فقه الدعوة إلى الله .. محاذير وبدع دعوية 1

بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ

فِقْهُ الدَّعوةِ إلى اللهِ

(مَحَاذِيرُ وَبِدَعٌ دَعَويَّة)

(1)

إنَّ الحمْدَ للهِ، نَحمدُهُ، ونَستعينُه، ونَستغفِرُه، ونَعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفُسِنا، وسيِّئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِلْ فلا هادِي له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا الله، وحدهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، أما بعدُ:

فلقاءات الخير تتجدَّد، ويتجدَّد معها الإيمان، وتعظُم معها المحبَّة في الرَّحمن، ولا نزالُ مُتواصلين مُتواصين بالحق والصبر؛ تعظيمًا لهذا الأصلِ الذي هو مِن أعظم أصول النَّجاة: {وَالْعَصْرِ - إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ - إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر]، وفي سورةٍ أخرى، وآيةٍ أخرى -مِن كتاب الله- أضيف إلى هذا التَّواصي نوعٌ آخر: {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} [البلد: 17]؛ فالحق إذا لم يكنْ معه مَرحمَة، وعليه صبرٌ؛ فسرعانَ ما ينفلت عنه أصحابُه، ويتفلت منهُ أربابُه.

وكانت هذه الدَّورة المباركة الميمونة في ظروف -تَمرُّ بها الأمة- صعبة، وصعبة جدًّا؛ لكننا على ما نحن عليه؛ لا تغيِّرنا الظُّروف، ولا تكدِّرنا سوءُ الأحوال؛ وإنما نمشي ونسير على سَننِ الاستعانةِ بالله، والثَّبات على أمر الله -تَبارَك وتَعالَى-.

الموضوع الذي أنيط إليَّ الكلامُ حولَه: أُطلِقَ عليه: " مَحاذير وبِدع دَعَويَّة ".

وإذ قد خَصصنا القول في الدَّعوة -فيما يتعلق بالمحاذير والبِدع-؛ فلأن الدَّورة -كلَّها- متعلقة بالدَّعوة؛ وإلا فإن البِدع والمَحاذير التي تعيشها الأمَّة -جماعات وأفرادًا-وللأسف- كثيرة وكثيرة جدًّا.

لكن -كما قلتُ وأسلَفت- لِكَونِ ما نحن فيه موصولاً بالدَّعوة إلى الله؛ كان لا بُد مِن إلقاء ضوءٍ خاصٍّ على هذه الدَّعوة وما يتَّصلُ بها مِن محاذير وبدع.

وبين يديْ ذلك: لا بُد مِن مقدمة تنتظِم نقاطًا عِدَّة:

أمَّا أوَّلها وأهمُّها: فهو أن الدَّعوة إلى الله توقيفِيَّة؛ كما أن الأحكام الشَّرعية توقيفِيَّة، وكما أنَّ أسماءَ الله -تعالى- وصِفاتِه توقيفِيَّة، وكما أن أحكامَ الشَّرع -كلَّها- نحن فيها على سَننِ الدَّليل -لا نتجاوزُه، ولا نتعدَّاهُ ولا نتحدَّاه-؛ فكذلك الأمرُ فيما يتعلق بهذه الدَّعوةِ إلى الله.

فالدَّعوة إلى اللهِ توقيفِيَّة في وَسائلها، توقيفِيَّة في مسائِلها.

وقد يَعترِض بعضُ النَّاس، ويُشكِل عليهم إشكالاتٍ -لكنها ليست قائمة-؛ كأن يقولوا -مثلاً-: مكبِّرات الصَّوت.. المُسجِّلات.. الكمبيوتر، الكتب.. الدَّفاتر.. الأوراق .. ! فهذه جاءت عليها نصوصٌ عامَّة، ودخلت فيها أفرادُها، فأفرادُ العامِّ تَنتظمُه، وتدخلُ تحتَه، وتَندرج تحتَه. عندما قال النَّبي -عليهِ الصَّلاة والسَّلام-: " قَيِّدُوا العِلْمَ بِالْكِتابِ "؛ فتقييدُ العِلم بالكتاب صورةٌ مِن صُوَر العام، وفَرد مِن أفراده، فإذا قُيِّد العلم -لِحفظه- في مسجِّل، أو في كمبيوتر، أو في غير ذلك؛ لا يَخرج عن التَّقييد، ولا يتجاوزه إلى غيره.

وكذلك الحال في السَّماعات -أو الميكروفونات، والمكبِّرات- لها أصلٌ؛ لأن المقصودَ منها: الإبلاغ، والمُبلِّغ -باتِّفاقِ أهل العلم-عند الحاجة إليه- أمرُه قد يصلُ إلى الوُجوب، والآثار عن السَّلف -في ذلك- متعدِّدة.

فإذا كان التَّبليغ بالصَّوت الإنساني، وإذا كان التَّبليغ بالجهاز الذي يَنقل الصَّوت؛ هذا -كلُّه- لا يُعارِض الأصلَ الذي نحنُ في صَدَدِ تقريرِه؛ وهو: أن الدَّعوة إلى الله -في وسائلها، وفي مسائلِها- توقيفِيَّة.

ومن أهم الأدلَّة على ذلك: ما وصف الله -تعالى- به نبيَّه -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- في كتابِه العزيز، في قوله -تعالى- في وصف نبيِّه محمدًا -عليهِ الصَّلاة والسَّلام-: {وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ} [الأحزاب: 46]؛ فالدَّعوة إلى الله متوقِّفة على الإذن، وعلى الأمر، وعلى المُباشرة بالفعل التَّابع لهذا الإذن. أما أن لا يكون -هنالك- إذن، ثم أن تكون الدَّعوة نَهَبًا للآراء والأذواق والمواجيد، والأفكار والاجتهادات؛ فسيكون -هنالك- من المفاسد والبلايا ما لا يعلم قَدْره إلا الله رب العالمين.

ولأخينا الشَّيخ عبد السَّلام بن برجس رسالة مفردةٌ في إثبات أن وسائل الدَّعوة إلى الله توقيفِيَّة.

ولا اعتراض صحيح فيمن تصوَّر أن بعض الأمورِ المستحدَثة التُّكنولوجية؛ نحن نجيزُها ونسوِّغها في الوقت الذي نقول فيه إن الدعوة إلى الله توقيفِيَّة. بيَّنَّا أنه لا تعارض في ذلك البتة.

النقطة الثانية: متعلقة بخطورة البِدع، وأن السُّكوت عنها، أو التَّهاون بها يُضفي عليها ثوبًا من الشَّرعية، ويُسدِل عليها لَبوسًا من الإقرار، ونحن لَسنا إلى هذا، ولَسنا إلى ذاك، ليست البِدع -مهما صغرت أو كبرت- شرعيَّة، وليست هي مُقرَّة في الشَّرع.

والنُّصوص على ذلك -أيضًا- متكاثرة؛ لكنني أذكر أثرًا عن ابن مسعود -رضي الله-تعالى-عنه- يقول فيه: " كيف أنتم إذا لبِستكم فِتنة؛ يَربُو فيها الصَّغير، ويَهرَم فيها الكَبير، ويتَّخذُها النَّاس سُنَّة، حتى إذا تُركت؛ قيل تُركت السُّنَّة "، قالوا: ومتى ذاك يا أبا عبد الرَّحمن؟ قال: " إذا كَثُرت قُرَّاؤكم وقلَّت فُقهاؤكم، وكثُرت أمراؤُكم وقلَّت أُمناؤكم، وتُفُقِّه لغير الدِّين، والتمستْ الدُّنيا بعملِ الآخرة ".

سُكوت النَّاس مِن أهل الثقة عن بيان الخطأ، عن دحض الفتنة؛ يَقْلِبها -عبر التَّاريخ- إلى سُنَّة -في تصوُّر النَّاس، وفي أذهانهم، وفي مُخيَّلاتهم-؛ لذلك كان لا بُدَّ من البيان -ولو في أدنى نِطاق، وفي أقلِّ مجال-؛ لأن اللهَ -عزَّ وجلَّ- لم يوجِب علينا أن يكون بيانُنا تامًّا في الخلق! هذا لا يمكن! حتى ما أمر الله -تعالى- به نبيَّه -عليهِ الصَّلاة والسَّلام- في بداية الأمر: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] ثم بعد ذلك توسَّع النَّبي -عليهِ الصَّلاة والسَّلام- في الدَّعوة إلى الله -تَبارَك وتَعالَى-.

إذًا: علينا أن نُبيِّن، وأن لا نسكت؛ لكن: بالعِلم والحِلم والبصيرةِ والحُجة النيِّرة المُنيرة، مِن غيرِ مُصادَمة، ومِن غيرِ مُواجهة تكون مفاسِدُها أشد وأنكى مِن مَصالحها؛ بل تكون مفاسدُها المتيقَّنة أشد بألفِ مرَّة مِن مصالحها المتوهَّمة والمظنونة.

ومِن هذا الباب: كلمة الإمام البَربهاري التي نقلها عنه الإمامُ ابن رجب، وغيره مِن أهل العلم، قال: " واحذَرْ صِغار المحدَثات؛ فإنها تعظُم وتَكبر حتى تصيرَ كِبارًا "؛ تبتدئ بشيء صغير، ثم تكبر وتعظم.

وأثر ابنِ مسعود في مسجد الكوفة، وقصته مع أبي موسى الأشعري: عندما مرَّ على الحِلَق الذين كانوا يُسبِّحون بالحصى، قال: " عُدُّوا سيئاتِكم وأنا ضامنٌ أن لا يضيعَ مِن حسناتكم شيء "، قالوا: لم نُرد بذلك إلا الخير! قال: " وكم مِن مريد للخير لن يصيبَه "! رواي الحديث يقول: رأيتُ عامةَ أولئك الحِلَق يوم النَّهْروان يُطاعنوننا مع الخوارج!

بدعة توهَّموها صغيرة، واستسهلوا شأنها؛ فكبرت وعظمت، حتى وصلت إلى سُويداء القلوب فأفسدتها وسوَّدتها، وأظلمت فيها أشدَّ الظُّلم وأظلمه.

القضيَّة الثَّالثة: أن الواجب سُلوك منهج الأنبياء في الدَّعوة إلى الله -تَبارَك وتَعالَى-.

وهذا المنهج هو المنهج الذي ارتضاهُ الله -تعالى- لنبيِّه -عليهِ الصَّلاة والسَّلام-؛ عندما ذكَر اللهُ -تَعالَى- الأنبياء ومنهجهم في كتابِه؛ ماذا قال؟ {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام: 90]، {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] عبادة، وتوحيد، وبُعد عن الشِّرك والبِدعة، {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108]؛ كلها تأصيل لسلوك منهج الأنبياء في الدَّعوة إلى الله المبنيِّ على العِلم والحِلم والبصيرة والحُجة والإِذن في كل حَركة وسَكْنة، في كلِّ قولٍ وفِعل، لا يَستعجلون ولا يتعجَّلون، وكيف ذلك يَكون وهم -مَن هم!- قد هيأهم الله -تعالى- لحمل الرسالة، وأداء الأمانة.

كذلك أهل العلم فيهم جزء مِن هذا الاصطِفاء، كما قال النَّبي -عليهِ الصَّلاة والسَّلام-: " مَن يرِدِ اللهُ به خيرًا يفقهه في الدِّين "؛ إذًا: الأمر متعلق بإرادة الله؛ فهو نوع مِن الاصطفاء؛ لذلك جاء الربط بين العلماءِ والأنبياء، ماذا قال النَّبي -عليهِ الصَّلاة والسَّلام-؟ " العُلماءُ وَرَثة الأنبياء، وإن الأنبياءَ لم يُوَرِّثوا دِرهمًا ولا دينارًا؛ وإنما ورَّثوا العلمَ النَّافع ".

فسلوك أهل العلم في الدَّعوة إلى الله ينبغي أن يكون على نسَق الأنبياء، وبخاصة سيِّدهم ومقدَّمهم رسولنا محمدًا -عليه أفضلُ الصَّلاةِ وأتمُّ التسليم-.

النقطة الأخرى: واجب العلم والبيان.

الله -تَبارَك وتَعالَى- أخذ الميثاق على أهل العلم {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: 187]؛ فواجب البيان فيه تأصيل لسلوك منهج الأنبياء، فيه تأكيد على أن الدَّعوة إلى الله توقيفيَّة، فيه تثبيتٌ لمقدارِ خُطورة البِدع والحد مِن هذه الأخطار التي تتهدَّد الأمة -ولا نشعر به-.

ما تواجهه الأمة من أخطار الاقتصاد والسِّياسة -والله- إنه عُشر معشار ما يتهدَّدها من أخطارها الدِّينية والعقائديَّة؛ لأن السِّياسة -وما حولها- تدور، دُوَل؛ {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140] لكن الحق هو الذي يَثبت، وهو الذي يبقى؛ {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} [الرعد: 17] فالحقُّ هو الباقي، وما سواه يَثبُت بقَدر تمسُّكه بالحقِّ وصِلته به؛ أما بُعدُه عنه، واجتنابُه له؛ فهو طريق التَّسريع له في مَزيدٍ مِن الغواية والانحِراف والعَماية والضَّلالة -عياذا بالله-تَبارَك وتَعالَى-.

لذلك كان مِن مشهور كلمات أهل العلم: " لَولا أصحابُ المَحابِر، وحَمَلةُ الدَّفاتر؛ لخطبتِ الزَّنادقة على المنابِر"؛ لولا بيانُهم وتحذيرُهم، لولا قولُهم وصَدْعُهم؛ لاختلطَ الحابلُ بالنَّابل! كما قال الإمام أحمد وقد جاءه بعضُ أصحابه، يقولون: (نحن -الآن- في فتنة لو نسكت قليلا)! وهذا أشبه بالمثَل الذي نقرأه -أيضًا-هنا وهنالك- يقولون: (إذا جاءت فتنة معينة؛ لا بد من الانحناء بين يدي العاطفة)! هذا ليس صوابًا دائمًا؛ قد يكون صوابًا بظرف معين، وبضوابط معينة.

عندما جاء هذا الرجل إلى الإمام أحمد يقول له هذه الكلمة؛ ماذا كان جوابُه؟ قال له -رحمهُ الله-: " إذا سكت أنت، وسكت أنا؛ فمتى يتعلَّم الجاهل؟ " واجب، حِمل ثقيل، أمانة {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72].

إذًا: هذه الأمانة في ثِقَلها، وفي كِبَر شأنها؛ أولى النَّاس بحَملها -فعلًا وعملًا وتصوُّرًا واعتقادًا- هم الأنبياء، ثم العُلماء، ثم الدُّعاة السَّائرون على نهج هؤلاء وأولئك.

فواجب العلم والبيان مهم ومهم جدًّا؛ لصيانة هذا الدِّين، وحماية هذا الحقِّ اليقين؛ كما قال النَّبي -عليهِ الصَّلاة والسَّلام-: " يَحملُ هذا العلمَ مِن كلِّ خَلَفٍ عُدُولُه؛ يَنفون عنه تحريفَ الغالِين، وانتحالَ المُبطِلين، وتأويلَ الجاهِلين "، والعِلم هو الدِّين؛ كما قال ابنُ سِيرين: " إن هذا العلمَ دِين؛ فانظروا عمَّن تأخذون دِينَكم " لماذا قال: " انظروا عمَّن تأخذون دِينَكم "؟ حتى لا يكون هذا الأخذ سبيلاً للتَّضليل، وسبيلاً للتَّلبيس؛ فالنَّاس -اليوم- تثق بكل ذي لِحيةٍ! تثق بكل مَن يتكلَّم في الدِّين -حتى لو لم يكن له لحية!-! يأنسون ويَستأنِسون؛ هذا إنسان يخاف الله ويتَّقيه! هذا إنسان يتكلَّم بالشَّرع! وليس عند العامَّة منهم -وكثيرٍ مِن الخاصَّة- الضَّوابط الشَّرعية التي يُميِّزون بها صدقَ هذا القول أو كذبه، صوابَه أو خطأهُ، هُداه أو ضلاله؛ إلا بذلك الأصلِ الذي نحنُ في صدد بيانِه والدَّندنةِ حولَه؛ وهو وُجوب البيان على نهجِ سُلوك سبيل الأنبياء جميعًا -عليهم أفضلُ الصَّلاة وأتم التَّسليم-.

وهذا البيان، وهذا التحذير، وهذه المحاذير، وهذه البِدع؛ تلتقي -تمامًا- ذلك الحديث المرويَّ في "الصَّحيحين": عن حذيفة بن اليمان -رضي الله-تعالى-عنه-، قال: (كان أصحاب رسول الله -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- يسألونهُ عن الخير، وكنتُ أسأله عن الشَّر؛ مخافةَ أن يُدركَني) ...

العِلمُ مَعرفةُ الهُدى بِدَليلِهِ ...

الضِّدُّ يُظهرُ حُسنَه الضِّدُّ ... وبِضدِّها تتميَّزُ الأشياءُ

من كلمة التَّوحيد فما دون؛ كل ذلك فيه -إن جاز التعبير- سالب وموجب: (لا إله إلا الله)، واجبات الصلاة، أركانها، نواقضُها، السُّنة وجوبًا وتعلمًا وتعليمًا، والبِدعة تحذيرًا واجتنابًا . . وهكذا في كثير؛ بل في كل قضايانا الشَّرعية الإسلاميَّة؛ يجب أن نفهم الأمور بأضدادِها؛ لأننا إذا لم نعرف الضِّد . . كما ذُكر عن الإمام عبدِ الله بن الإمام أحمد أنه علَّم ولدَه عبد الله الآلاف المؤلَّفة من الأحاديث، ثم قال له: (انتبيه! هذه -كلها- أحاديث لا تصِح ولا تثبت! الآن نبدأ بتعليمِك الأحاديث الصحيحة)!

لا بُد من معرفة الباطل ومعرفة الحقِّ؛ حتى لا تختلط الأمور، وحتى لا تتداخلَ الحقائق -بأضدادِها وأغيارها-؛ أمَّا إذا أخذنا جانبًا -فقط- كما هو -يعني- موجود ومقرَّر -الآن- في كثيرٍ من المدارس الفكريَّة والدعويَّة والحركيَّة، يقولون: (نحن لا نتكلَّم إلا بما عندنا مِن الحق، ولا نذكُر الباطل، ولا نذكر الخطأ)! ويقولون: (أميتوا الباطلَ بِهجرِه)!!

(أميتوا الباطلَ بِهجرِه) -على فرض صحَّة هذه العبارة-: لها مَوضعُها، ولها موقعُها، ولها حيويتها -وُجودًا وعدَمًا-. ومَن ذا الذي يُقرِّر (أميتوا الباطلَ بِهجرِه) والرَّسول -عليهِ الصَّلاة والسَّلام- مكث بضعةَ عشر عامًا وهو يُعلِّم النَّاس التَّوحيد، ويحذِّرهم من الشِّرك، يُعظِّم في قلوبهم الإيمان، ويُحذِّرهم من الأصنام والأوثان.

الرَّسول -عليهِ الصَّلاة والسَّلام- في حياتِه -كلِّها- وهو يُكرِّر خطبة الحاجة على أسماع الصَّحابة؛ لتنغرسَ في قلوبهم وعقولهم: " وخير الهدي هديُ محمَّد، وشَرَّ الأُمورِ مُحدَثاتُها "؛ بيَّن لهم الحق وحذَّرهم مِن الباطل، بيَّن لهم السُّنة وحذَّرهم من البِدعة، بيَّن لهم التَّوحيد وحذَّرهم من الشِّرك، بيَّن لهم الصَّواب وحذَّرهم من الخطأ... وهكذا.

هذه هي مدرسة الحقِّ الذي -نحن- نتفيأ ظلالَه، ونَذكُرُه، ونُذكِّر به إخوانَنا وأنفسنا -آناءَ الليل وأطراف النهار-ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً-.

النقطة الأخيرة في هذا المدخل: أن هذه المحاذير والبِدع تختلف باختلافِ الزَّمان والمكان؛ وجودًا وعدمًا مِن حيث الأصل، أو كثرةً وقلةً من حيث الوجود والاعتبار.

فنحن نقرأ في كتب العلماء المتعلِّقة بالبِدع والتي تَذكرها وتُحذِّر منها؛ مثل: " تلبيس إبليس "، مثل: " الاعتصام "، مثل: " اقتضاءِ الصِّراط المستقيم "؛ هذه كتب أصول مِن أصول أهل العلم؛ نقرأ لهم بعض البِدع التي ذَكَروها وحذَّروا منها -سواء في الدَّعوة -خصوصًا، أو على وجه العموم- لا نراها، أو لا نرى بعضها -على الأقل-؛ لماذا؟ لهذا الملحَظ الذي ذَكَرتُه وأشرتُ إليه؛ وهو: أن وجود البِدع وانتفاءَها، أن وجود بعضِ هذه المحاذير أو عدمها، أن كثرتَها أو قلَّتها؛ كل ذلك يكون بِحسَبِه -زمانًا ومكانًا-؛ فما قد يوجد في بلادِ الشَّام قد لا يوجد في مصر، وما يوجد في مصر قد لا يوجد في الحجاز، وما يوجد في الحجاز قد لا يوجد في المغرب العربي، ما وُجد في هذه السَّنوات لم يكن موجودًا قبل عُقود قليلة، وما هو موجود الآن قد لا يكون بعد سنوات يسيرة . . هكذا.

هنالك عوامل متعدِّدة لهذا التغيير، ولهذا التَّبديل، لهذا الوجود -قلة أو كثرة-، لهذا العدم والانتفاء -حينًا-، وهذا الوجود -أصلًا- حينا آخر.

وهذا يجعل القضية فيها ملحظ دقيق.

يعني أنا أضرب مثالًا -وذكرتُه غير مرة-: في عصر الإمام أحمد كانت هنالك بدعةٌ عُظمى تصدَّى لها الإمام بقوَّة، وصبَر، وثبت؛ بينما غيرُه -ممن لا يقلُّون عنه-إمامةً وعلمًا ومكانةً- لم يثبتوا وأخذوا بالرُّخصة، هو لم يأخذ بالرُّخصة؛ وإنما ثبت على العزيمة؛ حتى لُقِّب -بحق-: (الصَّابر في المحنة، والثَّابت في الفِتنة) -رحمه الله- الإمام المبجَّل أحمد بن حنبل.

حتى الإمام أبو الحسن الأشعري -الذي له-الآن- مدرسة طويلة عريضة في العقائد وفي الفِرَق والتَّوحيد- في كتابه: " مقالات الإسلاميِّين " عندما ذَكَر مقالة أصحاب الحديث في العقيدة، قال: (وهذا هو قول الإمام المبجَّل أحمد بن حنبل، ونحن بِقَولِه قائلون)؛ فصار تبعًا له؛ لكنَّها تبعيَّة الحقِّ والحُجة، ليست تبعيَّة التَّقليد والتَّعصب مما هما مِن المحاذير والبِدع التي سنتكلَّم عنها.

إذًا: الذي كان في عصر الإمام أحمد قد لا يوجد اليوم.

الآن: لو أن أحدًا من النَّاس عقد درسًا -أو دروسًا- يتكلَّم فيها عن فِتنة خلْق القرآن؛ ماذا سيقول أقرب النَّاس إليه، وأدنى النَّاس منه، وأحب النَّاس إلى قلبِه ومنهجه؟ سيقولون: هذه معلومات قديمة، وليس لها وجود حاضر -على الأقل في بلادِنا-! قد توجد هذه في عُمان.. في بعض أطراف الجزائر حيث يوجد المناوئ -في فكرة، أو قضية- فيناقَش ويُرَد عليه؛ لكن هذه البلاد ليس هذه هي الفتنة فيها.

شيخ الإسلام ابن تيميَّة -في عصره- كان واقفًا وقفة عظمى في الرَّد على الأشاعرة، وبخاصة مسألة الصِّفات -صفات الباري-، وألَّف فيها كتبًا كثيرة، يرجع فيها ويدور إلى أصلٍ واحد وثابت -كذلك تلميذُه الإمام ابن القيم-: " دَر تَعارُض العقل والنَّقل "، " الصَّواعق المرسَلة "، " بيان تلبيس الجهميَّة ".. وهكذا كتب كثيرة في هذا الأصل، مجلدات، وفتاوى كثيرة.

انظروا كم لشيخ الإسلام من قاعدةٍ في مسألة كذا: " الفَتوى الحمويَّة "، " العقيدة الواسِطيَّة "، " القاعدة المراكشيَّة " . . كل هذه -من الشرق والغرب- تأتيه وهو [27:50] في القلوب والعُقول، كلُّها في باب الأسماء والصفات، لم يقل لهُ أحد: (لقد أكثرت)! لأنه هو الذي يُقدِّر، هو العالِم، هو الذي يقدِّر مدى الحاجة، ومِقدار المصلحة في بيان هذه المحاذير والبِدع التي هي عَقائديَّة -من جهة-، ودَعويَّة -مِن جهة أخرى-؛ لارتباطها في واقع النَّاس وحياتِهم ومعاشِهم، وصِلَتِها بمعادِهم عند ربِّهم يوم القيامَة.

فالأمر في باب المحاذير والبِدع قائمٌ على خمسةِ أُصول:

أولها -تلخيصًا-: بيان أن الدَّعوة إلى الله توقيفِيَّة.

ثانيها: خطورةُ البِدع.

ثالثها: سُلوك سبيل الأنبياء ومنهجهم.

رابعها: واجبُ البيان لأهلِ العِلم.

وخامسُها: تغيُّر مقادير هذه المحاذير -وجودًا وعدمًا، قلةً وكثرةً- بحسب الزمان والمكان.

والأمثلة عليها -في الحقيقةِ- كثيرة.

أما هذه المحاذير؛ فسبحان الله! -يعني- وأنا أنظر وأجمع همَّتي فيها -يعني- ذكرتُ بالقَلم -هكذا- منها، واجتمع لدي منها نحو مِن عشرين، وهي -طبعًا- قابلة للزِّيادة، وقابلة للجَمع والفَرق -كما يُقال-، وقد لا يتنبَّه البعضُ إلى واحدة، أو لا يتفطَّنون لها؛ بينما يتفطَّن الآخرون؛ بل قد يكون الذي بين أيديكم ويتكلَّم معكم غافلاً عن شيءٍ يُنبِّهُه عليه إخوانُه وأحبَّاؤه؛ الدِّين تَواصٍ وتواصُل -ولله الحمد- واعتصام، وذِكر وتذكير وتَذكُّر، ونحن عليه، ونسأل الله حُسن الختام.

وأنا رأيتُ أن أهم وأعظم هذه المحاذير والبِدع في العصرِ الحديثِ: (الحزبيَّة)؛ لأن الحزبيَّة -اليوم- أصبح لها أعلامُها، وأصبح لها مدارِسُها، وأصبح لها حُضورُها، وأصبح لها المدافِعون عنها، فالأمر فيها ليس سَهلًا، وليس يَسيرًا.

ولئن كانت هذه الحزبيَّة في شأن مِن شؤون الدنيا؛ لسَهُل الأمر -كما لو فُتح سوق خضار، أو سوق ملابس، وما أشبَه-؛ لكن أن تكون هذه الحزبيَّة مرتبطةً بالشَّرع والدِّين والدَّعوة إلى دِين ربِّ العالمين، ثم تُلبَس لَبوسَ الحق، وتُزيَّن بزينةِ الشَّرع؛ فهنا المصيبةُ العُظمى!

ويكفي في بيان خطر الحزبيَّة والتَّحذير منها: أن الله -تَبارَك وتَعالَى- يقولُ في كتابِه: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}، قال: {بِحَبْلِ اللَّهِ}، وأمر بالاعتصام، ثم ختمَ بالنَّهيِ عن التَّفرُّق؛ مع أن الاعتصام -وحدَهُ- دليلٌ على عدمِ التَّفرُّق؛ لكنْ زيادةً في التَّثبيتِ والتَّوكيد وتعميقِ الفِكرة في القُلوب والعُقول، ليس -فقط- في الأسماع -لتدخل مِن هنا، وتخرج مِن هناك؛ كالأقماع- لا؛ وإنما مِن باب التَّثبيت والتَّأكيد؛ لتصلَ القُلوبَ والعقول، وأكاد أقول: قبل أن تصلَ إلى الأسماع.

{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} انظروا -أيضًا- التَّوكيد بـ {جَمِيعًا}، والاعتصام لا يكون إلا بالجميع؛ مُؤكِّدات -واحدة، وثانية، وثالثة، ورابعة- في آيةٍ واحدةٍ -لا تكاد كلماتُها تكون خمس كلماتٍ، أو سِت كلمات-! وهذا مِن إعجاز النَّظم القرآني في كثيرٍ مِن آياته، وكثير مِن كلماته.

بينما نرى أن الحزبيَّة المعاصرة منذ أن انبثق نارُها -في أوائلِ هذا العصر- نَرى أنها لا تقومُ على الاعتصام بحبلِ الله؛ وإنَّما تقومُ على مواثيق الحِزب، ولوائِحه الداخليَّة؛ فلا يَنظرون إلى الفرد بِمقدار طاعته لله، أو مقدار التزامِه بكتاب الله، أو اتِّباعه سُنَّةَ رسولِ الله -صلَّى الله عليهِ وسلَّم-؛ وإنما يَنظرون إليه بمقدارِ مُوافقتِه للحزب، ومتابعتهِ لأفكارِه، وإخلاصه في الدِّفاع عنه -حتى ولو كان ذلك -وللأسفِ!- بخلاف الحق-!

وهذا ما نلمسُه لَمس اليدِ -ولا أريد أن أقول: نَراهُ رأيَ العين!-، نلمسُه لمسَ اليد؛ لخطورتِه وآثارِه.

بل إنك ترى صُوَر هذه الحزبيَّة المَقيتة -أحيانًا- في بيت الله! تضع كتفَك بكتف أخيك، وقدَمك بقدمِه، ثم إذا به إذا دخل أو خرج كأنك ساريَة مِن سواري المسجد؛ لا يُسلِّم عليك! لأن الأوامرَ صدرتْ: (لا تسلم على فلان)! فهو لا يخالف؛ لأنه (إذا اعترض انطرد)؛ هذه قواعدهم -لا مجال-؛ تنفذ أوامر الحزب ولو خالفتْ أوامرَ الربِّ -جلَّ وعلَا-.

ولئن كان أهلُ العلم السابقون قد ردُّوا ونقضُوا ونَقدوا وانتقدوا الحزبيَّة المذهبيَّة -إن جاز التَّعبير- وإن كان علماء تلكم المذاهبِ في تلكم الأزمان أئمة، وكبارًا وعلماء؛ لكن لأنهم تقوقَعُوا في إطار لا يَخرجون عنه، ولا يُغادِرونه -حتى غدا ذلك نوعًا مِن أنواع التَّحزب- نَهوا عنه، وحذَّروا مِنه؛ فما بالنا -الآن- التَّعصب لرؤوس الجهَّال؟!

وأنا تابعتُ -قريبًا- بعضَ الأحزاب المنتسبة إلى الإسلام، وما يُسمَّى: (الانتخاباتِ الداخليَّة) -في الجرائد؛ هذا الخبر الذي سأقوله من أخبارِ الصحف والجرائد؛ ليس سرًّا، ولا أمرًا مَخفيًّا-؛ فنظرتُ وتأملت في قضية رأيتُها خطيرةً -على خطورتها في أصلِها-: هذا الحزب كان القائمون عليه مِن أصحاب الشَّهادات الشَّرعية، ومِن حملةِ الألقابِ العلميَّة -وكيفما كان الأمر؛ وجودُهم على هذا النَّسَق أهوَن من عدمِه-؛ فإذا بالأمور كأن فيها سحبًا لبِساطٍ مِن تحت أقدامهم! يأتي طاقم جديد، بانتخاباتٍ جديدة، بأسماء جديدة، ليس فيهم واحدٌ مِن أصحابِ الشَّهادات الشَّرعية، أو الألقابِ العِلميَّة، أو الملَكة الفِقهيَّة -حتى لو كانت في حدٍّ أدنى مِن حدودها-.

هذا يدلِّل أن الحزبيَّة تتعمَّق، وتُزيل ما في طريقِها -مما قد يُكدِّر عليها، ويكرِّس بعضَ المفاهيم المخالفة لها-، وحصل هذا الانقلابُ الأبيض -إن جاز التَّعبير-، الانقلاب الحرَكي والفِكري على أناس كان ممكن -في يوم من الأيام- أن يقولوا: (هذا حرام) -وإن كانوا يقولونها بِنُدْرة-؛ لكن -الآن- لا يوجد مَن يقول! أصبحت القضية سياسيَّة محضة! بعيدةً عن الشَّرع -ولو في ملامِحه العامَّة، ولو في نمطِه الظَّاهر- بعيدًا عن حقائقِه الباهِرة.

فلئن كانت الحزبيَّة ممقوتةً إذا كانت مُرتبطةً بالعلماء؛ فإنها أشدُّ مقتًا، وأعظمُ بلاءً، وأشد تنكيلًا إذا ارتبطتْ بالجُهَلاء.

وفي هذا القدر كفاية.

وصلى الله على نبيِّنا محمدٍ ...


طباعة
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل

Powered by: MktbaGold 6.5