خطبة في لزوم الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح - بحضور الإمام الألباني -

الخطبة الأولى:

إن الحمدَ لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفسِنا وسيئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يضللْ فلا هاديَ له. وأشهدُ أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسوله.

أما بعد: فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله تعالى، وخيرَ الهديِ هديُ محمد -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكلَّ محدَثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار.

أما بعد: فإنَّ اللهَ تبارك وتعالى قد بعثَ نبيَّه وصَفِيَّه محمدًا -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- على فترةٍ مِن الرسل. بعثَه بالحقِّ بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى اللهِ بإذنه وسِراجًا مُنيرًا. بعثه لِيُبَيِّنَ طريقَ الهداية؛ ليتَّبِعَها المؤمنون، ولِيكشفَ طريقَ الزورِ والضلالةِ والغواية؛ لِيبتعدَ عنها الصالِحون المتَّقون.

وإنَّ المسلمين في هذه الأيامِ بعد أنْ تقادمَ بهم العهد، وتأخَّرَ فيهم الزمن؛ فإننا لَنَراهم لا يَرفَعون إلى الكتابِ والسُّنَّةِ رأسًا، ولا يَنتهِجون نهجَ سلفِ هذه الأمة، إلا مَن رحِمَهم ربِّي-وقليلٌ مَا هُم-.

فالمسلمون قد يَمَّموا وجوهَهم شطرَ عُقولِهم، وشَطْرَ أهوائِهم، فنظروا فيما حولَهم مِن مَشاكلَ حياتِيَّة، ومِن مُخلَّفاتِ الحضارةِ الغربيَّة، فأرادوا أنْ يعالِجوا هذه المشاكلَ، وأرادوا أنْ يُداووا هذه العِلَلَ، لكن لم يَستطيعوا أنْ يَضعوا أيديَهم على العلاجِ الشافي والدواءِ الناجِع.

ولو أننا نظرنا في سُنَّةِ الهادي محمدٍ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام-؛ لَرأينا أعظمَ هدايةٍ، ولَرأينا أنجحَ علاج.

يقول النبيُّ -صلواتُ الله وسلامُه عليه- فيما رواه عنه ابنُ عمرَ -رضي الله تعالى عنهما- قال: " إذا تبايَعتُم بالعِينَة، ورَضِيتُم بالزَّرع، وأخذتُمْ أذنابَ البقرِ، وتركْتُمُ الجهادَ في سبيلِ الله؛ سلَّط اللهُ عليكم ذُلًّا لا يَنْزِعُه عنكم حتى تَرجِعوا إلى دينِكُم ".

فهذا حديثٌ على وجازةِ كلماتِه، وعلى قِصَرِ عباراتِه؛ إلا أنه حَوى داءً، وحَوى معه دواءً.

فعلينا -نحن المسلمين- الذين عرفنا سُنة النبيِّ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام-، وعرفْنا أنَّ فيها الفوزَ، وفيها النجاةَ في الدنيا قبل الآخرة؛ علينا أنْ نكونَ مِن الداعين إلى الله تبارك وتعالى؛ لِنُعلِّمَ أنفسَنا، ونعلِّمَ إخوانَنا ومَن نعولُه ومَن يعولُنا، أنْ نعلِّمَهم هذا الطريقَ الرشيد، وهذا المنهجَ القويم.

ولكننا -أيها الإخوةُ في الله!- نحنُ اليومَ نعيشُ بين أناسٍ مُختلفي الأفكار، مختلفي الآراءِ والنظراتِ، والكلُّ فيهم يقولُ: (نحن على الكتابِ والسنةِ)!!، الكلُّ فيهم يقول: ( القرآنُ دستورُنا، والرسولُ قُدوتُنا )!! فما هو الفيْصلُ الذي علينا أن نعرفَه، ونعرضَ عليه أعمالَنا وأعمالَ الآخرين؟ ما هو الميزانُ الذي نزِنُ به عباراتِنا وألفاظَنا، وكذلك عباراتِ الآخرين وألفاظَهم؟

إنَّ الميزانَ هو الذي أشار إليه رسولُ الإسلام -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام- بقولِه: " خيرُ الناس قَرني، ثم الذين يَلُونَهم، ثم الذين يَلونَهم ".

فهذه الخيريَّةُ -أيها الإخوة- لم تكنْ خيريةً مادية، ولم تكن خيريةً دنيوية؛ إنما كانت خيريةً مُنبثِقَةً مِن الفهمِ الذي آتاهم اللهُ سبحانه وتعالى إياه؛ فكانوا يفهمون عن رسولِ الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- سنَّته، وكانوا يعرفون عنه -صلواتُ الله وسلامُه- سيرتَه وكلماتِه وأفعالَه.

علينا أن نطبِّقَ هذا الميزان فيما بيننا وبين أنفسِنا، فيما بيننا وبين إخواننا مِن الموالِفين والمخالفين.

إن الميزانَ هو ما طبَّقَ به أسلافُنا الصالحون دينَ ربِّهم: مِن كتابٍ ومِن سنةٍ؛ فبهذا نعرفُ مَن صدَق في دعواه، مِمَّن قد خالف كتابَ ربِّه واتَّبع هواه.

بغيرِ هذا الميزانِ نبقى مُتخبِّطين؛ لا نعرفُ للحقِّ مَوضِعًا، ولا نرفعُ للدِّين رأسًا.

والله -تبارك وتعالى- يأمرنا بطاعةِ النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام-، وبطاعة مَن أُمِرنا بطاعتِه مِن أسلافِنا الصالحين: أبي بكرٍ وعمر، ومَن سار على نَهْجِهما مِن أئمةِ الصحابةِ والتابعين وتابِعيهم، ففيهم الخيرُ كلُّ الخير، وفيهم القدوةُ كلُّ القدوةِ.

وأستغفرُ اللهَ تبارك وتعالى لي ولكم.

الخطبة الثانية:

الحمدُ للهِ ربِّ العالَمين، والصلاةُ والسلامُ على سيدِ المرسلين، وعلى آلِه وصحبِه أجمعين، أما بعد:

فإنَّ هذا الميزانَ الذي قد تكلَّمنا فيه وأشرنا إليه: هو ميزانٌ به تُعرَفُ حقائقُ الأمور، ومِن خلالِه تُوزَن الدَّعاوَى، وتُعرَفُ الكلمات. ونبيُّنا -صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه- قد ذَكَرَ في غيرِ ما حديثٍ مُشيرًا إلى هذا الميزان. أشهرُها الحديثُ الأولُ الذي ذكرناه وفيه ذِكرُ الخيرية.

وكذلك أحاديثُ أخرى كثيرةٌ بيَّن لنا نبيُّ اللهِ -صلواتُ الله وسلامُه عليه -. منها: " عليكم بِسُنَّتِي وسُنةِ الخلفاءِ الراشِدين "، منها: " اقتَدوا باللَّذَيْنِ مِن بعدي "، منها: " عَليكم بهديِ ابنِ مسعود "، " عليكم بِهَديِ عمَّار "، منها: " إذا أتاكم ابنُ أمِّ عبْدٍ؛ فصدِّقوه "، وهكذا.

هذه الأحاديثُ - أيُّها الإخوةُ - كلُّها لم تَرِدْ لِمُجرَّد وُرودٍ، أو لِمُجرَّدِ فضيلةِ شخصٍ بعينِه، ولكنَّ فيها الإشارةَ إلى الفهمِ الذي قد قال به الإمامُ عليٌّ - رضي الله تبارك وتعالى عنه - عندما سأله الصحابةُ أو بعضُ الصحابةِ: ( أخَصَّكَ رسولُ الله -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام- بشيءٍ؟ )، فماذا كان جوابُه؟ كان جوابُه: ( لم يخصَّنا رسولُ الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- بشيءٍ، إلا ما في هذه الصحيفةِ، وفَهْمًا يُؤتَاهُ العبدُ في كتابِ الله ).

فهذا الفهمُ ليس هو الفهمُ الذي تُمليه علينا العقولُ والأهواء، ولا النظرياتُ والآراءُ، إنَّما هو الفَهْمُ الموزونُ بكتابِ اللهِ وسنةِ رسولِ اللهِ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام-، فَهْمُ سلفِ الأمةِ لِلْوَحيَيْنِ الشريفيْنِ اللَّذَيْن قال فيهما رسولُ الإسلامِ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام-: " ألا إني أوتيتُ القرآنَ ومثلَه معه "، ويقولُ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام-: " تركتُكُمْ على مِثْلِ البيضاءِ نقيَّة، ليلِها كنهارِها، لا يزيغُ عنها إلا هالِك ".

وهذه البيضاءُ النقيةُ الصافيةُ الرشيدةُ هي التي أشارَ إليها نبيُّنا الأعظمُ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-بقولِه: " تركتُ فيكم أمْرَيْنِ ما إنْ تمسَّكتم بهما؛ لن تضلُّوا بعدِي أبدًا: كتابَ الله، وسنَّتي ".

فنسألُ اللهَ العظيمَ ربَّ العرشِ العظيمِ أنْ يوفِّقَنا وإياكم لأنْ نكونَ لكتابِ اللهِ مُتَّبعين، ولرسولِه -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-طائِعين، ولِفهمِ أسلافِنا الصالحين داعِين؛ إنه سميعٌ مجيب.

_____________

[المصدر: سلسلة الهدى والنور، الشريط رقم: (214)، من الدقيقة 9:14 إلى الدقيقة: 19:12].

تفريغ: أم زيد


طباعة
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل

Powered by: MktbaGold 6.5