليه الصلاة والسلام-: »وسَتَفْتَرِقُ أمَّتِي«؛ كان ذلك الغايةَ في الاختلافِ المؤدِّي بأصحابِه إلى الافتراقِ الموقِع لهم في التدابُر، والتنافُر، والتَّعارُض. . وما أشبَه ذاك.

الأمرُ الثَّاني: كلُّ افتراقٍ اختِلاف، وليس كل اختلافٍ افتِراقًا. يعني: عندما يحكم بعضُ أهل العلم في وجوبِ شيء، وبعضُهم الآخر يحكُم في سنيَّتِه، هذا اختِلاف أم افتِراق؟ اختلاف، وليس افتراقًا. بينما عندما نرى فئاتٍ مِن الناس يختَلِفون، فيُوقِعهم الاختلافُ إلى التَّبديع، والتَّضليل، والحُكم بالنَّار -وبِئس القَرار-؛ هذا اختِلافٌ؛ لكنَّه -في حقيقتِه- افتراق؛ لما له مِن تِلكُم الآثار المُشار إليها.

الوجهُ الثَّالِثُ: أن الافتراقَ يكونُ على أصولِ الدِّين، أو ما يُلحَق بها. ونقول: أو ما يُلحق بها؛ لأننا نرى بعضَ علماءِ الإسلام في كتبِهم العقائِدية، وفيما ألَّفوه من الأصول الدينية -كعقيدةِ الإمام أبي جعفرٍ الطَّحاوي وغيرِه، كمثلِ -أيضًا- عقيدةِ الإمام الإسماعيليِّ، وعقيدةِ الإمام أبي عثمانَ الصَّابوني-؛ نراهم ذكروا مَسائل فِقهية في أُصولهم الدِّينيَّة، لماذا؟ لأنَّ هذه المسائلَ -في عُصورِهم- كانت تُلحَق، أو كانت ملحَقةً بأصولِ الدِّين، وكان الوَلاءُ والبَراءُ عليها بين أهلِ السُّنة وأهلِ البِدعة. وهذه نقطةٌ تَحتاج إلى شيءٍ مِن التركيزِ لعلَّنا نذكرُها في درسٍ قادم -إن شاء الله-.

بينما (الاختلافُ) مُعظم مَسائلِه اجتهادية؛ تحتملُ القولَ والقَولَين، تحتمل النَّظرَ والفِكَر، والاجتهادَ السائغ؛ »إذا اجتهدَ الحاكِمُ وأصابَ؛ فَلَهُ أجْرَانِ، وإذا اجْتَهَدَ وأخطأَ؛ فَلَهُ أجْرٌ واحِد«.

ولعلِّي قد ذكرتُ للإخوة ما صدَّر به الإمامُ ابنُ كثيرٍ -رَحمهُ الله- كتابَه: »طبقات الشافعيَّة«. الإمامُ ابن كثيرٍ له كتابٌ -في مُجلدين- اسمُه: "طبقات الشافعيَّة"، لمَّا صدَّر كتابَه بترجمةِ الإمام الشافعي -رحمه الله-، ثم قال: "وهذا فصلٌ فيه المسائلُ الفِقهيَّة التي خالفَ فيها الإمامُ الشافعيُّ إخوانَه الأئمةَ الثَّلاثة". فهذه مسائل -إذًا- خالف فيها الإمامُ الشافعيُّ الأئمةَ الثلاثة، وسترى عندَ أحمدَ ما خالَف فيه السَّابِقِين لَه، وتَرى عند مالكٍ وأبي حَنيفةَ ما تفرَّدُوا به عن الإِمامَيْن أحمدَ والشَّافعيِّ -رحمَ اللهُ الجميع-. ولم يكنْ هذا -قطُّ- بابًا من أبوابِ الافتراق؛ وإنما هو لا يَخرج عن أبوابِ الاختِلاف. نعم.

إذًا: النقطةُ الرَّابِعة: أن الاختلافَ مَبنيٌّ على الاجتهادِ وحُسنِ النيَّة؛ بينا الافتراقُ فيه شُعبَةُ هَوًى، وبابُ رأيٍ، والنبي -عليه الصلاة و السلام- ماذا يقولُ؟ "الجماعةُ رَحمة، والفُرقةُ عَذاب".

إذًا: هذا هو الموضوعُ الأوَّل، وهو الخِلافُ بِمعناهُ اللُّغوي، والفَرق بينَه وبين الاختلافِ -مِن جِهة-، والفَرق بين الاختلافِ والافتِراق -من جهةٍ أخرى-.

أما نُصوصُ الشَّريعةِ -في كتابِ الله، وسُنَّة رسولِه-صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- في ذمِّ الاختلاف؛ فكثيرة. نقتبس بعضًا منها:

منها قولُه -تعالى-: {وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} [آل عمران: 19]؛ فرَبَط الاختلافَ والبَغيَ -معًا-. ومنها قولُه -تعالى-: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } [الأنفال: 46]، ولا يكونُ التنازعُ إلا مِن الاختِلاف. ومنها قولُه -تعالى-: {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ - إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود: 118-119] أي: للرَّحمة. بعض الناسِ يفهمُ الآيةَ على عَكس المراد: {وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ}؛ أي: للاختِلاف؛ وإنَّما الصوابُ أنَّ الضميرَ يَرجع إلى أقربِ مَذكورٍ -في غالبِ النُّصوص-، وقولُه -تعالى-: {وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ}؛ أي: للرَّحمة، وإنْ كانوا هُم القِلَّة. ومنها -أيضًا-: قولُه -تعالى-: { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] وإن كانت هذه المخالفةُ قد تكونُ فَرديةً؛ فإنها قد تكونُ جَماعيَّة، وهذا مَبناهُ على المناقَضةِ لأصلِ الاعتصامِ الشَّرعي.

ونَذكُرُ تفسيرًا لبعضِ عُلماءِ الإسلام، وهو العلَّامة القاسِمي جَمال الدِّين القاسمي -المُتوفَّى سَنة 1914- في كتابه: "مَحاسِن التأويل" -وهو مِن أحسنِ كُتبِ التَّفسير-. ذكر قولَه -تعالى-: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [البقرة: 213].

قال: "{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي: وُجِدوا أمَّةً واحدةً، تتحِّدُ مَقاصدُها ومَطالِبُها ووجهَتُها؛ لتُصلِح ولا تُفسِد، وتُحسِنَ ولا تُسيء، وتعدلَ ولا تَظلم، أي ما وُجدوا؛ إلا لِيكونوا كذلك، كما قال -تعالى-في الآيةِ الأخرى-: {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا} [يونس: 19] أي: انحرفُوا عن الاتحادِ والاتفاقِ الذي يُثمر كلَّ خيرٍ لهم وسعادةٍ إلى الاختلافِ والشِّقاقِ المُسْتَتْبِعِ للفَسادِ وهَلاكِ الحَرثِ والنَّسْل".

وقال -في قوله -تعالى-: {لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ}-، قال: "أي: مِن الاعتقاداتِ والأعمالِ التي كانُوا عليها -قبلَ ذلك- أمةً واحدةً، فسَلكوا بهم -بعد جهدٍ- السَّبيلَ الأقوم، ثم ضَلُّوا -على عِلمٍ- بعد موتِ الرُّسُلِ؛ فاختَلفُوا في الدِّين؛ لاختلافِهم في الكتابِ. {وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ} أي: الكتاب الهادي الذي لا لَبس فيه، المنزَّل لإزالةِ الاختِلاف. {إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ} أي: عَلِمُوه؛ [فبدَّلُوا نعمةَ الله بأنْ أوقَعُوا الخِلاف فيما أُنزل لِرفعِ الخِلاف، ولم يكنْ اختِلافُهم لالتِباسٍ] عليهم مِن جِهتِه؛ بل {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ} أي: الدَّلائل الواضحة، {بَغْيًا بَيْنَهُمْ} أي: حسَدًا وقعَ بينهم، {فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا} بالكتاب" بالكتاب؛ مِن تفسيرِه، "{لِمَا اخْتَلَفُوا} أي: أهلُ الضَّلالة"؛ فهناك أهلُ هِداية، وهنالك أهلُ اختلافٍ؛ وهم أهْل الضَّلالة، {لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ} "أي: للحقِّ الذي اختلفُوا فيه". هذا بعضٌ مِن آيِ القُرآن الكَريم، وشيءٌ مِن تفسيرِها مِن بعضِ أئمةِ العِلم الذي يُبيِّن قولُه هذا الحُكمَ ويَشرحُه.

وهنالِك كلمةٌ لشيخِ الإسلامِ ابن تيميةَ -رحمه الله- تلتقي ما ذكرناه في موضوعِ البَغي في العِلم وصِلَتِه بالاختلاف. يقول -رحمه الله-في "مجموع الفَتاوى"-: "وأنتَ إذا تأمَّلتَ ما يقعُ مِن الاختلافِ بين هذهِ الأمةِ -عُلمائِها، وعُبَّادِها، وأُمرائِها، ورُؤسائِها-؛ وجدتَ أكثرَه مِن هذا الضَّربِ الذي هو البَغي" مِن هذا الضَّرب: أي الصِّنف. "بتأويلٍ أو بغيرِ تأويلٍ، كما بَغتِ الجهميةُ على المتسنِّنةِ في محنةِ الصفاتِ والقرآن، وكما بغتِ الناصِبةُ على عليٍّ وأهلِ بَيتِه، وكما قد تَبغي المشبِّهةُ على المنزِّهة، وكما قد يَبغي بعضُ المُتسنِّنةِ؛ إمَّا على بعضِهم، وإمَّا على نوعٍ مِن المُبتدِعة بزيادةٍ على ما أَمرَ اللهُ به".

إذًا: البغـيُ لا يكونُ دائمًا -بالضَّـرورة- مِن أهـلِ البدعِ على أهلِ السُّنة؛ بل قد يقعُ البغـيُ -وللأسف الشديد-، وهذا كلامُ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيميَّة، الذي يقولُ فيه الإمامُ الذَّهبيُّ: "وكان أعرفَ الناسِ بالمِلل والنِّحَل والفِرَق والطوائِف". هذا شيخُ الإسلام ابن تيميَّة -رحمه الله- يُقرِّر أن مِن البغي بغيًا يقعُ مِن أهل السُّنة على الآخَرين. ولكن مَن هم الآخرون؟ هم -أحيانًا- مِن أهل السُّنةِ -أنفسِهم-، وهم -في أحيانٍ أُخَر- مِن أهل البِدَع.

إذًا: كونُ هذا مبتدعًا؛ لا يجعلني أظلمه بما لم يَقُله، أو أنْ أتكلمَ فيه بزيادةٍ عن حقِّ اللهِ فيه؛ لذلك شيخُ الإسلام يقول: "بزيادةٍ على أمَر الله به". إذًا: نقف عند حدودِنا؛ فلا نبغي على سُنِّي بتحميلِه ما لا يستطيعُ حملَه، ولا على مبتدِع بتقويلِه شيئًا مما لم يقُل به، أو لم يَفُه به. هذا هو العدل، وهذا هو أعظمُ بيانٍ لسببٍ أساسٍ مِن أسبابِ الاختلاف، وهو ماذا؟ البغي؛ والبغيُ هو الظلم.

إذًا: ليس الظلم -دائمًا- مِن أهل البدعِ والأهواء على أهلِ السُّنة؛ بل أقول، وأكررُ، وأقرِّرُ: بإن مِن البغي بغيًا يمارَس مِن أهل السُّنة على بعضِهم البعض، ومن البغي بغيٌ قد يكونُ مِن أهل السُّنة على أهل البِدع؛ بِظلمهم، والحُكم عليهم أكثر مما يكونُ فيهم، وبِتقويلِهم ما لم يَقولوا. فليست مِن قواعدِ السُّنة، ولا مِن أصولِ أهل السُّنة أن الغايةَ تبرِّر الوسيلة. هذا مبتدِع؛ فلنَقُلْ فيه ما نستطيعُ أن نقول(!) لا؛ هذا مبتدِع؛ نحكم فيه حُكم الشَّرع -مِن غير بغي، ومِن غير ظُلم-، وننظرُ ما حَكَم في أمثالِه أهلُ العلم -من قبلُ ومن بعدُ-.

هذه -إخواني!- نقطة مهمَّة؛ بل مهمَّة جِدًّا.

النقطةُ الأُخرَى -التي لا تَقلُّ أهميةً عن ذلك-وهي بابٌ آخَر-: أنواع الاختلاف.

هل الاختلاف -كلُّه- نوعٌ واحد؟ أم هو أَنواع؟ لا شكَّ، ولا ريبَ؛ أنه أنواع.

مِن أنواع الاختلاف ما أُسمِّيه: (الاختلافَ الفارِغ). أن يختلفَ بعضُ الناسِ -مثلًا- على حَجمِ بقرةِ بني إسرائيل -(كبيرة؟ صغيرة؟)!!- هذا اختلاف فارِغ؛ لا وَزن له. أو على نوعِ شجرةِ آدَم، ما نوعُها؟ هل هي شجرةُ التُّوت، أو شجرةُ التُّفَّاح؟(!) ربُّنا ذكَرَ شجرةً، كما ذكر -هنالك- بَقرة! أو على لَون، أو صِفة هُدهُد سُليمان، أو طول عَصاه -عليه الصلاة والسلام-! هذا -للأسفِ- يحدُث، لكن هذا اختلافٌ فارِغ، نذكُرُه؛ لِنحذِّر منه، والوقتُ أغلى مِن أن يَضيعَ بمِثلِه، وبخاصة أنه بغيرِ بيِّنة. فهذا -كما يُقال- قد يكون مِن (تَرفِ الأقوال)، ونحن أنزَهُ وأجَلُّ وأبعدُ عن أن ننشغِل بمثلِ هذا الأمر.

لكن؛ بالمقابلِ يَنبغي أن نستفيدَ من هذا فائدةً أُخرى؛ وهي: أنَّ ما أبهمه النصُّ الشرعيُّ؛ لا يجوز أن ندخلَ فيه بِمحضِ العُقول. أما إذا جاء مُوضَّحًا في النصِّ الشرعيِّ ومُبينًا؛ فحينئذٍ لهذا منزلتُه، وله مكانتُه. نعم.

النوعُ الثَّاني: اختلافُ التنوُّع. و(اختِلافُ التنوُّع) -كمصطلحٍ- يختلف عن (الاختلافِ السَّائغ)؛ فالاختلافُ السائغُ نوعٌ -وهو الآتي-، بينا (اختلافُ التنوُّع)؛ شيءٌ ثانٍ ومُستقلٌّ. (اختلافُ التنوُّع) يذكره أهلُ العلم فيما ورد من أمورٍ متعلقةٍ ببعضِ العباداتِ؛ كلُّها وردتْ عن رسول الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-؛ كصيغ الصلاةِ الإبراهيميَّةِ، كصيغِ التَّسبيحِ في السجودِ والركوع، كصيغ دعاءِ التوجُّه والاستِفتاح. . وما أشبَهها؛ فهذا -كلُّه- اختلافُ تنوُّع، لا يجوز أن نأخذَ واحدًا وأن ننكِرَ غيرَه، أو أن نبكِّتَ على مَن لم يأخذْ ما أخذناه وقد أخذَ بِمِثله، فإنكارُ المُنكِر على غيرِه بسببِ عدم أخذِه ما أخَذَه؛ هو بابٌ لإنكارِ غيرِه عليه بمثلِ ما هو أنكرَ على غيرِه -سواءً بِسَواء-؛ لأن هذا -كلَّه-كما قلنا- اختلاف تنوُّع، وكلُّه واردٌ في سُنَّة رسول اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وآلِه وسلَّم-.

النوعُ الثَّالثُ: (الاختلاف السَّائغ)، أو (الاختلاف المُعتَبَر). وهو الاختلافُ الذي له وجهةُ نَظَر باللغة، أو في العِلم، أو في أصولِ الفِقه. . أو غير ذلك. وشيخُ الإسلام ابن تيميةَ -رحمهُ الله- ذكر عشرةَ أوجهٍ من أسبابِ (الاختلافِ السَّائغ) التي جعلتْ هذا الاختلاف موجودًا بين أئمةِ العلم، وأئمة الدِّين -رحمهم الله-تعالى-أجمعين-، وذلك في كتابِه: "رفع المَلام عن الأئمةِ الأَعلام". رفع الملام عن الأئمة الأعلام؛ في ماذا؟ في ماذا يُرفَع عنهم المَلام؟ في اختلافِهم -من جِهة-، وفيما قد يقع لهم مِن مخالفةِ النصِّ الشرعي، أو ما يُشبِهُه -من جهةٍ أخرى-سَواءً بِسَواء-.

لذلك قال مَن قال -مِن أهل العلم-:


وليس كلُّ خِلاف جاءَ معتَبَرًا ... إلا خِلافٌ له حظٌّ مِن النَّظرِ

فالخلافُ الذي له حظٌّ مِن النَّظر هو (الخِلاف المعتبَر)، وهو (الخلافُ السَّائغ)، الذي عليه سائرُ أئمةِ العِلم المُختلِفين -مِن أهلِ السُّنة-قديمًا وحديثًا-.

والرَّسول -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- عندما قال: " إذا اجْتَهَدَ الحاكِمُ وأصابَ؛ فَلَهُ أجْرَانِ، وإذا اجْتَهَدَ وأخطأَ؛ فَلَهُ أجْرٌ وَاحِد" أي أنواع الخلافِ يُريد؟ الخلاف السَّائغ. لا يَقصد (خلافَ التَّضاد)، ولا يُريد (خِلاف التنوُّع)؛ فضلًا -ومِن بابٍ أولى- ما سمَّيناه بـ (الخلاف الفارِغ) -أو (خلافِ التَّرف)-نسأل الله العافية-.

أضربُ على ذلك أمثلةً: عندما قال النبيُّ -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- للصحابةِ: "لا يُصَلِّيَنَّ أحَدُكُمُ الْعَصْرَ إلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَة". الصحابةُ اختلفُوا: بعضُهم قال: نفهمُ الحديثَ على ظاهرِه؛ فنصلِّي العصرَ في بني قُريظةَ حتى لو خرج الوقتُ. وبعضُهم قال: المقصودُ مِن قولِ رسولِنا؛ هو الحثُّ، وبالتالي مِن أجل الحث نضيِّع الصلاة؟! فنصلِّي في الطريق -ولو لم نصلْ إلى بني قريظة-؛ فنحن اجتهدنا و-يعني- أسرَعنا.

هنالك في الحديث كلمةٌ كثيرٌ مِن الذين يَستدِلون بهذا الحديث على تجويزِ الخلافِ وتَوسيعِه؛ لا يَذكُرونها، ولا يتفقَّهون بِمعناها، وهي قولُ الرَّاوي عن حالِ النبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- قال: "فلم يُعنِّف إحدى الطَّائفَتَين". "فلم يعنِّفْ"؛ إذًا: الأمر فيه بيان أن إحدى الطائفتين صَواب، وأن الأخرى خَطأ، وليس فيه أنَّ كِلتا الطائفتَيْن صَواب! لذلك: مَن يستدلُّ بهذا الحديثِ على زعمٍ يُزعَم، وعلى دَعوى تُدَّعى، وهي قولُهم: (كلُّ مُجتهدٍ مُصيب)؛ فهذا خطأ، يَنقدُه الحديث، وينقضُه هذا النصُّ الدقيقُ الذي لا يَذكُره، ولا يريدُه أصحابُ هذه الدَّعاوى. ولكنْ نحنُ نعدِّل العبارة؛ فنقول: لا يجوزُ أن نقولَ: (كلُّ مُجتهدٍ مُصيب)؛ ولكن يَجوز أن نقولَ: (لكلِّ مُجتَهِدٍ نصيبٌ)، لكلِّ مُجتَهِدٍ نصيبٌ مِن الأجر. أما الصَّواب؛ فلا بُد أن يكونَ مع واحد.

الرسول -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- عندما قال: "لا يُصلينَّ أحدُكم العصرَ إلا في بَنِي قُريظة" هل أراد كِلا الرَّأيَين اللَّذَين قد فهمهما الصحابةُ المفتَرِقون؟ أم أرادَ وجهًا واحدًا؟ أراد وجهًا واحدًا بِاليَقين. لكن؛ لما حَصل ما حصل -ولكلٍّ اجتهادُه، ولكلٍّ نَظْرَتُه-، ولا مجالَ للتَّرجيح -فقد فاتَ الفَوتُ، ومَضى الشَّوطُ-؛ فحينئذٍٍ لم يعنِّف، قال الراوي: "فلم يُعنِّف إحدى الطائفَتَين". نفيُ التَّعنيف فيه دِلالة على وجودِ خطأ؛ لكن هذا الخطأ انتفى ما يَعقُبه مِن أثر؛ وهو تعنيفُ المُخطِئ، ومُباركة ،أو مُوافقة المُصيب. وهذه -أيضًا- نقطة دقيقةٌ يجب أن نفهَمَها.

أيضًا من الاختلافِ السَّائغ: الاختلافُ في الجَرح والتَّعديل. وهذه المسألة سَنُوسِّعُ القولَ فيها في الدَّرس الذي سيكون عنوانُه -في هذه الدورة-: "ضوابط الجرحِ والتَّعديل"، أو "الخلاف في الجرح والتعديل"، أو "الجرح والتعديل". وإن كانت مسألة الجَرح والتعديل -في الحقيقةِ- تحتاج إلى سلسلةِ محاضراتٍ ولقاءاتٍ؛ لكن نحنُ نُشيرُ -هنا- إلى أهمِّ ما تنقدح له -وبه- الأذهان، وبخاصةٍ فيما يُسببُ فِتَنًا بين دعاة أهلِ السُّنة، أو خللًا بين أهل السُّنة وغيرِهم -من جهةٍ أخرى-. فهذه قيمةُ العلم: النَّظر في آثارِه، ومآلاتِه، وهذا مِن أهم أنواعِ الفِقهِ الدَّقيق؛ النظرُ في مآلاتِ الأمور. وطالما أن علم الجرحِ والتَّعديل علمٌ له مآلاتٌ -بعضُها سيِّئ؛ لكن أكثرُها جيد، من خلال الاستعمالات التي تكون من بعضِ المنتسبين إليه-؛ لهذا جعلنا له محاضرةً خاصة.

خلاصةُ القَول: أن الاختلافَ في الجرحِ والتَّعديل مِن الاختلافِ السَّائغ. ولو نظرنا وتأملنا أي ترجمةٍ -هكذا نأخذُها لا على الترتيب والنَّظر- في كتاب "تهذيب الكمال"، أو في "ميزانِ الاعتِدال"، أو في "تَهذيبِ التَّهذيب" -فضلًا عن "الجَرح والتعديل" لابنِ أبي حاتم-. . وهي الكتب الجامعة؛ فإننا سنرى اختلافَ عليِّ بنِ المديني عن قولِ أبي حاتِم، واختلافَ قولِ أبي حاتِم عن قولِ ابنِ مَعِين، واختلافَ ابنِ مَعين عن قَول البُخاري، واختلاف البُخاري عن قولِ السَّاجي. . وهكذا مِن أئمة العِلمِ وأهلِ الدِّين.

وأما أن نجعلَ اختلافَ العلماء في الجرحِ والتعديل مِن اختلاف التَّضاد، وبالتالي مُؤديًا للفُرقة بينهم والطَّعن فيهم؛ فلا، وألف لا! فهذا اختلافٌ سائغ بين أهل العِلم -وإن كانت أقوالُهم في المسائلِ مُتضادَّة-. انتبِهوا! هو اختلافٌ سائغٌ لاجتِهاد العلماءِ فيما بينَهم -وإن كانَ الواقعُ مِن أحكامِهم على الرُّواةِ فيها نوعٌ مِن التَّضاد-. حتى إننا نرى ابنَ معين؛ كم من راوٍ اختلف فيه قولُ ابنِ معين؟ أكاد أجزم أن الرُّواةَ الذين اختلفَ فيهم قولُ ابنِ مَعين -توثيقًا، وتضعيفًا-؛ فإنهم قد يكونون أكثر -أقول (قد)؛ لأن هذا يحتاج إلى استقراءٍ وسَبرٍ وتتبُّع، أقول: (قد)-، قد يكون أكبر وأكثرَ ممن اتفقتْ كلمةُ الإمام ابنِ مَعين عليه. إذًا: هذا مِن الاختلافِ السَّائغ -وإن كانت أقوالُ أهلِ العِلم مُتضادَّة-؛ لكنه -لاجتهادِهم- هو سائغٌ ومَقبولٌ.

النَّوع الرَّابعُ: هو (اختلافُ التضادِّ والمُناقَضة). (اختلاف التضادِّ): وهو الاختلافُ الذي يكونُ فيه التعارُض المباشِر، وهذا الاختلافُ هو عكسٌ لـ (الاختلافِ السَّائغ).

فـ (الاختلافُ السائغ) مِن شروط المختلِفين فيه: الاجتهادُ والسُّنَّة. لا يجوزُ أن نُدخِلَ في فئة أهل الاجتِهاد السَّائغ أهلَ البدعة، كما لا يجوز أن نُدخلَ في فئة (الاختلافِ السائغ) أهلَ التقليدِ الجهل. بينما اختلافُ التَّضاد: إذا انتقضَ عنصرٌ مِن هَذيْن العُنصرَين المُهمَّين -إما اجتهادًا أو سُنَّة-؛ فإنه -حينئذٍ- يكون اختلافًا مِن باب (اختلاف التضادِّ)، فضلًا عما قد يكونُ فيه مخالفةٌ للنَّص بصورةٍ واضحةٍ وظاهرة؛ فهذا -حتى لو وقع من مجتهد سُنِّي-؛ فإنه -أيضًا- لا يكونُ مقبولًا، ولا يكونُ سائغًا؛ وإنما يَجبُ ردُّه-. وكلام شيخ الإسلام في "رفع الملام" فيه شيءٌ مِن التَّوجيه إلى هذه الفئة. وكم مِن صَحابي وتابعيٍّ فاتَهُ نصٌّ ودَلَّه عليه غيرُه، وهذا لو جُمع؛ لكان مادةً كبيرةً. والله المستعان.

مثالٌ على الاختلاف السائغِ واعتِبار مصلحة الائتِلاف عليه، وفيه، ومِن خلالِه. وذلك في كلام شيخ الإسلامِ ابن تيمية -في (المجلدِ الثاني والعِشرين)-، لمَّا ذَكر مسألة الجَهر بالبَسملة، وهي مسألةٌ خِلافية، حتى ورد شيءٌ مِن الخلاف فيها بين الصحابةِ -رضي اللهُ عنهم-.

قال: "ومع هذا: فالصواب. ." -بعد أن قال: قيل كذا، وقيل كذا، ثم مع قراءتها يُسن أو لا يُسَن.. أقوال مختلفة كثيرة- قال: "ومع هذا: فالصَّواب أنَّ ما لا يُجهَر به؛ قد يُشرَع الجهرُ به لمصحلةٍ راجحةٍ؛ فيُشرَع للإمامِ -أحيانًا- لمِثل تعليمِ المأمومِين، ويجوزُ للمُصلِّين أن يجهروا بالكلماتِ اليسيرةِ -أحيانًا-، ويَسوغ -أيضًا- أن يتركَ الإنسانُ الأفضلَ لِتأليفِ القُلوب، واجتماعِ الكلمة؛ خوفًا من التَّنفير عما يَصلُح؛ كما تَرك النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بِناءَ البيت على قواعدِ إبراهيم؛ لِكَونِ قريش كانوا حديثي عهدٍ بالجاهلية، وخشيَ تَنفيرهم بذلك، ورأى -عليه الصلاة والسلام- أنَّ مَصلحةَ الاجتماعِ والائتلافِ مُقدَّمةٌ على مَصلحة البِناء على قواعدِ إبراهيم" لماذا؟ لما قد يترتَّبُ عليها مِن اختلاف يُؤَدِّي إلى التَّنفير، والدِّين لا يزالُ غضًّا طريًّا، والنفوس لا تزال متعلقةً بالجاهلية وآثارِها وإرثِها.

هذا كلامُ شيخ الإسلام. له تتمة؛ لكن -قبل ذلك- أقولُ مِن بابِ الإفادة: أنَّ الإمامَ ابنَ عبدِ البَرِّ الأندلسي له رسالةٌ اسمُها: "الإنصافُ أأي

فيما بين العلماءِ مِن الاختلاف". مَن يستطيع أن يقولَ لنا هذه الرسالة في أيِّ مَوضوع؟ والرِّسالة مطبوعة في الرَّسائل المنيرية -قبل سَبعين سَنة-، وطُبعتْ -قبل سَنتين مَضتا- بِكتابٍ مُستقلٍّ. أنا أقولُ: في مسألةِ الجهرِ بالبسملةِ! التي يَذكرُها شيخُ الإسلام ابنُ تيمية. "الإنصافُ فيما بين العلماء مِن الاختلاف"؛ لماذا؟ ليُشيرَ إلى هذا المَلحظ. نعم، نحن نرجِّح، قد نرجِّح هذا القول، وقد نرجِّح ذلك القول؛ لكن لا أجعلُ تَرجيحي فِتنةً أمتحنُ به الناس وأضلِّلُهم في شيءٍ لي سلَفٌ فيه معتَبَرًا بالحُجة والبيِّنة، وإن كان خالَف فهو يراني مخالِفًا، أنا أراهُ مُخالِفًا وهو يراني -بالمقابل- مخالِفًا -أيضًا-، فمِثلُ هذا؛ طالما أنه حصل بحثٌ، وحصل نَظر، وحصل تناصُحٌ.. والمسألة ليست مِن المسائل الكبرى المَبنيَّة على أصولِ الدِّين؛ وإنما مِن مسائلِ الفِقه والاختِلاف؛ فهذا -كما قيل قديمًا، ونُكررُه حديثًا- لا يفسِد للوُدِّ قضية -مع التناصُح، والتَّواصي بالحقِّ، والتواصي بالصَّبر-، ولا مجالَ لأن يبدِّع -فيه- المُخالِفُ مُخالفَه؛ لأنه سيفتح -بذلك- لِمُخالِفِه بابًا ليُبدِّعَ به المخالِفَ نفسَه -وهو ذاك المبدِّع الأول-؛ وهذا -لا شكَّ، ولا ريبَ- ليس من مصلحةِ الدِّين، ولا مِن مَصلحة المسلمين، ولا مِن مصلحةِ الدعوةِ إلى سُنَّة سيدِ المرسَلين -عليه أفضل الصلاة، وأتمُّ التسليم-.

يُكمل شيخُ الإسلام ابنُ تيمية السياقَ -نفسَه- يقول: "وقال ابنُ مسعودٍ لما أكمل الصلاةَ خَلف عثمان، وأنْكِر عليه" كيف تُكمل الصلاةَ خلف عثمان؟ "فقيل له في ذلك؛ فقال: (الخلافُ شَرٌّ)". إذًا: هو أكمل الصلاةَ خلفَ عثمانَ -مع أنه يَعتقد أن الأمرَ على خِلاف ما يَرى مِن السُّنة-؛ تَجنُّبًا لماذا؟ للمُخالفة التي هي شَرٌّ مَحض، وبخاصة أنَّ هذا الذي خالفَه -أو يُفترض أن يكونَ قد خالفَه- مَن هو؟ إمامُ المسلمين! مُخالفةُ إمام المسلمين ليستْ كأيِّ مخالفةٍ أُخرى.

قال: "ولهذا نصَّ الأئمةُ -كأحمد وغيره- على ذلك" في مسألةِ مُراعاةِ الخلاف، ومُراعاة الائتلافِ. قال: "ولهذا نص الأئمة -كأحمدَ وغيرِه- على ذلك بالبَسملة، وفي وَصل الوِتر -وغيرِ ذلك- مما فيه العُدول" العدول: أي التَّرك، "مما فيه العُدولُ عن الأفضلِ إلى الجائزِ المَفضولِ؛ مُراعاةً لائتلافِ المأمُومين، أو لِتعريفِهم السُّنَّة".

إذًا: أنت قد تُخالف شيئًا مِن السُّنة -من بابِ المصلحة-؛ لتعريفِ الناس بالسُّنَّة الأعظم. يعني أنا آتي لإنسانٍ خالف السُّنةَ في وضع اليَدين على الصَّدر -أو دون الصَّدر-، وآتي أتكلمُ معه؛ فإذا به يَنفر مِن أن يسمعَ قولي في التَّوحِيد، يَنفِر مِن أن يسمعَ قولي في اتِّباعِ الرسول -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-! إذًا: مِن الممكِن أن أؤخرَ هذا البيانَ، وأن أعدِل عنه إلى ما هو أقل منه؛ حرصًا على أن يكونَ قابِلًا للسُّنَّة، وأن يكونَ مُتجاوِبًا مع السُّنَّة.

أمَّا (ضوابطُ الاختلافِ)؛ فنذكُر منها وجوهًا -على وجه السُّرعة-؛ لأن الوقتَ يَمضي.

أولُها: البُعدُ عن العصبيَّة.

عند الاختلافِ والنظرِ في التَّرجيح بين أقوالِ المختلِفِين، أو المختَلِفَين؛ فواجبٌ البُعد عن العصبيَّة؛ لِما في العصبيةِ مِن بُعدٍ عن الحق، ومِن مُجافاةٍ للهُدى، ومِن ركوبٍ للهَوَى؛ فالبُعدُ عنها هو الأصل. ونصوصُ أهلِ العلم كثيرة، لكن أبتدئُ بكلمةٍ لطيفةٍ للإمامِ الماوردِي. الماوَردي مِن كبار علماءِ المسلمين في التفسيرِ، وفي الأصولِ، وفي الفِقه، وحتى في الأخلاقِ والتَّزكية؛ له كتابٌ اسمُه: "أدب الدنيا والدِّين" لطيف -وإن كان يؤخَذ عليه فيه شيءٌ في الأحاديث الضعيفة-.

يقول -في كتابه "أدب الدنيا والدين"-: لقد رأيتُ رجلًا يُناظرُ في مجلسٍ حافِل، وقد استدلَّ عليه الخصمُ بدِلالةٍ صحيحة؛ فكان جوابُه عنها أن قال: إنَّ هذه دِلالة فاسدة، ووجهُ فسادِها:. ." ماذا تتصور؟ ماذا نتصور أن يقول؟ ووجهُ فسادِها: بحجةِ كذا، بدليل كذا. . قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين. . قال: "قال: إن هذه دِلالة فاسدة؛ ووجهُ فسادِها: أنَّ شيخي لم يذكُرها، وما لم يذكرْه الشيخُ فليس فيه خير!". هل تَرون تعصُّبًا أشدَّ من هذا التعصُّب؟! هذا التعصُّب في أصولِ الاستدلال -فضلًا أن يكون في الأقوالِ والأفعال-.

أيضًا؛ شيخُ الإسلام ابن تيميةَ -رحمه الله-تعالى- يقول -في هذا البابِ -نفسِه-؛ (باب مجانبة التعصُّب والعَصبيَّة)-، يقول -في (المجلدِ العِشرين) مِن "الفَتاوى"-، يقول: "لا يجوزُ لأحدٍ أن يجعلَ الأصلَ في الدِّين لشخصٍ إلا لرسولِ الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، ولا لقولٍ إلا لِكتاب الله -عزَّ وجلَّ-، ومَن نصَّب شخصًا -كائنًا مَن كان-"، انتبهوا -أيها الإخوة!-، وتفهَّموا وتفقَّهوا هذا دِين الله، كما كان بعضُ السَّلف يُوصي إخوانَه وأبناءَه: "دينَك دينَك! إنه لحمُك ودمُك"، "إن هذا العِلمَ دين؛ فانظروا عمَّن تأخذون دينَكم" -كما قال ابنُ سيرين-.

". . إلا لرسول الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، ولا لقولٍ إلا لِكتاب الله -عزَّ وجلَّ-، ومن نصَّب شخصًا -كائنًا مَن كان-، فَوالى وعادَى على موافقتِه في القولِ والفِعل؛ فهو {مِن الذين فرَّقوا دينَهم وكانوا شيَعًا}، وفي قِراءة: {مِنَ الذين فارقُوا دينَهم وكانُوا شيَعًا}". ليس مجرد التَّفريق؛ بل المفارَقة، وأيهما أشد؟ المفارقة.

قال: "وإذا تفقَّه الرجلُ وتأدَّب بطريقةِ قومٍ مِن المؤمنين -مثل اتِّباع الأئمةِ والمشايخ-؛ فليس له أن يجعلَ قدوتَه وأصحابه"؛ قدوته وقدوةَ أصحابِه "هم العِيار؛ فيوالي مَن وافَقهم، ويُعادِي مَن خالَفَهم"، وليس لأحدٍ أن يدعوَ إلى مَقالةٍ -أو يعتقدَها- لكونِها قول أصحابِه؛ طالما أنَّ هذا قول الشيخ؛ إذًا هي الصواب؛ نُوالي ونعادي عليه! "ولا يُناجز عليها" يُجادل، ويُنافح، ويكافح، "بل لأجلِ أنها مما أمرَ اللهُ به ورسولُه -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، أو أخبر الله به ورسولُه؛ لكون ذلك طاعةً لله ورسولِه -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-".

قال -في موضع آخر- بعد أن ذكرَ ما يحدُث مِن بعضِ المِلَل، أو بعضِ أهلِ الأهواء، مِن أنه يجعلُ شخصًا، أو مذهبًا مِعيارًا للحق، مُبيِّنًا أن هذا كشأنِ اليهود الذين قالوا: {نُؤمِنُ بِما أُنزلَ عَلَيْنا ويَكفُرُون بِما وَراءَه}، قال شيخُ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-تعالى- في "اقتضاء الصِّراط المستقيم": "وهذا يُبتلَى به كثيرٌ مِن المنتسبين إلى طائفةٍ مُعيَّنةٍ في العِلم أو الدِّين، أو إلى رئيسٍ مُعظَّم -عندهم- في الدِّين؛ فإنهم لا يَقبلون مِن الدِّين رأيًا وروايةً إلا ما جاءت به طائِفَتُهم". هذا -أقولُها بوضوحٍ وصراحةٍ وبغيرِ التِباسٍ-؛ هذا قد يقعُ بهِ بعضُ إخوانِنا القَريبين مِنا -وللأسفِ الشديد-.

ثم قال شيخُ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وأما المتعصِّبُ الذي جعل قولَ مَتبوعِه عيارًا على الكِتاب والسُّنَّة وأقوالِ الصَّحابة يزِنُها به" انظروا انعكاسَ الأخلاقِ والقلوبِ والعُقول، "فما وافق قولَ مَتبوعه منها؛ قَبِلَه، وما خالف رَدَّه؛ فهذا إلى الذمِّ والعقاب أقرب مِنه إلى الأجرِ والصَّواب".

وأيضًا؛ نُقطةٌ أخرى في ضوابطِ الاختِلاف، وهي: (مسألةُ عدمِ الإلزام بترجيحِ قولٍ اجتهادي). هذه فرعٌ عن تلك، التعصُّب فيه إلزام، وعدم التعصُّب لا إلزام فيه.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وما من الأئمة إلا وله أقوال وأفعالٌ لا يُتَّبع عليها، مع أنه لا يُذَم عليها" ليش؟ لأنه مجتهد؛ بل يُؤجَر؛ إذا فعل ذلك عن اجتهادٍ؛ يُؤجر. "وأما الأقوال والأفعال التي لم يُعلم -قَطعًا- مخالَفتُها للكتابِ والسُّنة" يعني: أنها مسائل غير قطعية، "بل هي من مواردِ الاجتهاد" هذا هو الشَّرح "التي تنازعَ فيها أهلُ العلم والإيمان؛ فهذه الأمور قد تكونُ قَطعيةً عند بعض مَن بيَّن اللهُ له الحقَّ فيها؛ لكنَّه لا يُمكِنه أن يُلزِمَ الناسَ بما بانَ له، ولم يَبِن لهم".

لا تُلزِم! كلما كنتَ عالمًا، وكلما كنتَ طالبَ عِلم، وكلما كنتَ إمامًا -وليس فينا إمامٌ، وليس بيننا إمام-، أقول: كلما كان ذلك كذلك؛ كلما كان عن الإلزامِ أبعد، وكلما كان إلى البَيانِ أقْرَب. أما الإلزام؛ فهذا الإلزامُ يكونُ في الوظائف العَسكرية، أما الإلزام؛ فهذا الإلزام يكون عند الطرائقِ الحزبيَّة. أما سلفيَّة وإلزام -في مسائلِ الخِلاف السَّائغ-؛ فلا وألف لا. هذا وجهٌ ثانٍ.

الوجهُ الثالث: هو (مجانبةُ المفاضلةِ بين الشيوخ). شيخُنا أفضلُ من شيخِكم، أستاذُنا خيرٌ من أستاذِكم، احضروا لهذا ولا تحضروا لذاك!! هذا مما ينبغي أن يجتنبَه أهلُ الاختلاف؛ حتى يكونوا في ضِمن الضوابط المشروعة.

يقول شيخ الإسلام -في (المجلد العشرين)- بعد أن ذَكر شيئًا مِن هذه المفاضلةِ والمُراجَحة، قال: "فهذا البابُ أكثرُ الناس يتكلَّمون فيه بالظنِّ وما تَهوَى الأنفُس؛ بل كلُّ إنسانٍ تهوَى نفسُه أن يُرجِّح مَتبوعَه، وقد يُفضي ذلك إلى تَحاجِّهم وقِتالهم وتفرُّقِهم! وهذا مما حرَّم اللهُ ورسولُه -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-".

ثم قال -في (المجلد العشرين)-: "لأنه مِن المعلوم أن كلَّ طائفةٍ ترجِّح متبوعَها، فلا تقبلُ جوابَ مَن يجيبُ بما يخالِفُها فيه، كما أن مَن يرجِّح قولًا أو عملًا؛ لا يَقبَل قولَ مَن يُفتي بخلافِ ذلك، لكن؛ إن كان الرجلُ مقلِّدًا؛ فليكنْ مقلِّدًا لمن يترجَّح -عنده- أنه أولى بالحقِّ". هذه وظيفة المقلِّد، أما أن يصبحَ مقلدًا ومجتهِدًا في آنٍ؛ ينافح ويكافِح!؛ فهذا يُقال له: (ليس هذا بِعشِّكِ فادرُجي)، يُقال له: (مجتهِد ومقلِّد في آنٍ؛ لا يجتمعان!)، و(اجتماع ضِدَّين معًا في حالِ .. مِن أقبحِ ما يَأتِي مِن المُحالِ).

قال: "فإن كان مجتهدًا؛ اجتهد واتَّبع ما يترجَّح -عنده- أنه الحقّ، لكنْ؛ عليه أن لا يتَّبع هَواه، ولا يتكلمَ بغيرِ عِلم، وما مِن إمامٍ إلا وله مسائلٌ يَترجَّح فيها قولُه على قولِ غيرِه".

الرابع: (العَدل في الأحكامِ في علماءِ الإسلامِ). بعضُ الناسِ عندما يَنظرون إلى أقوالِ أهلِ العلم؛ بعضُهم يرفضُ رفضًا باتًّا، ويُسقط ويَستأصِل، وبعضُهم يغلو في القبولِ حتى يَنعميَ، أو يَعمي بصرَه عن أنَّ هذا خطأ وهذا صَواب!

قال شيخُ الإسلام -عندما ذكرَ الأئمة، وعندما ذَكَر تفرُّق الناسِ فيهم-، قال: "فمَن ذمَّهم. ." أي: العلماء؛ فمَن ذمَّ العلماء، "فمَن ذمَّهم ولامَهُم على ما لم يُؤاخذهم اللهُ عليه؛ فقد اعتَدَى، ومَن أرادَ أن يجعلَ أقوالَهم وأفعالَهم بمنزلةِ قولِ المعصومِ وفِعله، ويَنتصِر لها بغيرِ هُدًى مِن الله؛ فقد اعتدى واتَّبع هَواه بغيرِ هُدى مِن الله، ومَن فَعل ما أُمر به -بِحَسبِ حالِه؛ مِن اجتهادٍ يقدرُ عليه، أو تقليدٍ إذا لم يَقدِر على الاجتهاد، وسَلك في تقليدِه مَسلَكَ العَدل-؛ فهو مُقتصِد". هذه الرَّابعة.

وأما الخامسة: (مجانبةُ التفرُّق وأبوابِه). وذكرنا لها وُجوهًا متعددةً، وهنالك كلام لشيخِ الإسلام -في (المجلد الحادي عشر)-.

وأما السادس: فهو (منابذة الغلو، ومجانبة الحدِّ في تقدير حَجمِ الاختلاف). بعضُ الناسِ يَنظر إلى مسألةٍ؛ فينفخ فيها ويعظِّمُها! يقولُ شيخُ الإسلام ابن تيمية: "حتى يُفضي الأمرُ ببعضِهم إلى الطعن واللَّعن، والهمز واللَّمز، وببعضهم إلى الاقتتالِ بالأيدي والسِّلاح، وببعضِهم إلى المهاجرةِ والمُقاطعة؛ حتى لا يُصليَ بعضُهم خلفَ بعض". وهذا كلُّه مِن أعظم الأمور التي حرَّمها اللهُ ورسوله. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وآخر ذلك من ضوابط الاختلاف: (لزوم الوضوحِ والحُجة والبيِّنة التي هي مِن أسبابِ الثباتِ والاستقرار). يقول شيخُ الإسلام -رحمه الله-في (المجلدِ الرَّابع)-: "وبالجملة فالثباتُ والاستقرارُ في أهلِ الحديثِ والسُّنة أضعافُ أضعافِ أضعاف ما هو عند أهلِ الكَلام والفَلسفة".

ونقول نحن -اليومَ-: ما ينبغي أن يكون -ولا أقول ما يكون-وللأسف-، أقول: ما ينبغي أن يكونَ مِن الثباتِ والاستقرارِ في أهلِ السُّنة ودعاة منهجِ السلفِ؛ يجب أن يكونَ أضعاف أضعافِ أضعاف ما في أهل التحزُّب، وما في أهلِ التَّعصُّب، ولكن؛ ليس لها من دون اللهِ كاشِفة.

وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمدٍ وعلى آلِه وصحبِه وسلَّم.

طباعة
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل

Powered by: MktbaGold 6.5