أصول في المنهج - 5 - الجَرح والتعديل

(5)
الجَرح والتعديل

إنَّ الحمْدَ للهِ، نَحمدُهُ، ونَستعينُه، ونَستغفِرُه، ونَعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفُسِنا، وسيِّئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِلْ فلا هادِي له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا الله، وحدهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه.

أمَّا بعدُ:

فإنَّ أصدقَ الحديثِ كلامُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، وشرَن الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ مُحدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضَلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النَّارِ، وبعدُ:

فهذا هو لِقاؤُنا الأخيرُ -في هذه الدَّورة العلميَّة المبارَكة-، وهو بعنوان: "الجَرح والتَّعدِيلُ"، وهو آخرُ أربعِ محاضراتٍ، أوَّلها بعنوان: "ضَوابط الائتِلاف"، والثانية بعنوان: »ضوابط الاختِلاف«، والثالثةُ بعنوان: "الرَّد على المخالفِ"، واليوم -آخرُ هذه المحاضرات- وهي بعنوان: "الجَرحُ والتَّعدِيل".

وهذه المحاضرات انتظمها عنوانٌ كبيرٌ؛ اسمُه: "أصولٌ في الَمنهَج"، وهذا العنوان يُبيِّن أن محاضرةَ "الجَرحِ والتَّعدِيل" ليست هي -نفسَها- تِلكُم المحاضَرات -التي يَعرفُها طلبةُ العِلم- في عِلم "الجَرحِ والتَّعدِيل" المعروفِ في كتبِ أهلِ الحديث، والتي له -أظن-في هذه الدَّورة- مكانٌ خاصٌّ، ومَوضِعٌ خاصٌّ، ومحاضَرات خاصَّة، وهي محاضراتُ فضيلةِ أخِينا الأستاذِ الدُّكتور باسِم فَيصل الجَوابرَة -حفظه الله-تعالى-ونفع به-.

أقولُ هذا؛ لأبيِّن مسألةً مُهمَّة؛ وهي: أن (الجَرح والتَّعدِيل) -الجاري استعمالُه حاضرًا- ليس هو (الجَرح والتَّعدِيل) الذي كان عندَ أهلِ العِلم بهذا الاسمِ -قديمًا-، وإن كانت الأصولُ جُلَّ الأُصول، والأسُسُ جُلَّ الأُسُس؛ لكنَّ علمَ (الجَرح والتَّعدِيل) عندما أُنشِئَ، وبُدِئَ به، وبُدئ في التَّصنيف فيه؛ كانت الغايةُ الأُولى مِنه: صِيانةَ الحديثِ النَّبوي، وحمايةَ المَرويَّات -مِن الوضَّاعين، والكذَّابين، والضعفاءِ، والمدلِّسين . . وغير ذلك-.
والدليلُ على هذا التَّفريق: أنَّ أهلَ العِلم -مِن أهلِ الحديث- كانوا يَقبلون روايةَ الثِّقاتِ (مِن أهلِ البِدع)، فيَجعلون بدعةَ الواحدِ عليه، وروايتَه لأهلِ السُّنة -ما دام أنه لم يُعرَف بِكذبٍ، لم يُعرف بِوَهَن، لم يُعرف بِسوءِ حِفظ، لم يُعرف بشديدِ ضَعف، لم يُعرَف بِتدلِيسٍ، لم يُعرَف باختلاطٍ .. إلى آخر ما هنالك مِن أسبابِ الضعفِ المشهورةِ والمعروفة -عند أهلِ العلم-.

بينما (الجَرح والتَّعدِيل) (المعاصِر)؛ إذا عُرف عن شخصٍ أنه مُبتدِع؛ فهذا أمرٌ يَكفيهِ لإسقاطِه، -ونحن مع هذا القولِ-حتى لا يُفهَم عنا غير ما نَقول! وبخاصةٍ أننا في زمانٍ الظلمُ والتَّقوُّل والتَّمحُّل فيه كثير -وللأسفِ الشديد!-.

فابتداءً نَقول -ونُذكِّر بهذا التَّفريق-أولًا-، ونذكِّر بهذا الواقِع -ثانيًا-: أن مَن ثبت أنه مُبتدِع؛ لا يجوز أن نأخذَ عنه -في هذا البابِ- مُطلقًا، بِخلاف صَنيع أهلِ العلم -مِن علماءِ الجَرح والتَّعدِيل-قديمًا-، الذين قَبِلوا مِن المبتدِع روايتَه؛ لأن رِوايتَه أعظمُ للأمَّة، وبِدعَتَه عليه؛ والأمرُ كان فيه تدوينٌ للسُّنَّة، وكان فيه جمعٌ للسُّنَّة، وكان فيه رِواية للسُّنَّة، وحِفظٌ للسُّنَّة؛ فلحِظوا هذا الملحَظ الدقيق -الذي يَعرفه كلُّ داخلٍ في هذا العِلم-.

نعم؛ هنالك بعضُ الشـروطِ الدَّقيقة -وليس بَحثُنا مُتعلقًا بها-. مثلًا: الرَّاوي المُتبدِع إذا روَى ما يُقَوِّي بِدعتَه؟ عند أهلِ العِلم -في ذلك- وقفة، ونظَر، وتَدقيق، وتَمحيص. وكما قلتُ: هذا ليس بابَنا؛ إنَّما البابُ الذي نتكلَّم فيه: (بابُ الجَرحِ والتَّعدِيلِ) فِيمَن وقع في بِدعةٍ، أو وقع في أخطاءٍ، ثم ننظُر؛ هل هذه الأخطاءُ تُبدِّعُه. . تُخرِجُه؟

وأظن أنني تكلمتُ -في محاضرةِ أمسِ- عن نقطةٍ مهمةٍ في موضوعِ (الرَّد على المُخالِف) -مُشيرًا إلى أن الموضوعَينِ مُتداخِلان-، وقد كانت الكلمات -أقول- الذَّهبية التي قرأنا مِن كلام سماحةِ أستاذِنا العلامة الشيخ عبدِ العزيز بن باز -رحمهُ اللهُ-تعالى- أمسِ- كانت مفيدةً جدًّا، ويجب أن تكونَ -أقول- مِيثاقًا بين دُعاةِ الكتابِ والسُّنَّة؛ لأنها كلماتٌ مَبنيَّة على التَّأصِيل الشـرعيِّ -أولًا-، وكلماتٌ مَبنيَّة على العِلم والحِلم-ثانيًا-، وكلماتٌ صادرةٌ مِن عالم فَحلٍ حَبْرٍ، مُعايشٍ لكثيرٍ مِن أهلِ الأهواء، ومُعايشٍ لأكثرَ مِن أهلِ السُّنَّة، ومُذكِّرٍ للمُخطئ منهم، بل مُتفاعل مع هذه التَّخطئةِ؛ فكان كالأبِ الحَاني الحَنون لكثيرٍ -بل لكلِّ أبنائِه- مِن أهلِ السُّنة؛ يضمُّ المخطئَ وينصحُه،
ويَزجُر المُكابرَ ويطعنُه .. وهكذا.

فالكلامُ يجب أن يُفهمَ على هذا الأصلِ.

ولكنْ؛ هنالك أصولٌ عامة نَذكرُها؛ لنربطَها بين هَذَيْن العِلمَين: (علم الجَرح والتَّعدِيل) بصورتِه القديمة، و(علم الجَرح والتَّعدِيل) بالصُّورة المُعاصِرة. فهنالك قضايا وأُصولٌ تُذْكَر (في العصـرِ الحديث) مَبنيَّةٌ على أصولِ أهلِ العلم (في العَصـرِ الماضي). ونحن مع هذا الرَّبطِ؛ لأننا -ونحنُ نذكرُ هذه التأصيلاتِ-في هذا العصـرِ، ونكرِّرُها، ونقرِّرها؛ ومع ذلك -يعني إنْ جازَ التَّعبير- فنحن في انفِلاتٍ، وعدم انضباطٍ في تطبيق هذه القواعدِ وتَنزيلِها! ونَرى التَّجريحَ (دون التَّعدِيل) -في أكثرِ الأحوالِ-، ونَرى التَّبديعَ والتَّضليلَ -في معظمِ الأحايِين-، في أمورٍ؛ لو قارَنْتَها في واقعِ عُلمائِنا الكبارِ: (الشيخ ابن باز -خاصَّة-وقد ذكرْنا كلامَه-، والشيخ ابنِ عُثيمين، والشيخِ الألباني)؛ لا نَرى أن هذه تكون كافيةً -لو عُرضتْ عليهم- لِتبديعِ هذا، أو ذاك!

إذًا: أولُ شيءٍ نذكرُه ونقرِّرُه: أنَّ علمَ "الجَرح والتَّعدِيل" عِلم مستمِرٌّ ومُستقِرٌّ؛ ليس عِلمًا مُذبذَبًا -وإن اختلف أهلُ العِلم في تطبيقِه-، وهذا ما سنشير إليه.

الأمرُ الثَّاني: أنَّ مِن قواعد الجَرح والتَّعدِيل قواعدَ مهمة جدًّا؛ يجبُ فهمُها ووعيُها والتركيزُ عليها -فيما نحنُ فيه-:

أولًا: عِلم الجَرح والتَّعدِيل؛ هل هو فَرضُ عينٍ، أم فرضُ كفاية؟ هو -باتِّفاق العلماء- فَرض كِفاية، وليس فَرض عَين. وعَليه: فإلزامُ كلِّ داعٍ إلى الكتابِ والسُّنَّة أنْ يكونَ له مَوقف، وأن تَكونَ له كلمةٌ في كلِّ مُحدِث، في كلِّ مُبتدِع، في كل مُخطِئ؛ هذا لا يُعرف في تاريخِ الإسلام!

ولعلَّنا قد ذكرْنا مثالًا على ذلك -في المجلسِ الأوَّل-: الإمامُ ابنُ أبي الدُّنيا، وهو مِن أئمةِ الحديثِ، وأئمةِ الرِّواية، له عَشـراتُ الكُتب؛ ولا يُعرف له كتابٌ واحدٌ في الجرحِ والتَّعديل! وهو مِن ثقاتِ أئمةِ المسلمين، ورُواتِهم، وحُفَّاظِهم! وقِس على ذلك أمثلةً كثيرة. . وسيأتينا تكرارٌ وتوكيدٌ لهذا المعنى -فيما بعدُ-.

الأمرُ الثَّاني: هل تطبيقاتُ علمِ الحديثِ تطبيقاتٌ مَبنية على الإجماعِ، أم أنَّ الخلافَ فيها كالخلافِ في غيرِها -مِن كلامِ أهلِ العِلم-؟ هي ليستْ على الإجماعِ؛ بدَليل ما نَراهُ في كُتب التَّراجم؛ إذا فتحتَ كتابَ: "تهذيبِ التَّهذيب"، "تهذيبِ الكَمال"، "مِيزانِ الاعتِدال"، "لِسان المِيزَان". .؛ فإنك واجدٌ -ولا بدَّ- أنَّ المختلَفَ فيهم قد يكونونَ أكثر مِن المتَّفَق عليهم! ومَع ذلك؛ لم نعلَمْ -وهذه هي الثَّمرة- أنَّ أحدًا -مِن أهل العلم- ممن بدَّع واحدًا- أنَّ أخاه الذي وثَّقه أنكرَ عليه، أو أن هذا أنْكَر على الموثِّق. نعم؛ قد يكونُ هُنالك تَواصُل، قد يكونُ هنالك مُناصَحَة، لكن؛ أن يكونَ هذا الأمرُ، أن يكونَ هذا الخلافُ سَببًا في المُفارَقة والتَّفرِيق-فضلًا عن المنازَعةِ، والمدابَرة، والمُشاحَنة. . فضلًا عن التَّبديع لهذا مِن ذاك، أو مِن ذاكَ لهذا في هذا الراوي المختَلَف فيه، أو ذاك-؛ فهذا -أيضًا- لا يُعرف في تاريخِ الإسلامِ.

الأمرُ الثاني: عندما نقول: (لا يُقبَل الجَرحُ على الإبهام)؛ هذه تحتاجُ إلى تَفصيلٍ: إذا وُجد عندنا راوٍ مُعدَّل -أو شَخصٌ مُعدَّل-؛ فلا يُقبَل الجرحُ على الإبْهام؛ يعني: الجَرحُ مُبهَم؛ أن لا يُقبَل. لكن؛ إذا عندنا رَاوٍ ليس فيه إلا هذا الجَرح الُمبْهم، وليس فيه تَعديل؛ فأرجحُ الأقوالِ أنَّ هذا الجرحَ مَقبُول؛ لأنَّه ليس يُقابلُه تعديلٌ يُضادُّه -حتى نجعلَ هنالك ممايزَة، أو مُقارنة، أو مُراجَحة بين الأقوال-.

عندما نقول: (لا يُقبَلُ الجَرحُ إلا مُفسَّـرًا)؛ نقول هذه قاعدةٌ صحيحة، لكن؛ هل كلُّ جَرحٍ مُفسَّر يجب قبولُه مِن كلِّ سامعٍ له؟ إذا ادَّعينا هذه الدَّعوى؛ فإننا سنظلمُ تاريخَ أهلِ الحديث، ونجعل اختلافَهم في الجَرح والتَّعدِيل على أمورٍ واضحة؛ هم أجلُّ مِن ذلك!
بمعنى: إذا قلنا بأنَّ كلِّ جَرحٍ مُفسَّـر مقبول؛ إذًا اختلاف أهلِ الحديثِ على أمورٍ يَسيرةٍ جدًّا، وهَيِّنة جدًّا، وإمامتُهم ومكانتُهم أعظم مِن ذلك. هل لم يختلفوا إلا على الجَرحِ المُبهَم؟ هل لم يختلفوا إلا في الرُّواة الذين ليسَ فيهم تَعديل؟ هذا غيرُ صحيح! وعندنا من نصوص أهلِ العلم في عدم قبولِ الجرحِ -حتى لو مُفسَّـرًا- ليس ردًّا للحُجَّة، ولا نقضًا للجارِح، ولا رفضًا لحُكمِه، ولكن؛ لِعدمِِ قَناعةِ الطَّرف الآخَر بأن هذا الجَرح مُفسَّـر.

إذًا: (الجَرح المفسَّـر) قد يكونُ عند صاحبِه مُفسَّـرًا، ولا يكونُ عند الآخَرين مُفسَّـرًا، قد يكونُ عند بعضِهم مُفسَّـرًا، ولا يكونُ عند البعضِ الآخرِ مُفسَّـرًا. فمَن لم يقبل الجرحَ المفسَّـر-في بعض الرواة، أو في بعض الأشخاص-؛ لا يُقال هذا ردَّ الجرحَ المفسَّـر؛ وإنَّما يقال: هذا ليس عنده هذا الجرح مُفسَّـرًا، ولم يَقبلْ هذا الجرحَ؛ لأنه يرى أنه غيرُ كافٍ في تجريحِ هذا الراوي -حتى لو كان مُفسَّـرًا-.
ممكن -الآن- عندما نقول: (الجَرح والتَّعدِيل)، وعندما نعتبر أنَّ الثقةَ هو العَدلُ الضَّابط؛ الآن عندما نقول: (العَدْل)؛ أليست (العَدالة) -أيها الإخوةُ في الله!- أمرًا يختلف باختلافِ الزَّمان والمكانِ والأعيانِ؟ هل (خَوارِمُ المروءة) التي كانت في زمن أئمةِ الجَرح والتَّعدِيل هي نفسُها (خَوارم المروءةِ) المعاصرة -التي في أزمانِنا هذه-؟ أنا أقولُ: لا؛ كثيرٌ منها لم يَعُد كذلك؛ لتغيُّر الأعراف، وتغيُّر الأديان في الناسِ -أعني: التدَيُّن فيهم-، ولتغيُّر (الثِّقة) وحُدودِها وضوابِطها. فإذا طبَّقنا أصولَ الجَرح والتَّعدِيل (الماضِية) -كما هِي- على العصورِ (الحاضرةِ) -كما هي-؛ فسَنخرُجُ بشـيءٍ آخَر؛ لا صلةَ له بالماضي، ولا صلةَ له بالحاضـر! وللأسف الشديد!

إذًا: يجبُ فهمُ وتفهُّم هذه الأصولِ على وجهِها.

الآن: نذكرُ أصولًا عامةً، في الحقيقة؛ هذه الأصول -يعني- كتبتُها على فَتراتٍ، وهي -جميعًا- تلتقي (علمَ الجَرح والتَّعدِيل) -كما ذكرتُ- في واقعِه الحالي، وكيف يجبُ أن نُنَزِّلَه. وبعضُ هذه الوجوهِ -وهي قريبٌ مِن ثلاثين وجهًا- بعضُ هذه الوُجوه قد يكونُ له صلةٌ ببعضِه، وقد يكونُ ما قبلهَ يَنبغي أن يُقدَّم عليه؛ لكن هي -إن شاءَ اللهُ- تحتاجُ إلى ترتيبٍ، وتهذيبٍ، وتَنسيقٍ، وتَصنيفٍ، وتَدليل؛ قد نتفرَّغ لها فيما نَستقبلُ مِن الزَّمان -إذا أعاننا ربُّنا الملِكُ العلَّام-.

أولُ ذلك: تغيُّر الزَّمانِ، وأثرُه في العِلم والعمَل.

طالما أن (الجَرح والتَّعدِيل) عِلم واقعيٌّ؛ كما قال بعضُ أئمتِه: "لولا حملةُ الدَّفاتِر، وأصحابُ المَحابِر؛ لخطبتِ الزَّنادقةُ على المنابِر"؛ يعني: أنَّ علماء (الجَرح والتَّعدِيل) هم حُماة الإسلام.

وللشيخ رَبيع بنِ هَادي -حفظَه اللهُ- رسالةٌ -بهذا المعنى- في بيان منزلةِ علماء (الجَرح والتَّعدِيل) ومكانتِهم -عبرَ العُصورِ-كلِّها-.

ولكنْ؛ عندما نذكُر تَغيُّرَ الزَّمان؛ نذكرُ فيه أمرًا مُهِمًّا جدًّا؛ وهو: قولُ النبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- : "إنَّكُمْ في زَمانٍ؛ كَثيرٍ عُلماؤُهُ، قَلِيلٍ خُطَبَاؤُهُ، مَنْ تَرَكَ فِيهِ مِعْشارَ مَا أُمِرَ بِهِ؛ فَقَدْ هَلَكَ" هذا في الأزمنةِ الأُولى.

ولا شكَّ ولا ريبَ؛ كما ذكر الإمامُ الذَّهبيُّ في"تَذكرة الحُفَّاظ" -أظنُّ في ترجمةِ أبي بكرٍ الصدِّيق-في أولِ الكتاب- ذَكر ما يُشير إلى: أنَّ عِلمَ (الجَرح والتَّعدِيل) ابتدأتْ خُيوطُه الأولى تتشابَكُ في عَصـرِ الصَّحابة -رضي الله-تعالى-عنهم-. إذًا: نَربطُ هذا بِذاك، ونَضبطُ هذا في ضوءِ ذَاك.

يقولُ النبيُّ -عليه الصلاة والسلام-مُتمِّمًا-: "وَسَيَأْتِي عَلَيْكُمْ"؛ "عليكم" -هنا-؛ أي: المسلمين، "وَسَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زمانٌ؛ كَثِيرٌ خُطَباؤُهُ، قَلِيلٌ علماؤُه، مَنْ عَمِلَ فِيهِ بِمِعْشارِ مَا أُمِرَ بِهِ؛ فَقَدْ نَجَا". الصُّورة الأولى: " كَثيرٍ عُلماؤُهُ، قَلِيلٍ خُطَبَاؤُهُ". الصُّورة الثانيَة: " كَثِيرٌ خُطَباؤُهُ، قَلِيلٌ علماؤُه". الصُّورة الأولى: "مَنْ تَرَكَ فِيهِ مِعْشارَ مَا أُمِرَ بِهِ؛ فَقَدْ هَلَكَ" . الصُّورة الثَّانِية: "مَنْ عَمِلَ فِيهِ بِمِعْشارِ مَا أُمِرَ بِهِ؛ فَقَدْ نَجَا".

هذا التغيُّر، وهذا الواقِع؛ هل هو تغيُّر في الجُدرانِ والأرضِ والهواءِ؟ أم هو تغيُّر متعلِّق بالأعلامِ، وبالأعيانِ، وبالنَّاس الذين يَعيشون هذا الزَّمان؟ وبالتَّالي: هل الأحكامُ -في صورتِها الأولى- كالأحكامِ -في صورتِها الثانيَة-؟ والواقع قد تغيَّر بنصِّ حديثِ رسولِ اللهِ في أسبابِ الهلاك، وأسبابِ النجاة؟

فهذا يجبُ أن يُراعيَه العالمُ -أو المتكلِّم- في باب الجَرح والتَّعدِيل.

ثم -أيضًا-: أثر ابنِ مسعود -رضي الله-تعالى-عنه-، عندما قال: "كَيفَ أنتُم إذا لَبِسَتْكُم فِتنةٌ؛ يَربُو فيها الصَّغيرُ، ويَهرَمُ فيها الكبيرُ، ويتخِذُها الناسُ سُنَّةً، حتى إذا تُركتْ؛ قِيل: (تُركَتْ السُّنَّة)"، قال: ومتى ذاكَ -يا ابنَ مسعودٍ!-؟ متى ذاك -يا أبا عبدِ الرَّحمـن!-؟ قال: "إذا كَثُرَتْ أُمراؤُكُم، وقلَّتْ فُقهاؤُكُم، وتُفُقِّهَ لِغيرِ الدِّينِ، وعُمل بِعملِ الدُّنيا عَمَلٌ للآخِرة" -أو كما قال -رضي الله-تعالى-عنه-. وحَكمَ شيخُنا على هذا الأثرِ الموقوفِ بأنَّه (حُكمه حُكم المَرفوع).

أنا أعتقد أنَّ هذا التأصيلَ مُهمٌّ جِدًّا -في هذا البابِ-.

الأمرُ الثَّاني: تنزيلُ آثارِ السَّلف على أزمانِنا هذه -بإطلاقٍ-؛ فيه شيءٌ مِن الخَلل! الزَّمان الأوَّل؛ كان السَّلفُ فيه مَنصورين، وكانت كلمتُهم هي النَّافذة، وكانت راياتُهم هي المرفُوعة، فأنْ نُنزِّل هذه الأحكامَ على هذه الوقائِع -بعدَ ألف ومِئتَين، أو ألف وثلاثمئة سنة-؛ هذا فيه خَلل!

بل أنا أذكُر أهمَّ مِن آثارِ السلفِ؛ ثم قِيسوا عليها: حديثُ النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- في ذِكر اليَهود والنَّصارى: "إذَا رَأَيْتُمُوهُمْ فِي طَريقٍ؛ فاضْطَرُّوهُمْ إلى أَضْيَقِهِ". مَن يستطيع مِنَّا-في أيِّ بلدٍ إسلامي، أو عَربي، أو غيرِ إسْلامي ولا عَربي- تطبيق هذا الحديثِ؟! مع أنه أصلٌ شَرعيٌّ، وحُكمٌ شَرعي، و متعلِّق في باب الهَجرِ والزَّجرِ والتَّشديدِ على المُخالِف؛ أليس كذلك؟ هذا أصلٌ؛ ومع ذلك لا نستطيعُ أن نتخذَ ذلك أصلًا وأساسًا؛ بسببِ تغيُّرِ الظروف، وتغيُّر الأزمان، وتغيُّر المكان، وتغيُّر الأعيان.

وكذلك الجَرح والتَّعدِيل: إذا نظرتُم في كثيرٍ مِن الأمورِ؛ لن تَستطيعوا أن تُطبِّقوها كما طبَّقها السلفُ الأوَّلُ -رضي الله عنهم-.

الأمرُ الثَّالثُ: النَّصيحةُ مَسؤوليَّةُ المُجتَمَع.

وهذا عنوانٌ لدَرسٍ وكتابٍ للشيخِ ربيعِ بنِ هادي -حفظهُ الله-. (النَّصيحةُ مَسؤُوليَّةُ المُجتمع)؛ قبل أن نجرِّحَ؛ ينبغي أن نفتحَ بابَ النَّصيحةِ، بابَ التَّواصي بالحقِّ، والتَّواصي بالصَّبر.

وما أجملَ كلمة شيخِ الإسلام ابن تيميةَ -رحمهُ اللهُ- عندما قال: "أهلُ السُّنة: أعرفُ الناسِ بالحقِّ، وأرحمُهم بالخَلقِ". انتبِهوا! قال: "بالخَلْقِ"؛ لم يَقُلْ بـ(الإنسانِ)، لم يَقلْ بِـ(أهلِ الإسلام)، لم يَقُل بـ(أهلِ السُّنَّة)، لم يَقُل بِـ(دعاةِ منهجِ السَّلف)، قال: "أرحمُهم بالخَلقِ"؛ حتى الحيوانات! "إذا ذَبَحْتُمْ؛ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وإذا قتلتُم؛ فَأَحْسِنُوا القِتْلةَ".

الآن: يُذبَح بالتجريحِ، والتَّضليلِ إخوانٌ لنا، وعُلماء -مِن علمائِنا- بهذا السَّيف بِغيرِ إحسانِ الذِّبحةِ! مَع أن إحسانَ الذِّبحةِ مَطلوبٌ لأنواع الخَلق؛ ومنها: الحَيوانات! وللأسَفِ الشَّديد!

أمرٌ آخَر: الحثُّ على الَمودَّةِ والائتِلافِ؛ أصلٌ مِن أُصولِ أهلِ السُّنَّة -في هذا الباب-.
وهذا عنوانُ محاضرةٍ -أيضًا- لِفضيلةِ الشيخِ ربيع -حفظه الله-تعالى-، وكانت أُولى مُحاضراتِنا -في هذه الدَّورةِ العلمية المبارَكة- (ضَوابط الائتِلاف)، وذكرْنا مِن كلامِ شيخِ الإسلام ابنِ تيميَّة ما يَشفِي، ويَكفِي، ويُوَفِّي -فرحمهُ اللهُ-تَعالى-.

فيجبُ أن ننظرَ -قبل أن نُباشرَ الجَرح والتَّعدِيل، أو الجَرح والتَّجريح، أو التَّبديعَ والتَّضليل-؛ يجبُ أن ننظرَ إلى أصلِ الائتِلاف، وإلى قاعدتِه، وأن ننظرَ إلى المصلحةِ والمفسدةِ المترتِّبةِ على هذا. أمَّا أنْ نُسقطَ علماءَ السُّنَّة -في بلدٍ مُعيَّن-؛ بحيث تبقَى السَّاحةُ -في هذا البَلدِ- لأهلِ البِدعِ، وأهلِ الضَّلال، وأهلِ الأحزابِ؛ بِحُجَّةِ أنَّ هذا السُّنَّيَّ أخطأَ في توثيقِ فُلانٍ؛ فَلَم يُجَرِّحْهُ! أو أخطأ في هذه الكلمةِ -التي لم نَفهَمها عنه-، أو زلَّ بها لسانُه، أو لم نَنصَحْهُ بها في أمرٍ؛ حَتى يُقال:

خَلا لكِ الجَوُّ فَبيضِـي واصْفُري .. ونَقِّري ما شِئتِ أنْ تُنَقِّري

وعندما سُئل الشيخُ عبدُ المحسنِ العبَّاد -حفظه الله- عن بعضُ أهلِ العِلم ممن تكلَّم فيهم بعضُ أهلِ العِلم -في بلدٍ إسلاميٍّ-؛ فماذا قال؟ قال: "إذا بدَّعنا هؤلاء؛ مَن يَبقى -في هذا البلدِ- مِن أهل السُّنَّة، ومِن دُعاة منهجِ السَّلف؟".

هذه نظرةُ العالِم البصيرِ، هذه نظرةُ التَّرجيحِ بين المصالحِ والمفاسِد؛ هذا على فَرضِ أنَّ هذا التجريحَ مُنطبِقٌ -بالتَّحقيق- على هذا المتكلَّم فيه؛ فكيف إذا كان -أصلًا- هذا ليس جرحًا؟! فكيف إذا كان هذا -أصلًا- ليس مِن أسبابِ الإسقاطِ والاستئصالِ المتكاثرةِ -في هذه الأزمان-؟!

وكم سمِعنا شيخَنا -في هذا الباب- يَذكُر لَنا، ويُذكِّرنا بِقَولِ ربِّنا: {سَنَشدُّ عَضدَكَ بِأخيكَ}، {اشدُد ِبه أزْرِي - وأشْرِكْهُ في أَمْري}؛ هذا المعْنَى -في التَّراص، وفي الأُخُوَّة، وفي المحبةِ، وفي الاجتِماع، وفي الائتِلافِ- مفقودٌ -عند كثيرٍ من الناسِ-! كأنَّه لا يحبُّ إلا أن يكونَ منفرِدًا، لا يحبُّ أن يَبقى أحدٌ معه -يَنصـرُه، ويُناصرُه، ويكونُ ذابًّا عن السُّنَّة معه-! فإذا أخطأ مُخطئٌ؛ فإذا به يَطعنُه، ويُجرِّحُه، ويُسقِطُه، ويَستأصِلُه! وقد يكونُ (بعضُهم) صابرًا على هذا الأمرِ؛ لكنَّه يوعِزُ لِغيرِه: تكلَّم في فلانٍ، واطعَنْ في فلان، وتعقَّبْ فلانًا، ورُدَّ على فلان (!!) وهذا كذاك؛ بل هذا أسوأ! {سَنَشدُّ عَضدَكَ بِأخيكَ}؛ مِنة الله؛ فما بالُنا نرفضُ مِنَّة الله؟ نحن نتكلَّم فيمَن أخطأ في إطارِ أهلِ السُّنة؛ أما أهلُ البدعة الذين ثَبتَتْ بِدعتُهم؛ فهؤلاء انتَهيْنا منهم -مِن اللحظة الأولى من المحاضَرة-؛ فنحن لا يجوزُ أنْ نخلطَ بين الأمرَيْن، أو أن يُحمَلَ كلامُنا على أسوأِ الحالَيْن والوَجْهَين.

الأمرُ الخامِسُ: أعظمُ ما دَعت إليه الدعوةُ السَّلفيةُ: (العقيدةُ والمنهج)؛ فهُما الأساس، مَن أخطأ دونَ عقيدتِه، أو منهجِه، أو في أمر يُحتَمل -حتى في بابِ العَقيدة-؛ فيجب أن يُناصحَ فيها، وأن لا نُسقطَه.

في "سِيَرِ أعلامِ النُّبلاء" عن الإمامِ الذهبي -في ترجمة الإمامِ التَّيْميِّ الملقَّب بـ(قِوام السُّنَّة)، وبعضُهم يقول: (قَوَّامُ السُّنة)، وأنا أرى أنَّ هذا خطأ؛ وإنما هو (قِوام السُّنَّة)-. قال أبو مُوسى المَدِينِي: "سمعتُ قِوامَ السُّنَّة يقول: أخطأَ ابنُ خُزيمةَ في حديثِ الصُّورة". أي: "خلقَ اللهُ آدمَ عَلى صُورَتِهِ" وفي لفظٍ: "على صُورَة الرَّحمنِ". فاختلف أهلُ العلم، وقد أثبتوا -جميعًا- الصورةَ لله -تباركَ وتعالى-، لكنْ؛ بعضُهم حَملَ هذا الحديثَ على مَحمَلٍ آخر، وبعضُهم صَحَّح الروايةَ الثانيَة، وبعضُهم ضعَّفها، وهذا موجود. قال: "سمعتُه يقول: (أخطأَ ابنُ خُزيمةَ في حديثِ الصُّورة)، ولا يُطعن عليهِ في ذلك؛ بل لا يُؤخَذ عنه هذا -فحَسْب-".

قال أبو موسى المَدِينِي [وأبو موسى المَدِيني إمامٌ عظيم مِن أئمةِ السُّنَّة، أيضًا؛ إمام عظيمٌ، له كتبٌ مَشهورة، وله رِواياتٌ كثيرة] قال: " أشار بهذا إلى أنه قَلَّ إمامٌ إلا ولَه زَلَّة، فإذا تُركَ لأجلِ زلتِه؛ تُرك كثيرٌ مِن الأئمة! وهذا لا يَنبغي أن يُفعلَ".

إذًا: الأصلُ في الدعوةِ أن يُعرفَ الإنسان بِسلفيَّته، وتَسَنُّنِه بما يُعرف مِن منهجِه، وعقيدتِه. إذا كان هذا الأصلُ ثابتًا؛ فإنَّ ما دونَه مما لا يَنقضُه -ولكن قد يُخالفُه -في واحدةٍ أو اثنتين-؛ بحيث لا تكونُ هذه المخالفةُ تُشكِّل أصلًا يَنتقضُ به منهجُه، أو تنتقضُ به عقيدتُه-؛ فالاعتِبار لا على الخطأ، مع التحذيرِ مِن الخطأ.

لا يجوز أن يُفهَمَ شيءٌ مِن قولِ أبي موسى المَديني، أو ما أذكُره -من شرحِ كلامِه- على أننا نَغُضُّ الطرفَ عن الخطأ! نُنبِّهُ على الخطأ، ونُحذِّر مِن الخطأ، ولكن؛ لا نحذِّر مِن المُخطِئ؛ ننصحُه، نَصبر عليه، نَتواصى بالحقِّ والصبرِ -معه-، نُرشِد إليه -كما في كلام الشيخِ ابنِ باز-أمس- الذي ذكرناه-، وهو كلام واضح.

نُقطةٌ أُخرى: أن الدعوةَ السَّلفية -بعقيدتها ومنهجها- أعظمُ مِن أن نختزلَها -فقط- في (عِلم الجَرح والتَّعدِيل)! عِلمُ (الجَرحِ والتعديلِ) له مكانتُه، وله مَنزلتُه، لكنْ؛ ليس هو العلامةَ الأكبر للدَّعوةِ السَّلفية؛ بل عِلم (الجَرح والتَّعدِيل) أُقيم، وأُنشئَ -في هذا العَصـر-؛ لحماية العقيدةِ والمَنهج؛ فكيف نجعلُه هو الأَصل، وهي الفَرع، وما أنشِئَ الفرعُ إلا لِحماية الأصل؟!

إذًا: مقايسَةُ الناس يجبُ أن تكونَ على العقيدةِ والمنهج. وعِلمُ (الجَرحِ والتعديلِ) لَه مكانتُه؛ لكنَّه دون مكانةِ العقيدةِ والمنهجِ؛ فهُما أصلُ اعتبارِ السُّنِّيِّ سُنِّيًّا، وأصلُ اعتبارِ البِدعيِّ بِدعيًّا.

أمرٌ آخَر: الجَرح والتَّعدِيل -في كلِّ زمانٍ ومكانٍ- له عُلماؤُه -وهُم قِلة-، ولا يجوزُ الدخولُ فيه لمَن ليس أهلًا له.

الآن: نسمعُ التجريحَ والتَّعديلَ والنقدَ والرَّدَّ مِن أناسٍ كما ذكرنا -في مجلسِ أمسِ-:
أَلقابُ مَملَكَةٍ في غيرِ مَوضِعِها .. كالهِرِّ يَحكِي انتِفاخًا صَولةَ الأَسَدِ

فإذا بهم يتجاوَزُون أهلَ العِلم، ويتجاوَزُون أهلَ [...]، ويتجاوَزُون أهلَ الاختصاص، ويتجاوَزُون أهلَ الفَنِّ، إذا بهم يتكلَّمون ويتجاوزونهم -جميعًا-! وهذا مِن الباطل.
الإمامُ الذهبيُّ ألَّف رسالةً صغيرةً فيها أسماءُ مَن يُعتمَد قولُه في (الجرحِ والتَّعديل). والإمام السَّخاوي له فصلٌ صغيرٌ -في هذا المعنى- في كتاب: "الإعلام بالتَّوبيخ لمن ذمَّ أهلَ التورِيخ": (أسماء المتكلِّمين في الرِّجال)، وإذا نظرنا في الحالَين؛ لا نَراهم بضعَ عشـراتٍ مِن أئمة الحديث -الذِين لا أقولُ: هُم أُلوف؛ بل أقول: هُم-قد يكون-عَشـرات الألوف-عبر التَّاريخ الإسلامِي الحَفيل-.

بينما -اليومَ- صار كلُّ متكلِّم يريدُ أن يكونَ متكلِّمًا في (الجَرح والتَّعدِيل)! وكلُّ ناقدٍ يُريد أن يكون من المتكلِّمين في (الجَرحِ والتَّعديل)، وهُم عبرَ الأزمانِ -جميعًا- قِلَّة، وإذا اختلفت هذه القِلَّة؛ يَعذُر بعضها بعضًا بالتَّناصُح، والتواصِي، والتخطئةِ -في بعضِ الأمرِ-؛ لكنْ بالاحترامِ، والتَّقدير، والتَّبجيل -في أصلِ الأمرِ-، والخلطُ بين هذه الحقائقِ خَلطٌ قبيح -وقَبيحٌ جدًّا-.

نُقطةٌ أُخرَى: المقلِّد في (الجَرح والتَّعدِيل) حَسبُه أن يكونَ مقلِّدًا -فقط-.

وقد ذَكرنا -أمسِ الأول، أو في المحاضرةِ قبل الماضية- كلامًا لشيخِ الإسلامِ ابنِ تيميةَ -في هذا-: أنَّ المقلِّدَ حَسبُه أن يكونَ مُقلِّدًا، لكن؛ أن يكونَ مقلِّدًا، ومجتهدًا، ومُنتصِـرًا، ومُجادِلًا، ومُكافِحًا، ومُبدِّعًا، ومُضلِّلًا، ومُوالِيًا، ومُعاديًا على هذا الذي قلَّده؛ فهذا انحرافٌ عظيم! وهذا بُعدٌ عن الصـراطِ المُستقيم! وهذا يُقال فيه ما قال الشاعرُ -قديمًا-:

واجتماعُ ضِدَّينِ معًا في حالِ .. مِن أقبحِ ما يَأتي مِن المُحالِ

أن تكونَ مُقلِّدًا، وإذا بِك -في ليلةٍ لا قَمرَ فيها-خُسوفًا، أو غير خُسوف-؛ إذا بِك أصبحتَ مجتهدًا! أصبحت مكافحًا! مُنافحًا! مُنتصـرًا! مُواليًا! مُعاديًا! مُفرِّقًا! مُشتِّتًا!. . لا يَهُمُّ!! إلا أن تنتصـرَ لهذه القَولةِ، أو تلكَ القولة! وهذا ضلالٌ أي ضَلال!
نقطةٌ أُخرى: أن الاختلافَ في (الجَرح والتَّعدِيل) -ضمن إطار الدعوةِ السَّلفيةِ وعلمائِها، ودُعاتِها-؛ مقبولٌ -بحسبِ الاجتهادِ، وبَذلِ الوُسع في معرفةِ الحقِّ-.
وهذا أصَّلناه -ابتداءً-. إذا نظرتَ في كُتبِ (الجَرح والتَّعدِيل)، أو في كتاب "الجَرح والتَّعدِيل" لابنِ أبي حاتمٍ -فضلًا عن الكُتبِ الجامعة؛ كـ "التَّهذيبِ"، و"الميزان"، و"اللسانِ"-؛ ترى قولًا للبُخاريِّ يُخالف قولًا لابنِ مَعين، وقولًا لابنِ مَعين يُخالف قولًا لأبي زُرعة، وقولًا لأبي زُرعةَ يُخالف قولًا لأبي حاتِم، قولًا لأبي حاتمٍ يُخالف قولًا لابنِه -ابنِ أبي حاتِم-، قولًا للحافظِ ابنِ حجرٍ يُخالف الإمامَ الذَّهبي، قولًا للإمامِ الذَّهبي يُخالف الإمامَ الدَّارقطني... في كثيرٍ من الأمور.

وأنا رأيتُ بعضَ إخوانِنا -طلبة العِلمِ السُّودانِيِّين- كتب كتابًا -في مجلد-: "الرُّواةُ الذين خالفَ فيهم الشيخُ الألبانيُّ الحافظَ ابنَ حجرٍ العَسقلاني"، وهذا الكتابُ فيه فائدتانِ كُبريان:

الفائدةُ الأولى: ردٌّ على تلك المقولةِ القبيحةِ: (أن الألبانيَّ مُقلِّدٌ لابنِ حجرٍ، ومُتابع له)! فهذا في عشراتِ الأمثلة في نقضِ هذه القاعدةِ.

الأمرُ الثَّاني: فيه بَيان أنَّ خلافَ عُلماء أهلِ السُّنَّة في بعضِ الرُّواة؛ توثيقًا، أو تضعيفًا؛ بل تَسنُّنًا، أو تَبديعًا -طالما أنَّ هذا الخِلاف في إطارِ أهلِ السُّنة، وفي إطارِ عُلماء أهلِ السُّنة، وفي إطارِ منهجِ الحديثِ وأهلِه-؛ فإنَّ هذا مقبولٌ، مع التَّناصُح، مع التخطِئة؛ لكن لا مع الإسْقاط، لا مع الاستِئْصال، لا مع التَّضليل، لا مع المخالفةِ والتخذيل؛ وإنما مع التَّواصي بالحقِّ والتَّواصي بالصَّبر، مع البيِّنة، مع البَصيرة، مع الهُدى، مع الأُلفة، مع المحبَّة، مع الائتِلاف -على وفقِ ما سمعْنا في مجلسِ أمسِ مِن كلامِ سماحةِ الشيخِ ابنِ بازٍ -رحمهُ اللهُ-تعالى-.

أمرٌ آخَر: لا نجعلُ اختلافَنا في غيرِنا سببًا للخِلافِ بَيننا، فإذا وقعَ؛ فنحنُ الخاسِرون، وهُم المُستَفيدُون!

رأيتُ -قبلَ أيامٍ قليلةٍ- ردًّا على هذه الكلمةِ -في بعضِ مواقعِ الإنترنت- مِن بعضِ الشيوخِ الأفاضلِ -الذين نحترمُهم، ونقدِّرُهم-. ولكن -للأسَف- لم أرَ -فيها- كثيرًا من الصَّواب، وقد فرِح -في هذه الكلمةِ- بعضُ الزَّعانف! فطيَّروها، واستثمَروها، وثوَّرُوها -بغيرِ بصيرةٍ!-، المهمُّ أنها ترُدُّ على فلانٍ، وعلى منهجِ فلانٍ، وشَيخِه، وإخوانِه، وتلامِذتِه! وهذا بابٌ من أبوابِ القُلوب؛ لا ندخلُه، ولن ندخلَه -إن شاء اللهُ-.

أما هذه الكلمة: الآن؛ (إذا اختلَفْنا في غيرِنا)، إذا قُلنا: (اختلَفْنا)؛ مَن؟ أهلُ السُّنة، ودُعاةُ منهجِ السَّلف. (في غيرِنا)؛ مَن؟ إمَّا أن يكونَ مبتدِعًا، أو يكون مُتَسَنِّنًا وقع في بِدعة. وكلُّ هذا واقعٌ في عُلماء الجَرح والتَّعدِيل القُدماء، وفي عُلمائِه المُعاصِرين. ألَم يقع شيءٌ مِن الخلافِ في النَّسائي؛ هل هو شِيعي أم سُنِّي؟ ألَم يقع شيءٌ مِن الخلاف في الجوزجاني؛ أهو ناصِبي أم سُنِّي؟ وقِس على هذا كثيرًا مِن الرُّواة، ومع ذلك؛ لم يَطعنْ هذا في ذاك، ولم يَطعن ذاك في هذا.

ثم؛ هذا الاختلافُ في وجهاتِ الأنظارِ فينا -نحن أهلَ السُّنَّة-: هل نظنُّ أن أحدًا من أهلِ السُّنَّة -مِن المتكلِّمين في الرُّواة- يتكلَّم تَشهِّيًا، ومُناكدةً للحق، ومُناقضةً للصَّواب؟ أم يتكلَّم وهو يعتقدُ أنَّه على صوابٍ، كما أن مخالِفَه -مثلُه- يَعتقد أنه على صَواب؟ فإذا جعلنا هذا سَببًا للتَّبديع، ونقول: (لا؛ هذا خالَف الحقَّ؛ فيجبُ أن نبدِّعَه)! هل تأذنُ لِنفسِك أن تقولَ: (هذا مخالفٌ للحقِّ) فتبدِّعَه، دون أن تأذَن لمَن هو أمامَك -ممن هو مِثلُك؛ مِن أهلِ السُّنَّة- أن لا يُبدِّعك، وأن يستعملَ سِلاحَك معه ليكونَ سلاحُه معك‍‍‍! في الحقيقةِ؛ هذا هو الأصل؛ »لا يُؤمِنُ أحدُكُم حَتَّى يُحبَّ لأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ (مِنَ الخَيْرِ)« -كما قال -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-.

أمَّا أن أقولَ: نحن اختلَفْنا في راوٍ، وهذا الاختلافُ بين أهلِ السُّنَّة؛ أنا -لأنهُ لم يقتنِعْ بقَولي- أبدِّعُه! بالمقابِل؛ هو أنتَ لم تقتنِع بِقَولِه، فلماذا لا يبدِّعك؟! فإذا بدَّعتَه وبدَّعك؛ مَن المُستفيد؟ الخَصم! إن كان خصمًا! قد يكونُ سُنِّيًّا مَظلومًا، قد يكونُ مُخطئًا؛ ناصِحُوه، ترفَّقُوا به، أشفِقُوا عليه، تكلَّموا معه بالتِي هي أحسنُ للَّتِي هي أقْوَم، خُذُوا بِيَدِه. أمَّا هكذا: استِئصالًا، وإسقاطًا، وتَضليلًا، وتجريحًا -دونَ تِلكُم النَّظرة الشَّامِلة الواعِيَة المُستَوعِبة-؛ فهذا ظُلم -وأيُّ ظُلم-.

إذًا: عندما نقولُ: (لا نجعلُ اختلافَنا في غيرِنا؛ سببًا للاختلافِ بينَنا)؛ هذا يأمرُنا بتفعيلِ المناصحة، وبِتفعيلِ التَّواصي بالحقِّ والتَّواصي بالصَّبر، وبتفعيلِ حقوقِ الأُخوة، أمَّا أن نختلفَ في (ثالثٍ)؛ ليكونَ هذا الاختلافُ فيه سَببًا لِزرعِ الخلافِ بَيننا -مع وُجودِ النَّصيحة، ووُجودِ حُسنِ الظن-؛ فهذا منهجٌ غريب!! ونفَسٌ بعيدٌ عن أنفاس أهلِ السُّنَّة! ولا نقولُ: (مَن كابَر؛ نَصبر معهُ)، مَن ثبت أنه مُكابرٌ -مِن الطرفَين-؛ هذا نُسقطُه؛ لا مِن أجلِ أنه أخطأ؛ مِن أجلِ أنه كابَر، لا مِن أجل أنه خالفَ قولَنا في (الثالث)؛ مِن أجل أنه كابَر الحقَّ -سواء في هذا، أو في ذاك-؛ فلا يجوزُ أن نخلطَ بين الأمرَين.

نُقطةٌ أُخرَى: ليس مِن مصلحةِ الدَّعوة والدُّعاة أن نَنقلَ خلافاتِ عُلماء الجَرحِ والتَّعدِيل إلى العَوام؛ فإنَّ هذا (قد) يُفسِدهم. أقول: (قد يفسدُهم).

قرأتُ في مقدمةِ الإمام مُسلمٍ -قبل أيامٍ-: أنَّ أحدًا مِن الرُّواةِ يسألُ شَيخَه عن أهلِ الوَعظِ، فقال له: "لا تَستمِع إلى القُصَّاصِ إلا لأَبي الأَحوَص". إذًا: يوجَد مِن القُصاص مَن هم في إطارِ أهلِ السُّنَّة، و(الَقصص في القُرآن ثُلُثُه) -كما يقول أهلُ العلم-.
فنحنُ -بالمقابِل- لا يجوزُ أن ترتبطَ في أذهانِنا كلمةٌ (أنَّ كلَّ قاصٍّ ضالٌّ مُضِل)؛ القُصَّاص يَنفعون العَوام، ويَنتفعون بهم، لكن؛ إذا وجدتَ ما يُخالف؛ سَدِّد، وأعنْ.
بينما -الآن- لو جِئنا نحذِّر العَوام مِن كلِّ قاصٍّ، نحذِّر العوامَّ مِن الخَطأ الذي وقَع فيه فُلان، وفُلان -عندهم- مقدَّم، وكبير. لم يعرفْكَ! عَرف فلانًا -قبلَك-، فإذا بك تُحذِّره مِن فُلان؛ لِيكونَ تَحذيرُك مِن فُلان سَببًا للإعراضِ عَنك!!

أيهما أقرب: أن تصبرَ عليه، وتتلطَّف به، وتُعرِّفه الأصول، وتُحبِّبه إلى السُّنة وأهلِها، ثم تحذِّره مِن فلان؟ أم تَبدأ بِالتَّحذيرِ مِن فُلان؛ ثم إذا به يُعرِض عنك؛ لأنه لا يَعرفُك، إنما يعرفُ فلانًا؟

إذًا: نَقلُ خلافاتِ علماء الجَرح والتَّعدِيل إلى العَوام (قد) يُفسدهم. أقول: (قد)، وأنا أعنِي ما أقول؛ بمعنى: أننا لو رأيْنا مِن العَوام مَن هو أهلٌ للتَّحذير -لِكبَرِ عَقلِه، وكِبَر تَجربَتِه-؛ فهذا لا بأس. لكن هكذا التوسُّع، وهذا الإطلاق؛ في الحقيقةِ هذا مَذمومٌ، وهذا ليسَ فيه مراعاةٌ لأصولِ ومَصالح الدَّعوة، والتي يجبُ أن نعتبرَها.

نحن لا نقولُ بمقولةِ سيد قطب وأمثالِه في موضوعِ مَصلحة الدَّعوة، ولا نقولُ بِمقولة بعضِ الحِزبيِّين -بل كثير مِن الحِزبيِّين- الذين يَجعلون مصلحةَ الدَّعوة هي الأساس؛ نحنُ بين هؤلاءِ وأولئك. ليس كلُّ مصلحة للدعوة مَصلحةً شرعيَّة، ولا يجوزُ -بالمقابل- أن نهدُرَ كلَّ مصلحةٍ للدَّعوة؛ وإنما ننظرُ للأمور على حَسب المصلحةِ الأرجح؛ كما قال مَن قالَ -مِن علمائنا-: "ليس الفَقيهُ الذي يَعرفُ الخيرَ مِن الشَّـر". أكثر الناس يَعرفون أنَّ هذا خيرٌ، وأن هذا شَر. "لكنَّ الفقيهَ الذي يَعرف خيرَ الخَيرَيْن، وشرَّ الشَّـرَّيْن".

... أنا عندي بعضُ الأقوال عن بعضِ أهلِ العِلم، ثم إذا انتهينا؛ نَرجع إلى هذه الأصولِ التي جَمعناها -مِن خلال النَّظر المستوعِب لسِيَر العلماء، وتاريخ العلماء، وأصول الشريعةِ، وقواعدِها، ونصوصِها-.

في كتاب "سِير أعلامِ النُّبلاء": قال عبدُ الله بنُ محمدٍ الورَّاق: "كنتُ في مجلسِ أحمدَ بنِ حنبل، فقال: مِن أين أقْبَلْتُم؟ قُلنا: مِن مجلس أبي كُرَيب. فقال: "اكتُبوا عنه؛ فإنه شَيخٌ صالِح"، فقلنا: إنَّه يطعَنُ عليك!" شُوفوا أهل التَّحريض مَوجودون حتى في الأزمنةِ الأُولى! فقال أحمد: "فأيُّ شيءٍ حِيلتي! شيخٌ صالح بُلِيَ بنا" لم يَقل: (بُلِينا به)!؛ (بُلِي بنا)!

هذا العالِم الذي يُرجِّح المصلحةَ الشخصية -في أنه انتُقِد، أو لم يُنتَقد- في سبيلِ ترجيحِ المصلحةِ الكُبرى في ربطِ الناس بأهلِ العلم، بأهلِ الصَّلاح، بأهل الاستِقامة، بأهل السُّنة؛ حتى لو حصلت بيني وبينه مُنافرة؛ هذه المنافَرة شخصية؛ فلنضعْها في طرفِها، فلنضعْها في جانِبها؛ لا نوسِّعها، ولا نعمِّمها، ولا نجعل المسائلَ الشخصية حَكمًا على المسائلِ الدِّينية -كما هو حال الكثير مِن الناس-اليومَ-وللأسفِ الشَّديد-.

يقول الإمامُ ابنُ القيِّم في "إعلامِ الموقِّعين" -في معرض النُّصح والتَّوجيه -بعد التأصِيل-. وهذا مِن أعظم أساليبِ البَيان: أن يُؤصِّل، ويُفصِّل، ثم يُوجِّه [نُصحًا]؛ لِيجمعَ الأمورَ الأخلاقيَّة السُّلوكيَّة مع الأصولِ العِلميَّة الدِّينية.

يقول بعد كلامٍ طويلٍ في أبوابِ هذا الكتابِ العُجاب، الذي سمَّاه الشيخُ ابنُ بازٍ: "كتاب الإسلام"! وحُقَّ له أن يكونَ كذلك! وقلتُ -غيرَ مرةٍ-: "إنَّ هذا الكتابَ هو صِياغةُ عقلِ المسلمِ". المسلمُ بدون هذا الكتابِ لا يكونُ عقلُه مُنضبِطًا! لا أقول بمعنى: أنه من كان قبل هذا الكتاب -مِن المسلمين-؛ عقولُهم ليست منضبِطة! لا؛ كانوا أعلَم، وكانوا أهَمَّ؛ لكنْ في عَصـر ابنِ القيِّم حَصلت فِتنٌ غيَّرت العُقول، وغيَّرت الأهواء، وغيَّرت الأفكارَ والسُّلوكيات والتَّصـرُّفات؛ فكان منه هذا الكتاب العُجاب!

اسمع ماذا يقول! يقول: "إيَّاك أن تُهملَ قصدَ المتكلِّم، ونيَّتَه، وعُرفَهُ" كلمة (عُرْف) تذكِّرُنا بإيش؟ باختلاف الزَّمان والمكان -الذي أشرنا إليه-؛ بـ(اختِلاف الأعراف). "إيَّاك أن تُهملَ قصدَ المتكلِّم، ونيَّتَه، وعُرفَهُ؛ فتَجْنِيَ عليه، وعلى الشَّـريعة" مَن جنى على المتكلِّم، وعلى الشـريعةِ؛ ألا يكون -أيضًا- جانيًا على نفسِه؟! إذًا: هو جنَى على نفسِه، وجَنى على الُمتكلَّم به، وجنى على الشّـَريعة -كلِّها-! "فتجنيَ عليه، وعلى الشَّـريعة، وتنسبَ إليها ما هي بريئةٌ منه، ففقيهُ النَّفسِ يقول: (ماذا أَرَدْتَ؟)، ونِصف الفَقيهِ يقول: (ماذا قُلت؟)" لماذا؟ لأنَّه -أحيانًا- قد يُقال القَول ولا يُقصدُ به هذا المَفهوم. فأنا قَبل أن أُحاكمَ هذا الإنسانَ على قولِه -الذي قد يُريد به شيئًا آخر غيرَ الذي فَهمتُ-؛ أقولُ له: (ماذا أردتَ بهذا القَولِ؟)، مع تنبيهي على أنَّ هذا القولَ خَطأ، لكن؛ لا أؤاخذُه بِلازِم القَولِ الخطأ دون أن أعرفَ مُرادَهُ، فإذا بيَّن مُرادَه، وكان مُرادُه صحيحًا؛ وَجَبَ التَّنبيهُ على خطأِ اللَّفظِ -مع الأخذِ بِصوابِ المُراد-. وكما قيلَ -مِن قواعدِ أهلِ العِلم-: "الُمرادُ لا يَدفَعُ الإِيرادَ" يعني: مُرادُك صحيحٌ؛ قَبِلْناهُ، لكن؛ إيرادُنا عليك -بِسببِ لفظكَ- يجبُ أنْ تَقبَلَه؛ فتقبل مِنا شيئًا، ونَقبَلُ مِنك شيئًا، وتَخطئتُنا لِلَفظكَ بإيرادِنا عليك؛ أهونُ -بألفِ مرةٍ- مِن أن نقوِّلَك بِمُرادِك غيرَ ما تُريد مِن لفظِك. هذا أصلٌ يَجبُ أن يُفهَم، ويجبُ أن يُستوعبَ.

في "سِيَرِ أعلامِ النُّبلاء" للإمامِ الذَّهبي؛ في ترجمةِ عبدِ الرزاقِ الصَّنعاني: قال عبدُ الله ابن الإمامِ أحمدَ -ولد بارٌّ بأبيه؛ الوَلدُ عالِم، والأبُ عالِم- قال: "سَألتُ أبي: أكان عبدُ الرَّزاق يُفرِط في التشيُّع؟". عبد الرزَّاق بنُ همَّام الصَّنعاني -صاحبُ "المصنَّف" الذي هو مِن أعظم دَواوينِ الإسلامِ-؛ قال -الإمامُ أحمد يقول-: "أمَّا أنا؛ فلم أسمعْ مِنه -في هذا- شيئًا، ولكن؛ كان رجلًا يُعجبُه أخبارُ الناس -أو يُعجبُه الأخبار-". إذًا: يعني غَمَز غمزةً لطيفة: في موضوع أنه يُعجب بالأخبارِ، وينقلُ هذه الأخبارَ -التي أُعجِب بها-؛ أمَّا أنه مِن غُلاةِ التشيُّع؛ يقولُ الإمامُ أحمد -مُبرِّئًا ذمَّتَه-: "أمَّا أنا فلم أسمعْ مِنه -في هذا- شيئًا". مع أن أبا زُرعة الرَّازِي-كما في كتب الجَرح والتَّعدِيل- قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ المُسْنَدِيُّ قال: "ودَّعتَ ابنَ عُيينةَ، فقال: أتريدُ عبدَ الرَّزاق؟" قال: "أخافُ أن يكونَ مِن الذِين ضَلَّ سَعيُهم في الحياةِ الدنيا!" وهذا جَرحٌ، أم غير جَرح؟ هذا جَرح! ومع ذلك: الكلمة التي استقرَّت عليها كلماتُ أهلِ العلم في عبدِ الرزَّاق؛ أنه ثِقةٌ أم ضَعيف؟ ثِقة. إذًا: هذا وَجهٌ مُباشر، وطريقٌ عَمليُّ في أنَّ أهلَ العلم؛ ابنُ عُيَينة -من جِهة-، والإمام أحمد -مِن جِهة-، هذا يقولُ شيئًا، وهذا يقولُ شيئًا؛ ومع هذا: نرى أن ما استقرَّت عليه كلمةُ أهلِ العِلم أن الإمامَ عبدَ الرزاق الصَّنعاني ثقةٌ -مِن ثقاتِ عُلماءِ الإسلام-.

هذه كلمة أنا أخشى أنْ أَذكرَها -لا بُدَّ أن أذكرَها- لأنَّ الذين أمامي طلبةُ عِلم، ونفهمُها على الفَهم الجيِّد، ولا نفهمُها على الفَهم السَّقيم -الذي يجبُ أن نرفضَه-.

في "تَهذيبِ التَّهذيب" وفي "تارِيخِ الخَطيب" البغداديِّ؛ بل نقول في "تاريخ الخطيبِ"، و"تَهذيبِ التَّهذيب" -لأنَّ هذا هو الأصل-، في ترجمةِ عبدِ الرحمَن بنِ صالِح الأَزْدي، قال: قال يعقوبُ بنُ سُفيان المُطَّوِّعي: "كان عبدُ الرحمنِ بنُ صالحٍ (رافضيًّا)"، لم يقلْ: (شِيعيًّا)، لم يقلْ: (مُتشيِّعًا)؛ "كان (رافضيًّا)". (التشيُّع) -في العصور الأولى- كان متعلقًا بتقديمِ (علِيٍّ)، ليس متعلقًا بِرب، أو سَبٍّ، أو طعنٍ، أو تكفيرٍ-كما نبَّه الذهبيُّ في "الميزانِ"-، مع أنه خطأَ، ومخالفٌ لأصولِ أهلِ السُّنة؛ لكن كان قولًا ليس فيه تَبديع، وليس فيه تَضليل -في الزَّمان الأوَّل-، إذًا: لفظ (التشيُّع) كان يُراد به مَعنَيان.

قال: "كان عبدُ الرحمنِ بنُ صالحٍ (رافضيًّا)، وكان يَغشَى أحمدَ بنَ حنبل"، "كان يغشى": يعني يَـزوره ويأتيه، فيقـرِّبه ويُدنيه؛ مَن الذي يقرِّب مَن؟ الإمامُ أحمـد يقرِّب عبدَ الرحمنِ بنَ صالح! لو حصلتْ هذه في هذه الأيام، ماذا يحدُث؟ لو رُؤي رافضـيٌّ، أو خارجيٌّ عند رجل مِن أهلِ السُّنَّة؛ في اليومِ التالي -في صفحاتِ الإنترنت-: (فلانٌ ضالٌّ مُضِلٌّ؛ لأنه كذا...)!! يا أخي! ممكن هذا يُريد أن يُقرِّبَه، وأن يُدنِيَه؛ لإصلاحِه، لاستصلاحِه، لهدايتِه، لنصيحتِه! لماذا نُغلق هذا الباب؟! فقيل له فيه؛ يعني: كيف تقرِّب هذا وتُدنِيه، وهو رافضـي؟! فماذا كان جَواب الإمامِ أحمد: "سُبحان الله! رجلٌ أحَبَّ قومًا مِن أهلِ بيتِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، وهو ثِقة"!

إذًا: الإمامُ أحمد راعَى المتكلِّمَ، وراعَى الواقع، وقد يكون له هدفٌ في إصلاحِه؛ وهذا يَستدعينا أن ننظرَ في ترجمةِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ صالح -بصورةٍ أوسع وأعمَق- لنعرفَ؛ قد يكون رافضيًّا في نفسِه؛ لكن لا يَنشُـر رفضَه، قد يكونُ مُبتدِعًا في نفسِه؛ لكن ليس من دُعاةِ البِدع.

هذه -كلُّها- أنظار ودَقائق يَفهمها أهلُ السُّنة، ويُتقِنونها؛ ليس كبعضِ أولئكَ الحَمقَى الذين سَمِعوا أنَّ بعضًا مِن أهل السُّنَّة دَعَوا رجلًا مِن أهلِ السُّنة -لكن عليهِ ملاحظة، واثنتان. . وعشـرة. .-فإذا بهم يُبَدِّعون الأولَ؛ بِناءً على تبديعِ الثاني!! وهم في الأولِ مُخطِئون، كما هُم في الثَّاني مُخطئون -وللأسف الشديد!-، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله.

في "تاريخ الخطيبِ" البغدادي زيادة: أنه قال: "رجلٌ أحبَّ قومًا مِن أهلِ بيتِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- نقول له لا تُحبَّهم؟ هو ثِقة"، يعني: نَظر إلى موضوع -كما قُلنا- الرِّواية، وموضوع البِدعة؛ بِدعتُه إلى نفسِه، ورِوايتُه لنا.

النقطةُ الأخيرةُ -إخواني!-نقولُها، ونختِمُ، ونُوَدِّعُكم، ونَستودِعُكم الله-: قال ابنُ القيِّم في "زادِ المعاد":

"لا يَنبغي للعاقلِ أنْ يُقلِّدَ الناسَ في المدحِ والذَّم، ولا سيَّما تقليد مَن يَمدح بِهوًى". إذًا: عُموم التقليدِ في موضوع المدحِ والذَّم مذموم؛ فكيف إذا كان التقليدُ فيمَن يمدحُ بالهوى؟ طبعًا (الهَوى) -هنا-: المقصودُ به التَّمثيل، وإلا تقليد مَن يَحكُم، ومَن يَمدح بالظنِّ؛ هذا -أيضًا- مَذموم -مِن باب أولى-، هو التقليدُ -عمومًا- أنكرَه -في هذا البابِ-؛ فكيف التقليد إذا رافقهُ. . تقليد هذا الحاكِم إذا وافقه شيءٌ من المنغِّصات والأمور التي تَستَنقِصُه؟

قال: "فَكَمْ حَالَ هذا التقليدُ بين القُلوبِ وبين الهُدى، ولم يَنجُ منه إلا مَن سَبقت له مِن اللهِ الحُسنَى".

هنا قد يُعتَرَض علينا: أن الحُكم في المدحِ والذم، و الجَرح والتَّعدِيل؛ هذا مِن بابِ خبرِ الثِّقة. أنا أقولُ: يجب أن نفرِّق بين (خبرِ الثِّقة)، و(حُكم الثِّقة).

الآن؛ إذا قُلنا: (دخل فلانٌ)، قلتُ: (دخل فلانٌ)؛ هذا خبرٌ؛ هل هُو حُكم؟ هذا خبرٌ؛ يجب أن يُقبَل؛ لأنَّ المُخبِر ثِقة. فإذًا: يجبُ أن يُقبَل خبرُ الثِّقة. الآن؛ إذا أضفنا؛ فَقلنا: (هذا الذي دَخل؛ مُبتدِع)؛ هل قبولُ الثَّاني كقَبولِ الأوَّل؟ هذا حُكم. أنا لا أعلم أن هذا مُبتدع! أنا أعلم أنه سُنِّيٌّ؛ هل تُريدني أن أقبلَ حُكمَك بتبدِيعِه -هكذا- مُباشرة، أن أقلِّد مباشرةً؟! أم لا بدَّ من وجودِ الضَّوابط؟ فكيف إذا كان هذا المبتدِع؛ أنتَ تبدِّعه، وغيرُك يُوثِّقه؟!

إذًا: الخلطُ بين (خبرِ الثِّقة)، و(حُكم الثِّقة) -في هذا البابِ-؛ خَلطٌ قبيح؛ يجب أن نفهمَه، ويجب أن نحذَر منه.

وصلى الله وسلَّم وبارك على رسولِ اللهِ، وعلى آلِه، وصحبِه، ومَن والاهُ، واتَّبع هُداه -إلى يومِ نَلقاه-.

والسَّلام عليكم ورحمةُ اللهِ.



طباعة
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل

Powered by: MktbaGold 6.5