التصفية والتربية، محاضرة للشيخ الحلبي



إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهدي الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله. أما بعد:

فإن أصدق الحديث كلام الله تعالى وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار أما بعد
فجزى الله خيرا من كان سببا في هذا الجمع الطيب المبارك, وجزى الله خيرا من كان سببا في حضوري للالتقاء بهذه الوجوه النيّرة بضياء السنة إن شاء الله, لتلتقي وتتدارس وتتواصى وتتذاكر, متعاونة على البر والتقوى, متناهية عن كل ما يخالف ذلك من الإثم والبغي والبدع والعدوان.
وأصل هذه المحاضرة التي طلبت مني إخواني, رسالة كتبتها قبل نحو خمس من السنوات ونشرت ونفذت نسخها -ولله الحمد- ، ولكن تجدد الأحداث ومصارع الفتن والاختلاف دعتني أن أعيد النظر في بعض من مواضيع هذه الرسالة وأن أزيد شيئا من مباحثها لتكون بصورتها الجديدة محاضرة هذا اليوم إن شاء الله، وقبل أن أبدأ بهذه المحاضرة عمت لي أمور, وخطرت في قلبي مسائل أحببت أن تكون تمهيداً لها وتسهيلاً لطريقها ومقدمة لفحواها ومضمونها، أول ذاك أيها الإخوة في الله, بيان غربة الإسلام ، هذه الغربة الثانية التي تعيشها الأمة بين شتى الأمم والملل، ولكن المسلم السني المتبّع لنهج سلف الأمة يعيش الغربة تلو الغربة, وهو مسلم بين كفار مع بقية المسلمين وهو متبّع للكتاب والسنة بين أناس عاشوا في التقليد وغياببه, وهو داعية رشيد ذو نهج سديد عاش بين أناس يدعون ويتكلمون ويجتمعون لكنهم يفتقدون ذلك المنهج الذي سيأتينا بعد قليل الكلام عليه بشيء من التفصيل؛ يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- :


<< إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء >> وثمة رواية تفسر هؤلاء الغرباء فيأتي بيانها بعد إن شاء الله .
وفي ظل هذه الغربة يكثر المصلحون, وفي ظل هذه الغربة يتنادى المخلصون، وفي ظل هذه الغربة يقوموا الداعون، كل منهم يدلي بدلوه, وكل منهم يلقي بحمله عسى أن يصيب في دعوته مكمن الداء ليخرج بدعوته مبيّنا سبب الدواء والشفاء، فكثرت مناهج الدعاة, وتعددت أطر الدعوة إلى الله، وتفرق المسلمون فوا أسفي الشديد، جماعات وأحزاب, وتشتّتوا طوائف وفرقا, كل منهم يدعوا إلى فرقته وكل منهم يدعو إلى طائفته, فكان من أولئك من جعل شعار دعوته النظر السياسي وتتبع مقالات الساسة، والكلام في هذا الإطار, والدوران في هذه الحلقة المفرغة, وكان منهم من حاول العمل العسكري وهو بعد في الرقراق, وهو بعد في الضحضاح, فلم يلتفت إلى القاعدة ولم يهتم بالأصل والأساس, فولّد ذلك شرورا كثيرة, وأنتج ذلك ثمرات قجة مريرة ذاق المسلمون ويلاتها في كثير من بلاد الإسلام؛ ولو تأمل الواحد منا واقعه مستفيدا من تجارب السابقين، متذكرا قول إمام من أئمة الصحابة -رضي الله تعالى عنهم أجمعين- وهو ما رواه مسلم في صحيحه عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال :<< السعيد من وعظ بغيره>> المسلمون اليوم كأنما هذا الأثر عندهم في طي النسيان، وفي غياهب الذاكرة, لا يلتفت إليه, ولا ينتبه لثمرته ونتيجته وأثره، فلا زلنا نقع في الهوة ذاتها, ولا زلنا نلدغ من الجحر نفسه, الذي يحاك لنا ونصاب به فوا أسفي الشديد, فلو نظر الواحد إلى أحوال مصر في الستينات, وأحوال سوريا في أواخر السبعينات, وأحوال عدد من البلاد الإسلامية في الثمانينات, وأخيرا أحوال الجزائر في التسعينات, لرأى أن هذا الاستعجال الذي يعيشه هؤلاء وأولئك في غفلة عن النهج الصافي, (كلمة غير مفهومة) الرشيد, وعن المنهج السديد, هو السبب المفضي به جميعا إلى ذلك التنكب المؤدي بهم إلى ظلمات الفرقة والتفرق عن نهج سلف الأمة الصالح؛ ثم ترى أقواما آخرين أقاموا مناهجهم ودعواتهم على العواطف الفارغة, والحماسات الخاوية, يؤججون بها قلوب الشباب ويلهبون بها مشاعرهم وأحاسيسهم, وهم في كل ذلك خواء من العلم, فراغ من النهج, يحبون الدين ويغارون على الإسلام والمسلمين, لكن ذلك الحب وهذه الغيرة إذا لم تجد نهجاً تستمد منه, وإذا لم تجد ضياء تستضيء بنوره, وإذا لم تجد نورا ونارا، نورا تهتدي بها, ونارا تحرق أعداء الله بها, فإنها تذوب وتثمر ثمرات سلبية عكسية تؤرّق العين وتقلق القلب وتشتت الشمل، وتفرق الكلمة وتمزق الأمة, وهذا ما يعيشه الناس اليوم, أقول هذا بيانا للداء وأن الدواء فسيأتينا بعد إن شاء الله .


وهناك أقوام عاشوا في غرة السياسة الكافرة منشغلين بها, واقعين في أكنّها ظانين أنهم يحسنون صنعا, فتراهم ينخرطون في البرلمانات ويشاركون في السياسات والوزارات وهم يظنون أنهم بذلك يوصلون كلمة الإسلام, مع أن الواقع المشاهد أن أعداء الإسلام لا يفتحون لكم المجال أيها الإخوة في الله، أيها الأحبة الكرام إلا لضربكم, وإلا لإبعادكم عن دينكم ولكن بخطوات هي خطوات الشيطان, ولا تستمعوا لخطوات الشيطان؛ ترى الواحد منهم يتساهل بحقه، يتساهل بسنن من سنن نبيه يتساهل بأحكام شرعية ينادي بتطبيقها وهو تارك لبعضها ورحم الله من قال: << فاقد الشيء لا يعطيه >>.

وهناك أقوام عاشوا في ظلال الخيال، ودأبوا على نسج الأوهام, يظنون أنهم أصحاب فكر, ويحسبون أنهم دعاة تخطيط ونظر، لكنهم عن هذا وذاك بمعزل, لأن الفكرة والتخطيط والنظر وغير ذلك من اصطلاحات عصرية حادثة, كل هذا إذا لم يكن منوطا بدلائل الخير ومخوطا بمناهج السلف فإنه وبال على صاحبه إن لم ينل (كلمة غير مفهومة) ثمرة اليوم فسينالها غدا, ولكن يسرع هذا وذاك بين هؤلاء وأولئك في الرجوع إلى المنهج النيّر المضيء المشرق, الذي أثبتت السنوات الماضية ضعف ما عداه, ووضاء ما سواه وهو ولله الحمد باق قائم, صادق أهله مرابط دعاته وأتباعه, وإن كانت ثمرته في عيون البعض قليلة, لكنها عند الله جليلة لأن الله -تبارك وتعالى- يقول :{ وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} فنحن سائرون على هذا الصراط, سالكون هذا الدرب, لا ننظر إلى الكثرة ولا نلتفت إلى وفرة, ولا نتهيب تربص عدو, ولا نخاف كيد كائد؛ فعلينا بهذا النهج نرشد وننجح ونفلح, هذه نقطة أحببت أن أذكرها في هذا اللقاء .
أما النقطة الثانية : فهي الكلمة التي ترددت مراراً في هذه المجالس الطيبة المباركة النافعة التي عقدت في هذا المؤتمر, ألا وهي كلمة السلفية, البعض قد(كلمة غير مفهومة) من إطلاق هذه الكلمة, والبعض قد لا يفهم معنى هذه الكلمة, والبعض قد يخطئ فهم هذه الكلمة, والبعض قد لا يتصور التصور العلمي والعملية لمدلول هذه الكلمة, فكانت النقطة الثانية مما أريد بيانه بين يدي محاضرتي, كلمة السلفية مضمونها ومعناها, وإن كان هذا بحاجة إلى محاضرة بل محاضرات.


فأقول: إن الناظر في الجماعات الدعوية وفي الأحزاب الدينية يرى أنها جميعا لها مؤسسون ولها منظرون ولها قياديون مبرمجون ومخططون, فهذه الجماعة أسسها زيد وقام عليها, وذلك الحزب أنشأه عمرو وأشاد بنيانه, وتلك الجماعة نظّر قاعدها وأرسى بناءها فلان أو فلان. هذه لها عشر من السنين, وهذه لها خمسة, وهذه لها سنتان أوثلاث أو عشر وهكذا, وكل منها لها اسم ومصطلح ولقب يلتقي مع أولئك المؤسسين؛ أما الدعوة السلفية فليس لها مؤسس لأنها منهج فهم وتصور, وهذا يظهر بجلاء في معرفة كلمة السلفية من حيث أصل نسبتها, ومن حيث تعريفها ومضمونها؛ يقسم علماء الحديث في باب معرفة الأسماء، الأسماء إلى أنواع فيقولون: اسم, ويقولون لقب ويقولون كنية, ويقولون نسبة.


أما الاسم فمعروف, أما اللقب بأن يقال: فلان طويل, فلان أعثر, فلان(كلمة غير مفهومة), فلان كذا وكذا من ألقاب تدل على المتلقبين به


وأما الكنية فمعروفة أيضا بأن يقال أبو فلان. قد يستغرب البعض ويقول: ما شأن هذا بما تقول ؟ فأقول: إن لهذا شأنا دقيقا جدا يعثر فهمه على كثير من الناس, إذ السلفية ليست اسما فضلا أن تكون لقبا وهي بطبيعة الحال ليست كنية, إذا هي نسبة, هي نسبة إلى السلف, فهي ليست اسما يدل على فئة من الناس(كلمة غير مفهومة) أو يعطون هويات أو تذاكر تنوب عنه, وإنما هي نسبة الولاء والبراء على منهجها وعقيدتها, الحب والبغض على فكرها ونهجها, العداء والولاء على العمل والعلم, المستمدين منها, وليس الولاء والبراء فيها كما هو الولاء والبراء عند غيرها, أنت معنا أم ليست معنا!! أنت منا أم لست منا!! أنت معنا وتقرأ لنا أم لا تقرأ لنا!! أنت كذا وكذا من حزب كذا أم أنت كذا وكذا من جماعة كذا, لا, إن الولاء والبراء في الدعوة السلفية ليست على حروفها الصماء, وليست على سينها ولامها وفائها ويائها الخاوية, ولكنها على تلك النسبة التي هي امتداد لذلك النهج الذي(كلمة غير مفهومة) معرفته عن صفائه ونقائه, إنها علامة على صدق ذلك المنهج والطريق الذي تظهر معرفته ويكشف الوقوف عن أمره علامة صدقه وصفائه, إنها ذلك النهج الذي بينه رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ولم يتكف ببيانه, بل ذكر علامة استمراره وهي علامة أحقية هذا المنهج حيث يقول الرسول الأعظم - صلى الله عليه وسلم- :<< لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك >> لا تزال طائفة, لا تزال من حروف أومن معانيها الاستمرارية أنها مستمرة مند ذلك الجيل الأول الذي اصطلح بعض الدعاة العصريين أو المعاصرين عليه بأنه الجيل القرآني الفريد ، فهذه الدعوة ممتدة جذورها ضاربة بأطنابها في أعماق التاريخ وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها, بصفاء وعلم وبينة, فهذه الاستمرارية وحدها التي لم يتلو قرن بل عقد بل(كلمة غير مفهومة) من وجود دعاة لها منافحين عنها دابّين عن كلمتها ومنهجها, هذا وحده لو عقل المخالفين وتأمل(كلمة غير مفهومة) لتدبّر الحاقدون لعرفوا أن هذه السمة وحدها هي بيان الحق, وهي دليل الصدق, وهي شعار الرجوع إلى الحق الذي أخبره به رسول الإسلام -عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم-؛ وهؤلاء السلف الذين ندعو إلى نهجهم وننتسبوا إليهم هم مزكون على لسان رسول الله -عليه الصلاة والسلام- بل إنهم مزكون في آيات القرآن الكريم وعلى ذلك آيات عدة ,وأحاديث كثيرة لكن الوقت يمضي ولا نشعر, فنقتصر من ذلك على أجزاء, آية من كتاب الله يقول تبارك وتعالى : { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا } أي سبيل للمؤمنين ذاك, هل ذكر سبيل المؤمنين هنا أيها الإخوة جاء عبثا؟ لا والله, أم أنه جاء تكرارا؟ نقول قد يقول نعم ولكن التكرار في القرآن لا يخلو من أسرار, لذلك صنف بعض أهل العلم كتب مفردة في أسرار تكرار القرآن { ومن يشاقق الرسول } لقد ذكر الله رسوله, ومن شاقق هذا الرسول, فلماذا يذكر سبيل المؤمنين واتباع غيره, لأن سبيل المؤمنين هو الطريق الذي يتوصل من خلاله إلى معرفة الرسول -عليه الصلاة والسلام- وإلى معرفة آيات الله في كتابه, إذ اليوم ترى كل الفرق وكل الجماعات وكل الأحزاب تقول الكتاب والسنة، لكن كيف الوصول إلى الكتاب والسنة ؟ هل الوصول إليهم يكون عن طريق ما يسمون اليوم بلغة العصر اليوم العقلانيين, وقد نبهنا بعض إخواننا الأفاضل إلى أن يسموا أهل الأهواء وهذا حصل لا ريب فيه, فهم أهل الأهواء العقلانيون لأنهم قدموا العقل على النص, وقدموا الرأي على الشرع, وكانوا كأمثال ذلك النقد السلفي الذي صدر عن فقيهة من فقيهات الصحابة وأم لنا من أمهات المؤمنين عندما جاءتها امرأة تقول لها :
<< ما بالنا إذا حضنا، نقضي الصيام ولا نقضي الصلاة >> تريد أن تحتكم بعقلها أو أن تحكم عقلها على الشرع, كيف يدخل هذا في العقل تقول هذا الشيء, وتذكر هذا الإشكال أمام أمنا أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى- عنها وقد كانت من الفقيهات ماذا كان جوابها -رضي الله عنها- كان جوابها عنوان من عناوين دعوتنا وشعار من شعارات منهجنا قالت : << أحرورية أنت ؟ لقد أمرنا بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم >> مباشرة إذ رأت الهوى(كلمة غير مفهومة) وفورا إذ شعرت بالعقل على النصوص يقدم, وصفتها بأنها حرورية, والحرورية هم من أصحاب الفرق الضالة, هم طائفة من طوائف الخوارج الذين عرف عنهم تقديم العقل على الشرع والهوى عن النصوص والأحكام؛ إذا هذه أمارة من أمارات هذا النهج الذي يجب أن نسلكه من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم- وهما الوحيان الشريفان اللذان لا تنفك أحد ممن يقول لا إله إلا الله حتى الشيعة وحتى المعتزلة وحتى الأشاعرة بل الجهمية لا ينكر أحدهم كتاب الله أو سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لكنهم جميعا ينكرون بلسان حالهم فضلا عن مقالهم ذلك النهج السلفي السديد الذي يتوصل من خلاله إلى معرفة كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وهو الذي أشار الله إليه بقوله { ويتبع غير سبيل المؤمنين } والنبي مصطفى -عليه الصلاة والسلام- له في ذلك أيضا إشارات عدة وأمارات شتى منها الحديث الصحيح المتفق على صحته الذي يقول فيه النبي مصطفى -عليه الصلاة والسلام- :<< خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم >> وفي رواية في الصحيحين << ثم يأتي أقوام لا خير فيهم >> فأسأل نفسي وإخواني عن هذه الخيرية لتلك القرون هل كانت خيرية زمان؟ هل كانت خيرية شهور وأيام؟ هل كانت خيرية سنين وأعوام؟ لا والله, ثم هل هي خيرية مكان ؟ هل هي خيرية جدران وحيطان ؟ لا, ففي ذلك الزمان نفسه عاش المنافقون, وفي ذلك الزمان نفسه عاش الكافرون كما عاش المسلمون، وفي ذلك المكان ذاته عاش أولئك أنفسهم, إذا هل هي خيرية أجسام هل هي خيرية طول وعرض هل هي خيريه(كلمة غير مفهومة) ؟ لا لهذه الأسئلة الثلاث (كلمة غير مفهومة) كتاب كتبه بعض جن العقول إذ سمى كتابه " السلفية مرحلة زمانية مباركة لا (كلمة غير مفهومة)" ولقد بدأ بعض طلاب العلم بتأليف كتاب ينقض هذا الكتاب سماه " السلفية دعوة الإسلام على مر الأجيال لا مذهب أحدثته الرجال" .


إذا ما هو السبب الذي أدى إلى ذلك الخير, والذي أشار إليه الهادي إلى الخير- صلى الله عليه وسلم-, روى البخاري في صحيحه عن أبي جحيفة السوائي قال : << سألت علي وهو ابن أبي طالب الخليفة الرابع -رضي الله تعالى عنه قلت هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء أهل البيت ؟ قال :والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما خصنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما في هذه الصحيفة وفيها فكاك الأسير والديات وفهما يؤتاه العبد في كتاب الله » إذا تلك الخيرية هي خيرية الفهم, خيرية تصوّر, خيرية النهج خيرية السلوك الهادي إلى سواء السبيل, ولا خيرية -أيها الإخوة في الله- تكون أو تقوم إلا على هذا النهج وفي ظلال هذا الفهم, إذا السلفية نسبة إلى هؤلاء الذين زكاهم الله وزكاهم رسول الله -عليه الصلاة والسلام- ولا بأس من ذكر حديث آخر ذكرنا به بعض إخواننا في كلمات قصيرة أمس, وهو حديث الخلافة الذي يخبر عن ملك عضود وملك جبري ثم تكون خلافة على منهاج النبوة, منهاج النبوة لا يمكن الوصول إليه إلا عبر نهج الذين عايشوا هدي النبوة والذين شهدوا التنزيل, والذين عايشوا الكتابة غضا طريا, فعرفوا عن الله أحكامه, ودروا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أحاديثه فكانوا أتقى الناس قلوبا وأعمقهم فهما وأعظمهم تقوى لله وخوفا منه سبحانه وتعالى وأشدهم لنبيهم - صلى الله عليه وسلم- اتباعا, وأكثرهم لنصوص الوحيين تسليما كما قال الله -تبارك وتعالى- مخاطبا نبيه في أولئك السالكين الذين ندعوا إلى نهجهم وننتسب إليهم: { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما }هذا التسليم هو شعار هذه الدعوة(كلمة غير مفهومة) فمن تنكب عنه فهو خاسر, ومن غير دربه فهو هالك كما قال النبي المصطفى -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- :<< تركتم على مثل البيضاء نقية ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك >> ماهي هذه البيضاء هي التي أشار إليها النبي المصطفى صلوات الله وسلامه عليه :<< تركتم فيكم أمرين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا >> << تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة قيل من هي يا رسول الله قال هي الجماعة >> وفي الرواية الأخرى التي أشرت إليها أنها تتقوّى, وصف لهذه الجماعة قال << هي مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي >> وهنا لابد من ذكر أثر عن سيد من سادات الصحابة -رضي الله تعالى عنهم أجمعين- وهو عبد الله ابن مسعود حيث يقول :<< الجماعة ما وافق الحق ولو كنت وحدك >> فليست الجماعة هي ما قد يتخيله البعض من أطر وتنظيمات وأساليب وتخطيطات وتنظرات وو إلى آخره, وهي بعيدة عن هذا النهج, ليست الجماعة هي الكثرة الكاثرة والجموع المحتشدة والأصابع المرفوعة بعيدا عن هذا المنهج, إنما الجماعة(كلمات غير مفهومة) متمسك بذاك النهج, متبع لذلك الصراط وداع إلى هذا السبيل . ويقول عبد الله ابن مبارك: إذا ذكر السلف الصالح وهو منهم لكن كلمة السلف نسبية, فكل سابق له لاحق يكون السابق سلفا للاحق, فنحن ممن ننتسب إليهم من السلف عبد الله, ولكنه هو نفسه كان له سلف من التابعين والصحابة رضي الله تعالى عنهم بل من أتباعهم لأنه هو بعد مرحلة التابعين <<كان إذا ّكر من قبلهم من السلف كان يقول: لا تعرضن بذكرنا مع ذكرهم *** ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد
هذا يقوله ابن مبارك فماذا نقول نحن؟!!

والسيدة عائشة كانت تقول:

ذهب الذين يعاشوا في أكنافهم *** وبقيت في خلف كجلد الأجرب

عائشة تقول هذا الكلام!!! تسلسل هذا الأثر عن عائشة في بعض الكتب فكان كل من رواته عن عائشة يقول: كيف لو أدركت زماننا!!! ونحن اليوم نقول كيف لو أدرك هؤلاء كلهم زماننا؟!؛ وكان أبو عمرو بن العلاء وهو من أئمة القراءة ومن أئمة العربية كان يقول: ما نحن فيمن مضى إلا كبقل في أصول نخل طوال, معترفا بفضلهم مقرا بسبقهم ونهجهم وفضلهم، فهذا كله وغيره كثير كثير هو الذي يجعلنا نعض على هذا النهج بالنواجذ وندعو الناس إليه ولو تهكّم علينا المتهكمون, ولو سخر منا الساخرون, ولو استعلى علينا المستعلون, ولو تفخم علينا وتعاظم المتعاظمون, فإنهم لن يضرونا بل يضرون أنفسهم, وإننا إذا مشينا على هذا النهج فإننا واصلون بحمد الله ولا نتظر النتيجة في حياتنا { وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك } هذه هي القاعدة عندنا فلا نحيد عنها ولا ننصرف منها؛- وإذ أطلت قليلا وهذا كله مقدمة لهذا الدرس الله يعيننا وإياكم -. أذكر -لا بد من الاختصار- أذكر ثلاث قواعد من قواعد الدعوة السلفية المباركة التي أكرر حتى لا يسيء الفهم أحد, لا على حروفها ولكن على منهجها, أكرر الولاء والبراء لهذه الدعوة وفيها على منهجها وفهمها وتصورها وسلوكها لا على مجرد حروفها, وإن كنا نتمسك بهذه النسبة تميزاً عن الأدعياء, واختلافاً عن الفرقاء, فأقول الدعوة السلفية لها أصول ثلاث:

1/ الأصل الأول: إنها دعوة ثوابت وأصالة لا دعوة حماسة بجهالة, الدعوة السلفية تربي في أصحابها ثوابت, ولا تجعلهم يعيشون في المتاهات, ولا تجعلهم يتيهون في السياسات ولا تجعلهم يمرغون أنوفهم ويلجون بألسنتهم في الكلمات الفارغات والطنانات.

2/ الأصل الثاني: أنها دعوة منهج ونصوص لا دعوة أسماء وصفوف, الربط في هذه الدعوة في الأصل لا فيمن يوصلون هذا الأصل من الدعاة إلى المدعوين, فلا يضرنا أن فلانا انحرف عن هذا المنهج, أو أن فلان رأى أن هذا النهج كذا وكذا وكيت وكيت فارتباطنا ليس بهذا ولا بذاك ولو اشتهر اسمه, ولو ذاعت كلمته, ولو انتشرت ألفاظه وكلماته، فهذا لن يضرنا ولا يضيرنا, لأننا مرتبطون بالأصل الأصيل ومرتبطون بالمنهج والنصوص؛ جاء رجل إلى ابن عباس يسأله مسألة شرعية فأجابه ابن عباس على المنهج الذي نحن أخذناه منه، ومن أصحابه وأتباعه وأتباع أتباعه. المنهج الذي قال فيه الإمام الذهبي وأخذه عنه ابن قيم الجوزية:

العلم قال الله قال رسوله *** قال الصحابة ليس بالتمويه

ما العلم نصبك للخلاف سفاهة *** بين الرسول وبين رأي فقيه

عندما جاء ذلك الرجل إلى ابن عباس سأله عن مسألة ماذا قال: ابن عباس؟ أجابه بقال الله وقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-, فما كان من ذلك الرجل إلا أن قال : " يا ابن عباس إن أبا بكر وعمر يقولان كذا وكذا ", فماذا كان جواب ابن عباس الحبر البحر؟ قال: << توشك السماء أن تمطر حجارة، أقول لكم قال الله وقال رسول الله وتقولون لي قال أبا بكر وقال عمر >> سبحان الله.

إذا هو منهج نصوص لا منهج فصوص، اليوم التاريخ يعيد نفسه, نقول الله يقولون قال الدكتور فلان !! نقول قال رسول الله, يقولون قال الدكتور أو الداعية فلان !! نقول قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقولون في مجلة كذا كيت وكيت !! نقول قال الله يقولون سمعنا في شريط كذا كيت وكيت !! .

الربط الربط ، الأصل الأصل، النهج النهج عليكم به لا تعدلوا عنه, وهو الأصل الثاني من الأصول هذه الدعوة المباركة.

3/ الأصل الثالث: أنها دعوة أخوة صادقة وليست دعوة حزبية ماحقة، إذ الحزبية سبيل التفرق والتفرق سبيل الضعف والضعف سبيل [كلمة غير مفهومة], وهناك أشياء أخرى لا بد من ذكرها لكن لا يتسع المجال فنقف إلى هنا، في هذه المقدمات التي أصبحت هي محاضرة والمحاضرة هي المقدمات. يقول النبي صلى الله صلى الله عليه وسلم :<< إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها >>.


إذن من سبيل الرجوع إلى الدين تجديده، ولكن هذا التجديد يقوم على ماذا ؟ هل يقوم على الدوران في العقلانية التي يقدمها البعض على النصوص؟ هل يقوم هذا التجديد على العصرانية المجارية في سبلها ووسائلها وطرائقها للغرب بكفره وضلاله؟ هل هذا التجديد يقوم على العواطف والحماسات البعيدة عن كتاب الله وسنة رسوله و نهج وسلف الأمة؟ لا, إن هذا التجديد لم يترك الرسول -صلى الله عليه وسلم- هملا، ولم يتركه بدون بيان فقال عليه الصلاة والسلام : << يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين>>.
إذاً الغلو والإبطال والجهل من الأشياء التي يجب التحذير منها، ودفعها من أصحاب ذلك التجديد، الذي هو مفتاح لعودة المجد للأمة والعز للمسلمين، ثم يقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-:<< إن الإسلام بدأ غريب وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء>>.


في الرواية التي وعدناكم بها فقالوا : << يارسول الله من الغرباء؟ قال : الذين يَصْلُحُون -ويجوز أن تقول يُصْلِحُون، ويجوز أن تجمع بينهما- إذا فسد الناس>> فهم صالحون في أنفسهم مصلحون لغيرهم، فهم صالحون في أنفسهم مصلحون لغيرهم.


ثم يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي سمعناه الأمس من بعض الإخوة: << إذا تبايعتم بالعينة ورضيتم بالزرع وأخذتم أذناب البقر وتركتم الجهاد في سبيل الله سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم>>.

إذاً في هذا الحديث أيها الإخوة إشارة مهمة يغفل عنها الشباب يغفل عنها الشباب العاطفي يغفل عنها الشباب الذي لا يستمع أو لا يفكر بعقله إنما يفكر بأذنيه وما يلقى إليه.
في هذا الحديث بيان أن عودة الجهاد للأمة لن تكون إلا بالرجوع إلى الدين, لا أن يكون الجهاد هو سبيل العودة إلى الدين:<< وتركتم الجهاد في سبيل الله سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه عنكم –أي الذل-حتى ترجعوا إلى دينكم>> ترك الجهاد مع الأمور الأخرى السلبية سبب لوجود الذل, رفع الذل الذي كان بسبب تلك كلمة [غير مفهومة] سبيله هو الرجوع إلى الدين؛ وكيف يرجع المسلمون إلى دينهم؟ يقول النبي -عليه الصلاة والسلام -والأحاديث كلها التي ذكرتها تشير إلى هذا وتصب فيه, يقول -عليه الصلاة والسلام-: << إن الله لا يقبض العلم انتزاع ولكن يقبضه بموت العلماء حتى إذا لم يبقي عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فاستفتوهم فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا>> إذاً فَقْد العلم وإحلال الرأي محله سبب للضلال والإضلال، فلا رجوع إلى الدين إلا بالعلم, ولا قيام للعلم إلا بالكتاب والسنة, ولا سبيل إلى فهم الكتاب والسنة إلا وفق منهج سلف الأمة .

فتأملوا هذا -بارك الله فيكم- ولا تغرنكم العواطف [كلمة غير مفهومة]الحماسات, فوالله لو أن المسلمين عاشوا في هذا النطاق متعاونين على البر والتقوى, يتواصى بعضهم مع بعض كما قال الله في السورة التي قال فيه الشافعي رضي الله عنه: " لو لم تنزل إلا هذه السورة لكفت الناس " هذه السورة التي وردت في بعض معاجم الطبراني أن الصحابة كانوا لا يفترقون إلا عليها:{ والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} يقول ابن القيم -رحمه الله-: " إذا كانت الدعوة إلى الله أشرف مقامات العبد وأجلها وأفضلها فهي لا تحصل إلا بالعلم الذي يدعو به وإليه بل لا بد لكمال الدعوة من البلوغ في العلم إلى حد يصل إليه ", يعني إلى أقصى ما يستطيعه.

أيها الإخوة في الله -جزاكم الله خيرا على تحملكم وصبركم- ولا زلنا نتواصوا بالصبر إن شاء الله, نسيت أن أذكر أمرا ولعل الله شاء أو أراد لي الخير في هذا النسيان، إذ هذا موقعه بعد أن بينا أصول النهج وقواعد المنهج عبر الأدلة الشرعية لا بمجرد الإنشاء ولا بمجرد تحكيم الألفاظ ولا بمجرد الكلام البراق الذي يخطف الأسماع ويبهر الأبصار

أقول كان من الدوافع التي دفعتني وحثتني قبل خمس من السنوات أن أكتب هذه الرسالة التي هي الآن تسمعونها محاضرة لكن بزيادات, هي كلمة كتبها مؤلف الكتاب " الدعوة الإسلامية فريضة شرعية وضرورة بشرية" وهو المسمى على غلاف الكتاب "صادق أمين" حيث وصف الدعوة السلفية بنهجها في التصفية والتربية أنها دعوة قائمة على الفصل بين الأحاديث الضعيفة والموضوعة.

-ما شاء الله لا قوة إلا بالله- ووالله ما أحزنني هذا, بل هذا كان شيء طبيعي، من جهل هذه الدعوة ومن جهل شيئا عاداه ، والجاهلون لأهل العلم أعداء، لكن الذي ساءني وأرّق مضجعي وأقلق قلبي, هو ما قرأته لبعض من نظن بهم الخير ولبعض من نحّسن بهم الظن, ولبعض ما نظن ونرجو الله أن يكون ظننا ظن المؤمنين أنه على خير وداع إلى الخير, حيث يصف هذه الدعوة في كتاب [كلمة غير مفهومة]أو أكثر لكنه كتاب جميل لأنها في معرض ذكره للجماعات والدعوات والفئات يقول- أقول أكاد أقول ما نصه-: " وتجد فئة ثالثة تهتم بالإسلام العلمي، لا هم لها إلا تمييز الأحاديث الصحيحة من الضعيفة وتحذير الناس من الأحاديث الموضوعة والمكذوبة وقد يصحب ذلك شيء من ضعف التعبد والجفاء والجهل بواقع الأمة وما يدبر لها".

أقول هذه الدعوة التي ضيائها مستمد من كتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وشعاعها مأخوذ من نهج سلف الأمة، هل من الممكن أن تكون بهذه [كلمة غير مفهومة] هل من الممكن أن تكون دعوتها قائمة على هذا حديث صحيح وهذا حديث ضعيف.

هذه الكلمة يقولها الكثير أيها الإخوة, ليس هذا الأخ الذي نظن أن قلمه قد خانه، وإلا إن كان قصد ما قال فهذا الأمر[كلمة غير مفهومة] لكننا نحسن به الظن أن قلمه قد خانه.

الدعوة السلفية في مواجهة الطوائف المخالفة للحق على كافة صنوفها هذا نهجهم!!.

الدعوة السلفية القائمة في أصلها وأصولها على الدعوة إلى العقيدة والتوحيد هذا طريقها!!.

الدعوة السلفية القائمة على العلم الشرعي المحيط بكافة فروع الشريعة وأحكامها هذا دأبها!!! لا والله ولكنها غرّة الشباب وطغيان.

بعد هذا كله، وبعد أن ذكرنا أن من صفات أهل التجديد ودعاته أنهم يحملون العلم، ولا أحد متمثل بدعوة قائمة دعوته باعتراف المؤالف والمخالف على العلم, إلا أصحاب الدعوة السلفية ولله الحمد, الذين ينتقدوننا يقولون: والله ما شاء الله هم طلاب علم لكنهم لا يتابعون إذاعة(كلمة غير مفهومة)لكنهم لا يقرؤون مجلة-كلمة غير مفهومة-لكنهم لا يتتبعون وكالة(كلمة غير مفهومة) هؤلاء مساكين يجهلون الواقع!!! وهم المساكين.

الكلام كثير أيها الإخوة لكن الوعي هو الذي يهدي صاحبه مع توفيق الله إلى الحق.

ضربت مثلا في بعض المجالس لهؤلاء الذين يعيشون في غياهب- السي أن أن cnn-وظلمات (كلمة غير مفهومة) وفي تتبع هذه الجرائد والمجالات بعيدا عن هذا النهج بصفاءه ونقائه، وقد أغنانا الله في آيات كثيرة من كتاب الله عن كلها. هل تتصورون أيها الإخوة أن يكون هؤلاء الأعداء في هذه الجرائد والمجالات والوكالات أن يكشفوا لنا أوراقهم وأساليبهم والله هم لا أقول أذكى و لكن أقول هم أخبث (كلمة غير مفهومة) إذاً هم يقصدون أمرين لا بد أن يتحقق لهما واحد منهما:

أما الأول: فهو أن يصرفوا أعين المسلمين عن حقيقة ما لهم يكيدون ويخططون, فهم ينشرون في جرائدهم ومجلاتهم ووكالات أنبائهم عن خطة [كلمة غير مفهومة] والمسلمون تتجه أنظارهم وأسماعهم ومحاضراتهم وأشرطتهم و[كلمة غير مفهومة] بينما هم يخططون في الغرب.

أما الأمر الثاني: إن لم يحصل الأول، فهو توليد الرهبة في صدور المسلمين، بينما الأصل أن يكون العكس، يقول النبي -عليه الصلاة والسلام-:<< نصرت بالرعب من مسيرة شهر>>.

الآن هم المنتصرون علينا بمجرد أن نفتح إذاعة راديو أو تلفاز أو نقرأ جريدة من جرائدهم.

عندما نقرأ عن الأقمار الصناعية والأساليب والمخططات والبروتوكولات وكذا وكذا وكذا، فهذا كله يجعل بعض ضعاف العلم وبعض واهين الفكر والنظر, يجدون في نفوسهم هيبة لأولئك، فإن لم يحصل لهم الأول، حصل لهم الآخر, بينما الدعوة السلفية في ثوابتها وأصالتها وقواعدها ومنهجها لا تربط دعاتها بإذاعة كذا أو بمحاضرة كذا أو بشريط كذا أو بمجلة كذا أو برسالة كذا وإنما تربط دعاتها وأصحابها وأبناءها بالثوابت القرآنية وبالنصوص الشرعية آيتان من كتاب الله تغنيان وتدفعان عنا كل هذا الجهد الذي يضيع في هذا التتبع، ألم نقرأ قول الله:{ ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم}.

والله هذه الآية وحدها تغنينا عن معرفة تقرير كذا وكذا وعن مذكرات فلان وفلان وعن وكالة أنباء كذا وكذا, نحن نقول هذا حتى لا نغرق فيه، حتى لا نصبح غارقين فيه، وهو إغراق مذموم بل إنه إبعاد لنا عن حقيقة الصراع ولب المسألة. -وأريد أن أنهي إن شاء الله -أذكر مجالات سريعة من مجالات التصفية:

المسألة الأولى: من مجالات التصفية: العقيدة، والباب في العقيدة كثير وكثير جدا والكلام فيه إن شاء الله معروف, لأننا نحن الذين جئنا في هذا المؤتمر إن شاء الله أن نكون أصحاب عقيدة واحدة, أقول نعم قد يكون البعض له منهج دعوي يخالف المنهج الذي أشرت إلى أصوله وقواعده، ولكن في العقيدة كل على نهج سواء ونرجو الله أن نكون جميعا أيضا على منهج دعوي سواء, يأخذ طريقه وسبيله من هدي سلف الأمة ووفق منهجهم فلا أطيل في مسألة العقيدة، لأن الكلام كما ذكرنا فيها طويل.

وكذلك المسألة الثانية: مسألة التحاكم, أو ما يسميه البعض اليوم: الحاكمية, يقول الله --تبارك وتعالى-:{ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله} ويقول الله -تبارك وتعالى-:{أحكم الجاهلية يبغون} ويقول الله - تبارك وتعالى-:{ يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به}هذه الآيات أيها الإخوة ليست فقط كما يظن الشباب المتحمس هي فقط في الحكام بل هي في المحكومين.

فتتميز الدعوة السلفية في مجالات التصفية بالنسبة للتحاكم أنها لا تفرق في ذلك بين الحاكم والمحكوم, بينما كثير من الناس هم غافلون عن هذا التحاكم، يحتكمون إلى زيد أو عمرو، تاركين الهديين أو الهدي العظيم المنبعث من الوحيين الشريفين, ويشغلون أنفسهم ويشغلون غيرهم بالنظر إلى الحكام ونقدهم أنهم طواغيت ووالخ، هذا مع ما يؤديه هذا الغلو الذي يجب أن يمحى من أهل التجديد ودعاته إذ يمحون انتحال المبطلين وتحريف الغالين الى التكفير فيقعون بهوّة التكفير، فيكفرون الحكام دونما تفريق بين الكفر العملي والكفر الاعتقادي ثم تكفيرهم هذا يتوسع بهم إلى وزرائهم ثم إلى نوابهم ثم يجددون هوة التكفير السابقة التي مضى عليها خمسة عشرة عاما في جماعة الهجرة والتكفير التي كلكم تعرفونها .

الأمر الثالث: وهو مجال من مجالات السنة وإن كان ظلمنا إخواننا والمخالفون لنا، بأن قالوا: إن التصفية والتربية قائمة على السنة دون أن يعرفوا هذه الأمور كلها وهذه المجالات جميعها. إذ السنة قد وصلت إلينا بأسانيد فشابتها شوائب وعبثت فيها الفهوم والأوهام والدسائس من أعداء ومخالفين للشريعة, فلا زال دعاة السنة ودعاة نهج سلف الأمة قائمين في تصفية السنة مما شابها ومما تلبس بها.

الأمر الرابع: الفقه-بارك الله فيكم- وهو ذخيرة ضخمة خلفها الاجتهاد والرأي والنظر والاستنباط وكذا, فلا بد لدعاة المنهج السلفي أن لا يكون فقهم فقط قال فلان وقال علان، بل تأملوا الكلمة الذهبية التي ذكرها ابن عباس رضي الله عنه، ولا أطيل

الأمر الخامس: وهو التفسير, التفسير دخلته شوائب عدة، فكثير من المفسرين -ولأخينا المغرواي كتاب طيب جدا- بيّن فيه أن كثير من المفسرين الذين لهم وزن في أذهان الشباب أو في عقول المسلمين عامة وبعض مشايخ الخاصة في تفاسيرهم من مخالفات شرعية العقيدية فضلا عن العلمية، فيجب أن يكون مجال التصفية في التفسير مجال رحبا واسعا؛ وأذكر مثال عن ذلك بقصة من قصص المشهورة في التفسير، وهي قصة لا أصل ويتداولها المفسرون وينقلهم عنهم الوعاظ والخطباء، وهي قصة ثعلبة بن حاطب أنه نافق مع أنه صحابي جليل، وقصة نفاقه هذا قصة لا تصح ولا تثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.

ثم كذلك الفكر وهو اصطلاح عصراني، الفكر يجب أن يصفى، وليس كل واحد ما شاء الله تقرأ له مجلدات كلها[كلمة غير مفهومة]، ويأتي أحيانا بين الحين والحين بآية أو حديث لكنه يبنى عليها قصور وعلالي من الكلمات والأوهام والعمارات، والقصور لكنها مبنية على الأوهام.

أقول: هذا كله يجب أن يصفى فلا يؤخذ أي شيء منه هكذا تسليما مطلقا -هذا كما أشار أخونا عدنان أمس – والله هذا ما شاء الله مفكر سجن وابتلي من الطواغيت والمجرمين فهل نأخذ كل شيء منه؟ لا, فهذا أيضا يجب أن يصفى ولا أحد منشغلا بتصفيته ونقده للمخالف منه إلا دعاة السلف الصالح، دعاة نهج السلف الصالح وفقهم الله وبارك فيهم. ولا ننفي أن يكون آخرون مما تأثروا بهذا النهج من غيرهم، وكنت قد قسمت في هذه الرسالة الفكر إلى أقسام منه الفكر الكافر, ومنه الفكر المرتد, والفكر المنحرف, ولكن لا أطيل لأن الوقت قد سرقنا.

ثم التاريخ: التاريخ أمر مهم جدا أيضا والتاريخ دخلته شوائب عديدة أذكر على ذلك مثلين:

المثل الأول: ما يذكر عن علي -رضي الله تعالى عنه- من قصص وأخبار وكلمات يقول الشعبي فيما رواه عنه البيهقي قال : " ما كذب على أحد في هذه الأمة كما كذب على علي", كيف يكون التاريخ منقى ومصفى إن لم يكن هذا على أيدي دعاة المنهج السلفي، الذين بأيديهم القواعد والضوابط التي يتمكنون من خلالها في تصفية أو في خلالها من تصفية التاريخ بشوائبه وما شابه ذلك.

والمثل الثاني: مثل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- الذي كان يقول عن نفسه: " أنا أعلم أن أقوام يكذبون علي كما كذبوا علي غير مرة" والقصة المشهورة التي يذكرها البعض قصة نزوله عن المنبر وأنه قال : " إن الله ينزل كنزولي هذا " قصة إفك مفترى ما أنزل الله بها من سلطان, ولا زال الجهلة والأغمار إلى هذا اليوم يذكرون قصة منسوبة إلى شيخ الإسلام وما هذا إلا بسبب (كلمة غير مفهومة) والغبش والغش الذي ورد في التاريخ فلا بد من تصفيته.

ثم هاهنا أمر مهم جدا وبه أختم -لأن الوقت كما ذكرنا وأكرر قد ذهب- وهو صلة التربية بالتصفية: كثير من الناس يغلط في معرفة الصلة بين التصفية والتربية، التصفية عرفنا شيء من مجالاتها وان كان هناك مجال مهم جدا ذكرته الآن لأنني أضفته وهو التصفية في اللغة.

اللغة: دخلتها شوائب أيضا الآن افتح بعض المعاجم اللغوية ترى كلمة استوى بمعنى استولى. وهذا شيء لا أصل له في اللغة ما سبب في ذلك؟ أن بعض اللغويين المشتغلين بتصنيف المعاجم كالزمخشري مثلا في كتابه " أساس البلاغة " هذا معجم لغوي وهو معتزلي استغل عقيدته في سلك بعض الألفاظ اللغوية وما شابه ذلك.

ويكفينا أن نذكر مثالا عن هذا ما ذكره البيهقي في " الأسماء والصفات" واللالكائي في "السنة" والخطيب في "تاريخه" من طرق عن نفطويه عن داود بن علي قال: " كنا عند ابن الأعرابي -وهو من أئمة النحو واللغة والعربية المتقدمين- قال : أتاه رجل فقال: " يا أبا عبد الله ما معنى قوله تعالى : (الرحمن على العرش استوى)، قال: هو على عرشه كما أخبر فقال الرجل: ليس كذلك، إنما معناه استولى، فقال له: اسكت ما يدريك هذا أوما يدريك ما هذا، العرب لا تقول للرجل استولى على الشيء حتى يكون له فيه ضد أو مضاد فأيهما غلب قيل له: استولى، والله تعالى لا مضاد له، وهو على عرشه كما أخبر ثم قال الاستيلاء بعد المغالبة.

وفي رواية أخرى في هذه المصادر ذاتها أن ابن أبي ذؤاب هو من هو في التجهم قال : " أتعرف يا ابن عربي في اللغة استوى بمعنى استولى قال: لا أعرفه".

فالآن ترى البعض يفتحون معاجم اللغة ويستدلون علينا بأنها فيها من معاني استوى استولى.

فلا بد من تصفية اللغة بإرجاعها إلى أصولها وقواعد الموافقة لما كان عليه نهج سلف الصالح رضي الله تعالى عنهم أجمعين. والله تبارك وتعالى يقول في كتابه مبينا الصلة بين التصفية والتربية :{ ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} يقول بعض أهل العلم: "والرباني هو الذي يربي الناس بمنهج الله ويتدرج بهم حتى يصل بهم إلى المستوى الرفيع الذي يريده الله تبارك وتعالى لهم ".

وفي صحيح البخاري عن بعض أهل العلم قال: " في الربانيين هم الذين يربون الناس بصغار العلم قبل كباره ".

فالتربية إذا مواكبة للتصفية فالرسول -صلى الله عليه وسلم- في سيرته العملية كان يسمع بعض المخالفات من بعض الصحابة فيبين لهم الخطأ, ثم يربيهم على الصواب. كما جاء ذلك الرجل قائلا:<< يا رسول الله ما شاء الله وشئت قال: أجعلتني لله ندا>> تصفية<< قل ما شاء الله وحده>> تربية.

والله تبارك وتعالى كان من الأسباب التي بعث بها الرسول -عليه الصلاة والسلام- يتلو عليهم آياته ويزكيهم، فالتزكية بكمالها لا تكون إلا بالعلم المصفى والتربية عليه. قد اختصرت القول اختصارا والله يوفقنا وإياكم للعلم النافع والعمل الصالح، ومعذرة على صبركم وشكر الله لكم وكتب لكم الآجر وصل وسلم وبارك على نبينا وعلى آله وأصحابه


فرغت لكم مادة هذا الشريط أختكم أم أيمن الأثرية


طباعة
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل

Powered by: MktbaGold 6.5