بين ( الفقه ) و( الثقافة ) ... ونَقْدُ الْتفافة !

بين ( الفقه ) و( الثقافة ) ... ونَقْدُ الْتفافة !
2189 زائر
01-01-1970 01:00
علي بن حسن الحلبي




يَسُوؤني - كثيراً - حالُ بعضِ الكَتَبةِ ممّن يحسَبون أنفسهم على شيءٍ ! وليسوا هم - في الحقيقةِ - على شيءٍ !! وذلك لأنهم - ليلَ نهار - يخوضون فيما لا يعرفون ! ويكتبون فيما لا يعلمون !!

ولو كَتَبَ أمثلُهُم طريقةً و ( ثقافةً !) في باب الطبِّ أو الزراعة - مثلاً - من المعارف الدنيوية ! - ؛ فإنّه لا يُحسنُ بل لن يُحْسِنَ ؛ كونَهُ يَلِجُ مدخلاً لا يفهمُهُ ، ويدخلُ باباً لا يعرفُهُ ! فكيف إذا كان هذا الدخولُ - أو ذاك الولوجُ - في أبواب الفقه الشرعيّ ، ومسائل العلم الدينيِّ ؟! ( فالمصيبةُ أعظمُ ) !

ولقد أراح بعضُ الكتبةِ أنفسهم ، وقُرّاءَهم ( ! ) لمّا أحجموا - حيناً من الدَّهْر - عن الكتابة في ( الإسلاميّات !) ؛ معترفين على أنفسهم - ولو بطريقِ غير مُباشرٍ ! - بالجهل وعدم المعرفة - وهذا جيد جداًّ - ؛ راجعين إلى ميدانهم ( الأول ) في الفنّ ، والرياضة ، والسياسة .. إلى آخِر ما هُنالك من معلوماتٍ ومعارفَ يسهلُ التقاطُها - وتلقُّطُها - من هُنا ! أو هناك !! أو هُنالك - دون تعبٍ ولا إتعاب - !

أقولُ هذا - كُلَّه - وأمامي شيئان مهمان ؛ أولُهما ذكّرني بآخِرِهما :

الأولُ :
مقالٌ كتبه أحدُ ( المُثَقَّفين ! ) مِمَّن تَفتح له الجرائدُ صفحاتِها ، وتُغلِق نفوسُ المؤمنين الفاقهين له صدورَها ؛ لسوءِ ما يُسَوّدُ ! وبلاءِ ما يَجْتَرُّ !!

لقد خاض في مقاله هذا - هداه الله - في ( السياسة ) ، و( الاجتماع ) ، و( الحركات ) ، و( النهضة ) ، و( التاريخ ) ، و( السلفية ) ، و( الإسلام ) - وما إلى هُنالك من ( أفكار ) - كُلُّ ذلك - في أقل من صُفيحةٍ لا يربط بعضَها البعضَ إلا كونُها صدرت ممّن لا يدري فيما لا يفقهُ ! - ، فكان أبرزَ ما كرّره ودندن حوله - كما هو الشأنُ بتساويده دائماً ! - فكرتان :
الأولى : التبشير (!) بـ (انحسار المدّ الاسلامي ) ! والفرح بتراجع حضور ( تديُّن المجتمعات العربيّة ) !! - بحسَب لفظِهِ !-!

ولا يحتاجُ القارئُ الفَطِنُ إلى كثيرٍ من التفكير (!) لإدراكِ ملامح ذاك الفَرَح ، وظهور ذلك التبشير ؛ فهو جِدُّ واضحٍ - أولاً - ، فضلاً عن كونه - كما أسلفتُ - ممّا يُدندِنُ حولَه الكاتبُ في كثيرٍ من تساويده - ثانياً - !!

ولكنْ ؛ لماذا ؟! ووراءَه (!) ماذا ؟!

الثانية : زعمه - المتكرِّر ، المجترّ ، المهترئ - أن : ( الحركات ( كذا !) السلفية ) تعيشُ خارجَ العصر ، وتتوسَّلُ بالتاريخ ، لا بالإسلام الذي أنزله الخالقُ صالحاً لكلّ زمانٍ ، من دون تقليد ، ولا نمطيّة ) !!!

... هذه مزاعمُه ، وهذا كلامُهُ ، وكلّه قولٌ على قول مُلقىً على عواهنِهِ ، تكادُ كُلُّ كلمةٍ منه تحتاجُ ردّاً ، وتستلزمُ نقضاً !!
ولبيان بعضِ ذلك أقول :

- ( الحركات السلفيّة ) - هكذا بهذا الإطلاق ! - لا تُمثّل الإسلامَ الحقَّ ، كما لا يُمثّل الكاتبُ ( المحترمُ !) الإسلامَ ( الصحيحَ ) الذي يتبجَّحُ - كثيراً - بالحرصِ عليه ! والدعوة إليه سواءً بسواء - !

فـ ( السلفية ) الحقّةُ : فهمٌ ، وتصوُّرٌ ، وإِدراكٌ ، وعلمٌ ، وعملٌ ، ودعوة ٌ، والتزامٌ ؛ وليست هي حركةً ، أو حزباً ، أو تنظيماً ، أو جماعةً !

- أما أنها ( تعيش خارج العصر ) ؛ فهي كلمةٌ خرقاءُ صلعاءُ ؛ فالدعوةُ السلفية - بعلمائها الربّانيين ، وشيوخِها العارفين - صِمَامُ أمانٍ للمجتمعات التي يعيشون فيها - إيماناً وأمناً ، وأماناً - .
وما صَدُّ ( السلفيّة ) لأفكار التكفير المنحرف ، وتصوّرات الجهاد الأهوج - وضبطُ ذلك كُلّه بالعلم السديد - عن أيِّ ناظرٍ ببعيد !! - رضي من رضي ، وسَخِط من سَخِط - !

فإذا كان هذا ( الضبطُ ) و( التأصيلُ ) يُسمّى عند مُثَقَّفي آخِر الزمان (!) : ( عيشاً خارجَ العصر ! ) ؛ فليهنؤوا بعقولهم !!
- وأما أنّها ( تتوسَّل بالتاريخ ) ؛ فهذا حقٌّ ؛ وإن سِيق مساقَ الإنكار والتبكيت ! - ؛ فالأمةُ التي لا تتوسَّلُ بماضي تاريخها ، لتتوصَّل إلى حَقِّ حاضرها ، مستشرفةً - بذا وذا - مشرقَ مستقبلها : أمَّةٌ مَيْتَةٌ شوهاء ، ولو حَسِبَتْ نفسها في عالم الأحياء !!

لكنَّ ( التوسُّل بالتاريخ ) - ضبطاً للمفهوم ، واستفادةً من التجارِب ، واعتزازاً بالمجد التليد ذي النصر الأكيد - غيرُ ( الجمود ) على ( التاريخ ) ، والوقوف عنده - مِن قريبٍ أو بعيد - !!

وهذا - هكذا - هو حقيقةُ ( التوسُّل بالإسلام ) الذي أشار إليه - ورغّب به - مُثَقَّفُنا ( المحترم !) - مُتوهِّماً - أو مُوهمِاً - فرقَ ما بين ( التاريخ ) ، و( الإسلام ) ، والذي لا يُمكن الانفكاكُ بينهما إلا بالانسلاخ من أوامر الشريعة ، والانحراف عن أحكام الملّة البديعة ....

- وأما أنَّ ( الإسلامَ صالح لكلَّ زمان ) ؛ فهذا خطأٌ شائِعٌ ، وغلطٌ مشهورٌ ذائعُ !! فصلاحيةُ ( الإسلام لكلَّ زمان ) مُرتبطةٌ بإصلاحهِ للأحوال الفاسدة ، وتصحيحه للأوضاع الزائفة ؛ فالإسلام - بحقّ - :( صالح [ ومصلح ] لكل زمان ) ...

أما أنه ( صالح ) مع بقاءِ الأفكار المضطربة ، والمقالات الجاهلة ، والشؤون الظالمة ، والتصوُّرات المظلمة - أو استمرارها - : فإنَّ هذا ( الصلاح ) - المزعوم - تفريغٌ للإسلام من أصول ( الإصلاح ) - الأساس - التي قام عليها ، ودعا إليها : { إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ }....

- أما ( التقليد والنمطيّة ) ؛ فهما كلمتان تحتملان أكثرَ من معنى ، وتحملانِ أكثرَ من وجهٍ : فاذا قُصد (!) بهما معنى التعصُّب والانغلاق ، والأخذِ بالأقوال بلا حُجَّة ، ولا استدلال ؛ فهذا - حقاًّ - ( تقليدٌ ) باطل ! و( نمطية ) مرفوضة !

وإذا أُريدَ (!) بهما معنى الاتباع لدلائل الشرع الحكيم ، والوقوف عندها ، وعدم تجاوزها ، والثبات عليها ، والاهتداء بأمرها ؛ فَلَنِعْمَ ( التقليد ) هو ، وَلَنِعْمَ ( النمطيَّة ) هي - على تحفّظٍ ( قويٌّ ) على اللفظين - معاً - !!

وما أعظمَ قولَ الله العظيم في القُرْآن الكريم : { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ } ، وقولَه - سبحانه - : { فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } ، وقولَه - عز وجل - : {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} ..

فنحن بهدي هذه النصوص نقتدي ، وبأنوارها نهتدي ؛ فلا نبتدي ، ولا نعتدي ..

أما ثاني الأمرين - اللذين بَنَيْتُ عليها مقالتي هذه - والذي ذكّرني أولُهما بآخرهما - كما ذكرتُ - :
فهو كلماتٌ نقلها بأمانة - ولو أنها عليه ! - الكاتب المصريُّ المعاصر ( حُسين أحمد أمين ) في كتابه " شخصيات عرفتها " (ص 158-159) - نقلاً عن الأستاذ العلاّمة محمود شاكر - حارس العربية ، وناصر الإسلام - رحمه الله - بياناً لأمور وأمور :

أولهما : ردُّه وَصْفَ من وَصَفَ ( حسين أحمد أمين ) بأنه ( الكاتب الإسلامي المستنير ! ) بقولهِ :" ما معنى ( الإسلام المُستنير ) - بالله عليك - ؟! أهناك ( إسلام مستنير ) ، و( إسلام غير مستنير ) ؟! أم ( الإسلام ) كلُّه نورٌ ، ومن لم يستنر به لا يجوزُ وصفُهُ بأنه ( مسلم ) ؟! "

ثم ذكر الأستاذ شاكر أسماءً اخرى لبعض من وُصِفوا (!) بهذا الوصفِ - نفسه - من ذوي الأسماء اللامعة ! - ثم قال -لحسين أحمد أمين ، ومن سماهم - :" دعني أقول لك : إن كل ما تكتبونه هو عبث أطفال ، نعم ؛ مجرد لعب عيال ! كلكم أطفال .. يقرأ أحدكم كتابين أو ثلاثة فيحسب نفسه مجتهداً ومؤهلاً للكتابة عن الإسلام والإصلاح والاستنارة ...!" .

ثم قال الأستاذ شاكر - رحمه الله عليها - : " ألف حسرة على العالم الإسلامي وأمة الإسلام ! .. جهل مطبق بالفكر الإسلامي وبالتاريخ الإسلامي .. تدهور رهيب في اللغة العربية .. نُظُم التعليم في مدارسنا غربيّة محضة .. حتى الجماعات المسماة بـ ( الإسلامية ) ألقت بتراث أربعة عشر قرناً في صندوق القمامة .. "

ثم قال - رداً على ( حُسين ) وأبيه ( أحمد أمين ) - مباشرةً - كما نقل ( حُسين أحمد أمين ) - نفسُه - : " ما هذا الذل ؟! ما هذه الاستكانة وهذا الضعف ؟! سواء منك أو من أبيك - تُجاهَ المستشرقين الغربيين ؟!

أهم أدرى بتراثنا ، وأقدرُ على إصدار الأحكام بصددهِ من علمائنا الذين نَهَلُوا من هذا التراث مع لبن أمهاتهم ، ونشأوا عليه منذ نعومة أظفارهم ؟!! "

ثم قال الأستاذ شاكر - رحمه الله - بعد إشارته إلى فضل العرب على الغَرْب في كثيرٍ من أبواب العلم والمعرفة - مستدركاً - وكأنّه يقول - بل يقول - : " المسألة - إذن - ليست مسألة َ فضل ، وإنما هي تتعلق بخيبة المسلمين المحدَثين حِيال تراثهم ..
كل الأمور مَعَنا تسير من سيِّئ إلى أسوأ : في الثقافة ، والسياسة ، والاقتصاد ، والأخلاق - أو ما شئت -
واللهُ - سبحانه وتعالى - إنما يعاقبنا على ما نرتكب وما نُهمل ، وهو على كل شيء قدير "


أقول - بعد - :
لقد وضع الأستاذ العلامةُ محمود شاكر - تغمده الله برحمتهِ - في سائر كلامه - يدَه على الجرح ؛ كاشفاً الداء ، وواصفاً الدواءَ ، ولكنْ : أين أهل ( الثقافةِ ) الأدعياء ، ممّن رَكِبَتْهُمُ الأدواء ، وركبوا اللأْواء .. ( وهم يحسبون أنهم يُحسنِون صُنعاً ) - بلاءً فوق بلاء - !

فلْيكسِروا أقلامهم ، وَلْيُقْبلوا على تعلُّم العلم النافع المبنيّ على كتاب - الله تعالى - ، وسنة رسوله الكريم - صلى الله عليه وسلم - بفهم خير الناس من أهل خير القرون - رضي الله عنهم ، ورحمهم - ، دون التَّفَلُّتِ والانفلات ، ومن غير فلسفةٍ ولا تفلسُف ؛ حرصاً على دين الأمةِ الذي به - لا غير - حِفْظُ دُنْياها .
أما الدندنةُ حول ( التنوير الإسلامي ) ! أو ( ليبراليّة الإسلام ) ! أو ( حداثة الإسلام ) ! أو ( علمنة الإسلام ) ؛ فإنها ( شنِشْنِةٌ نعرفُها من أخزم ! ) ؛ إذ باعثُها - جميعاً - تلكم الانهزاميةُ الأخلاقيةُ ، والتقهقُر العلميُّ الفكريُّ الذي أصاب مقتلاً من كثيرٍ من المُثقفين العرب ، الذين ظنوا متوهِّمين - وتوهّموا ظانِّين ! - أنه لا نهضة - بحق - إلا بالانخلاع من الدين ! أو بتغيير نهجه الأمين !! تحت أمثال هذه ( الشعارات البرَّاقة ! ) التي ظاهِرُها فيه الرحمة ، وباطِنُها من قِبَله العذاب !!



وهذا الحقُ ليس به خفاءُ **** فدعني من بُنيات الطريق




...
   طباعة 
0 صوت
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل

Powered by: MktbaGold 6.5