«المُستبَّانِ شيطانان»؛ فبادِرُوا بالصُّلح والإحسان... قبلَ (ليلة النصف من شعبان):

«المُستبَّانِ شيطانان»؛ فبادِرُوا بالصُّلح والإحسان... قبلَ (ليلة النصف من شعبان):
2463 زائر
01-01-1970 01:00
علي بن حسن الحلبي
«المُستبَّانِ شيطانان»؛ فبادِرُوا بالصُّلح والإحسان
-أيُّها الإخوةُ الخِلاّن- قبلَ (ليلة النصف من شعبان):




... تَفْصِلُنا عن (ليلة النصف من شعبان) -المباركة- أيامٌ معلومات، وساعاتٌ معدودات!

ولهذه الليلةِ الجليلةِ فَضْلٌ خاصٌّ، وبَركةٌ متميِّزةٌ؛ وهي: ما صحَّ عن نبيِّنا الكريم -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قال -فيها-: «يطَّلعُ اللهُ -تبارك وتعالى- إلى خَلْقِهِ ليلةَ النِّصف مِن شعبان؛ فيغفرُ لجميعِ خلقِه؛ إلاّ لمُشركٍ أو مُشاحِن» [«السلسلة الصحيحة» (1144)].


والفتنةُ الحاصلةُ -الآنَ- بين السلفيِّين -في معظمِ بلاد الأرض- فتنةٌ كُبرى، ومحنةٌ عُظمى- والعياذُ بالله-؛ فالواجبُ كَبْتُها، ووَأْدُها، والخلاصُ منها؛ لِما سَبَّبَتْهُ مِن تفريقٍ، وتَشْتيت، وتدابُر، وتناحُر، وتشرذُم -فضلاً عن شماتةِ الخصوم، وفَرَحِ الأعداء-...

نعم؛ قد لا تكونُ كُلُّ (فتنةٍ) -بالضرورةِ- شرًّا؛ بل (قد) تكونُ -ولو بالنتيجة والثَّمَرَةِ- خيراً؛ كما قال -سبحانه-: {ونبلُوكم بالشرِّ والخيرِ فتنةً وإلينا تُرجعون}..

و«الفتنة»: (الابتلاء والامتحان والاختبار).
إذن؛ قد تكون هذه الفتنةُ الحاصلةُ -الآنَ- حُسْنَ ظنٍّ بربِّ العالمين –وقد دُفِعْنا إليها دفعاً- رادَّةً لفتنةٍ أعظمَ، وناقِضةً لمحنةٍ أشدَّ، {وما ذلك على الله بعزيز}...

... فهذه -أيُّها الأحبَّة -أجمعين- ممّن وافقونا وانتصروا لحقِّنا، أو مَن خالفونا وتكلَّموا بغير حقٍّ فينا(!)- مُناسَبةٌ مُناسِبةٌ لاستدراك ما فات، والتراجُع عن الأخطاءِ والخطيئات، والعَفْو عن الهَنَاتِ والزَّلاّت، والتنازُل عن الأهواء الذاتيَّات، والثبات على الأصول الراسخات، والالتقاء على الحقوق الشرعيَّات:

بدون انتصار ظالمٍ...
ومِن غير تعصُّب أثيم...
وبلا خُصومةٍ باطلةٍ...

فلْنَحْذَرْ -جميعاً- نعم؛ جميعاً- الوقوعَ تحت طائلةِ التحذير النبويِّ الرهيب: «مَن خاصمَ في باطلٍ وهو يعلمُه: لم يَزَل في سَخَط الله حتى ينزعَ» [«السلسلة الصحيحة» (437)].

فلن يُفيدَك -أيها الأخ الموفَّقُ- تلاعُبُكَ فيما تكتبُ...
أو تستُّرُك وراءَ مَن عنه تُدافعُ...
أو صلابتُك (!) فيما تنتصرُ له...
أو تعنُّتُك فيما أنت بِصَدَدِه...
{واتَّقُوا يوماً لا تجزي نفسٌ عن نفسٍ شيئاً...}..
... لن يُفيدَك هذا -كُلُّه- وأنت تعلمُ مِن نفسِك غيرَ ما أنتَ مُتَلَبِّسٌ به -في قليلٍ أو كثيرٍ-...
فاللهُ -تعالى- يقولُ: {بل الإنسانُ على نفسِه بصيرة ولو ألقى معاذيرَه}...
{ألا يعلمُ مَن خَلَقَ وهو اللطيفُ الخبير}.

فالتأَنِّيَ التأنِّيَ...
والحقَّ الحقَّ...
والصبرَ الصبرَ...

لا نُريدُ -أيُّها الأحبَّة- أن نكونَ كالمُنافقين -وحاشا سائرَ إخواننا (جميعاً) مِن ذلك-: {يُخادِعونَ اللهَ والذين آمنوا وما يخدعون إلاّ أنفسَهم وما يشعرون}...

فكيف إذا كنتم (تشعرون)؟!!
{واعلموا أنَّ اللهَ يعلمُ ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أنَّ اللهَ غفورٌ حليم}.

وما أشبهَ اليومَ بالإمسِ! -كما قال الإمامُ ابنُ قُتيبة -(المتوفَّى سنة 276هـ)-رحمه الله- في كتابِهِ «الرد على الجهمية والمشبِّهة» (ص17) -واصفاً حالَ بعضِ أهلِ زمانِه-:
«وإنْ دُعُوا أَنِفُوا، وإنْ وُعِظُوا هَزَؤوا، وإنْ سُئِلُوا تعسَّفُوا، وإنْ سَأَلُوا أَعْنَتُوا»!!
فكيف -كيف- حالُ أَهْلِ زمانِنا؟!
لا مُفَرِّجَ إلاّ إلهُـنا...

... ولْنعْتَرِفْ -جميعاً- أنَّ هذه الفتنةَ ولّدت شرًّا -وإنْ تفاوَتَتْ دَرَجَاتُهُ!- لم يَنْجُ منه إلاّ مَن سلَّمَهُ اللهُ -تعالى-، {وقليلٌ ما هُم}...

فالأمرُ خطير...
والشرُّ مستطير...
والأثرُ السلبيُّ كبير...
والتشتُّتُ كثير...

... لقد حصلَ -بسبب ذا-:
سَبٌّ ...
وشَتْمٌ ...
وافتراءٌ ...
وإقْذاعٌ ...
وإساءَة ...
وتَثْويرٌ ...
وتعصُّبٌ ...
وظُلمٌ ...
و.. و.. و.. و..!!!


... وإذ أذكُرُ هذا -جميعَه- وأقولُهُ؛ فإنَّ الألمَ يعتصِرُني -واللـهِ- لهذا الحالِ المُزْرِي الذي وَصَلَ إليه شَأْنُ (الكثيرِ) مِن السلفيِّين -في سائر بلاد المسلمين، بل غير المسلمين!-؛ إذِ الواجبُ الحَتْم أن يكونوا -حقًّا وصِدْقاً، واسْماً على مُسَمَّى- هم أهلَ (السُّنَّة): المُفارِقةِ للتحزُّبِ، والمُغايِرةِ للتعصُّب، و(الجماعةِ): المُناقِضَةِ للتفرُّق، والمُباعِدَةِ عن التمزُّق!!

وثمَّةَ حديثان شريفان عظيمان أُورِدُهما ليتذَكَّر هَدْيَهُما كُلُّ الإخوان -وبخاصَّةٍ في ذا الأوان-:

* أولُهما: قولُ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: «المُسْتَبَّانِ ما قالا؛ فعلى البادئِ [منهُما] ما لمْ يَعْتَدِ المظلوم» [رواهُ مسلم].

فـ: «المُسْتَبَّان»: هُما اللذانِ يتبادلانِ الشتيمةَ فيما بينَهما؛ فيشتِمُ أحدُهما الآخرَ.

و: «ما قالا»؛ أي: إثمُ ما قالاهُ مِن السبِّ والشتم والأذى.

و: «على البادئِ منهُما»؛ أي: يعودُ ذلك الإثمُ على مَن كانَ السَّبَبَ في هذه المُشاحنةِ، وتلكُم المُخاصمة.

و: «ما لم يَعْتَدِ المظلومُ»؛ أي: يتجاوزِ الحدَّ المشروعَ في الردِّ على سبِّ ذاك وشَتْمِه.

فلا يكونُ الإثمُ -والحالةُ هذه- على البادئ فقط- وإن كان هو السببَ الرئيسَ في السَّبِّ!-، بل يَشْمَلُهُمَا الإثمُ -جميعاً-..

وفي هذا الحديث الشريفِ:
- تحذيرٌ (للبادئ) بالظلمِ، والسبِّ، والتجاوز، وبيانُ أنَّ أصلَ الإثمِ واقعٌ عليه، مجرورٌ إليه...

- وتحذيرٌ لِمَن وَقَعَ عليه السبُّ، والظلمُ، والتجاوُزُ -ابتداءً- أنْ يحفَظَ موقعَ قَدَمِهِ! وأن يحذر جَوْرَ لسانِه أو قَلَمِهِ!!

فحَذارِ حَذار...

فإذا وقعتِ الواقعةُ؛ وتبادَلَ الطرفانِ:
السبَّ..
والشتمَ..
والإيذاءَ..
والإقذاعَ..
والظلمَ...
والافتراءَ:


... فيقعُ عليهما -جميعاً- الحكمُ الجليُّ الحاسمُ الذي صرَّحَ به الحديثُ النبويُّ الآخرُ، وهو:

* ثانيهما: «المُسْتَبَّانِ شيطانان؛ يَتهاتران، ويَتكاذبان» [«صحيح الترغيب والترهيب» (2781)]...
فقولُهُ: «يتهاتران»؛ أي: (كُلٌّ منهما يتسقَّطُ صاحبَهُ، وينتقصُهُ -مِن (الهَتْر)، وهو الباطلُ مِن القول)
-كما قال المُناوي-.

ولقد صَدَقَ -رحمهُ اللهُ-؛ فلقد أظهرت هذه الفتنةُ الغاشمةُ كم لهذا (التسقُّط) الغاشِم مِن دَوْرٍ في
إذْكاءِ نارِها...
وفي تَشْبيب أُوارِها...
وفي تَعْظيمِ حرِّها وسَمُومِها..
وتَكْبير وَهَجِها وهُجومِها..


فضلاً عن (الترصُّد)، و(التصيُّد) -الظالمَيْنِ، المُرَّيْنِ!-؛ الراجِعَيْنِ لـ(التسقُّطِ)، والمحمولَيْنِ في عَيْبَتِهِ!!


إخواني في الله:
هذه جُملةُ محاذير، ومجموعةُ تحذيرات...
فاحذَروها، وحاذِرُوها، وحَذِّرُوا منها...
وبخاصَّة (البادئَ)!!
ومعه (المتجاوز)!!

فَـ:
لا تُؤَجِّل....
لا تُسَوِّف...
لا (تُرْجئ)...

فهذا -كُلُّهُ- مِن عَمَل الشيطان، وكيده لعبادِ الرحمن...
وأنتَ -أيُّها المعترضُ بهواك - راقِبْ ما تَقْتَرِفُ يداك، وكُفَّ عنَّا لسانَك وأذاك! واقْطَعْ عن إخوانِك تشغيبَك -هذا وذاك-! وعالِجْ نفسَك مِن مَرَضِك ودائِك وبَلاك!!!
أقولُ هذا -كُلَّه- {وما أُبَرِّئُ نفسي إنَّ النفسَ لأمَّارةٌ بالسُّوءِ إلاّ ما رَحِمَ ربِّي إنَّ ربِّي غفورٌ رحيم}..



أَبِنْ لي ما ترى والمرءُ تأْبَــى * * * عـزيمــتُهُ ويَغْلِـبُهُ هــواه


فيَـعْمَى ما يُرى فيـه عليهِ * * * ويحسبُ ما يـــراهُ لا يراه


فحَذارِ مِن (المخالفةِ) حَذار...
والبِدارَ إلى (المُراجعةِ) البِدار..

ولْنُقارِنْ -أخيراً- بين صِنْفَيْنِ مِن الناس -ولْنَحْمَدِ اللهَ على العافية!-:

- مَن يَسْعَدُ بالاتِّفاق، ويكونُ إلى الأُلْفةِ بأعظمِ اشتياق...
- ومَن يَفْرَحُ بالخُلْفِ والافتراق! ويُسْخِطُهُ الاجتماعُ حَدَّ الانْفِلاق!!

... {فأيُّ الفريقينِ أحقُّ بالأمنِ إنْ كنتم تعلمون}؟!
{فاتَّقوا اللهَ وأصلِحوا ذاتَ بينِكم}..
{والصُّلحُ خيرٌ}..
{ولا يزالون مُختلفين إلاّ مَن رحِمَ ربُّك}.


ولْيَكُنْ -أخي المُكَرَّمُ- لِسانُ حالِك، ونصُّ مُقالِك -مُرَدِّداً لا مُتَرَدِّداً-:

وأَجْتَنِبُ الـمَقاذِعَ حيثُ كانت * * * وأَتْرُكُ ما هَوَيْتُ لما خَشِيتُ




... واللهُ مِن وراءِ القَصْد...


* * *
   طباعة 
0 صوت
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل
جديد المقالات
: كل مُر سيمُر - تغريدات مصورة
رد أحاديث الصحيحين - تغريدات مصورة
: المتصدرين للإفتاء - تغريدات مصورة

Powered by: MktbaGold 6.5