رحلتي إلى بلاد الحرمين 1

بسم الله الرحمن الرحيم


( رِحْلَتي إِلى بِلادِ الْحَرَمَيْنِ )


لِفَضِيلَةِ الشَّيْخِ عَلِيِّ بْنِ حَسَنٍ الْحَلَبِيِّ
-حَفِظَهُ اللهُ وَنَفَعَ بِهِ-



إنَّ الحمْدَ للهِ، نَحمدُهُ، ونَستعينُه، ونَستغفِرُه، ونَعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفُسِنا، وسيِّئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِلْ فلا هادِي له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا الله، وحدهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، أما بعدُ:

فإنَّ أصدقَ الحديثِ كلامُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ -صلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ-، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ مُحدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضَلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النَّارِ، أمَّا بعدُ:
أيها الإخوةُ الأحبة! إنَّ تَنوُّعَ الدُّروس، وتَعدُّدَ صُنوفِها بابٌ من أبوابِ العلم، وطريقٌ من طرقِه، فكما إن للتصنيف أبوابًا؛ فإن للتدريس أبوابًا.

وهذا المجلسُ -الذي نحنُ فيه الساعةَ- لا يخرج عن هذا الإطار، ولا يَخرج عن هذا المِضمار، وإن كان غريبًا علينا فيما نسمع أو نلقي؛ وإلا فهو ليس غريبًا على أهل العِلم وطَلَبَتِه.

فقد ألَّف الإمامُ ابن رُشيدٍ الفِهري كتابًا -في مجلدات- سمَّاه: "مِلءَ العَيْبة" -(العَيْبة): هي الوعاء الذي تُحمَل به الأشياء- "مِلْء العَيْبة بِفوائِدِ الرِّحلة إلى مَكةَ وطَيْبة"، وألَّف آخرُ واسمُه [بتنوني]؛ محمَّد لَبيب [بتنوني] كتابًا سمَّاه: "الرِّحلة الحجازِيَّةَ"، وألَّف ثالثٌ مِن علماءِ الجزائرِ كتابًا سمَّاه: "الرِّحلة الجَزائريةَ"؛ حيث خَرج مِن الجزائر إلى مكةَ المكرمةَ للحج، فكان يتكلَّم أو يكتبُ ما يراه وما يجري مَعه مِن حوادثَ وأحداثٍ.
وهذا الإمامُ محمَّدُ الأمينُ الشَّنقيطيُّ -رحِمهُ اللهُ-صاحبُ "أضواءِ البَيانِ"- يُؤلِّفُ كتابًا سمَّاه: "الرِّحلةَ إلى بيتِ اللهِ الحرامِ"، وهو -أعني هذا الكتابَ- تَدوينُ رِحلتِه العلميَّةِ التي جاء مِن بلادِ "شَنقيط" إلى بيتِ اللهِ الحرام أولَ ما جاء، فدوَّن فيها مِن فُنون العِلم، وصُنوفِه الشيءَ الكَثير.

ومِن بابِ الإفادةِ بالفائدةِ الزَّائدةِ؛ نذكر:

أنَّ الشَّيخ الأمينَ -رحِمهُ اللهُ- عندما جاءَ إلى بلادِ الحرَمَيْن الشَّريفين جاء على عقيدةِ السَّلف؛ فلم يَكنْ كَسائرِ بني قومِه -مِن عُلماء شَنقيط- أشعريًّا؛ وإنما كان على عقيدةِ السَّلف الصَّالح -رحمهُمُ اللهُ-تَعالَى-؛ فقد أثبتَ في رِسالتِه -أعني: في كتابِه- أنه -وهُو مارٌّ في بلادِ كذا وكذا- سُئلَ عما يجبُ على المسلمِ اعتقادُه في بابِ أسماءِ اللهِ وصِفاتِه؛ فقرَّر عقيدةَ السَّلف الصَّالح في إثباتِ أسماءِ اللهِ وصفاتِه تقريرًا بديعًا رائعًا رائقًا يُظهر ما لهذا العالِم الحَبرِ مِن منزلةٍ رفيعةٍ، ومِن مكانةٍ عالية.

هذه -أيُّها الإخوةُ في الله!- هي النُّقطةُ الأُولى الَّتي هي مَدخلٌ لِما نحن فيه -أو في صددِ مُذاكرَتِه-، أحببتُ ذِكرَها -كابتداءٍ وافتتاحٍ-؛ حتى يَزول -على أي ذهنٍ- أيُّ استغرابٍ مِن عنوان هذا المجلس، أو ماهيَّتِه.

وإنما خصَصْتُ تلك الرِّحلةَ بهذه المحاضرةِ -أو هذا الدَّرس، أو هذا المجلِسِ-؛ لما أعتقدُه مِن رغبةِ الكَثيرين -مِن إخوانِنا- بمعرفةِ ما جَرى، وما وقع، وما هي أَسبابُ الرِّحلة، وما هي دَوافِعُها.

وها هنا النُّقطة الثَّانية:

وهو أن سفَري إنما جاء بِناءً على دعوةٍ رسميَّةٍ مِن وَزيرِ الأوقافِ السُّعوديِّ، وَزيرِ الأَوقافِ والشُّؤُونِ الإسلاميَّة: الشَّيخِ صالحِ بنِ عبدِ العَزيزِ آل الشَّيخ.

والشَّيخُ صالحٌ مِن أهل العِلم المتفنِّنين -وأعني ما أقول!-؛ فقلَّ أن تجدَ في هذا الزَّمان عالمًا يُحيطُ بِفنونِ العِلم؛ فإذا وجدتَ عالم عقيدةٍ؛ قد لا تجدُه مُتميِّزًا في الفِقه، وإذا وجدتَ عالِمَ فِقهٍ؛ قد لا تَجدُهُ مُتميِّزًا بالحديثِ، وإذا وجدتَ مُحدِّثًا؛ قد لا تَجدُهُ مُتميِّزًا باللُّغةِ؛ وأما فضيلةُ الشَّيخِ صالحُ بنُ عبدِ العزيزِ آل الشَّيخ؛ فإنَّه مِن العلماء المُتفنِّنين.

ومِن باب الإفادة:

فالشَّيخُ صالحٌ هو حفيدُ الشَّيخِ محمَّدِ بنِ إبراهيمَ آل الشَّيخ، الملقَّب في عَصرهِ بـ (المُفتي الأَكْبَر)؛ لأنه كان ذا قوةٍ وهَيبةٍ وعلمٍ واسعٍ كبيرٍ -وكبيرٍ جدًّا-؛ فهو حفيدُه.
فاسمُه: صالحُ بنُ عبدِ العَزيز بنِ محمَّدِ بنِ إبراهيمَ، ووالدُهُ (عبدُ العَزيزِ آل الشَّيخ) إلى الآن حيٌّ، قد [...] على الثمانين؛ ولكنه مريضٌ -نسألُ اللهَ له العافيةَ-.

وللشَّيخِ صالِحٍ -حفظهُ اللهُ- مُؤلفاتٌ نافعةٌ وبديعةٌ تُبيِّن عُلوَّ كَعبِه؛ منها: كتابُ "هذِهِ مَفاهيمُنا"، وهو ردٌّ على بعضِ أكابرِ المُبتدعةِ في هذا الزَّمان، وهو محمَّدُ عَلَوي المالِكِيُّ الَّذي أُقيمَ له مجلسُ استتابةٍ، ورَدَّ عليه أهلُ العِلم؛ لِما وقع فيه مِن غُلوٍّ في الدِّين، ومِن استِغاثةٍ بالرَّسُول -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-، ومِن شِركيَّاتٍ وكُفرِيَّاتٍ كثيرةٍ -وكثيرةٍ جدًّا-، ألَّف كتابًا -هذا العَلَويُّ- سمَّاه: "مَفاهِيمُ يجبُ أن تُصحَّح"! فردَّ عليه الشَّيخُ صالحٌ بِكتابٍ سمَّاه: "هذِهِ مَفاهِيمُنا"، أقامَهُ على العلم -بِفُنونِه وصُنوفِه-، وهو مِن أحسنِ ما أُلِّف في بابِ العقيدةِ.

وله كتابٌ آخرُ ردَّ فيه على الدَّاعيةِ العَقلانيِّ محمَّدٍ الغَزاليِّ في كتابِه: "السُّنَّةِ النَّبويةِ بينَ أهلِ الفِقْهِ وأهلِ الحديثِ"؛ ألَّف كتابًا في نحوِ ثمانينَ صفحةٍ؛ لكنه قويٌّ -وقوي جدًّا- بعنوان: "الِمعْيار لِعِلمِ الغَزاليِِّ".

وألَّف كتابًا سمَّاه: "التَّكميلَ لِما فات تخريجُه صاحبَ إرْواءِ الغَليل"؛ استدرك فيه على شَيخِنا، ولو قلتُ أكملَ فيه ما فاتَ شيخَنا؛ لكانَ أفضل؛ لأنَّ الكتابَ سمَّاه تَكميلاً؛ "التَّكميل"، لم يُسَمِّهِ الرَّد، ولم يُسَمِّهِ التَّعقيب، ولم يُسَمِّهِ الاستدراكَ؛ وإنما سمَّاه: "التَّكميل"، ولو كان ردًّا، واستدراكًا، وتَعقيبًا، بأدبِ العلم، وخُلُق الحِلم؛ فنِعمَّا هُو! فكيف الحال؛ أنه صنَّفه على قاعدةِ العلم؛ تكميلاً لأهل العِلم؟! وقد سألتُ شيخَنا أبا عبد الرَّحمن -تغمَّدهُ اللهُ بِرحمَتِه- عن هذا الكتاب؛ فأثْنى عليه خيرًا، وذَكرَهُ بخيرٍ!
لقد كانت الدَّعوةُ مُوجَّهةً مِن الشَّيخِ صالح، وذلك بعد أيامٍ أربعةٍ مِن صُدورِ فَتوى اللَّجنةِ الدَّائمةِ التي عرفَها القاصي والدَّاني -ولله الحمدُ-.

أما النُّقطة الثَّالثة:

فإنِّي أولُ ما سافرتُ، وصلتُ جُدَّة بُعيْد العَصر، وتوجهتُ فورًا إلى مكة، وقد أحرمتُ في الطَّائرة عندما حاذَيتُ الميقاتَ.

وأرى أنَّ ما يفعلُه بعضُ النَّاس مِن أنَّهم يُحرِمُون إذا نَزلوا جُدَّة وقد مَرُّوا بالميقات؛ أنَّ هذا غَلطٌ، وأنَّ الصَّواب: أن يكونَ إحرامُهُم عند مُحاذاةِ الميقاتِ -سواءٌ أكان ذلك بَرًّا أو بَحرًا أو جوًّا- إذا لم يكن عِندَهُم مِيقاتٌ خاصٌّ يَنزِلونه، ويُحرِمُون منه.

ثم ذهبْنا إلى المسجدِ الحرام، وصلَّينا المغرب، وابتدأتُ العُمرة وانتهيتُ منها -بِفضلِ اللهِ- بُعيد العِشاءِ -بقَليلٍ-.

ثم كان لنا لقاءٌ طيِّبٌ مُبارك مع مجموعةٍ مِن طُلاب العلم وأهلِ العِلم في منزلِ الشَّيخِ ربيعِ بنِ هادي المدخَليِّ -حفظهُ اللهُ، وأقرَّ عُيونَ أهلِ السُّنةِ به، وجَعله اللهُ شوكةً في حُلوقِ أهلِ الأهواءِ والبِدع-، وكانت سهرةً علميَّةً رائعة، كان فيها مِن المعروفين مِن أهل العِلم:

الشَّيخ محمَّد عمر بازمول، وهو مِن المصنِّفين المدقِّقين، وله مؤلفاتٌ عِدة، وناولني في تلك الليلةِ كتابًا له صنَّفه بعنوان: "الفُرقانُ بَينَ مَنهجِ أهلِ السُّنَّةِ وطَريقِ المُرجِئَةِ في مَسائلِ الإيمانِ".

وإنِّي بهذه المناسبةِ: لأبشِّر إخوانَنا وأطمئِنُهم في كلِّ مكان- أنَّ هذا الذي يجري؛ إنما هو غَربلةٌ وتَصفيةٌ؛ {لِيَمِيزَ اللهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [الأنفال]؛ فالنَّاسُ ثلاثةُ أصنافٍ فيه:

صنفٌ: يُحقِّق العلمَ ويَضبطُه.

وآخرُ: مُنحرفٌ فيه، لا يُحسِنُه.

وثالثٌ: بينَ بينَ! قد ظَهرتْ لهُ أمورٌ، وخَفِيتْ عنه جَوانِب؛ فهو إذا أراد اللهُ به -وله- الخيرَ؛ سيكونُ على جادَّةِ السُّنة وأهلِها.

وإنَّ التَّصنيفَ وتحقيقَ المسائلِ في هذه الأمورِ قد بَلغَ -وللهِ الحمدُ- في هذه الأيامِ مَداهُ، ووصل أقْصَاه؛ وبالتَّالي: فإنَّ الأمورَ ستظهرُ -فوقَ ظُهورِها-، وستنكشفُ -على ما هيَ عليه؛ بَل أَكثر مما هِي عليه-، وسيكونُ الحقُّ عاليًا، خفَّاقًا -كما هو مَنهجُه دائمًا-، وإن كان رَسولُ الإسلامِ -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- قد قال: "إنَّ الإسلامَ بَدَأ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَما بَدَأ؛ فَطُوبَى لِلْغُرَباءِ"، واللهُ يَقُولُ: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ].

فَنَسألُ اللهَ -تَبارَك وتَعالَى- أنْ نكونَ مِن أهلِ الغُربة، الثَّابِتين على الحقِّ، الدَّاعين إلى الحقِّ؛ لِنَموتَ -إنْ شاء اللهُ- على الحقِّ، لا نُغيِّر ولا نُبدِّل، ولا نُحدِثُ ولا نَخترِع، نَقتَدي ولا نَبتَدي.

استمرَّ المجلسُ إلى بعد مُنتصفِ اللَّيلِ -بنحوِ ساعةٍ-، وكانت طائرتي مِن جُدَّة إلى المدينةِ قُبيلَ فَجر اليومِ الذي هذا مَساؤُه، فَذهبنا إلى جُدَّة، فوصلنا إلى هُناك في السَّاعة الثَّانيةِ والنِّصف -تقريبًا-، فقُلنا ننامُ سُويعةً أو سُويعتَين؛ حتى نُدركَ الطَّائرة؛ فإذا بنا نَستيقظُ قُبيل الفَجر -بقَليلٍ-، وقد أقلعتِ الطائرةُ! فقُلنا: لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله!


ووفَّق اللهُ بعضَ إِخوانِنا ليأخذني بسيارتِه، فأدركنا الوقتَ وقد اختُتِم افتتاحُ النَّدوةِ التي دُعيتُ إليها، وإني حمدتُ اللهَ على ذلك؛ لأن -دائمًا- الافتتاحَ -افتتاح النَّدوات والمؤتَمرات- عادةً ما يكونُ أمورًا رسميَّة وشكليَّة -وما شابه ذلك-.

والنَّدوة التي دُعيتُ إليها، وأنا أعتقدُ أنَّ دَعوتي إليها كانت شكليَّةً -لا حقيقيَّة؛ لأن النَّدوة إنما أُعِد لها -ترتيبًا وتأليفًا ومُشاركةً- منذ نحو سنةٍ ونصف، وطُبعتْ مؤلَّفاتُ المشارِكين وأبحاثُهم -بحيث بلغَتْ أكثر مِن سِتين كتابًا-، فأن يُدعَى فلانٌ قبل بَدء النَّدوة بثلاثةِ أيام للمُشارَكة؛ واضحٌ أنه ليس المقصُودُ المُشارَكةَ بالنَّدوة؛ ولكنَّ المقصُودَ: الحضُور، وهذا مِن توفيقِ اللهِ -عزَّ وجلَّ- للأخِ الشَّيخِ صالحِ بنِ عبدِ العزيزِ آل الشَّيخ.


وبالمناسبةِ -أيضًا-وقد ذَكرنا الشَّيخَ صالحًا مرةً أُخرى-: فقد شاركتُ مع الشَّيخِ صالحٍ -قبلَ نَحوِ سِتِّ سَنواتٍ- في مؤتمرِ جَمعيَّةِ القُرآنِ والسُّنَّةِ في أمريكا، وكانت مُشاركتُه نافعةً جدًّا، وقد زارَنا في الأردنِّ قبلَ نَحوِ عَشرِ سَنَوات -أو أحدَ عَشرَ عامًا-، والتَقينا لِقاءاتٍ طَيِّبة، ويومَئذٍ كان -ثمةَ- لِقاء معَ شَيْخِنا أَبي عبدِ الرَّحمن -رحِمهُ اللهُ-، وكذلك مع الشَّيخِ محمَّد نَسِيب الرِّفاعي -رحِمهُ اللهُ-، وهكذا كانت عِدة لقاءاتٍ مع الشَّيخ صالِح.

المهمُّ: أننا الْتَقينا به، وكان هُنالك بَحث -أنا أبحثُ عنه، وهو يبحثُ عني!-طيلةَ أيامِ المؤتمرِ!-، ولكن في وقتِ النَّدوةِ -أو المؤتَمر- لم أكنْ لأجلسَ في الفُندقِ -ولا لحظةً واحِدة-، كنتُ أصِلُ الفندقَ في السَّاعةِ الواحِدة -بعد مُنتصفِ اللَّيل-، وأخرجُ منه مَع صلاةِ الفَجر؛ أمَّا النَّدواتُ والمؤتمراتُ والمحاضَرات؛ فتَنعقدُ، ولا صِلةَ لي بها -لا مِن قريبٍ، ولا مِن بَعيدٍ-.

في أثناءِ ذلك:

لَقيتُ عددًا كبيرًا مِن أهلِ العِلم وطُلابِه في المدينة النبويَّة؛ منهم: الشَّيخُ عبدُ المحسنِ العَبَّاد، وولدُه الشَّيخُ عبدُ الرزَّاق العبَّاد، والشَّيخُ عليُّ بنُ محمدٍ بنِ ناصرٍ الفَقيهي، والشَّيخ فالحٌ الحربيُّ، والشَّيخُ عبيدٌ الجابريُّ، والشَّيخُ محمدُ بنُ هادي المدخليُّ، والشَّيخُ محمَّد ضِياء الرَّحمن الأَعظمِي، والشَّيخُ عاصِم القَريوتِي.. كثيرون مِن أهل العِلم وطُلابِ العلمِ في هذه المجالِس، وعقَدنا عدةَ محاضَرات، وسُئلنا كثيرًا من الأسئلةِ، ولا أريدُ أن أقصَّ الأمورَ بالتَّفصِيل؛ فقد يكون ذلك أمرًا لا يَسهُل -بل هو يَصعب-، ولكن؛ أذكر شيئًا مِن النُّتَفِ والفوائد.

مِن ذلك:

أنني سُئلتُ سؤالاً في بعضِ المجالِس -وقد كانَ الجالِسُون طُلاَّب الجامعةِ الإسلاميَّة، أو عددًا كبيرًا مِن طُلاَّب الجامعةِ الإسلاميَّة-، سألَني سائلٌ فقالَ:

ما هو حُكم مَن يوزِّع فَتوى اللَّجنةِ الدَّائِمة؟

وبالمناسبةِ -أيضًا- أقولُ:

لقد رأينا أناسًا دون أن يَعرِفوا ما في هذِه الوَرقةِ، ودون أن يَعرِفُوا ماهيَّتها وحقيقتَها وزَّعوها!! فكان الجوابُ على ذاكَ السائلِ؛ هو الجوابَ على فِعل هؤلاءِ.

فقلتُ:

إذا كان الَّذي وزَّع هذه الورقةَ ونَشَرها قد فَعل ذلك دِيانةً وأمانةً، وقد عَرف أنَّ ما فيها حقٌّ، وقد اطمأنَّ قلبُه أنَّ ما فيها صواب -ولو كان مُخطئًا-، المهمُّ: أنه اجتهدَ في بذلِ الجهدِ في معرفةِ الحقِّ؛ فإنَّه مأجورٌ عندَ الله.

وأمَّا إن فعلَ ذلك حسَدًا، أو جَهلاً، أو عَصبيَّةً، أو حِزبيَّةً، أو شِفاءً لما في الصُّدور، أو شَيئًا ما وراءَ السُّطور؛ فهو آثمٌ مَأزورٌ، لا لأنَّها في زيدٍ مِن عَمرٍو -أو العَكس-؛ لكن لأنَّه تكلَّم بما لا يَعلم، وخاضَ بحرًا ظَلَم فيه -أول ما ظلم- نفسَه -عياذًا باللهِ-؛ وإلا: فنحنُ لا نُحجِّر على العُقول -أيها الإخوةُ الأحبَّة!-؛ وإنما نُطالبُ بأن تنطلقَ العُقولُ مِن مَعاقِلِها؛ لِتنضبطَ بضوابطِ الشَّرع، وتحتَكِمَ إلى أُصولِ العِلم .. وهكذا.

فكانت أيامًا أربعةً مِن أجملِ الأيَّام، ومِن أمْيَزِ ما فيها شَيئان اثنانِ:

أما الشيءُ الأول -أعني في المدينة-، ولا زلنا نتكلمُ على الأربعةِ الأيامِ الأُولى التي قضَيْناها في مَدينةِ النَّبيِّ -صلواتُ ربِّي وسلامُه عَليه-، أميَزُ ما فيها أمْرَان:

أمَّا الأولُ:

فَلقاءاتي مع الشَّيخِ حُسينِ بنِ عبدِ العزيز آل الشَّيخ، وهو إمامُ المسجِدِ النبويِّ، وقاضي المحكمةِ الكُبرى في المدينةِ النبويَّة، ودُكتوراه في الفِقهِ، ومُتخصِّص في الأُصول.

الشَّيخ حُسين في هذِه الأيامِ الثَّلاثةِ التي جلستُ معهُ فيها في بَيتِه مِن التَّاسعة إلى الواحدَة مِن بعدِ العِشاء إلى بعد مُنتصف الليل -ثلاثةَ أيَّامٍ مُتتاليَة-؛ رأيتُ أنَّ الرجلَ مُتخصِّصٌ في الأُصول، والتَّخصُّصُ في الأصولِ يُورِّثُ دقَّةً علميَّةً مُتناهيةً.

وكُنَّا قد أمسكنا بالفَتوى، ودرَسْناها، وهو كان قد اطلَّع على ما كَتبتُ مما سمَّيتُه: "نَقدَ الفَتوى"، -وهو رَدٌّ مختصَر-، ثم أطلعتُه على الرَّدِّ المطوَّل الذي هُو "الأجوبةُ المُتلائمةُ"، وقَد قَرأها، وأثْنَى على ما فِيها -بِحمدِ اللهِ-تَبارَك وتَعالَى-.

وكانت له ملاحظةٌ تدلُّ -حقيقةً- على أَلمعيَّته، وعلى ذَكائِه الشَّديدِ البالغ؛ حيث قال: كيف تَنسِبُ الفَتوى إلى المُرجئةِ قولَهم أنَّ العَملَ شَرطُ كَمال، ولَيس عندَ المُرجِئةِ نقصٌ حتَّى يَكونَ عندَهُم كَمال! وهُم لا يَعتبرون العَملَ مِن الإِيمان -أصْلاً-؛ فضلاً عن أن يَعْتَبِروهُ شَرطًا -إمَّا في داخِلِه، أو في خارِجِه-على وفْقِ هذا المصْطَلح-.

والفَتوى -كلُّها-أو فيما هو أهمُّ شيءٍ فِيها- أُقيمتْ على هذا؛ فكانَتْ مُلاحظةً دقيقةً جدًّا.

والشَّيخُ -حفظهُ اللهُ-على أَلمعيَّتِه وذَكائِه- هو غايةٌ في التَّواضُع، وهو مِن أوائلِ الخُطباء -ولعلَّه أوَّلُهم- في المسجدِ النَّبويِّ الذي درَّس كتابَ "حَجَّةِ النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ-" لشَيخِنا في المسجدِ النَّبويِّ، درَّسه قُبيلَ الحجِّ -كامِلاً-.

وهو مِن أوائلِ الخُطباء -ولعلَّه أولُهم- الذين إذا أورَدُوا الحديثَ على مِنبرِ رَسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ- يقول: (رواهُ أبو داود، وصحَّحهُ العلامةُ الألبانيُّ)! وهذا في هذا الزَّمان يحتاجُ شجاعةً، ويحتاج عنايةً، ويحتاج تَسديدًا وتوفيقًا من الله -تَعالَى-؛ لأن كثيرًا من النَّاس -اليومَ- قد يَكُونونَ مَعنا على الحقِّ، ولكنَّهم قَد يَهابُون، ولا يَتشَّجَّعون؛ بل يَجبُنون ويَضعُفون؛ خشيةَ أن يتميَّزوا، وبالتَّالي؛ خوفًا مِن أن يتحيَّزوا، ونِعمَ التَّحيُّز المُودي بكَ -يا عبدَ الله!- إلى التَّميُّز! وأيُّ تميُّزٍ هو؛ إنْ لم يَكنْ إلى الكتابِ والسُّنة بِمنهجِ السَّلفِ الصَّالح؟! ولْيقلْ مَن يُريد أن يَقولَ ما يريد! فالحقُّ أبلج، والباطلُ لجلَج! وهذه دعوةٌ أذكِّر بها نفسي وإخواني: أنَّ إمساكَ العَصا مِن مُنتَصفِها لا يُسمِنُ ولا يُغني مِن جوعٍ! وإنَّما قد تَكُون مُضِيعًا لنفسِك، وأنتَ لا تَعرِفُ هذا الحقَّ، ولا تتخَلَّصُ مِن ذلكَ الباطلِ الذي فِيهِ انْحِرافٌ عن الحقِّ.

أمَّا الشيءُ الثَّاني -مِن الأمورِ الَّتي هي مُتميِّزةٌ في زيارَتِنا لمدِينةِ نبيِّنا محمدٍ-عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-:

فهي أنَّنا زُرنا الشَّيخَ عبدَ المالكِ الرَّمضاني، مُؤلِّف كتابِ "مَدارِكِ النَّظَر"، وهو مِن الكتبِ النَّافعةِ البديعةِ -بالمناسبةِ- الَّتي فيها تأصيلٌ لمنهجِ السَّلف، وفيها ردٌّ على مَن خالفهُ إلى طَريقِ الخَلَف.

فقد ذكر لي بعضُ الإخوةِ -بعد سَفري- أنَّ هنالِك بعضَ إخوانِه وأصْحَابِه -مِن الجزائِرِ- جاؤُوهُ -أعني جاؤُوا الشَّيخَ عبدَ المالِك-، وأخْبرُوهُ أنَّه -بعدَ صُدورِ الفَتوى- عشراتٌ مِن الثَّوريِّين الَّذِين نَزلُوا مِن الجبالِ بعدَ فَتوى شَيخِنا أبي عبدِ الرَّحمنِ محمَّد ناصَر الدِّين الأَلباني، وبعد فَتوَى شَيخِنا أبي عبدِ اللهِ محمَّدِ بنِ صالِحِ بنِ عُثيمين، وبعدَ اللقاءِ الذي أجراهُ مَعنا الإعلامُ الجَزائريُّ-؛ فإذا بِهِم يَرجِعون إلى الجبال، وإذا بِهِم يُعاوِدُون الكرَّةَ مِن جديد!

وهذا له صِلةٌ بشيءٍ سَيأتي عند ذِكرِنا كلامَ الشَّيخ محمدِ بنِ صالِح العُثَيمين.

سافرنا مِن المدينةِ، والقَلب مُعلَّق بها؛ لأنَّ النَّبي -صلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ- يقولُ: "المدِينةُ خَيْرٌ لَهم لَو كانُوا يَعْلَمُون"، ويقول -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: "مَنِ اسْتَطاعَ أَنْ يَمُوتَ في المدينَةِ؛ فَلْيَفْعَلْ"، ويقولُ -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: "إنَّ المدِينَةَ لَتَنْفِي خبَثَها كَما يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الحَديدِ".

فذَهَبْنا إلى الرِّياضِ بالطَّائرَةِ، ووَصَلْنا قُبيلَ الظُّهْرِ، وأوَّلَ وُصولِنا اتَّصلتُ بالمُضِيفِ وصاحبِ الفَضلِ -جزاه الله خيرًا- الشَّيخِ صالِح؛ فإذا به يقولُ لي: الآنَ تَأتيني في الوَزارَة.

أرسل سيارةً -جزاه الله خيرًا-، وزُرتُه في الوزارة؛ فكانَ أولَ مَن لَقِيتُ في الرِّياض، وكان لِقاءً طيِّبًا جدًّا -وإن كان مختصرًا-، وكان هذا اللقاءُ أحدَ ثلاثةِ لِقاءاتٍ مع الشَّيخِ صالحٍ في الرِّياض -بعد أن رجَعَ مِن المدينة-؛ لأنه هو وأميرُ المدينةِ هُما اللَّذانِ افتَتَحا ندوةَ القُرآنِ وعُلومِه الَّتي كانَت في المدينةِ، وكنتُ مَدعوًّا على اسمِها، ولا أقولُ كنتُ مُشارِكًا فيها.

فاللِّقاءُ الأولُ في الوزارة.

وكان لِقاءً طيِّبًا، تكلَّم فيه فضيلةُ الشَّيخِ بكلامٍ جيِّد؛ مُبيٍّنًا -وللهِ الحمدُ- أنَّه على مَعرفةٍ بِنا، وبمشايخِنا، وبِعقيدَتِنا، وأنها عقيدةُ السَّلفِ الصَّالح التي دَعوْنا إليها -منذُ نَحوٍ مِن رُبع قَرنٍ-، وأنَّ ما فُهم -أو قَد ظُنَّ- أنه خلافُ ذلك؛ فهذا خَطأٌ مِن صاحبِه.. إلى كلامٍ كثير قد لا أستطيعُ أن أَذكرَ كلَّه؛ لكني أذكُر مُجملَه، ومُجملُه: أن الشَّيخَ -حَفِظَهُ اللهُ- تعمَّد وتقصَّد أنْ يَدعوَني في تلكَ الفَترة؛ حتى يكونَ ذلك جَوابًا عمليًّا تَطبيقيًّا على أيَّةِ أسئلةٍ تَرِدُ في أذهانِ بعضٍ مِن النَّاس، أو أنْ تَطيرَ بهم الظُّنون -ذاتَ الشِّمال، وذاتَ اليَمين-.

حتَّى قال: أرجُو أنْ تُخبِرَ كلَّ مَن يَسألُ عن زيارَتِك؛ أنكَ ضَيفٌ على صالحِ بنِ عبدِ العَزيز آل الشَّيخ!

وهذا -الحقيقة- له دِلالاتُه، وله إِشاراتُه، التي لا تحتاجُ إلى كثيرِ شَرحٍ وبيانٍ.

هذا كان اللِّقاءَ الأوَّل.

أمَّا اللِّقاءُ الثَّاني:

فكان في بيتِه، وقد دعاني على طعامِ العَشاء -بعدَ العِشاء-، وجلَسنا إلى نحوِ مُنتصفِ اللَّيل، وكانت جَلسةً علميَّةً رائعةً -ورائعَةً جدًّا-، فيها صُنوفٌ مِن أَبحاثِ العِلم، وقد جَمَعَنا بعددٍ مِن الأفاضِل؛ مِن أبرَزِهم: الشَّيخُ عبدُ السَّلام بنِ بَرْجَس آل عبدِ الكَريم، وهو مِن أفاضِلِ إخوانِنا -وأيضًا قد دُعِينا عِندَه ذاتَ مَساءٍ-، ومَوقِفُهُ في هذه المسألةِ أيضًا- كالشَّمسِ ضِياءً ووُضوحًا وظُهورًا.

وكان عندَه -أيضًا- الشَّيخُ محمدُ بنُ حسَن آل الشَّيخ، وهو عضوُ إفتاءٍ في الرِّئاسةِ العامَّة، ليس عضوَ لجنةِ إِفتاء؛ إنما هو عُضوُ إِفتاءٍ، وهو -بالمناسبةِ- مُرشَّحٌ -إن شاءَ اللهُ- ليكونَ أحدَ أعضاءِ اللَّجنةِ الدَّائمةِ للإِفتاء. وكان هذا اللقاءُ أولَ لقاءٍ لي به، والحقيقةُ أنَّني سُرِرتُ به جدًّا، وفَرِحتُ به جدًّا؛ فقد رأيتُه دَقيقًا في العِلم، ومُتواضِعًا، وفاضِلاً، وفاهمًا هذِه الأُمورَ كلَّها-، ولما تَكلَّمتُ معه بإشارةٍ حول "الأجْوِبةِ المُتلائمةِ"؛ فإذا به يُقِرُّ -وللهِ الحمدُ-، وكانَ هُو المُرافِقَ لي -كما سَيأتي- في زيارَتِنا لسَماحَةِ الشَّيخِ عبدِ العَزيزِ بنِ عبدِ الله آل الشَّيخ، المفتي، ورئيسُ اللَّجنَةِ الدَّائمَةِ -في الليلةِ الأَخيرةِ-.





طباعة
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل
رحلتي إلى بلاد الحرمين 1     

Powered by: MktbaGold 6.5