رحلتي إلى بلاد الحرمين 3

الأسئِلَة:


1)

يقول السَّائل: هل صَحيحٌ أنَّ اللَّجنةَ الدَّائمةَ مِن الباحِثِين تقومُ بالنَّظرِ للمؤلفاتِ والكُتب، وبِناء على تَقريرِ هَذِه اللَّجنة؛ تَقومُ بالإفتاءِ دُونَ الرُّجوعِ للكِتابِ الَّذي تَمَّ بحثُه؟


[الجَواب]:

الحمدُ للهِ، والصَّلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وعَلى آلِه، وصَحبِه، ومَن والاهُ:
الأمرُ لا يخرجُ عن إِحدَى صُورَتَين:

إمَّا أن يقرأَ المشايخُ -بأنفُسِهِم- الكُتبَ التي يُرادُ بحثُها، أو مُناقَشتُها، أو الرَّدُّ عليها، أو التَّحذيرُ منها.

وإمَّا أن يُوكِلُوا ذلك إلى لِجانِ الباحِثينَ المُساعِدينَ الذين يُسهِّلونَ عليهم النَّظرَ في الكُتب، والتَّخريجَ للأحاديثِ، واستخراجَ النُّصوصِ مِن بُطونِ المؤلَّفاتِ -وما شابَهَ ذلك-.

لا يخلُو الأمرُ عن إِحدَى هاتَينِ الحالتَيْن.

أقولُ:

لو افترَضْنا أنَّ اللَّجنةَ كَتبتْ ما كتَبت بِناءً على ما قَرأتهُ بِنفْسِها في تَحذِيرِها مِن كتابيَّ؛ فهذِهِ -واللهِ- المصيبةُ العُظمَى! لماذا؟ لأنَّه -كما قَرأتُم في "الأَجوبةِ المتلائِمةِ"، وفي "نَقدِ الفَتوَى"، وكما ستقرؤون قريبًا-إن شاءَ اللهُ- في الكتابِ الثَّالث الذي هو "الحُجَّة القائمة"- أقول: بأنه لا يُوجَد شيءٌ مما ذُكِر مَوجودٌ في كتابِي، وكلُّ ما ذُكِرَ غيرُ مَوجود؛ وإنَّما هو مَبنيٌّ على أفهامٍ مَنقوصةٍ للقارِئ للكَلامِ، وبَعض ذلك تقوُّل صريحٌ مَحضٌ لا يُتردَّدُ فيه.

والحقيقةُ أنَّنا نَربأُ باللَّجنةِ -أو أيٍّ مِن أفرادِها- أن يَكونُوا كذلكَ؛ بل أن يَكونوا قَريبين مِن ذلك.

فلم يَبقَ إلا أن يُقالَ: إنَّ ذلك مِن تصرُّفِ بعضِ الباحِثين المُساعِدين، وهذهِ وإن كانَت مُصيبةً؛ لكنها أهوَن؛ فالعُهدةُ -إذًا- على هذا التَّرجيحِ على أُولئكَ المُساعِدين الَّذين قد يَكونُون ذَوِي عِلمٍ قاصِر، أو ذَوِي تَوجُّهاتٍ فِكريَّة، أو ذَوي فَهمٍ مَنقوص، أو أي سببٍ آخرَ قد نَضعُه فيهم.

أمَّا أن نضعَه في المشايخ؛ فهذا ما نُنزِّهُهُم عنه، ونُبعِدُهُم مِنه، واللهُ المُستعان.




2)

فَضيلةَ الشَّيخ! السَّلام عَليكم ورحمةُ الله وبرَكاتُه.
هل هُناك تَفريقٌ بينَ قَولِ اللِّسان، وعَمل الجَوارِح؟
وهَل إذا أُطلِقَ عَملُ الجوارِح مُفرَدًا يُضمُّ إليه قَول اللِّسان ضِمنًا؟


[الجَواب]:


هذا كَلامٌ فيهِ تفصِيلٌ.

أهلُ العِلم عِندما يَقولونَ: (الإيمانُ قولٌ وعَمَلٌ) يَقصِدونَ قَولَ القَلبِ واللِّسان، وعَملَ القَلبِ والجَوارِح؛ فالقَولُ مُرتَبِطٌ باللِّسان، والعَملُ مُرتبِطٌ بالجوارِحِ، والعَملُ له صِلةٌ بالقَلب، والقَولُ له صِلةٌ بالقَلبِ؛ فَقَولُ القَلبِ: التَّصديقُ، وعَمَلُ القلبِ: الإِذعانُ والانقيادُ.

أمَّا أن يُقال: (عملُ اللِّسان وقَولُ اللِّسان)؛ فَهذا تَكرار؛ فإنَّ عَمل اللِّسان هو القَول، وقد ذكرنا؛ لكنْ لما قُلنا: (عَمل القَلب، وقَول القَلب) هذا تفريق؛ قولُ القَلب: التَّصديق، وعَملُ القَلبِ: الإِذعانُ.

لذلك: خطَّأَ الشيخُ محمَّدُ بنُ إبراهيمَ آل الشَّيخ -المُفتي الأكبرُ- في "فَتاوِيهِ" -رحمةُ اللهِ عليهِ- خطَّأ إِحدَى طبعاتِ "الواسِطيَّة" الَّتي فيها: (الإيمانُ: قولُ القَلبِ واللِّسان، وعَملُ القلبِ والجوارِحِ واللِّسان) قال: لا يُقال في العَمل (عَمل اللِّسان)؛ وإنما يُقال:

(قَول اللِّسان).

وقد ذكر الحافظُ الإمامُ شيخُ الإسلامِ ابن تيمية،وكذلك الإمامُ الحافظُ ابنُ رجبٍ الحنبليُّ في كِتابِه: "فَتحِ البارِي" -و"فَتحُ البارِي" لابنِ رجبٍ غيرُ "فتحِ البارِي" لابنِ حجَر، هما كِتابانِ في شَرح "صحيحِ البُخاريِّ"، كلٌّ مِنهما يَختلفُ عن الآخَر، وإن كان أوَّلَهما كِتابُ ابنِ رجَب، ثم تَبِعه كتابُ ابنِ حَجَر.

أقولُ:

ذكرَ الحافظُ ابنُ رجبٍ، وكذلكَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ -رحمهُ اللهُ- في كتابِ "الإيمانِ" عنِ الإِمامِ أَحمدَ -رحمهُ اللهُ-: أنَّه سُئلَ عمَّن يَقولُ: (الإيمانُ عَملُ اللِّسانِ، فمَن قالَ؛ فَقد عَمِل)؛ قال: "ما رأيتُ أخبثَ مِن هذا القَولِ!".

لماذا؟ مع أنَّنا رأَينا في بعضِ كلامِ السَّلفِ (عَمَل اللِّسان)؟

الآن؛ الذِّكر -ذِكرُ اللهِ-، والصَّلاةُ على النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ-، والتَّسبيح، والتَّهليل؛ أليست عَملَ اللِّسان؟

بلى. ولكنْ؛ أن يُقالَ: (عَمل اللِّسانِ) في حدِّ الإيمانِ؛ فإنَّ هذا طَريقُ المُرجِئةِ الذين يُريدون أنْ يَجعَلوا القَولَ -فقط- هُو العَمل؛ وبالتَّالي: فالجوارحُ خارجَةٌ عن العَمل!

فلذلك قال الإمامُ أحمدُ: "ما رأيتُ أخبثَ مِن هذا القَولِ! هذا قولُ المرجِئة"؛ لماذا؟ لأنَّهم يُريدُون أنْ يتَّكِئُوا على إثباتِ أنَّ مَن (قالَ)؛ فقد عمِلَ؛ ليَنفُوا عَملَ الجوارِح، ولِيقُولوا: (مَن قال؛ فقد عَمِل؛ فلماذا -إذًا- نُطالَب بعَمَل الجوارِح؟)!

وهذا -نقولُ كما قال الإمامُ أحمدُ- هذا مِن أخبَثِ الشُّبَهِ وأشنَعِها.

لكن؛ لو فَرضْنا أنَّ إنسانًا قال: (الإيمانُ قولٌ باللِّسانِ، وعَمَلٌ بالأَركان، ووَقرٌ بالجَنان، يَزيدُ بالطَّاعةِ، ويَنقُص بالعِصيانِ، و و . .) إلى آخرِ [تقريرِ] أهلِ السُّنَّة، وقال: (ومِن عَملِ اللِّسان: ذِكرُ الله وتسبيحُه، والصلاةُ عليه، وهذا داخلٌ في عُمومِ العَملِ الذي يُطالَبُ به العبدُ . .) إلى آخِرِ هذا التَّفصيلِ، والتَّأصيلِ الواضِح الَّذي لا التِواءَ فيه، ولا التِباس في دَقائِقِه؛ فحِينئذٍ نقولُ: لا مانِع، مع أنَّنا نُفضِّل أن لا تُستعمَلَ هذه الكلمةُ؛ حتَّى لا يتَّكِئَ عليها خبيثٌ لِينفيَ العَمل، ولا يتَّكئَ عليها جاهلٌ ليتَّهِمَ أهلَ السُّنَّة بما لم يَقولُوه.



3)

هل يجوزُ أن تستأجِرَ الشِّيعةَ للعملِ عندكَ؟

[الجواب]


أما مِن حيثُ الجوازُ؛ فيَجوزُ أنْ تَستأجرَ النَّصارى واليَهود.

ولكن؛ نحنُ نقولُ: لماذا تَفعلُ -أيها السُّنِّيُّ!- ذلك؟ لماذا تَفعلُ -أيها المسلم!- ذلك، وعندك مِن أهلِ السُّنَّة السَّنِيَّة، وعندك مِن أهلِ الدِّين والإيمانِ العَشراتُ -بل المئاتُ، بل الأُلوف- لا يَجدون عملاً، ولا يَجدون طعامًا، ولا شرابًا، لا مسكنًا ولا مأوًى؟! لماذا لا تَستأمِنُ هؤلاءِ على عمَلِك، مستأمن ذاك وهو قليلُ الدِّين، وإن كان عنده دِين؛ فهو باطلٌ ومحرَّف -عياذًا بالله-؟!

إذًا نقولُ: الأصلُ إنْ جازَ ذلك مِن جهة؛ فإنه لا يَجوزُ مِن جهاتٍ وجِهاتٍ. واللهُ أعلم.

4)
قال: شابٌّ جديدٌ حضرَ للمَملكةِ العربيَّة السُّعودية، قال أن الشَّيخَ [صالحًا] الفوزان قال -على جمعٍ مِن النَّاس- أن الشَّيخ ناصر الدِّين الألباني -رحمَهُ اللهُ- وقعَ في الإرجاءِ -أو قالَ شيئًا مِن ذلك على الشَّيخ-؛ فما صِحةُ هذا الكلام؟

[الجواب]


أمَّا صِحتُه -من حيثُ أنَّه قِيلَ، أو لم يُقَل-؛ فاللهُ أعلم؛ العُهدة على النَّاقل.

ولكن: سأفترضُ أنه قِيلَ؛ فأقولُ: هذا خطأٌ نَربأُ بمثلِ الشَّيخِ صالِح الفَوزان أن يقولَه، ولئِن قالَه؛ فهذا مِنه (خطأٌ صريحٌ)؛ فإن الشَّيخ الألباني -رحمَهُ اللهُ- قد ردَّ على المُرجِئة رُدودًا كثيرةً -وكثيرةً جدًّا- في كثيرٍ مِن كتبِه، وآخرُ ما وقفتُ عليهِ -اليومَ- في مُقدِّمةِ "شرحِ العقيدةِ الطَّحاوية" -ليس "العقيدة الطَّحاوية، شرحٌ وتَعليق"؛ في مُقدِّمةِ "شرحِ العقيدةِ الطَّحاوية"- يُوجِّه الشَّيخُ الألبانيُّ للشَّيخ أبي غُدَّة سبعةَ أسئلة في العَقيدة يَمتَحِنُه فيها، فكان مِن ضمنِها سؤالانِ في مَسائلِ الإِيمان -فيْصَلاً بين أهلِ السُّنَّة والمُرجِئة-: أولُهما بـ(أنَّ الإيمانَ يزيدُ ويَنقُص)، وثانيهِما: (في جَوازِ الاستِثْناء في الإيمانِ، أو في مَنعِه)، وكِلتا هاتَين المسألَتَين مِن مسائلِ المُرجِئة التي خالَفوا فيها أهلَ السُّنَّة.

وأيضًا وقفتُ -اليومَ- على كتابِ "السُّنَّة" لابنِ أبي عاصمٍ، والحقيقة: أنا قد قرأتُ الكتابَ منذُ القديم؛ لكن وقفتُ -اليومَ- على تبويبٍ في الكتابِ: (بابُ الردِّ على الإرجاءِ والمُرجِئة، وأنَّ الإيمانَ قولٌ وعَملٌ، يَزيدُ ويَنقُص)، والشَّيخ يُقرُّه، ولا يَقفُ عنده كثيرًا، ويحقِّقُه كما يُحقِّق غيرَه، لو كان عندَ الشَّيخ خللٌ -ولو جُزئيٌّ- في هذهِ المسألةِ؛ لوَقف، والشَّيخ يقِفُ فيما هو أقلَّ مِن هذِه المسألةِ؛ فكيف يقفُ فيها؟! فضلاً عن رُدودِه في كتابِ "العَقيدة الطَّحاوية، شَرح وتَعليق" عندما ردَّ على الشَّارح أنهُ قالَ: (الخلافَ بين أهلِ السُّنَّة والمُرجِئة لَفظيٌّ)؛ فقال: لا؛ بل الخِلافُ حقيقيٌّ، فكيف يَصحُّ لأفجَرِ النَّاسِ أن يَقولَ: (إنَّ إيماني كإيمانِ جِبريل)! وجبريلُ هو أصلحُ النَّاس؛ كيف يستَوِيان؟!!

إذًا: رُدودُ شيخِنا -رحمهُ اللهُ- على المُرجِئة -بِعامَّةٍ-، وعلى فُقهاءِ المُرجِئة -بخاصَّة- وهم المنتسِبونَ إلى أهلِ السُّنَّة.

وبِالمناسبة: الشَّيخ الفوزان -نفسُه-حفظهُ اللهُ- يقولُ في ردِّه على الشَّيخ السِّيابي الإباضيِّ يقول: (وهنالكَ طائفةٌ مِن أهلِ السُّنَّة تقولُ بأنَّ الإيمانَ قولٌ واعتقادٌ -فقط-)؛ ماذا نقولُ الآن؟ هذا كلامُ الشَّيخِ الفوزان في ردِّه على الشَّيخ السِّيابي!

نقولُ: هذا غلطٌ!

لكن؛ هل نقولُ: الشَّيخ الفوزان مُرجئٌ لأنَّه اعتبر القولَ بأنَّ الإيمانَ قولٌ واعتقادٌ مِن أقوالِ أهلِ السُّنَّة؟ وإنْ قالَ -والأصلُ الذِي عليهِ جماهيرُ أهلِ السُّنَّة: أنَّ الإيمانَ قولٌ وعملٌ واعتقاد- هل نقولُ: هذا مِن الشَّيخِ الفوزان إِرجاءٌ؟ نحنُ نَقولُ: هذا غَلَط، كما أنَّنا نقولُ عن ذاك: إنَّه غلَط.

والحقُّ عندنا أَعلى مِن الجميعِ. نعم.



طباعة
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل

Powered by: MktbaGold 6.5