أصول في المنهج - 4 - الردُّ على المُخالِف

(4)
الردُّ على المُخالِف




إنَّ الحمْدَ للهِ، نَحمدُهُ، ونَستعينُه، ونَستغفِرُه، ونَعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفُسِنا، وسيِّئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِلْ فلا هادِي له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا الله، وحدهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه.

أما بعدُ:

فهذا -أيها الإخوةُ!- لقاءٌ يتجدَّدُ بالخير -إن شاء الله- في محاضراتِنا المنهجيَّةِ -عمومًا-، وفي محاضرتِنا لهذه الأُمسِية -خصوصًا-، وهي بعنوان: »الرَّد على المُخالف«.

وإذ نتكلم في (الردِّ على المخالف)؛ فإننا نتكلم عن موضوع دقيق، اشتط فيه طَرفان -بل أطراف-؛ فبعضُها ميَّع وضيَّع ولم يجعل للرَّد على المخالِف قيمةً، وبعضُها جعل دأبَه -كلَّه-، وحياتَه -جميعَها- في (الردِّ على المُخالِف) -وكأنَّ الدِّينَ كلَّه في ذلك!-، وهذا إنما نذكرُه لبيانِ منزلة (الردِّ على المخالِف) وأنه أصلٌ مِن أصولِ أهل السُّنة، ولكنه ليس الأصلَ الأوحَد، بل أصولُ أهلِ السُّنةِ متعددة، فمَن جعل منهجَه، ودأبَه، وطريقَتَه، و(هِجِّيراهُ) -كما يقولون- في هذا الباب؛ فقد اشتطَّ. ومنهم مَن سوَّى بين أهلِ السُّنة وأهلِ البدعة في (الردِّ على المُخالِف)؛ وهذا -أيضًا- بابٌ غيرُ مَسلوك، وطريقٌ لا ينبغي دُخولُه.

فمِن أجلِ هذا؛ كانت هذه المحاضرة؛ لتُلقيَ الضوءَ على كثير من الأمور -فيما يُتاحُ لنا من الوقتِ-؛ لعل اللهَ -عز وجلَّ- يشرحُ صدورَنا، ويهدينا إلى سواءِ السبيل.

ومما ينبغي ذِكرُه -أيضًا- في هذه المقدمةِ -بين يَدَي المحاضرة-: أنَّ موضوع (الردِّ على المُخالف) مُتداخل في موضوعِ (الجَرحِ والتعديل)؛ فهما مَوضوعان متقارِبان مُتداخلان؛ في هذا شيءٌ له صِلةٌ بذاك، وفي ذاك شيءٌ له صِلة بهذا. ونحنُ نحاولُ الفَصْلَ -ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا-.

ومِن الكُتب المؤلَّفةِ في الردِّ على المُخالِف -وهي كثيرة-؛ أنصحُ الإخوةَ بمراجَعةِ أربعةٍ منها: أولُها: كتابُ "الردِّ على المخالِف" للشيخ بَكر أبو زيدٍ -رحمهُ الله-تعالى-. ثانيها: كتاب "مَنهج أهلِ السُّنة في نقدِ الفِرَق والطوائفِ والجماعاتِ" للشيخ ربيع بنِ هادِي -حفظه الله-تعالى-. ومنها: كتاب "أصولِ نَقدِ المُخالِف" لأخينا الشيخ فَتحي سُلطان. ومنها: كتاب "أُصول الشيخِ عبدِ العزيز ابنِ بازٍ في الرَّدِّ على المُخالِف" -أو " على المُخالِفين"- للأخ فيصل الجاسِم -وهو مِن إخوانِنا في الكُويت-. هذه كُتب مهمَّةٌ -في هذا الباب الذي نحنُ فيه-؛ ننصح بمراجعَتها والنظرِ فيها.

والحقيقة: أنني منذ الصباحِ إلى الظهر -أو إلى قريبٍ مِن الظهر- وأنا أدرُس، وأتأمَّل، وأنظرُ، وأراجعُ، وألخِّص، وأدوِّن -في هذا الموضوع-. وفي آخرِ لحظات ودَقائق؛ وقفتُ على كلمةٍ مُطوَّلة للشيخ ابنِ بازٍ -رحمهُ الله- في "فَتاويه"؛ -يعني- أقول: تكادُ تكونُ جعلتْني أُلملِمُ أوراقي، وأطْوِي صُحُفي؛ لما حَوتْ هذه الكلمة مِن إمامٍ فذٍّ كبيرٍ، يحترمُ له الجميعُ، ويخضعُ له الكثيرُ-مِن الصغير والكبير-؛ لِما عُرف عنه مِن سعةِ علمٍ، ومِن قوة منهج، ومن سلامةِ اعتقادٍ، ومِن إمامةٍ في الدِّين، ومِن رأيٍ حسَن، ومِن احترامٍ لإخوانِه الكِبار مِن أهلِ العِلم، ولأبنائِه الصِّغار مِن طلبةِ العلم؛ بحيث لا تكادُ تجدُ هذه الصفاتِ مجموعةً لغيرِه، أقول: (لا تكادُ تَجِد)، الخير لم ينقطِع، ولن ينقطِع،
ولا نعتقد أنه سَينقطع -طالما أن هنالك دعوةً- إلى أن تقومَ الساعة، وكما قال النبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: "لا تقومُ السَّاعة إلا على شِرارِ الخَلْقِ" -نسأل الله العافية-.
فهذه الكلمة -في الحقيقة- جعلتني أقدِّمُها على غيرِها، وأبدأُ بها، غاضًّا الطرفَ عن كثيرٍ من التقاسيمِ والأنواع التي حضَّرتُها وهيَّأتُها، وسأجعلُ ما ذكرتُه -مِن ذلك التَّحضير والترتيب والتقسيم- في آخر المحاضرةِ -إذا سمَح الوقتُ، وسنَح الظرْفُ-. وأبتدئ بها؛ لأني أعتقدُ أنها أهمُّ وأولَى، فإذا بَقِيَ وقتٌ؛ ننقلُ شيئًا مما ذكرناه. ولو أننا تأملنا هذه الكلمةَ بدِقةٍ؛ لاستطعنا أن نستنبِطَ منها سائرَ ضوابِطِ ووُجوهِ وآدابِ وتفاريقِ (الردِّ على المُخالِف).

نبدأ بها -بعد الصلاةِ والسلامِ على رسولِ الله-اللهم صلِّ وسلم وبارك على رسول الله-، وهي في (الجزء السابع والعشرين)، في (الصفحة التاسعةَ عشرةَ) فما بعدُ، يقولُ -رحمه الله-:

"فالواجبُ على الداعي إلى اللهِ أن يُرغِّب الناس في العلمِ، في حضور دعوة علماءِ أهلِ السُّنة، ويدعوَهم إلى القَبول منهم".

هذا أصلٌ أوَّل، كما قلت؛ لو أننا أردنا أن نقسِّم كلماتِه -أو كلمتَه- إلى فقرات، وكل فقرة إلى أصلٍ -أو أساسٍ-؛ لاستطعنا أن نجعلَ كلَّ سَطر -أو سَطرَين- أساسًا خاصًّا. فهذا هو الأصل الأول: أن الواجب والمُهم في مهمة طالبِ العلم هو: ترغيبُ الناسِ في العلم. إذا رغَّبتَ الناسَ في العلم؛ تجعلهم يسلُكون سُبُله، فإذا سلكوا سبُلَه؛ تجعل لغتَك ولغتهم واحدة؛ فيَقِلُّ الخلاف. إذا وُجدت لغةُ العِلم بين المُختلِفِين، بين الدَّاعي والمَدعُو؛ أصبح الطريقُ مَسلوكًا، وأصبح المنهجُ واضحًا. ولا نريدُ أن نقولَ -في مثلِ هذا المقام- إذا لم نسلكْ سبيلَ العِلم مع المدعوِّين، ولم نرغِّبهم في العلم؛ ماذا سيحدُث بين الدَّاعي والمَدعو؟!

شَكَوْنا إليهم خَرابَ العِراق .. فَعابُوا عَلَيْنا شُحُومَ البَقَرْ!

اللغة مختلفة، لكن؛ إذا كانت اللُّغة واحدة -وهي لغةُ العلم-؛ حينئذٍ لو رددتَ عليه، أو ردَّ عليك؛ ضمن الأصولِ والضَّوابط المَرعيَّة والمرجُوَّة.

يقولُ: "ويَحذَر" ["أن يرغِّب" أولًا، الآن: ثانيًا:] "ويَحذَر" أي: فالواجبُ على الداعي إلى اللهِ أن يحذرَ "التنفيرَ من أهلِ العلمِ المعرُوفين بالعقيدةِ الصحيحةِ والدعوةِ إلى الله -عزَّ وجل-".

هذا هو الأصلُ الثاني: أن العالِم، أو الداعي، أو الطالبَ للعلم، يُعرف صوابُ منهجِه وخَطؤُه مِن أصْلَيْن اثنَيْن: الأَصل الأوَّل: هو دعوتُه إلى العقيدةِ الصحيحة. والأَصل الثَّاني: دعوته إلى الله -سبحانه وتعالى-على العُموم- بتعظيمِ الكتاب والسُّنة ومنهجِ سلَف الأمَّة. فمَن كان على هذا الحال؛ لا ينبغي أن يُحذَّر مِنهُ، نقول: (مِنْهُ). قضيةُ الأخطاء التي تقعُ (مِنه) قضيةٌ أخرى، فالخطأ مِن الدَّاعي إلى الكتابِ والسُّنة، المعظِّمِ للحقِّ الجَليل شيءٌ، والتحذيرُ منه (نفسِه) شيءٌ آخَر، والخلطُ بينهما قبيحٌ قبيح.
قال -وهذا هو الأصلُ الثالِث-، أنا بالمناسبة غير مرتِّب للكلامِ أنه على أقسَام، كلامُ الشيخِ سَرْد، لكن؛ لأنَّه كلامُ العالِم المتضلِّع والقَديرِ في معرفةِ أصولِ السُّنَّة والعلم والمنهج؛ فإن هذه الكلماتِ -كما قلتُ وأكرِّرُ- تكاد تكون منهجًا متكامِلًا.

النُّقطة الثالثة: يقول: "وكلُّ واحدٍ له أخطاء، لا أحدَ يَسلَم".

إذًا: التَّأصيلُ الثَّالث: أن كلَّ بني آدمَ خطَّاء -كما قال النبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-، إذا كان هذا الخطأُ مِن هذا السُّنِّي الكبيرِ في السُّنة -أو المعروف بالسُّنة-؛ فهذا لا يُسقِطُه، ولا يجعلُنا نحذِّرُ منه، ومن شَخصِه، وإنما نعامِلُ أخطاءَه بِحَسبِها.

وهذه هي النقطةُ الرَّابعة: يقول: "فالواجبُ أن يُنبَّه" أي: المُخَطِّئُ المخطَّأ "فالواجبُ أن يُنبَّه على أخطائِه بالأسلوبِ الحسَن".

شيخُنا -رحمه الله-الشيخ الألباني- كثيرًا جدًّا ما كان يقولُ: (دعوةُ الكتابِ والسُّنة دعوةُ الحق، والحقُّ ثَقيل). وكلمةُ: (الحقِّ ثَقيلٌ) أصلُها مَرويٌّ عن حذيفةَ بنِ اليَمان -رضي الله-تعالى-عنه- قال: "الحقُّ ثَقيلٌ، وهو -مع ثِقلِه- مَريء، والباطلُ خفيفٌ، وهو -مع خِفَّتِه- وَبيء"؛ هكذا منهجُ أهل السُّنَّة؛ سلاسةُ الأمر مرتبطةٌ بالحق -ولو كان في نفسِه ثقيلًا-؛ فهو مقبولٌ على النَّفس. فكان شيخُنا يقولُ: (دَعوتُنا دعوة الكِتابِ والسُّنة هي دعوةُ الحَق، والحق ثَقيل؛ فكيف إذا أضفْنا إلى ثِقل الحقِّ ثقلَ الأسلوب؟!). حتى لو كان هذا المخطَّأ أخاك، أو تلميذَك، أو شيخَك، مِن الصعبِ أن تقبَل الشدَّةَ والعُنفَ والأسلوبَ السيِّئ الشَّديد الغَليظ، {فَبِما رحمةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لهم ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَليظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَولِكَ} فالخطابُ ممن؟ لمن؟ فيمَن؟ مِن الله، لرَسولِه -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-، في أصحابِه الأكرَمِين -رضي الله-تعالى- عنهم أجمعين-.
قال: "فالواجبُ أن يُنبَّه على أخطائِه بالأسلوبِ الحَسَن، ولكن لا يُنفَّر منه، وهو مِن أهلِ السُّنة، بل يوجَّه إلى الخير، ويُعلَّم الخير".

إذًا: إذا وجدنا أخطاء عن داعيةٍ يعظِّم الكتابَ والسُّنة، عند عالِم يعظِّم الكتابَ والسُّنة؛ نناصحُه فيها، ونذكِّرُه بها.

وها هُنا نقطة مهمَّة جدًّا، وهي: أنه ليس مِن شرطِ الناصِح أن يشترطَ قَبولَ نُصحِه، لماذا؟ لاحتِمال أن يكونَ مُخطئًا في نُصحِه، ليس كلُّ ردٍّ لكلِّ نصيحةٍ يُبنَى على أن هذا الرادَّ رافضٌ للنَّصيحة؛ هذا خللٌ مَنهجيٌّ كبير. وإنما الواجبُ أنْ نحسِّنَ الظنَّ بالمردودِ -ما دامَ أنه في إطارِ أهلِ السُّنة، وفي دائرة أهل السُّنة-، وأن نرجوَ له الخير، وأن نطلبَ له الخير، وأن ندعوَ اللهَ له بالخير، فإذا قبِل؛ فالحمدُ لله، فإذا لم يقبَل نستمر في المناصَحة، ونأخذ أبوابًا أخرى، وطرائقَ متعددة، ولا نقول إنه تكبَّر على النصيحة. لماذا لا تتهِم نفسَك بأنك قصَّرت في النَّصيحة -قبل أن تتهِم أخاك بأنه استَكبَرَ على النَّصيحة-؟! هذا ممكن أو غير ممكن؟ ممكن جدًّا. إذا: لماذا نفرضُ الصورةَ الأقبح؛ مُحسِّنين الظنَّ بأنفسِنا، مُسيئين الظنَّ بالآخَرين مِنا؟!

لذلك قال الشَّيخُ: "ولكنْ لا ينفَّر منه، وهو مِن أهل السُّنة؛ بل يوجَّه إلى الخير، ويعلَّم الخير، ويُنصَح بالرِّفقِ في دعوتِه إلى الله -عز وجل-"، أي فيما أخطأ في دعوتِه إلى الله -عز وجلَّ-، يُنصح بالرِّفق.

عندما مرَّ أولئِك اليهودُ على رسولِ الله -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- وهو جالسٌ، فسلَّموا عليه، فقال رسولُ الله -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: "وعَليكم"؛ قالت عائشةُ -وقد استغربت-: "يا رسولَ الله! لماذا قلتَ "وَعَلَيْكُم" وهم قد سلَّموا؟"؛ فقال -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: "إنما قالُوا (السَّامُ عَلَيْكُم)؛ والسَّام الموتُ؛ فقلتُ (وعَلَيْكُم)"؛ فغضبتْ غضبةً للهِ -رضي الله عنها وأرضاها، وقاتَل اللهُ مَن انتقصها وغمزَ بها- قالت: "عليكم السَّام، والموتُ، واللَّعنة، إخوانَ القردةِ والخنازير!". تسبُّ مَن؟ تسُبُّ الذي سبُّوا رسولَ الله -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-، وهم كفَّار؛ ماذا كان جواب رسول الله -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- قال: "يا عائشة! ما كان الرِّفقُ في شيءٍ إلا زانَهُ، وما نُزعَ مِن شيءٍ إلا شانَهُ؛ إنَّ اللهَ رفيقٌ يحبُّ الرِّفقَ في الأمر -كلِّه-، وإن الله لَيُعطِي على الرِّفق ما لا يُعطِي على العُنفِ".

نقولُ: هذا -كلُّهُ- في إطارِ السُّنةِ وأهلِ السُّنة، ولا أريدُ أن أستعجل، لكن أعجِّلُ بشيءٍ مِن الخير؛ فأقولُ: الشدَّةُ في موضِعِها مَرضيَّةٌ، لكنْ؛ فيمَن كان مُكابرًا. مَن غلب على الظنِّ، وتمَّ التشاوُر بشأنِه أنه مُكابرٌ، ومُستكبِرٌ -ولو كان مِن أهلِ السُّنة-؛ فهذا يُغلَظ عليه، لكن؛ لا يُغلَظ عليه بأن نبدِّعَه، وأن نُخرجَه من أهلِ السُّنة، لا؛ قد نُغلظ عليه في شيءٍ من الأسلوبِ، كما قال شيخُ الإسلام ابنُ تيمية: "المؤمنُ للمؤمنِ كاليدَيْن تَغسل إحداهُما الأخرى، وقد تستدعي النظافةُ شيئًا مِن الشدةِ لإزالةِ الوسَخ، ولكنْ يُرجَى بعدها ما تُحمَد عُقباه" -أو كما قال -رحمهُ الله -تعالى-.

إذًا: المسلمُ عندما يَشُد -أو يشتدُّ- على أهلِ السُّنة -في بعضِ أمرِهم-؛ إنما يشتدُّ عليهم مِن أجلِهم؛ حتى ينصَحَهم، لكن هذا استثناء وليس أصلًا؛ فلننتَبِهْ: (هذا استثناء وليس أصلًا).

أمَّا مَن كانوا مِن أهلِ البِدع والضَّلال، مُفارِقين لأهلِ السُّنة والجماعةِ وأهلِ منهجِ السلفِ الصالِح؛ فهؤلاء -أصلًا- خارجُون عن الحِسبةِ -كما يُقال-، فهؤلاء لو أنه قد أُغلِظ عليهم بالأسلوبِ العِلمي، والحجةِ والبيِّنة، وليس بِمجردِ السَّب والشَّتم -كما قد يُفعل-؛ فهذا أمر لا نكارةَ فيه.

واليومَ أقرأ كلمةً لبعضِ العُلماء قال: "إنما أنا شديدٌ على الجهميَّة؛ لأني كنتُ مِنهم"؛ يعني: لأنه يَعرفُهم ويخبرهم. وشيخُ الإسلام ابنُ تيميةَ نُقل عنه أنه قال: "لو كنتُ جهميًّا؛ لكفَّرتُ نفسي"! قال: لأني أعرفُ باطلَهم وضلالَهم؛ فكأنه يقول: هم لا يَعرِفون ما عليه مِن باطلٍ، ولا ما عليه مِن ضلال!

قال الشيخُ ابنُ باز -رحمهُ الله-: "ويُنصَح بالرِّفق في دعوتِه إلى الله -عز وجل-، ويُنبَّه على خَطئِه، ويُدعَى الناسُ إلى أن يَطلبوا منه العِلم، ويتفقَّهوا عليه -ما دام مِن أهل السُّنة والجماعة-".

إذًا: وقوعُ العالِم السُّني -أو الدَّاعية السُّنِّي- في خطأٍ وخطأَيْن وثلاثة، وهو لا يَزال يعظِّم الكتابَ والسُّنة، وهو لا يَزال يدعو إلى العقيدةِ الصَّحيحة، وهو لا يزال يَدعو إلى المنهجِ السَّلفي الصحيحِ الواضِح الصَّريح؛ فهذا لا يَجوزُ أن نجعلَ أخطاءَه سبيلًا ننفِّر الناسَ عنه، ولا طريقًا نحذِّرُهم منه؛ هذا خلافُ منهج أئمتِنا الكبار. وها نحن بين يدي كلامِ إمامٍ جليلٍ؛ بل مِن أجلِّ أئمةِ هذا العَصر، وهو سماحةُ الشيخِ عَبد العَزيزِ بن باز -رحمه الله-تعالى-.

أما ما نسمعُه -مِن البعض- حتى لو كان مِن الشيوخ الكبار. . ولكن هو باليقين -باعترافِه واعترافِ كل ذي نظرٍ؛ هو دون الشيخ ابنِ باز، ودون الشيخِ ابنِ عُثيمين، ودون الشيخِ الألباني، دون هؤلاءِ المشايخِ الثلاثة الذين هُم -في هذا الزَّمان- طبقةٌ مُنفصِلة. نقولها -بوضوحٍ وصراحةٍ-: هؤلاء الأئمةُ طبقةٌ مُستقلَّة، وكلُّ مَن [...]؛ طبقةٌ دونهم. وإذا أُلحِق بعضٌ بهم؛ فهذا مِن بابِ يعني الإلحاقِ، ومِن بابِ: (أحِبُّ الصالِحين ولستُ مِنهُم)، وليس مِن بابِ أنَّه مُساوٍ لهم، أو أنه مُماثِلٌ لِدرجتِهم؛ فليُفهم هذا جيِّدًا.

فما يحصل مِن أنه فلان أخطأ في قَول، وهذا القولُ؛ قولٌ عِلمِي، قولٌ في الجرح والتعدِيل، قولٌ في الرَّدِّ على بعضِ البِدع والانحرافات؛ ثم إذا بهذا القول يكونُ فيه إسقاط واستئصالٌ لهذا الإنسان! (لا تسمعوا مِنه. . لا تجلسوا له. . لا تَنشُروا له. .)! هذا أمر يُخالف ما عليه أئمتُنا، والكلامُ حاضر، والحُجةُ ظاهرة.

قال: "فالخطأ لا يُوجِبُ التنفيرَ منه، ولكن يُنبَّه على الخطأ الذي وقَع منه، فكلُّ إنسانٍ له أخطاء، ولكنَّ الاعتبار بما غلبَ عليهِ".

هذه قاعدة مهمة -يا إِخواني!-؛ فلنقفْ عندها كثيرًا -ولا أقولُ قليلًا-: "ولكنَّ الاعتبار بما غلبَ عليهِ".

الآن: فلننظرْ إلى بعضٍ ممن اختُلف في الكلامِ عليهم (مِن أهلِ السُّنة) -في هذا الزَّمان-، ولا نريد أن نسمِّي أسماءً، ولكن؛ لنطبق هذه القاعدةَ العِلمية الصحيحةَ الصريحة على هذا الواقعِ المُعاش -في زمانِنا هذا-.

عندما نقولُ: (فلانٌ ورد عنه أنه يُكفِّر)؛ هل هذا التكفيرُ الذي وَرد عنه هو كلمةٌ في سِياق مُبهَم حمَلنا عليه هذه الكلمةَ؟ أم هذا منهجٌ له في طريقِه، وفي سُلوكِه، وفي دعوتِه؟! هذا واحِد.

اثنَان: فلانٌ ورد عنه أنه يُثني على بعضِ أهلِ البِدَع؛ هل هذا الذي يُثني عليهم شيء مرَّ عَنه، ونُقِل عنه مَرَّة فمرَّ؟ أم أنه شيءٌ مُستقرٌّ عنده، يَنفخ فيه، ويعظِّمه، ويُعلي شأنَه، ويرفعُه؟ أنا أسأل: هل يَستوِيان؟ لا يَستوِيان. إذا كانا لا يَستويان؛ هل يُقال: إنَّ جَعْلَهما في مرتبةٍ واحدةٍ حقٌّ وعدلٌ؟ أم ظُلم؟ أنا أقول -لا شكَّ، ولا ريبَ -أقولُها مرتاحًا-: إنَّ جعلَ هذا كمثلِ ذاك في مَرتبةٍ واحدة؛ ظلمٌ وأيُّ ظُلم! ولكن؛ لا نسكُتُ عن خطأِ الأول التي مرَّت فيه كلمة التَّكفير هذه، والتي قُلنا بأنه لم يَجعلْها دَيدَنًا له، وطريقًا له، وبخاصة أننا نَعرِفه أنه ليس مُكفِّرًا، لكنَّنا؛ نُنبِّهُه على خطئِه، ونُحذِّره مِن خطئِه؛ بل أقول: بل قد نحذِّر مِن خطئِه هذا؛ نقول: أخطأ فلانٌ في كذا وكذا. لكن -كما قال الشيخُ ابنُ باز-: لا نُنفِّر منه لهذا الخطأ. حتى لو تنوَّعت الأخطاءُ، لكن هي واحدة هُنا. . وواحدة هنا. . مَن ذا الذي لا يُخطِئ؟! كما قال الإمامُ الذهبيُّ في "الميزان": "مَن ذا الذي لا يُخطئ؛ أ(شُعبةُ)؟ أ(مالِك)؟" (شعبةُ) مِن أجلِّ أئمةِ الحديث، و(مالِك) مِن أجلِّ أئمةِ الفِقه. إذا كان هؤلاء الأئمة. . (ابنُ خزيمةَ) ألَم يُؤخذ عنهُ بعضُ الخطأ في العقيدةِ؟ (ابنُ قُتيبة) ألَم يُؤخذ عنهُ بعضُ الخطأ في العقيدةِ؟ أئمةُ السَّلفِ. . ألَم يَنتقد شيخُ الإسلام ابنُ تيمية، وبعضُ مشايخِنا المعاصِرين (عثمانَ بنَ سعيدٍ الدارِمي) في أنَّه غَلا في بعضِ الإثباتِ في بابِ الصِّفات؟ ألَم يَنتقدوا الإمام (أبا يَعلَى) في بعض مسائلِ الصِّفات وبعض مسائلِ الإيمان؟ ولم نَعلم أنهم قالوا: إنَّ هذا خارجٌ عن منهجِ أهل السُّنة! وإن هذا مُبتدع! وهذا يُستأصَل! وهذا يُسقط! وهذا لا وَزن له! وهذا لا حقيقةَ له! {إِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا}. مِن الأصولِ التي -إذا تيسَّر لنا الوقتُ- سنذكُرها: (العَدل)-، وقد أشرنا في مجلس الأمس -أو في مجلسِ أمسِ- إلى كلمةِ شيخ الإسلام ابن تيميَّةَ في الإنصافِ، وأنَّ الواجبَ عدم ظلمِ المُنتَقد والمردود عليه، حتى لو كان مُبتدِعًا. يعني مبتدِع؛ بدِّعه، لكن؛ لا تُقوِّله ما لم يَقُل، لا تَظلِمْه في الحُكْم، تَكلَّم عليه بِمقدارِ الواجبِ، أمَّا أن نُعطي الأمورَ أكبرَ مِن حجمِها، ونُقوِّل هذا وذاك أكثرَ مِن قولِه؛ فهذا فيه ما فيه.
سُبحان الله! لا زِلنا في الصَّفحة الأولى!! وبقي وقتٌ قليل. أنا كنت أظنُّ سنقرأ -كلَّها- وننتهي. . على كل نعجِّل بالخير -إن شاء الله-.

قال: "فكلُّ إنسانٍ له أخطاءٌ، ولكنَّ الاعتبار بما غَلب عليه، وبما عُرِف عنه مِن العقيدة الطيبةِ... فالواجبُ على علماءِ السُّنة التَّعاوُن على البِرِّ والتَّقوى". أين هذا الواجِب؟ أين وُجودُه؟ أين صُوَرُه؟ أين مجالاتُه؟ يكادُ يكونُ قليلًا! ولا أريدُ أن أقولَ (نادرًا)!
قال: "فالواجبُ التعاونُ على البرِّ والتَّقوى، والتَّناسي عما يقعُ -مِن زلةٍ وهفوةٍ-". لا نقول -نحن- (التَّناسي)؛ -يعني- هذه قد نفسِّرها للشيخِ -رحمه الله- بأجمل. . لا نقول: (التَّناسي)، لكن نقول: (التَّناصُح). إذا قلنا: (فلانٌ أخطأ؛ ننسَى - أو نتناسَى- خطأَه)؛ قد نُنتَقد! بل أنا أقول: لو هذه الكلمة قالَها غيرُ الشيخ ابنِ باز؛ لحُملت عليه، وأُخذت عليه، و(قد) يُبدَّع بسببِها! أقول: (قد)! ولكن نحنُ نفهمُ هذه الكلمة: (التَّناسي)=بمعنى (التَّناصح)، وعدم تضخيمِ الأمورِ؛ هذا مِن بابِ حُسنِ الظنِّ بأهلِ العِلم، وأهلِ السُّنَّة، ويُروَى -في ذلك- أثرٌ عن عُمرَ -رضي الله عنه- أنه قال: "إذا سَمعتَ مِن أخيك كلمةً؛ فاحْمِلْها على أحسنِ ما تُحمل عليه" أو بهذا المعنى -رضي الله عنه-.
قال: "فالواجب ... التَّناسي عما قد يقعُ -من زلةٍ وهفوةٍ-. مَن ذا الذي يسلَم؟ المُهمُّ أن تكونَ الدعوةُ سَلفيَّةً" الكلام للشيخ ابن باز "المُهمُّ أن تكونَ الدعوةُ سَلفيَّةً على طريق الصحابة -رضي اللهُ عنهم وأرضاهُم-، وأتباعِهم بإحسان". قال: "فالداعي إلى الله، والعالِم الموجِّه إلى الخيرِ إذا أخطأ؛ فلَهُ أجرُ الاجتهاد، وإذا أصابَ؛ لَه أجْران، ما دام على الطريقةِ السَّلفية، طريقةِ أهلِ السُّنَّة، ما دام مُوَحِّدًا قاصِدًا الخير".

ومع ذلك -أُكررُ وأقول-: ننصحُه ونصبرُ عليه، ولا نأخذُه بهذا الخطأ -وإن كنَّا نؤاخذُه به-، (لا نأخذُه به -وإن كنَّا نُؤاخذُه به-). فيه فَرْق، ولا ما فيه فَرق؟ فيه فَرق. (لا نَأخذُه به)= إسقاطًا واستِئصالًا، وتبديعًا، وتَضليلًا. ولكنْ (نُؤاخذُه به)= مُناصحةً، وتذكيرًا، وبيانًا، وتعليمًا -وإنْ كان مِن الأدنَى إلى الأعْلى، ومِن الأقلِّ إلى الأكْثَر، ومِن الأصْغَرِ إلى الأكبَرِ-؛ فالحقُّ هو الأعظم، والحقُّ هو الذي تُوجَّه إليهِ القُلوب والعُقول، وكلٌّ له مَكانته، وكلٌّ له منزلتُه.

قال: "وأوصيكم بالتعاونِ و... الرِّفق بالدَّعوة، وحُسن الظنِّ بإخوانِكم -أهلِ السُّنة-، وعدم نشرِ ما يُشوِّه سُمعتَهم -مِن أغلاط-؛ بل عالِجوها بالطُّرق القيِّمة؛ بالمحادثةِ بينكم، بالاتِّصال الهاتفيِّ، بالزيارِة، بالمكاتبةِ الطَّيبة؛ حتى تزولَ الوَحشة، وحتى يتضِّحَ الحق، وحتى يَزولَ الخطأ، والهدفُ هو طاعةُ اللهِ ورسولِه" -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- . هذا كلام الشيخ ابنِ باز في (الجزءِ السابعِ والعشرينَ)، في (الصفحةِ التاسعةَ عَشرة).
ويقول -في الجزء (السابِع)، في الصفحة (السادسةَ عشرةَ بعد الثلاثِمئة)- يقول: "وقد شاعَ -في هذا العَصرِ- أنَّ كثيرًا من المنتسِبين إلى العلمِ والدعوةِ إلى الخيرِ يَقعُون في أعراضِ كثيرٍ مِن إخوانِهم الدُّعاةِ المشهُورِين، ويتكلَّمون في أعراضِ طلبةِ العلم والدُّعاة والمُحاضِرين، يفعلون ذلك سِرًّا في مجالِسهم، وربما سجَّلوه في أشرطةٍ تنشر على النَّاس، وقد يفعلونَه علانيةً في محاضراتٍ عامةٍ في المساجِد".

وأقول -الآن- بعد كلِّ هذه السَّنوات مِن وفاةِ الشيخ-رحمه الله-؛ بل منذ توجِيهِه هذا -رحمةُ الله عليه-، أقول: والآن وُجدت في الأمةِ فتنةٌ يُنشَر بها هذا البلاءُ وهذا السُّوء أكثر مِن الأشرطة والمحاضرات -فضلًا عن السِّرِّ-؛ وهو: (الإنترنت)!

الآن ترى أسماءً في (الإنترنت)، وكلماتٍ وردودًا لأناسٍ لم يُعرفوا بِعلمٍ، ولم يُعرفوا بِحُجةٍ، ولم يُعرَفوا بطلبِ عِلم، ولا بتزكيةِ علماء، يقول: فلانٌ (سَيفُ السُّنة)! -ما شاء الله!!-، فلان (صخرةُ الإسلام)!! هذه ألقابُهم، ذكَّرونا بقولِ القائل:

أَلقابُ مَملَكَةٍ في غيرِ مَوضِعِها .. كالهِرِّ يَحكِي انتِفاخًا صَولةَ الأَسَدِ

هذا حالُ هؤلاء!! وفي الحقيقة: كثرتُهم وتوافرُهم وتعاضدُهم -على ما فيهم مِن باطل- يؤثِّر في نفوسِ أهلِ السُّنة، ويؤثِّر في نفوس بعضِ أهلِ العِلم، والواجبُ أن يكونَ العالِم مُؤثِّرًا لا مُتأثرًا، حتى قرأتُ لبعضِ أهلِ العِلم -مِن كلامِهم- أنهم كانوا يَقولون: لو أنَّ هذا الكلامَ صحيحٌ -كلام مُعين، كلامٌ ما-؛ لنُقل في الإنترنت!! أو لتناقَله الناسُ فيما بينهم!! متى كان هذا النَّقل -على هذه الصفة- حُجة في الناس؟! حُجة في دينِ اللهِ ربِّ العالمين -سبحانه وتعالى-؟! إذًا: هذا الوَجه، وهذا النَّشر؛ هو مِن السُّوء، ومِن نشرِ السُّوءِ -كما يقول سماحةُ الشيخ -رحمه الله-تعالى-.

قال: "وهذا المسلك مخالفٌ لما أمر اللهُ به ورسولُه مِن جهاتٍ عدة منها:

أولًا: أنه تعدٍّ على حقوقِ الناسِ؛ مِن المسلمين؛ بل مِن خاصة الناس؛ مِن طلبةِ العلم...".

الآن سنختصر شيئًا فشيئًا.

"ثانيًا: أنه تفريقٌ لوحدةِ المسلمين وتمزيقٌ لصفِّهم، وهم أحوجُ ما يكونُون إلى الوِحدةِ، والبُعدِ عن الشَّتاتِ والفُرقةِ، وكثرةِ القِيل والقالِ -فيما بينهم-، وبخاصةً أن الدُّعاة الذين نِيل منهم هُم مِن أهل السُّنَّة والجماعة المعروفين بِمحاربةِ البِدعِ والخُرافات، والوُقوفِ في وجهِ الدُّعاةِ إليها، وكشفِ خُططِهِم وألاعِيبِهم".

كأن الشيخ -رحمه الله-قبل كلِّ هذه السَّنوات- يَتكلَّم عن هذا الواقع، ويتكلَّم عن أناس مِن أهل السُّنة تُكلِّم فيهم بغير حقٍّ، -لا لأخطاء أخطؤوها؛ أقول (بغيرِ حقٍّ)-؛ لكنَّ الخطأ فيهم؛ لا يجوزُ أن يكونَ سببًا للتخلصِ منهم، أو لاستئصالِهم، أو إسقاطِهم.
وأذكِّر أن هذا الكلامَ يجب أن نضبطَه، وأن نربطَه بمحاضرة أمس، ومحاضرة أمسِ الأول: (فِقه، أو ضوابط الائتلاف)، و(ضوابط الاختلاف) ونفهم هذا في ضوء ذاك.

"ثالثا : أن هذا العملَ فيه مظاهرةٌ ومعاونةٌ للمُغرِضين -مِن العِلمانيين والمستغرِبين وغيرهم مِن المَلاحدة- الذين اشتهر عنهم الوقيعةُ في الدعاة، والكذب عليهم، والتحريض ضدَّهُم فيما كتَبوه...، وليس هذا مِن حقِّ الأخوة الإسلامية...
رابعًا : إنَّ في ذلك إفسادًا لقلوب العامَّة والخاصة، ونَشرًا وترويجًا للأكاذيبِ والإشاعاتِ الباطلة، وسببًا في كثرة الغيبةِ والنميمةِ، وفتح أبواب الشرِّ على مَصاريعِها [لضعفاء] النفوس...

خامسًا : أن كثيرًا مِن الكلام الذي قِيل؛ لا حقيقةَ له، وإنَّما هو مِن التوهُّمات التي زيَّنها الشيطانُ لأصحابِها، وأغراهُم بها، وقد قال اللهُ -تعالى- : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا}".

قال: "والمؤمنُ ينبغي أن يحملَ كلام أخيهِ المسلمِ على أحسنِ المحامِل ، وقد قال بعضُ السَّلف" وهذه هي الكلمة التي ذكرتُها، وأشرت إليها أنها عن عمرَ -رضي الله عنه-. قال: "وقد قال بعضُ السَّلف: (لا تظنَّ بكلمةٍ خَرجت مِن أخيكَ سوءًا، وأنت تجدُ لها في الخيرِ مَحملًا)".

الآن -وللأسَفِ- عند كثير مِن كَتبةِ (الإنترنت)، وعند كثير مِن دُعاة الإسقاطِ والاستِئصال والتَّجريحِ (بالباطلِ). . وهذا لا يَجوزُ أن يفهمَ منه أحدٌ-مِن هؤلاء المحمِّلة القولَ على غيرِ وجهِهِ-أنَّنا نُبطل الردَّ على المُخالف؛ (الرَّد على المُخالِف) أصلٌ، لكنْ؛ هذا الأصلُ له ضوابط، ولهُ وُجوهٌ تُراعَى فيه -أشرنا إلى بعضِها-، أو أنَّنا -بذلك- نُهوِّن مِن أمر (الجَرح والتَّعديل)؛ لا. وغدًا كلامُنا -إن شاء اللهُ- عن موضوعِ: (الجرحِ والتَّعديل) وما فيه مِن ضوابط، وما فيه مِن أصولٍ وقَواعد؛ حتى تنضبطَ الأمورُ -كلُّها- كأنها عِقدٌ مَنظوم -بإذن الله -تبارك وتعالى-.

قال: "سادسًا: وما وُجد مِن اجتهادٍ -لبعض العلماء وطلبةِ العلم-فيما يَسوغ الاجتهادُ فيه-؛ فإنَّ صاحبَه لا يؤاخَذُ به، ولا يُثرَّب عليه -إذا كان أهلًا للاجتهاد-؛ فإذا خالفَه غيرُه -في ذلك-؛ كان الأجدرُ أن يجادلَه بالتي هي أحسن؛ حرصًا على الوُصول إلى الحق -مِن أقرب طريق-، ودفعًا لوساوس الشيطان، وتحريشِه بين المؤمنين".

هذه أخلاق أهلِ الإيمان، هذه أخلاقُ أهلِ العَدل والإحسان، هذه الأخلاقُ الضائعةُ التي لا نكاد نجدُها -في أيامِنا هذه- إلا في نفرٍ قليل مِن خاصة مِن أهل العلم، ونرجو لهؤلاء الخاصة -مِن العُلماء- أن يكونوا مُؤثِّرين فيمَن حولهم، لا أن يكونوا مُتأثِّرين بهم-في كثرةِ القِيلِ والقَال-، وقد قيل -مِن قبلُ-: (جُبلتِ القُلوب على حُبِّ مَن أحسنَ إليها).

رأيْنا، وعَرفنا، وعاينَّا، وعايَشْنا أناسًا يلتفُّون حول بعضِ أهلِ العلم؛ يُحسنون إليهم، ويتودَّدون إليهم، ويتقرَّبون إليهم، ويُكرِمُونهم. . و.. و.. حتى يؤثِّروا في قلوبِهم، فإذا أثَّروا في قلوبِهم؛ صار قولُهم مقبولًا عندهم، صارُوا كأنَّما هم عُيونهم، صارُوا كأنما هُم الناطِقون بألسنَتِهم؛ وهذا يجبُ أن يكونَ فيه الحذرُ، وفيه التأنِّي، وفيه عدمُ العَجلة، وفيه التيقُّظ؛ بدلًا مِن أن نثقَ بِمَن ليس أهلًا للثِّقة.

ورضي اللهُ عن ابنِ مسعودٍ القائلِ: "السَّعيدُ مَن وُعظَ بِغَيرِه"، وأجلُّ مِن ذلك قولُ رسول الله -صلَّى اللهُ-تعالى-عليهِ، وعلى آلِه، وصحبِه-أجمعينَ-: "لا يُلدَغُ مؤمنٌ مِن جُحرٍ واحدٍ مَرَّتَينِ". أعرف -بالاسمِ- بعضًا مِن أهل العلمِ؛ كان حولَه بعضٌ مِن هذا النوع، ونفرٌ مِن هذا الجِنس، وكانت بينهم الثِّقة -في أوْجِها، وأعلاها، وذروَتِها-؛ فإذا به يكشفُ أنَّ هذا مُبطِل، وأن هذا مندسٌّ، وأنَّ هذا يتجسَّس عليه، وعلى أهلِ بيتِه. .! ومع ذلك؛ نَجد هذا العالِم -أو ذاك-لحُسنِ ظنِّه، ولسلامةِ قلبِه، ولطيبِ نفسِه- تتكررُ معه المشكلةُ -ذاتُها-، و الفتنةُ -نفسُها-! ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله.

هذا -إخواني!- أهمُّ ما ينبغي أن نذكُره، ولكن نذكُر نصًّا أخيرًا في آخرِ دقيقةٍ -أو دقيقتين-، في (المجلد الثامنِ والعشرين)، في الصفحة (الرابعةِ والخمسين بعد المئتَين) -أيضًا- مِن كلام سماحةِ الشيخ عبدِ العزيز بنِ باز.

قال: "وإذا كان" أي: المردود عليه "مِن أهلِ العَقيدةِ السَّلفيَّة، ووقع في بعضِ الأغلاطِ؛ فيُترَك الغَلَط، ولا يخرُج -بهذا- مِن العقيدةِ السَّلفيَّة، إذا كان معروفًا باتِّباع السَّلف، ولكن تقعُ منه بعضُ الأغلاطِ في بعضِ شُروحِ الحديث، أو في بعضِ الكلماتِ التي تَصدُر منه، فلا يُقبل الخطأ، ولا يُتَّبع فيه".

هذا كلام العِلم، هذا كلام العَدل، هذا كلامُ الحقِّ، هذا كلامُ الإنصاف، هذا هو الكَلام الذي يجبُ أن نطبِّقَه على غيرِنا -كما نحبُّ أن نطبقَه على أنفسِنا-؛ مِصداقًا لقولِ رسولِنا الكريم -صلَّى اللهُ عليهِ، وعلى آلهِ، وصحبِه-أجمعين-في "الصحيحين"-: "لا يُؤمِنُ أحدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ".

والكلام لا يزالُ فيه الكثير، ولم أقرأ كلمةً واحدة مما حضَّرته، وتعبتُ عليه -أربعَ ساعاتٍ وأكثر-، واكتفيتُ بهذا الكلامِ الذَّهبيِّ، لهذا الإمامِ العالِم الجليلِ -رحمهُ الله-، وفيه خيرٌ -بألفِ مرةٍ ومرةٍ- مما قرأتُ، ومما حضَّرتُ.

ولا حول ولا قوة إلا بالله ...





طباعة
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل

Powered by: MktbaGold 6.5