رحلتي إلى بلاد الحرمين 2

كان اللقاءُ الثَّالثُ في بيتِ الشَّيخِ صالحٍ عَقبَ لقائِي مع الشَّيخ عبدِ العزيز آل الشَّيخ -المُفتي-، وكان ذلك في بيتِه -في الليلةِ التي أُصبِحُ فيها مُسافرًا-في ليلةِ الإثنين، وأنا سافرتُ صبيحةَ يومِ الإثنين-، وكان الشَّيخُ صالِح يَحثُّني على إصدارِ كِتابِ "التَّحذيرِ مِن فِتنةِ التَّكفير" طبعةً ثانيةً؛ لِيكونَ ذلكَ -إنْ شاءَ اللهُ- هو الشَّوكةَ لأُناسٍ، والبَلسَم لآخَرين. أمَّا الشَّوكةُ؛ فلِلمُتربِّصين والمتصَيِّدين، وأما البلسمُ فللأحبَّة الصَّادِقين، والأوفياء النَّاصِحين.

لأنَّ المشكلةَ ليست مشكلةَ خطأٍ في كتابٍ -وهذه نقطةٌ يجبُ أن تُعلمَ بِوُضوحٍ-، المشكلةُ ليست مشكلةَ خطأٍ في كتاب؛ وإلا هل يوجدُ كتابٌ -غيرُ كتابِ الله-في الدُّنيا- يخلو مِن الخطأ؟! هل يوجَدُ بَشرٌ -مِن أعلمِ النَّاس وأفقَهِهِم-فضلاً عن أدْناهُم وأقلِّهم- يخلو مِن الغلط؟!! لا يُمكن!


إذًا: لماذا هذه الضَّجَّةُ الكبيرةُ التي ارتجَّت لها -وأقولُ بحقٍّ- أطرافُ الدُّنيا! هل هذا -كلُّه- حُبًّا في زَيدٍ، أو بُغضًا له؟! ولماذا هذا يُحَبُّ دون غيرِه؟! ولماذا هذا يُبغَضُ -بالذَّات- دُونَ سِواهُ؟! هَل الأمرُ كذلكَ؟

الحقيقةُ -يا إِخوانَنا!- أن وراءَ الأكَمَة ما وراءَها!

القضيةُ صِراعٌ بين مَنهجين؛ لذلك نحنُ نَأبَى ونَأبَى أن نَنقُلَ هذا الصِّراعَ ليُصبحَ بَيننا وبينَ العُلماء؛ فأنْ يكونَ هنالِك غَلط مِنِّي، أو غَلطٌ مِنهُم؛ فالأمرُ سَهل، المهمُّ: أن يَظهرَ مَنهجُ الحقِّ، وأن يَعلُو، وأن تكونَ كلمتُه هي الرَّفيعةُ، وهي العالِية؛ فهذا قَطعٌ للطَّريق أمامَ قُطَّاعِ الطَّريقِ الذين يُريدونَ أن يُحقِّقُوا حُلُمَهم بأن لا يكونَ لنا صِلةٌ بأهلِ العِلم! وكيف نُحَقِّق لهم عُشرَ مِعشارِ هَذا الحُلُمِ، ونَحنُ طِيلةَ دَهرِنا نقول:

يا إخوانَنا! عليكم بالعُلَماءِ! يَا إِخوانَنا! الزَمُوهُم! وَحافِظُوا عَليهم! والمسائلُ الكِبارُ لَيس لهَا إلا العُلماءُ الكبارُ!

لكنْ؛ بِالمقابِل:

هَل إذا خطَّأناهُم في هذهِ المسألة؛ هل يَعنِي -ذلكَ- القَدحَ فيهِم؟! لا واللهِ!

هَل إذا لم نُوافِقْهُم في مَسألةٍ، ووافَقْناهُم في مائةِ مَسألةٍ ومَسألة؛ هَل في ذلك انتِقاصٌ لهم، أو إِقلالٌ مِن حَقِّهم وهُداهُم وصَوابِهم؟ لا واللهِ!

لذلكَ:
نحن مَع المشايخِ والعُلماءِ، نَحنُ مَعهم فِيما أصابُوا فِيه، ولَسْنا مَعهم فيما أخْطَؤُوا فِيهِ.

ثُمَّ إنَّني أسأَلُ:
أَلسْنا نحنُ -طلبةَ العِلمِ- إذا جِئْنا إلى مَسألَةٍ فِقهيَّةٍ -فَلْنَقُل: (مَسألة الطَّلاقِ ثلاثًا في مجلسٍ واحِدٍ)؛ ألا نُخالِفُ فيها الأئمةَ الأربعةَ؟!

بَلى؛ نُخالِفُهم. لماذا؟ وبِأيِّ شيءٍ؟

نُخالِفُهُم؛ لأنَّ الحقَّ لَيس مَعهم.

ونُخالفُهم؛ لأنَّ الدَّليل يُخالفُهُم ويُغايرُهُم.

فإذا كان هذا هُو الفِعلَ الحقَّ مع الأئمَّةِ الأربعةِ؛ فكيف يَكونُ الحالُ مع مَن سِواهُم مِن شيوخٍ أربَعةٍ؟!

نَعَم؛ لهم مَكانَتُهُم، ومَنْزِلتُهم؛ لكنَّهم -بأيِّ حالٍ مِن الأَحْوالِ- ليسُوا كالأَئِمةِ الأَربعةِ -مَكانًا أو مَكانةً، مَنزِلاً أو مَنزِلةً-.

فهذهِ نقطةٌ أُخرى.

وأمَّا اللِّقاءُ الَّذي انشرحَتْ به النَّفسُ -مِن جِهةٍ-، واهتَمَّ بهِ القلبُ -مِن جهةٍ أُخرَى-؛ فهو لِقاءُ الشَّيخِ محمَّد بنِ صالِح العُثيمين -حفظهُ اللهُ وعافاهُ وَقوَّاهُ-؛ فقَد رتَّبْنا مجلسًا معَهُ في بيتِ ولَدِه في الرِّياض، وخَرَج علينا الشَّيخُ مُتعَبًا مريضًا ضعيفًا، يُعالَج بالأشعَّةِ كلَّ يوم -مُنذ أسابيع-؛ فتذكَّرنا قولَ النَّبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: "إنَّ اللهَ لا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزاعًا، ولكنْ يَقْبِضُهُ بِمَوْتِ العُلَماءِ، حَتَّى إذا لَم يَبْقَ عالِمٌ؛ اتَّخذَ النَّاسُ رُؤوسًا جُهَّالاً، فَاسْتَفْتَوْهُمْ؛ فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ؛ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا".

انْظُرُوا كَمْ لأَهْلِ العِلْمِ مِن مَنزلةٍ، ومِن مكانةٍ، ومِن رعايةٍ، ومِن عِنايةٍ، أَمرٌ بوَّأهم اللهُ إياه.

لا يُنال العلم، ولا تُنالُ مَنزلتُه بالسَّطوة، لا تُنال مكانتُه بالغِلظة، ولا بالرَّهبة، ولا بالهَيْمنة، ولا بالهيلمانِ الَّذي يصنعُه بعضُنا حول نفسِه؛ إنما يُنال العِلمُ بالكِتابِ والسُّنةِ، يُنال العلمُ بالمعرفةِ الصَّحيحةِ الواثقةِ لمنهجِ سلفِ الأمَّة، كما قال رسولُ اللهِ -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: "إنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهذا الْكِتابِ أَقْوامًا، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ".

شيخٌ في وسَط الصَّحراءِ، ارتَفَعَ نَجمُه، وعَلا خَبَرُه، وارتفعَ ذِكرُه، لا بِمالٍ، ولا بِمَنصبٍ -فهو مِن أقلِّ النَّاس مالاً؛ لا يَزال بيتُه بيتَ طِينٍ-، ولا بِمَنصبٍ؛ فهو شيخٌ يُدرِّس النَّاسَ في المسجِد، ولا مِن أُسرةٍ ذاتِ حَسَبٍ ونَسَب؛ فهو مِن عائلةٍ كسائِرِ عائلاتِ النَّاس! ولكنَّه: عَلا فوقَ ذلك بِعِلمِه؛ فهو البقيَّةُ الباقيةُ لنا؛ فادعُوا اللهَ بقلوبٍ مُخلِصةٍ، ونفوسٍ صادِقة؛ أن يَمُنَّ عليه بالعافيةِ والشِّفاء وطولِ العُمُر بحُسنِ العَمل.

وقد كان معنا في زيارةِ الشَّيخِ وفي مجلسِه -بالإضافةِ إليَّ- ثلاثةُ نَفرٍ:

أمَّا أولُهم: فهو أخونا الشَّيخُ خالدٌ العَنبري، وهو دكتورٌ مِن خريجي الأزهر، ومِن المدرِّسين في جامعةِ الإمامِ محمَّدِ بنِ سُعود، وجامِعةِ الملكِ سعود في الرِّياض، تَخصص كِتابٍ وسُنَّة.

والثَّاني: الدُّكتور صالح الصَّالح، وهو أخٌ يَعملُ مُدرِّسًا للكيمياءِ في جامعةِ الملِكِ سُعود، فرع القَصيم، وقد هاجَر مِن أَمرِيكا -للهِ، وفي اللهِ-، وجلسَ أربَعَ سِنينَ بِلا عَمَل، يَتكفَّفُ طعامَهُ ومالَهُ بما يُوفِّقهُ اللهُ إليهِ؛ رغبةً في أن يكونَ عند الشَّيخ.

وذكَّرني هذا الأخُ -بِنُبْله وفَضلِه-جزاهُ اللهُ خيرًا- بِقولِ النَّبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: "مَنْ تَرَكَ شَيئًا للهِ عَوَّضَهُ اللهُ خَيرًا مِنهُ"؛ فإذا به يُوفِّقه اللهُ لأن يكونَ مُدرِّسًا في الجامعةِ التي قُربَ الشَّيخِ محمدِ بنِ عُثيمين؛ فنال الفَضلَ مِن أطرافِه!

أما الثَّالث: فهو الأخُ عبدُ الرَّحمن بن محمدِ بنِ صالح العُثيمين، وهو ولد الشَّيخ، قد رَأيْناه صالحًا، قد رأينا عَلاماتِ بِرِّه بأبِيهِ باديةً ظاهرةً، وعِندَما خَرجْنا أوصَيْتُه؛ قلتُ له: يا أخِي! هذا أَبوكَ ليس لكُم فقط؛ ولكنَّه للأمةِ كلِّها؛ فباللهِ عَلَيك؛ أَنْ تَحرصَ على خِدْمَتِه، ورعايتِه -ما استطعتَ إلى ذَلكَ سَبيلاً-.

فأوَّل ما جَلسْنا مع الشَّيخ، تَكلَّمنا بكلامٍ فيهِ الثَّناءُ والتَّبجيلُ والاحترامُ، ثم قُلنا لَهُ -حتى لا يَفوتَنا الوقتُ-، وكان ذلك قُبيلَ مَغربِ يومِ الجُمعةِ الفائتِ، ليسَ أمْسِ؛ وإنَّما التي قَبلها؛ أي: قَبلَ ثَمانيةِ أيامٍ، في بيتِ ولدِه في الرِّياض؛ حيث يتطبَّب.

فَذكرتُ له ما جَرَى -باختِصارٍ-؛ فَقال -ما حَرْفُهُ-ثلاثةُ شُهودٍ في الأرضِ، وأحكمُ الحاكِمِينَ في السَّماءِ يَشهدُ- يَقولُ:

(أنا مُستَاءٌ جِدًّا مِن هذِهِ الفَتْوى، وهذا غَلطٌ مِن اللَّجْنَة، وإنَّ هذه الفَتوى فرَّقتِ المسلمينَ في العالَم؛ حتَّى إنَّهم لَيَتَّصِلونَ بي مِن أَمريكا وأُوروبا).

وهنا العبرةُ التي نَربطها بما سَبق:

قال الشَّيخُ:

(ولم يَفرَح [أو: لم يَستفدْ]-الشَّك مِنِّي- مِن هذه الفُتيا؛ إلا الثَّورِيُّون والتَّكفيريُّون)! لم يَفرح بهذه الفُتيا -أو: لم يَستفد مِن هذِهِ الفُتيا-؛ إلا الثَّوريُّون والتَّكفِيريُّون!

وأنا أقول:

أو مَن في قُلوبهم مَرض -مِن حسَدٍ، أو حِقدٍ-، لا يَهمُّهم هؤلاءِ ولا أُولئكَ، المهِمُّ أن يَشفوا غَيظَ صُدورِهم؛ فهؤلاء لا نَقولُ لهم؛ إلا أن نَدعوَ اللهَ أن يَشفيَهم، حقيقةً؛ يَحتاجون إلى دعاءٍ بالعافِيَةِ والشِّفاءِ!

هذِه كانَت الكلماتُ الطيِّبةُ مِن فضيلةِ الشَّيخِ محمدِ بنِ صالِح العُثَيمين، وقد سَألتُه -بِنَفسِي-مع أنَّني سمعتُ كلامَه -بِنفسي- في الشَّريطِ المُسجَّل-، اتَّصل بي -قبل سَفري إلى الرِّياض بثَلاثةِ أيَّام- الشَّيخُ أبو الحسَنِ المأرِبي -مِن أكابرِ أفاضل إِخوانِنا طُلابِ العلم-، اتَّصل بي مِن اليمن، مِن مأرب، وقال لي: اسمَعْ!

فإذا بالصَّوت صَوت طالِبٍ يَمانِي يَسأل؛ فيقول:

يا فضيلةَ الشَّيخ! ما هُو رَأيُكُم بالفَتوَى الصَّادرةِ مِن لجنةِ كذا وكذا، في فلانٍ، في كتابَيه كذا وكذا؟ [ويُسمِّي: اللَّجنة الدَّائمة، في كتاب "التَّحذير"، و"صَيْحَة نَذِير"، تأليف الشَّيخ: عليِّ بنِ حَسَن عبدِ الحَمِيد].

فإذا بِصوت الشَّيخ ابنِ عُثيمين يقولُ:

(أما الكِتابَان؛ فَلَمْ أَقرأهُما، ولا أحبُّ أنَّ هذه الفَتوَى صدَرَت؛ لأنَّ فيها تشويشًا على النَّاس).

قال له الطالِبُ: يا فضيلة الشَّيخ! ما هي نَصيحَتُكَ لِطَلبَةِ العِلم؟

قال: (نَصِيحَتي لِطلبةِ العِلم أَن لا يَعبَؤوا بِفَتوى فُلانٍ ولا فُلان)!

والله على ما أقول شهيد!

هذا حرفُ كلامه؛ وإلا فقد يَفوتُني واوُ عطف أو حرف جرٍّ -فقط-!

ثم قلتُ له: وقد سمِعْنا قَولَكم جَوابًا على سُؤالِ الأخِ اليَمَنيِّ ذَلك؛ فقال: نعم.

ثم قُلتُ لَه: يا شَيخ!

قالَ: نَعم.

قُلتُ لَه: مِن أعضاءِ اللَّجنةِ الدَّائمة: الشَّيخُ بَكرُ بنُ عبدِ الله أبو زَيد، وصِلَتي الشَّخصيَّةُ العِلميَّةُ به منذُ خَمسةَ عَشر عامًا، ونحن نتعاونُ في التَّأليف، في المراجَعَةِ، وفي البَحث، وفي التَّصنِيف؛ فلِماذا يفعلُ ذلكَ الشَّيخُ وهو يَعلمُ، وهو يتَّصِلُ بي بِنفسِه -مرَّات ومرَّات-؟! ثم يقولُ ويُوصي: (وأُوصيهِ أنْ يتَّقيَ اللهَ في نفسِه، وأن يَطلبَ العِلمَ عندَ العُلماءِ الموثُوقِ بِعِلمِهِمْ وحُسنِ مُعتَقَدِهم)؟!!

قلتُ لَهُ: وهل تَرَى -يا شَيخ!- أبلغَ مِن صُحبةٍ مع الشَّيخِ الأَلبانيِّ عَلى مَدارِ نحوِ رُبعِ قَرنٍ مِنَ الزَّمن؟! هذِه ثلاثةٌ وعِشرونَ عامًا -أو أربعةٌ وعِشرونَ-.

فالشَّيخُ قال -ابنُ عُثيمين-: (والنِّعِم! أكرِمْ وأَنْعِم!).

فجزاه الله خيرًا مِن عالمٍ ووالِدٍ.

قالَ أهلُ العِلمِ: لا يَعرِفُ الفَضْلَ لأهْلِ الفَضْلِ؛ إلا ذَوُو الفَضلِ.


وأمَّا آخرُ هذِه المجالِس؛ فقد كانَ اللِّقاءُ معَ الشَّيخِ عبدِ العَزيزِ آل الشَّيخ في مَنزلِه وبَيتِهِ، وكان بِصُحبتِي الشَّيخُ محمدُ بنُ حَسَن آل الشَّيخ -عُضوُ الإِفتاءِ في الرِّئاسةِ العامَّةِ للبُحوثِ العِلميَّةِ-.

دَخلْنا -وقَد كانَ الموعِدُ-طَبعًا- مُرتَّبًا مِن قِبَلِ الشَّيخِ صالِح- أمَّا أنا -مِن جِهَتِي- لم أَسْعَ لمجلِسٍ، ولم أُرتِّب مجلسًا، ولم أحرِص على شيءٍ؛ لأنَّ ما عندي كتبتُه، وانتَشر في الملأ، وعَرَفَه العالَم -القَاصِي والدَّاني-؛ فليس عِندي مَزيدُ قَولٍ، ولا زيادَةُ كلامٍ.


ومَع ذلكَ: لما قال لي الشَّيخُ صالِح: نُرتِّب لكَ لقاءً مع المُفتي؟

قلتُ: لا مانع! فالقَوي بحقِّه لا يَخشى إلا ربَّه، ويَسعدُ أن يلتَقيَ بالنَّاسِ -كلِّهم-، ولا يهابُ أحدًا؛ إلا [...]؛ فإنْ هابَهُ لمخالَفَتِه؛ فَيَستَحِقُّ، وإن هابَهُ لأنَّه مَعَه؛ فَيستَحِقُّ. فجَزاهُ اللهُ خيرًا.

الحقِيقَة: لما جَلستُ مع الشَّيخِ عبدِ العَزيز؛ رأيتُه رجُلاً ربَّانيًّا، رأيتُه مِن الذَّاكِرين، رأيتُ سِيما الصَّالحين عَليهِ، رأيتُ مجلِسَهُ يُذكِّرُ بِالآخرةِ، فتكلَّم نَحوًا من رُبعِ ساعةٍ، يُذكِّر بالتَّقوَى والإِخلاصِ والعَمَل الصَّالحِ والعِلمِ، وأنَّ المحاضَراتِ يجبُ أن تُقامَ على التَّوحيدِ..

وأنا صامِتٌ؛ لأنَّ كلَّ الذِي يقولُه -بِحَمدِ اللهِ- إنْ لم يَكنْ فِينا؛ فنحنُ ساعُونَ إِليهِ، وإنْ لم يَكُنْ بِنا؛ فنحنُ نَسألَ اللهَ أن يَرزقَنا إيَّاه، وأمَّا مِن حيث التَّأصيلِ؛ فمَن ذا يُخالفُ تَقوَى اللهِ، أو الإِخلاص، أو التَّوحِيدِ، أو الصِّدقِ مَع النَّفسِ؟!

حتَّى وَصلَ ذِكرُ الشَّيخِ ناصرٍ على لِسانِه، وأنَّه قامَ بِجُهدٍ كَبيرٍ وعَظيمٍ في خِدمةِ السُّنَّةِ، وأوصَانا أنْ نَسلكَ سَبيلَ شَيخِنا في ذَلك.

ولم يَكنْ مِنِّي إلا أنْ أقولَ: نَعم، جَزاك اللهُ خيرًا، باركَ اللهُ فيكَ، شَكَر اللهُ لكَ، إلى أن رأيتُ -أو لاحظتُ- أنَّه خَتَم كلامَه؛ فقلتُ لهُ: تَأذنونَ لنَا -يا سَماحةَ الشَّيخ!- بخمسِ دَقائق. قال: تفضَّلْ!

ومِن فضلِهِ -جَزاهُ اللهُ خيرًا- أنَّني بدأتُ بكلمةٍ فيها نوعٌ مِن الإطراءِ؛ فقُلتُ: يا شَيخ! أنتَ والدُ الجَميعِ، وأُستاذُ الجَميع.. فقالَ كلمةً شجَّعَتني -أَكثرَ وأَكثر-؛ قال: تكلَّم بِدُونِ مُجاملةٍ!

فقُلتُ: شَكرَ اللهُ لكَ، وجزاكَ اللهُ خيرًا.

قُلتُ: يا شَيخ! أذكُر لكَ أمورًا، وإن شاءَ اللهُ أنا على ما طلبتَ بِدونِ مُجاملةٍ.

قال: نَعم. وقد افترَّ ثغرُهُ عن بَسمةٍ. وبالمناسبةِ: الشَّيخُ كفيفٌ لا يُبصِر.

قُلتُ: أمَّا أولُ نقطةٍ:

فهي أنَّنا -بفضلٍ مِن اللهِ ونِعمة- تعلَّمنا فضلَ الحقِّ، وأهميةَ الرُّجوعِ إليه في مجالسِ شَيخِنا أبي عبدِ الرَّحمنِ محمَّد ناصِر الدِّينِ الأَلبانيِّ -مُنذ نحوِ رُبعِ قَرْنٍ-؛ ففي كم من مرةٍ يَطلبُ الشَّيخُ مِن أبنائِه وطُلابِه تَصحيحًا لشيءٍ قد أخطأ فيه، وفي كم مِن مرَّةٍ يَستدركُ عليه طالبٌ مِن طلَبَتِه، وأخٌ مِن إِخوانِه في مَسألةٍ؛ ثم إذا بالشَّيخِ يقولُ: (الصَّوابُ ما قالَ فُلان). وهذا كلُّه في المجالِس؛ أمَّا في الكُتب: فحدِّثْ ولا حَرَج!

واللهِ؛ لو أنَّ أحدًا يَكتُب، أو يَنقُلُ المواضِعَ التي يَستدركُ الشَّيخُ فيها على نفسِه -باستدراكِه هو، أو باستدراكِ غيرِه-؛ لرَأينا عَشراتٍ -إنْ لم يَكنْ مِئات- المواضِع.
وهذا -في الحقيقةِ-يا إِخْواني!- يحتاجُ إلى إيمانٍ عَظيم، وإخْلاصٍ للهِ كَبير.
الرُّجوعُ إلى الحَق -واللهِ- إنَّه رِفعة، واللهِ؛ إنَّه عِزُّ، واللهِ؛ إنَّه عُلُو، لكن؛ كثيرٌ مِنَّا لا يَقوَوْن على ذلك؛ لأنَّهم يَظُنُّون أنَّهم إذا رَجَعُوا إلى الحقِّ؛ سيُقالُ فيهم، ويُتكلَّمُ فيهم؛ فلْيكُن؛ فكان ماذا؟!

هل الَّذي يتكلَّم فيكَ إذا رجعتَ إلى الحقِّ؛ يتكلَّم فيكَ بِحَقٍّ؟ يتكلَّم فيكَ بالباطلِ والظُّلمِ والظَّنِّ؛ وبالتالي: فإنَّ كلَّ ذلك راجعٌ إليهِ، مَعكوسٌ عَليهِ -والعِياذُ باللهِ-.

قلتُ: هذه النُّقطةُ الأُولى -يا شَيخ!-.

أما النُّقطة الثَّانيةُ:

كُنتُ قد أرسَلتُ لَكم رِسالةً بالبَريدِ الدُّبلوماسي، ليسَ بَريدي؛ وإنما بريدُ الشَّيخِ سَعدٍ الحُصيِّن- المستَشار الدِّيني السُّعوديُّ في الأُردن-، وفيها بعضُ كِتاباتٍ -مِنِّي ومِن إِخواني- تشرحُ هذه القضايا؛ لأنَّه قد بَلَغَنا أنَّ هنالك أشياءً تُنقَل لسماحَتِكُم.. وما أشبَه ذَاك!

فقال: لم يَصِلْ شيءٌ!!

أقولُ -الآنَ-:

قد كتبَ الشَّيخُ سعدٌ الحُصيِّن -حَفِظهُ اللهُ، ونفعَ به، ونصَر بهِ أهلَ الحقِّ- وَرقتَينِ كنَوعٍ مِن التَّعريفِ للمُفتي بِنا؛ فكان مما كَتَب -ولا أُريدُ أن أَذكُرَ كُلَّ ما كَتَبَ- ذكَر عنا وعن إِخواننا طُلابِ العِلم ما نصُّه، قال:

(وهؤلاءِ الإخوةُ أَعرِفُهم مُنذُ خَمسةَ عَشَرَ عامًا، هي مُدةُ مُكثي في الأُردن، وهُم -واللهِ-..) -ونسألُ اللهَ أن نكونَ عند حُسنِ ظنِّه، وإلا نحنُ دُون ذلك- (وهُم خِيرةُ مَن عَرفتُ، لا أَقولُ في الأُردن؛ بل في بلادِ الشَّامِ عِلمًا ومَنهجًا ودعوةً).

ثم قال الشَّيخُ سعدٌ في رِسالتِه إلى المفتِي، قالَ:

(وأمَّا شُبهةُ الإِرجاءِ الَّتي أَلقاها الشَّيطانُ على أَلسِنَةِ مُخالِفيهِم؛ فإنَّما فَعلُوا ذلكَ بِهِم؛ لأنَّهم يَدْعُون إِلى مَنهجِ النُّبُوَّةِ الَّذي يُخالِفُ طَرائقَ التَّكفِيريِّينَ؛ كأمْثالِ سَيِّد قُطب، والتُّرابي، وغيرِهما مِنَ الحِزبيِّين والحرَكيِّين).

وبالمناسبَةِ: عندنا -وللهِ الحمدُ- صُورةُ خطِّ الشَّيخِ سَعدٍ بذَلك.

المفتي قال: لم يَصِلْ شيءٌ!

قلتُ لهُ: يا شَيخ! أرسلتُ لكم -قَبلَ أُسبوعينِ- بِالبريدِ الممتازِ المُستَعجَلِ كتابًا بعُنوان: "التَّعريفِ والتَّنبِئةِ بِتأصِيلاتِ العلامَةِ الأَلبانيِّ في مَسائل الإِيمانِ وَالرَّدِّ على المرجِئَةِ"؛ هل وَصل؟

قال: لم يَصِلْ!!

إذًا: يوجَد قُطَّاع طريق -يا إِخوانَنا!-!.

قال: كم صَفحة هو؟

قلتُ: مِائة وثِنتا عَشرة صَفحة.

قلتُ لهُ: في هذا الكتابِ نَقلتُ عن شيخِنا نُقولاً مِن كُتبٍ ومُصنَّفات -مُنذ أكثرَ مِن ثلاثين عامًا- فيها رُدودٌ على المرجِئة، ونقضٌ لأُصولِهم.

منها: إثباتُ أنَّ الإيمانَ قولٌ وعملٌ واعتِقاد.

ومنها: أنَّ العَملَ مِن حَقيقةِ الإيمانِ وداخلٌ فيه.

ومنها: أنَّ الكُفرَ عِدةُ أنواع، ويكونُ بالقَول والعَملِ والاعتِقاد.

هذا كلُّه ذَكرتُه أمامَ الشَّيخِ، والشَّيخ ساكتٌ، وهذهِ أُصولُ أهلِ الإِرجاء؛ لا يُوجَد شيء سِواها، إذْ قد نقَضنا ذلك؛ فهَل بقِي شَيءٌ سِوى ذلك؟ لا.

قلت: يا شَيخ! صِلَتي بالشَّيخ بَكر أَبو زَيْد.. فذكرتُ لهُ ما ذَكرتُه للشَّيخِ ابنِ عُثيمين،

قلتُ له: صِلَتي به مُنذ خمسةَ عَشر عامًا، وقد أَشكلَ عليه شيءٌ مِن كَلامي، وهو يَعرفُني، ويعرفُ عَقيدتي ومَنهَجِي؛ لماذا لا يتَّصلُ ويقولُ: ماذا تقصدُ بِهذِهِ العِبارة؟ وماذا تَقصدُ بِهذِه الكلمةِ؟ لأنَّه إذا وُجد شيءٌ؛ فَأنا أُبشِّركَ -يا سَماحةَ الشَّيخ!- أنَّه لن يكونَ عقائديًّا؛ لأنَّنا خِبنا وخَسِرنا إذا لم نَكنْ داعِين إلى الكتابِ والسُّنَّة ومَنهج سَلفِ الأُمَّة، خِبْنا وخَسِرنا إذا كان فِينا إِرجاءٌ، أو شائِبةُ إرجاءٍ.

إنْ كان -ولا بُد-؛ فهناك قد يكونُ خَطأ في عِبارة، خَطأ في لَفظةٍ، خَطأ في كلمةٍ؛ فهذا لا يُقال: إرجاء، أو شيء مِن ذلك! وحينئذٍ: يَسهلُ الوُقوفُ على كلمةٍ سَواءٍ فيه.
ثم قلتُ له: يا شَيخ! لا أريدُ أن أُطيلَ؛ فقط أذكُر لكَ نُقطةً أخيرةً؛ هي نُكتَة.

فقال: تفضَّلْ! -وقَدْ تبسَّم-مرة أخرى-.

قلتُ له: يا شيخَنا! سَمِعني بعضُ العامَّةِ في الأردُن، وأنا أقولُ: إنَّ أناسًا يتَّهمُونَنا بالإِرجاء. رَجلٌ مِن العامَّة كان جالسًا، ونحنُ نتكلَّم في هذه المسألةِ، وأنَّ هناك أناسًا يتَّهمونَنا بالإرجاء؛ فقال: يا شَيخ! إيش الإرْجاء؟! -هذا الكلام أقوله لمن؟ للمُفتي-.

فقال لي هذا العامِّيُّ: ما الإرجاءُ -يا شَيخ!-؟

فقلتُ له: الإرجاءُ مَذهبٌ خَبيثٌ لفِرقةٍ ضالَّة، هذه الفِرقةُ الضالَّةُ تَقول: الإيمانُ في القَلب؛ وبالتَّالي العَمل ليس منَ الإيمانِ؛ وعليه فالصَّلاح والفَساد مُتعلِّقانِ بالقَلب، ليسا مُتعلِّقَين بالعَمل، فمَهما عملتَ هذا لا يُؤثِّر؛ وبالتَّالي لن تَدخلَ النَّار؛ وبالتَّالي لن يُصيبَك شيء وو . .

فقال لي العاميُّ: يا شَيخ! يقولون عَنكُم مُرجِئة، وأنتُم تَقولون: ما زادَ عنِ الكَعبين ففي النَّار؟!

يقولون عنكم مُرجِئة، وأنتُم تَقولون: مَن أخذَ مِن لحيتِه دون القَبضة -ولو بِقَدر عُقلةِ الأصبع- أنه لا يجوز، وأنَّ فاعلَ ذلك مُتوعَّد بالنَّار! ويقولون عنكم مرجئة؟!

يا شَيخ! يقولون عَنكُم مُرجِئة، وأنتم في كلِّ خُطبةٍ، وفي كلِّ دَرسٍ، وفي كلِّ مَوعظة تقولون: "وخَيرُ الهَديِ هديُ مُحمَّد، وشرَّ الأمور محدَثاتُها، وكل مُحدَثة بِدعة، وكُلُّ بِدعةٍ ضَلالةٍ، وكل ضلالةٍ في النَّار؟!

قلتُ له: نَعم؛ وإلى اللهِ المشتَكَى.

فضحِك الشَّيخ، ودعا دعوةً عامَّة، ثم قال: إن شاءَ اللهُ غدًا غداؤُكم مَعنا.

قلتُ: هذا بوُدِّي، وأشكركُم على حُسنِ الاستِقبال، وأسألُ اللهَ أن يَزيدَكُم مِن فَضلِه، وأنا على سَفَر؛ وإلا لما تأخَّرتُ عن الاستجابةِ لدَعوتِكم.

هذا كانَ آخرَ ما حَصَل مَعنا -مجمَلاً-.

وهنالك أمورٌ نرجُو أن يكونَ ذِكرُها بتطبيقِها -لا بِنقلِها-؛ فحِينئذٍ: تكونُ أوقعَ على النَّفس، وأكبرَ في الأَثَر.

سائلاً اللهَ -تبارَك وتَعالَى- الثَّباتَ -لنا ولَكُم-، والهدايةَ لمُخالفي الحقِّ، والتَّوفيقَ لدُعاةِ الحقِّ؛ إنَّه سميعٌ مُجيبٌ.

وآخرُ دَعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين. وصلَّى وسلَّم وبارَك على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آلِه، وصحبِه -أجمعين-.


وآخرُ دَعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين.





طباعة
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل

Powered by: MktbaGold 6.5