فقه الدعوة إلى الله .. محاذير وبدع دعوية 2

فِقْهُ الدَّعوةِ إلى اللهِ

(مَحَاذِيرُ وَبِدَعٌ دَعَويَّة)

(2)

إنَّ الحمْدَ للهِ، نَحمدُهُ، ونَستعينُه، ونَستغفِرُه، ونَعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفُسِنا، وسيِّئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِلْ فلا هادِي له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا الله، وحدهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، أما بعدُ:

فإنَّ أصدقَ الحديثِ كلامُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ مُحدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضَلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النَّارِ، أمَّا بعدُ:

فلا يزال كلامُنا موصولًا في المحاذير والبِدع التي اشتملت عليها بعضُ الدَّعوات، وكان واجبًا التَّحذيرُ منها، وكشفُ أمرِها -مِن بابِ البيان، والميثاق- ببيانِ هذا الواجبِ المُناطِ في أعناق أهل العِلم وطلَّابه؛ حتَّى يتنبَّه المسلمون، وحتَّى يَحذَر المسلمون ولا يختلطَ عليهم الباطلُ بالحقِّ، ولا يلتبسَ عليهم الحقُّ بالباطل.

هنالك ثلاثةُ مَحاذير -أُخرى- تَرتبط بالحزبيَّة، وهي أوَّل المحاذير -في هذا العَصر- وأشدُّها.

ولقد ذكرنا -في مجلسِ أمسِ- أن التَّعصُّب -قديمًا- كان لِعُلماء، وكان مذمومًا؛ فكيف إذا كان حالُه وواقعُه مُرتبطًا بالجُهلاء، وموصولًا بمَن ليسُوا أهلًا للعِلم ولا للتَّعليم! فإن المصيبةَ تكونُ أشدَّ وأنكَى!

هذه المحاذيرُ المذكورة وهي الَّتي تُحيط بالتَّقليد كأضلاع المثلَّث -مِن كل جانب-؛ أوَّلها: هذا الذي أشرتُ إليه -أخيرًا-: وهو التَّعصُّب. فترى المقَلِّد مُتعصِّبا، ولا يمكن أن يكون المُقلِّدُ إلا مُتعَصِّبا -وإلا ما كان مُقلدًا-؛ لهذا قال الإمام أبو جعفر الطَّحاوي: "لا يقلِّد إلا جاهل أو غَبي"! فماذا تظن هذا الجاهل الغَبي فاعلًا غير التَّعصُّب الذي يُواري به سوأته، ويُغطِّي -من خلاله- عورته! لا يستطيع إلا ذلك!

وأما الأمر الثَّاني: فهو التَّقليد. فهذا المُقلِّد لا يرى إلا بعينيْ مُقلَّدِه، ولا يسمع إلا بأذنيه؛ بل تُحرِّكه الأوامر الحزبيَّة مِن غير أن يُعمِل فيها فكرًا، ولا يجيل فيها نظرًا -لا في قريب ولا في بعيد، ولا في قليل ولا في كثير-.

وأما الأمر الثَّالث: فهو البَيْعة الحزبيَّة التي يُكبِّل فيها الحزبيُّون أتباعَهم، ويقيِّدونهم، ويكمِّمون أفواهَهم؛ وبالتَّالي: فإن هذه البَيْعةَ صُورتُها وصفتُها كبَيْعة النَّبيِّ -عليهِ الصَّلاة والسَّلام- للصَّحابة؛ يقولون -مُبايعين أمراءَهم-: " نُبايعك على السَّمع والطَّاعة، في المنشط والمكرَه، والعُسْر واليُسر "، ثم يَتناقَضُون زاعِمين أن هذه البَيْعة جزئيَّة وليست كليَّة! إذا كانت هذه البَيْعة جزئيَّة وليست كليَّة؛ فما الفَرق بينها وبين البَيْعة الكليَّة، واللَّفظ واحد، والعهد المترتِّب عليها واحد؟!! لا شك، ولا رَيب أن هذا -كلَّه- مِن باب التَّلاعب بالألفاظ!

ويتلاعبون بالألفاظ حينما نراهم يُسمون هذه البَيْعة عهدًا؛ فيقولون: هذا عَهد، وليس بَيْعة، وربُّنا أمر بالإيفاء بالعهود!

الإيفاءُ بِالعُهود ليس مُتعلِّقًا بأمرٍ له صِلة بالشَّرع، وُجد المقتضِي له في عصرِ النُّبوة، وفي عصر الأئمة؛ أئِمَّة القرون المَشهود لها بالخَير، ثم لَم يُفعَل ذلك بِانتِظار أن يَفعلَه فاعِلون، أو أن يتلبَّس به متلبِّسون! ليس الأمر كذلك!

ثمَّ هذه البَيْعة -التي لا يُراد مِن ورائِها إلا تَكريس الحزبيَّة، وتَكريس التَّقليد، وتكريسُ التَّعصُّب، لا يُراد مِن ورائها إلا ذلك-؛ نقول: هذه البَيْعة؛ هل مَسموحة لهذه الجماعة الفُلانيَّة -فقط-؟ أم هي مسموحة للجماعةِ الفُلانية وما قبلها وما بَعدها مِن جماعات حتَّى ولو بَلغت عشرًا -مِن الجماعات-، أو ثلاثين، أو مائة، أو ألف جماعة؟ إذا قالوا: هذه لنا -فقط-؛ فنقول: بأيِّ دليلٍ؟ وأي حقٍّ؟ ولا يوجد نصٌّ يستثنيكم مِن عمومِ النَّاس -لا بِالإذنِ، ولا بالمنع!-، فإن قالوا وعقِلوا: هذا لنا ولغيرنا؛ فهذا -لا شكَّ، ولا ريبَ- فتحٌ لبابٍ مِن الشَّرِّ والتَّفرُّق المناقِض لآيةِ الاعتِصام المذكورة -قبلًا- بصورةٍ مباشرةٍ مِن باب (الصَّدر بالصَّدر).

ويكفي -سوءًا وضلالًا- لِتصوُّر كُنهِ حقيقة هؤلاءِ المنحَرِفين في حزبيَّتهم وتعصُّبهم وتَقليدهم وبيعتِهم: أن نَنظر إلى ثمرةِ ما يزعُمون وما يدَّعون.

لذلك؛ مِن آثارِ بني إسرائيلَ المرويَّة عن عيسى ابن مريم -عليه الصَّلاةُ والسَّلام- أنه حذَّر حواريه قائلا: " إنَّه سيكون أنبياء كَذَبة "، قالوا: كيف نعرفهم؟ قال: " مِن ثِمارِهم تَعرِفونهم ".

فلننظر إلى ثمرة ناضجة يكون أثرُها قائمًا على الوِحدة والتَّوحيد والتوحُّد والاتِّفاق؛ ولننظر إلى ثمرةٍ -أخرى- فِجَّة؛ نراها قائمةً على التفرُّق والتشرذُم والتشتُّت والتمَحوُر؛ بحيث لا تخرج جماعة إلا وتتلوها أخرى، ولا تخرج فرقة إلا وتنبع منها ثانية! وهذا مما يُخالف مقاصدَ الشَّرع، ومما يخالف نصوصَ القُرآن وأحاديثَ رسول الإسلامِ -عليهِ الصَّلاة والسَّلام-.

فالبَيْعة الحزبيَّة -التي تُقام في الجماعاتِ- مِن شَرِّ البِدع؛ لِما ذكَرنا مِن تَفتيتٍ وتشتيتٍ للأمَّة -مِن جهة-، ومِن تَقييد وتَكبيل للعُقول -أعني: عقولَ الأَتباع -مِن جهةٍ أخرى-.

ولكن هنا مسألة لا بُدَّ مِن بيانها؛ حتَّى لا تختلط المسائل ببعضها بعضًا.

نحن نفرِّق بين بَيْعات الدُّوَل وبين بيعات الجماعات، وهذا التَّفريق ذَكَرهُ شيخُ الإسلام ابنُ تَيميَّة، وذكره الشَّوكاني، وذكرَهُ الصَّنعاني، وذَكَره صدِّيق حسَن خان، وذَكَره محمَّد رشِيد رِضا، وذكَره عُلماء سابِقون -مِن قبلُ، ومِن بعد-؛ فالنَّاظر في تاريخِ الإسلام -منذُ عُصوره الأولى- يَرى أن هنالك دُوَلًا في الشَّرق ودُوَلًا في الغرب: بينما دولة المماليك قائمة؛ كانت -هنالك- دولة المرابِطين في الغرب -دولة المماليك في الشَّرق، ودولة المُرابطين في الغرب-، بينما دولة العباسيِّين في الشَّرق؛ رأينا دولة الموَحِّدين، كما المُرابِطين، كما الصَّمادِحة، وغيرها مِن الدُّول كثير منتشرة، وأحيانًا أكثر مِن دولة؛ في الشَّرق كانت دولة وفي اليمن؛ في مِصر والشام دولة، وفي اليمن دولة أخرى؛ هذه دولة إسلاميَّة؛ لها قيادتُها، ولها بَيعتها، ولها أميرُها، وهذه كذلك.

الذي ذَكَره شيخُ الإسلام ابن تَيميَّة: أن هذا خلافُ الأصل، وأن الأصلَ أن يجتمع المسلمون -جميعًا- على إمام واحد وفي بَيْعةٍ واحدة؛ لكن إذْ قد وُجد الأمر على هذا الحال، وكان الاتِّفاق والتواؤُم قائمًا بين هذه الدُّول في هذه البَيعات وهؤلاءِ الأمراء؛ فهذا لا شك أنه جائز؛ لحال الضَّرورة المفروضة.

لكن: لو نوزِع سلطانٌ بِسلطانه -مِن آخر-؛ حينئذٍ: نأتي إلى مثلِ قولِ النَّبي -عليهِ الصَّلاة والسَّلامُ-: " فُوا -أي: أوفوا- ببَيْعة الأولِ فالأول "، وفي حديثٍ آخر: " اقْتُلُوا الآخِرَ مِنهُما "؛ لماذا؟ لأنه يريدُ أن يُفرِّق جمعَ الأمَّة ويُشتِّت كلمتَهم؛ وهذا يُخالف ويضادُّ مصالحَ الشَّريعة وأهدافَها ومقاصِدَها.

هذا استطرادٌ في مسألة البَيْعة؛ حتَّى يُفهم الأمرُ على وجهِه؛ لأنني كتبتُ -قبلَ أكثرَ مِن عشرينَ عامًا- رسالةً بعنوان: " البَيْعة بين السُّنَّة والبِدعة عند الجماعاتِ الإِسلاميَّة "، كلمة: " عندَ الجماعات الإسلاميَّة " مِن العنوان، ثمَّ رأيتُ بعض الحمقَى يتعقبُّونني بأنني أقصدُ الدُّول الإسلاميَّة -التي لها حكَّامها، ولها رُؤساؤها، ولها بَيعاتها-، وأنها غير مُعترف فيها، وأنها بدعة!! مع أن عنوان الكتاب ناطقٌ بخلاف هذا التوهُّم الذي لم يَقُم على عِلم، ولا على معرفة؛ وإنما قام على جهلٍ وتَخرُّص وظَن.

فهذا توكيد لذلك الأصل، وبيانٌ للحق؛ حتَّى لا يختلط بالباطل.

الحقيقة المسائل كثيرة؛ لكن أريد أن أذكر أهمَّها؛ لأن المجالَ قد يَضيق علينا.

مِن الأمورِ المهمَّة -في محاذير الدَّعوة وبِدَعها-، والتي يجب بَيانُها وكشفُها: ما أُسمِّيه (الوَعظ المنحرِفَ)؛ لأن الوَعظ وَعظان:

(الوَعظ الشَّرعي) منصوص عليه في كتاب الله؛ بل مِن وصف القُرآن الكريم أنه موعظة، وأنه عظة؛ في كتاب الله وصف كِتاب الله أنه موعظة وأنه عِظة، وهذا حال الأنبياءِ والصَّالحين.

النَّبي -عليهِ الصَّلاة والسَّلام-وقد هذا ذكرناه هذا مرارًا- في حديثِ العرباض قال: وعظَنا رسول الله موعِظة بليغة. وفي سورة لُقمان: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ}؛ لكن: هل كان هذا الوَعظ الذي ارتبطَ بالقُرآنِ الكريم، وارتبَط بالسُّنَّة، وارتبط بسِيَر الصَّالحين؛ هل كان وعظًا شَرعيًّا؟ أم كان وعظًا غيرَ شرعيٍّ؟ لا شكَّ، ولا ريبَ؛ أن السُّؤال مِن البديهة بمكان أنْ يُقال في الجوابِ عنه: إنَّه وعظ شَرعي.

وما يُقال في الوَعظ؛ يُقال في القَصص -تمامًا-، ولا تجد واعظًا مِن الوُعاظ غير الشَّرعيِّين؛ إلا وهو مِن القُصَّاص.

وإذ نتكلَّم بلفظٍ القُصَّاص -ههنا- لا نتكلَّم فيه على جهة الذَّم -على وجهِ الإطلاق-؛ ولكنَّنا نتكلَّم فيه على وجه الواقِع، ومِن هُنا ألَّف أهلُ العِلم كُتُبًا خاصة في مسألة القُصَّاص:

ألَّف ابنُ الجوزي كتاب " القُصَّاص "، ألَّف العراقي " الباعث على الخلاصِ مِن أخبار القُصاص " -أو بهذا المعنى-، وألَّف السُّيوطي " تحذير الخواصِّ مِن أخبار القُصَّاص "، ومنقولٌ عن عليٍّ -رضي اللهُ عنهُ-: أنه كان إذا رأى قاصًّا يقصُّ في المسجد؛ سألَه: أتعرفُ النَّاسخ والمنسوخ مِن القُرآن؟ فإن قال: نعم؛ اختبرَه، وإن قال: لا؛ أمرَ بإخراجِه من المسجد! ويقول: " لا يَقصُّ في مسجدِنا هذا إلا عالِم ".

كيف يَقصُّ جاهلٌ وهو لا يَعرف الحلال والحرام؟ وهو لا يَعرفُ عقيدةَ أهلِ الإسلام، ولا المنهج الحقَّ الصَّواب المنضبِط -الذي يجبُ سُلوكه، والعملُ به، والدَّعوة إليه-؟!

نحن مع الوَعظ، ومع القَصص؛ لكن بصورتِها الشرعيَّة المُرتبطة بما صحَّ فهمُه مِن آياتِ الله، وما صحَّ الاستدلالُ به على المقصودِ مِن القرآن الكريم، وما كان ثابتًا سندُه، وصحيحًا استنباطُه من أحاديثِ الرسولِ الكريم -عليهِ الصلاةُ والسلامُ-؛ كل ذلك يَرتبط بالمنهج، ويرتبط بالعقيدة، وترتبطُ به القلوبُ والعقولُ، لا بالأشخاص؛ وإنَّما بالمنهج الذي يَدعو إليه هؤلاءِ الأشخاص.

فالقُرآن الكريمُ فيه قَصص؛ والقصصُ فيه كثير؛ حتى ذكرَ أهلُ العلم أن ثُلثَ القُرآن قَصص؛ لكن هذه القَصص كلُّها لأهداف ومقاصد كثيرة، ويوجد مؤلَّفات خاصَّة في أهداف وخصائص القَصص القُرآني.

وكذلك الوَعظ: له دَورُه، وله مكانُه، وله مجالاتُه؛ لكن إذا خرج -هذا الوَعظ- مِن إطاره الشَّرعي؛ أصبح مذمومًا سلوكُه -كما نراه اليوم-، لا أقول مِن وعاظ الفضائيَّات؛ ولكن أقول: مِن نُجوم الفضائيَّات! فقد صاروا كنُجوم السِّينما والتلفزيون والمسرح!! بعيدًا عن العِلم، وبعيدًا عن بهجة العِلم، وبعيدًا عن أُبهة العِلم، وبعيدًا عن منزلة العِلم المَبنيَّة على الكتاب والسُّنَّة، وصاروا يَنظرون إلى الأمورِ لا بحسب حاجة النَّاس؛ ولكن: بحسب ما يُريده النَّاس! فأشبهوا بذلك تِلكُم البرامج التِّلفزيونيَّة وما أشبهها: (ما يطلبه الجمهور.. ما يطلبُه المستمِعون .. ما يطلبه المشاهِدون..)!! ماذا تُريدون؛ أعطيكم؛ حتَّى تستمروا معي، وحتَّى أظل مقبولًا عندكم!! أما: (ماذا تحتاجون؟ ماذا ينقُصكم؟) . . (إذا قُلتُ لكم: ماذا تحتاجون؟ وماذا ينقُصكم؟ ستغضبون مني، وتَنفِرون عني، وتنفضُّون مِن حولي؛ وهذا لا أريدُه؛ حتَّى أُرضي هَوَايَ، وأُرضي غُروري، وأَخدع نفسي)!! عياذًا بالله -تبارك وتعالى-.

هذا ليس هو المنهَج الحق.

إن المنهجَ الحق هو المنهَج المَبنيُّ على (ماذا يحتاج النَّاس)؛ لأنهم هُم المرضى وأنتَ الطبيب.

أما أن لا يكون منكَ إلا لِسان مَعسول، وأن يكون مِنك حُسنٌ للبيان، وطَلاوةٌ في القول، ثم تَغريرٌ للناس، وتأثيرٌ -ولو في الآن، وفي اللحظة-؛ فهذا ليس هذا منهج الحق، ولا طريقَ الحق.

بل إني أقول -عطفًا واستدراكًا-: لو أن بعضًا من هؤلاءِ -الذين أوتُوا طلاقة في اللِّسان، وطلاوة في البيان- وفقهم الله -عزَّ وجلَّ- لأن يَضعُوا أيديَهم على المِحَك، وأن يَضعُوا أيديَهم على الجرْح؛ ليرتُقوا الفَتق، ويُصلِحُوا الخَرق، ويوضِّحُوا السَّبيل؛ لكان هذا نافعًا جدًّا؛ لأن مِن النَّاس مَن عنده العِلم وليس عنده الأُسلوب لِتوصِيلِه، من الناس مَن عنده الأسلوبُ الحسَن؛ لكن ليس عندهُ أساسُ العلمِ وبُنيانُه الذي يستطيع -مِن خلال هذا الأسلوب- أن يُقدِّم الأفضل مما يَنتفعُ به النَّاس، ويَنصلح فيه حالُهم وشأنُهم.

نعم؛ نحن لا نقول بأنَّ واجبَ بيانِ العقيدة والمنهج فَرض عَيْني، نحنُ مع أنه فرضٌ كِفائِيٌّ -وليس فرضًا عينيًّا-.

لكن لننتبِهْ إلى أمرٍ مُهِم: وهو أنَّ الفرض الكفائي -إلى الآن- لم يَذهبْ حُكمُه عن مَجموعِ الأمَّة! نحن نتكلَّم عن الفَرض الكِفائيِّ، لا نتكلم عن الفَرض العيني.

لذلك: أن يعترض علينا مُعترِض بأن يقول: يا شيخ! هأنتم تتكلَّمون في العقيدة والمنهج؛ إذًا فليكُنْ غيركم: واحد يتكلَّم في القَصص، وثانٍ يتكلم في الوعظ، وثالث في الرَّقائق . . ويكمِّل بعضكم بعضًا!

هذا قد يُقبل في حالةِ الاكتِفاء بالفَرض؛ أما في حالة النُّقصان والتَّناقص والاستمرار، في حالة توفر الفُرصة لهذا الواعظ القَصَّاص المتكلِّم بمثل هذه الأمور، والفُرصة التي لم تُتَحْ لِغيره -بحيث يكونُ واصِلًا كلام ذاك إلى أضعافِ أضعاف ما يَصِلُه-أو وَصَله-كلامُ هذا-؛ أين التَّساوي -فضلًا عن الاكتفاءِ بذلك الفَرض الكِفائي-؟!!

فهذه فُرصة نُذكِّر فيها كلَّ قادرٍ على أن يكونَ منه عطاء، وعلى مَن يستطيعُ أن يُؤدي -بحُسنِ البَيان- كلامًا يُبلِّغ فيه -بأسلوبِه، وبطلاقة لِسانه، وطلاوة بيانِه- حقَّنا وعقيدَتَنا ومنهجَنا، ولا مانع -أبدًا- أن يَربط ذلك بالقَصص، وأن يَربطَ ذلك بالوَعظ.

الوعظُ في قصة لُقمان: بيانٌ للشِّرك وتحذيرٌ منه، وأمرٌ بالتَّوحيد وتَوكيد له، والقَصص.

والقَصص والوَعظ في حديثِ العِرباض: بَيانٌ للسُّنة، ولزومٌ للأئمة، وتحذيرٌ للبِدعة.

إذًا: لا يلزم أن يكونَ الوعظُ -فقط- هو الصُّورة المرسومة في الأذهان؛ أنه: قِصة وخَبر؛ اللهُ أعلم مدى صحة هذه القصة، وذلك الخبر! وقد تكون خرافة! بل إن بعضَهم قد يَخترع! كما قيل لذلك الكذَّاب -في قديمِ الزَّمان- قيل له: كيف تكذب على النَّبي؟! قال: أنا لا أكذب عليه؛ وإنما كذبتُ له؛ لما رأيت النَّاس منفضِّين عن الدِّين وعن القُرآن؛ اخترعت أحاديث أشجِّع بها الناسَ على حفظِ القُرآن!!

هذا على مذهبِ أبي نواس:

وَداوِني بالَّتي كانت هي الدَّاءُ !!

هذا لا يصلح في شَرعِنا، ولا يصلح في دينِنا، ولا يصلحُ في مدرسة العِلم التي نتفيأ ظِلالَها.

فهذه مِن القضايا المهمَّة التي يجبُ ذِكرُها والتَّذكير بها.

أيضًا مِن القضايا المهمَّة في هذا الباب -أعني: المحاذير والبِدع الدَّعوية-: ما أُطلق عليه: " التَّفريق بين العقيدة والمنهج ".

وهذا التَّفريق مِن حيث الواقع -لا مِن حيث الصِّحة والشَّرع-.

فمِن حيث الصِّحةُ والشَّرعُ: المنهجُ هو الإطارُ والسِّياج الذي تُحاط به العقيدةُ، وتُحفظ في أصحابها.

فلنتخيلْ: قصرًا مَشيدًا عُرضةً للُّصوصِ والسُّرَّاق، دون سُورٍ واقٍ، ودون جِدار حامٍ؛ ماذا يستفيد أصحابُه منه؟! وكيف يحرِصون عليه ولا يوجد ما يَحميه؟!! كذلك العقيدة.

العقيدة إذا لم يكن لها منهج يحوطُها ويحرسُهُا؛ فإنها تتغيَّر وتتبدَّل.

فدعوى التَّفريق بين المنهج والعَقيدة؛ بأن يُقال -مثلًا-: فُلان عقيدتُه عقيدةُ أهلِ السُّنَّة؛ لكن منهجُه يُخالف منهجَ أهل السُّنَّة! نقول: هذا -ونُكرر- هذا -مِن حيث الواقع- موجود، ولكنه -من حيث الشَّرعُ- مرفوضٌ. ومع ذلك: مع النَّظر إلى وجودهِ -واقعًا-؛ فينبغي النَّظر إلى أمرٍ آخَر؛ وهو أن هذا الوجودَ لن يستمِرَّ؛ فسُرعانَ ما تتأثَّر هذه العقيدةُ بِبُعدِ المنهجِ عن الحقِّ، وبِبُعدِ الصِّيانة لها، والحراسةِ فيها.

بلَغَنَا أن أناسًا -فعلًا- إذا نظرنا بعضَ المؤلِّفين -مثلًا- المشاهير؛ نرى أن مؤلفاتهم العقائديَّة -يعني- صحيحة -ولا أبالغ إذا قلتُ: صحيحة مائة في المائة! أو -فلنُقلِّل -قليلًا- فَلْنَقُلْ: تسعين، أو خمسًا وتسعين بالمائة-؛ ولكنْ منهجُهم -باعتِرافهم واعترافِ كلِّ ذي نَظَر- أنه مُخالفٌ للحقِّ، ومخالفٌ لِطريق الحقِّ؛ فهم سالِكون لطريقِ التحزُّب؛ وبالتَّالي: لطريقِ التَّعصُّب، وبالتَّالي: لطريقِ التَّقليد؛ وبالتَّالي لسبيلِ البَيْعة المبتَدَعة المحدَثة، وما لفَّ لفَّها، وما دار في فَلَكِها!

هل استمرَّ أولئك على هذا النهج في تِلكمُ الكُتب الَّتي فيها بيانٌ لِعقيدة أهل السُّنَّة على وَجهِها النَّقي؟! أم أنَّهم انحرَفوا، أو -على الأقل- بدؤُوا في الانحراف؟ أنا أقول: إن الأمر كذلك!

والأمثلة -حقيقة- لا تكاد تُحصى، ولا تكاد تُستقصى! كثيرة، وكثيرة جدًّا؛ نراها رأي العين، ونلمسها لمس اليد باليد!

إذًا: هذا من جهة.

بعض النَّاس نراهم يأتون إلى طريقةٍ أخرى في التَّفريق؛ يقولون -في دعوتهم-: (نحن أصحابُ دعوةٍ عقيدتُها سلفيَّة، ومنهجها عَصريٌّ)! ويُسمِّيه بعضهم -بعضٌ آخر- بـ " عصريَّة المُواجَهة "!

ماذا يقصدون بـ "عصرية المواجهة "؟

أول ما ينبغي النَّظر إليه: أنهم يقصدون -بذلك- مخالفةَ علمائنا وأئمتِنا الَّذين أخذنا العِلمَ عنهم والمنهجَ والعقيدة، ثم هذه المخالفة تنعكسُ على طَريقِهم؛ فنراهُم يَسلُكون دَرب أهلِ السِّياسة ومَسالِكَها الوَعرةَ المنعرجةَ اللَّولبيَّة، نَراهم يَسلكون طريقَ التَّثويرِ والتَّهييج؛ وهذه -بحدِّ ذاتِها- مِن المحاذير والبِدع؛ لكنْ -كما قيل-: إذا تزوَّجت البِدعةُ الجهل؛ ماذا سيكون الأولاد؟ ماذا نتخيَّل الأولاد -أو الذريَّة- الناتجة من البِدع والجهل؟ ضلال -وأيُّ ضلال!-كبيرًا كان أم صغيرًا، قليلًا أم كثيرًا!

فكلمة (عصريَّة المواجَهة وسلفيَّة الاعتقاد) -أو ما أشبَهها من عبارات-؛ ظاهرُها فيه الرَّحمة، وباطنُها مِن قِبله العذاب؛ مما يَنبغي أن يحذرَ منه طلبة العِلم والدُّعاةُ إلى الكتاب والسُّنة، وينبغي أن لا يَنظروا إلى الألفاظِ المزوَّقة، والعبارات المزخرَفة التي تأخذهم ذاتَ الشِّمال وذاتَ اليمين، فلا يَرَوْن أنفسَهم إلا تائِهين ضائِعين.

هذا مما لا يَجوز، ولا ينبغي -بحالٍ من الأحوال-.

فالزَّعم بالتَّفريق -أو بالقولِ بالتفريق- بين العَقيدة والمنهَج؛ زعمٌ باطِلٌ -شرعًا-، وإنْ وُجد له أثرٌ -واقِعًا-؛ فإنه أثرٌ محدود سرعَان ما يَزول ويَذهب، وسَرعَان ما يطغى انحرافُ المنهج على صوابِ العقيدة.

من بابِ الأمانة، وأداء الحقِّ لأهلِه: رأينا العكس؛ أن صواب العقيدة غلب انحرافَ المنهج -لكن قليل-، الأكثر -وللأسف!- أن انحرافَ المنهج يؤثِّر على صوابِ العقيدة.

وإلا -أنا أسأل- الخوارج: هل كانوا قُبوريِّين؟ هل كانوا مُخرِّفين؟ هل كانوا للأسماءِ والصِّفات مُؤوِّلين، أو محرِّفين، أو مُعطِّلين، أو مفوِّضين؟ لم يكونُوا كذلك؛ وإنما انحرفوا في منهجِ التلقِّي؛ فأدَّاهم ذلك إلى خللٍ في أصلِ الاعتقاد؛ كفَّروا فيه المسلمين، وخرجُوا فيه على أولياءِ أمورِهم، وفرَّقوا جمعَ الأمةِ، وشتَّتوا كلمتَها.

أيضًا: من القضايا المهمَّة التي ينبغي ذِكرُها والتَّحذير منها-مِن محاذير وبِدَع الدَّعوة- ما أُطلِق عليهِ (أكاديميَّة العِلم)؛ أن يكون النَّظر إلى العِلم الشَّرعي نظرةً أكاديميَّة؛ كأنَّه دراسة محضة؛ لا تنعكِس على الجَوهرِ، ولا على المظهَر، ولا تنعكِسُ على السُّلوك، ولا على الاعتقاد، ولا على التَّصوُّر!

هذا مِن أخطر المحاذير الدَّعوية!

لأن الدعوة -كما قلنا- [...] لا يمكن أن تُبنَى إلا على عِلم، فإذا كان هذا العِلم ليس هو المطلوبَ الشَّرعي مِن العبد من الدَّاعي إلى الله؛ فماذا نتخيَّل الدَّعوة التي يقومُ بها ذُو العِلم هذا، النَّاظر إلى العِلم نظرةً أكاديميَّة مجرَّدة؛ ليست نظرةً شرعيَّة، ليست نظرةً إصلاحيَّة، ليست نظرةً ربانيَّة؛ وإنما يَنظر إليه نظرةً؛ أن أمامَه واجبًا يُؤدِّيه؛ أمَّا آثار هذا الواجبِ على سُلوكِه، وعلى سَمْتِه، وعلى لفْظِه، وعلى عَمَلِه؛ فإن هذا يكادُ يكونُ معدومًا -إلى مَن رحِم الله-!

لذلك رأينا بعضَ أصحابِ الألقابِ الكبيرة يَكتبون شيئًا ويُخالِفونه -تصوُّرًا واعتقادًا-، لو كانت مخالفتُهم له تقصيرًا؛ لكانت هذه طبَيْعة البَشر؛ التَّقصير طبيعةُ البشر؛ لكن هو يَكتب ما لا يعتقد! ويُثبِّت ما هو يُخالفه -بل يُناقضُه-!! لماذا؟ لأنه يقول: واللهِ هذه مِهنة! مهنَنة العِلم، أو أكاديميَّة العِلم! (هذه مهنة؛ تختلف! أنا أتصوَّر شيئًا وأنا أكتب شيئًا آخر؛ لأن هذا هو المطلوب! إذا لم أفعلْ ذلك؛ أنا سيُحاربُني النَّاس، أو لا يُقبِلون عليَّ، أو لا يَسمعون مِنِّي!!!

هذا عينُ الباطل، وعين الضلال!

اكتُب الحقَّ الذي تعتقدُه -إن كنتَ واثقًا منه-، فإن كان حقًّا -عليه بهاؤُه-؛ فسيَسعدُ به أهلُ العِلم، ويَتقبَّلونه، ويكون لك بينهم مَوطئ قَدَم، وإن كان غلطًا وباطلًا؛ فسيُناصِحونَك ويُبيِّنون لك الحقَّ؛ فينبغي أن تَرجِع، أن تعود، وأن تَؤُوب وتَتوب وتتوب.

أما السُّكوت والصَّمت و الإدبار عن الحقِّ؛ فهذا ليس طريق العالِم الذي يَعيش في عِلمه وعبادَتِه ودعوتِه وذِكرِه ربَّه بين جَناحيِ الخوفِ والرَّجاء في دعوته إلى الله، في التِزامه بأمرِ الله؛ كما قال النَّبي -عليهِ أفضلُ الصلاةِ وأتمُّ التَّسليم-: " خَصْلَتانِ لا تَجْتَمِعَانِ فِي مُنافِقٍ: حُسْنُ سَمْتٍ، وَفِقْهٌ فِي دِينٍ ".

من الأمور التي -أيضًا- ينبغي ذِكرُها -باعتِبارِها مَحاذيرَ وبِدَعًا دَعويَّة-: ما أُطلق عليه (عَصْرَنةَ الدَّعوة)؛ وبخاصة في هذا الوقتِ النَّحس الذي نعيشُه؛ حيث ضَعُف المسلمون، وضَعُف وُجودُهم، وضَعفت كلمتُهم، وصارُوا في ذيل القافلةِ -بعد أن كانوا سادتَها والمقدَّمين فيها-، فأدَّى ذلك بِبعضِ أهلِ البَيان وأهل الدَّعوة إلى أن يُعَصْرِنوا هذه الدَّعوة؛ لكي تُقبَل! فنراهم يَطلبون تجديدَ الدِّين!!

وأعجبتني كلمة قرأتُها في بعضِ الصُّحف مِن إنسانٍ ليس مِن أهلِ العِلم-ونحن مع الاستفادة مِن كلِّ صاحب حقٍّ-إن كان حقًّا-بشيء مِن الضوابط-ليس هذا هو المجال لبيانِها-؛ لكن أقول: قرأت كلمة؛ يقولُ: (ليس المطلوبُ تجديدَ الدِّين؛ ولكن المطلوب تَجدِيد خطابِ الدِّين).

أن تجدد الدِّين ليس هو الأمرَ الذي أشار إليه النبيُّ -عليهِ الصلاةُ والسَّلام- بقولِه: " إنَّ اللهَ يَبْعَثُ عَلى رَأسِ كُلِّ مِائةِ سَنَةٍ مَن يُجدِّد لهذهِ الأمَّةِ أمرَ دِينِها " (أَنْ يُجدِّد) -هنا- بمعنى: أن يُحيِي، وأن يَبعث.

أما تَجديد الدِّين الذي يَطلبُه العَصرانيُّون والعقلانيُّون والكلاميُّون الجُدد؛ فهو تحريف الدِّين!

وأنا أقول: يُريدون تجديد الدِّين وينبغي أن يكون هذا تبديدًا للدِّين -وليس تجديدًا للدِّين-!

هم يبدِّدون الدِّين في دعوى التَّجديد! لأنهم لا يُريدون ولاءً ولا براءً، لا يُريدون حلالًا ولا حرامًا، لا يُريدون فَرْقًا بين كافرٍ ومسلم، بين رجلٍ وامرأة!! يريدون أن يكونَ الأمر -هكذا فقط- دِينًا بكلمةِ الدِّين؛ ليس تحته أيُّ حُجة تدل عليه؛ إلا أنه دِين!!

العالِم من أهل الدِّين والجاهِل مِن أهل الدِّين، العاصي من أهل الدِّين والطائع من أهل الدِّين، الواثق من أهل الدِّين والضَّائع من أهل الدِّين!! وهذا ليس من الدِّين.

أما تجديدُ الخطاب الدِّيني؛ بمعنى: أن يكون هذا الخطاب موصولًا بأهل العِلم الَّذين يَعرفون واقع النَّاس وما يُصلِحُهم وما يَصلُح لهم وما يَنفعهم، وما يكون سبيلًا في رَفعِهم مِن وَهدَتِهم، وإِزالتهم مِن حُفرتِهم؛ فهذا أمر مطلوب؛ لكن: لا على حِساب الدَّليل، ولا على حِساب الحُجَّة، ولا على حساب البُرهان؛ وإنما قد يكون ذلك تَوكيدًا وتوطيدًا لمعنى قولِ الله -تَباركَ وتَعالى-: { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125]، أليس هذا الخطاب الشَّرعي مَطلوبًا مِنَّا وفينا -نحن طلبةَ العِلم والدُّعاةَ إلى الله-؟ مطلوب؛ لأنه منصوص القُرآن وفعل النَّبي -عليهِ الصلاةُ والسلام-.

وكلُّكم يعلم -وكم مرة ذكرنا- قصة عائِشَة أم المؤمنين -رضي الله-تعالى-عنها-: عندما مرَّ يهود -إخوان القِردة والخنازِير- بِرسول الإسلامِ محمد -عليهِ الصَّلاة والسَّلام- فسلَّم عليه مِنهم واحدٌ، فالرَّسول -عليهِ الصَّلاة والسَّلام- زكيٌّ ذكِي، صفيٌّ نَقي؛ قال: " وَعَلَيْكَ "، لم تتنبَّه عائِشَة إلى ما قال النَّبي -عليهِ الصَّلاة والسَّلام-، ولكنها سمِعَتْ كلمة -يعني- لم تعتَدْها مِن الرَّسول -عليهِ الصَّلاة والسَّلام-! الرَّسول إذا حيِّي بتحيةٍ حيَّى بأحسن منها، أو ردَّها كما هي -على الأقل-كما هو نصُّ في القرآن-؛ لكن قال:" وَعَلَيْكَ "؛ فعجبت عائشةُ؛ قالت: " يا رسول الله! قال لك: السلام عليك؛ قلت: وعليك؟! "، قال: " لا؛ إِنَّما قَال: السَّام، والسَّام الموتُ "، فكأنها استدركتْ على نفسِها، وطاردَت بصوتِها ذاك اليهودي: " عليكَ السَّام واللَّعنة -إخوانَ القردة والخنازير!- ".

الله أكبر! الحق معها؛ لكن: الموقع مَوقع دعوة، والمجال مجال نُصح -ولو كان في أخطر لحظة؛ أن يُسب الرَّسول-عليهِ الصَّلاة والسَّلام-؛ فقال لها النبي -عليهِ الصَّلاة والسَّلام-: " يا عائِشَة! مهلًا! مَا كَانَ الرِّفْقُ في شَيْءٍ إِلا زَانَهُ، وما نُزعَ من شيءٍ إلا شانَهُ، إن اللهَ رفيقٌ يُحبُّ الرِّفقَ "، في موضع يَحتاجُ الغِلظة: {وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ}.

شَيخ الإسلام ابن تيميَّة له كلمة رائعة يقول: " الآياتُ التي فيها الإِغلاظ تَكون عند العِزَّة والمنَعَة، وعند القوَّة والسَّيطرة؛ وأما الآيات التي فيها الجُنوح والخُضوع -وما أشبهها-؛ تكون عند الضَّعف والمَسكَنة ".

مَن الذي يفرِّق هذا التَّفريق، ويعرفُ هذا الفرقَ الدقيق إن لم يكونوا أهل العِلم؟!

فبالتَّالي: فإن الدَّعوة إلى عَصرنة الإسلام بحُجَّة بيان سماحة الدِّين، بحُجة بيان رَحمة الدِّين، بحجة أن نقرِّب الدِّين إلى غير المسلمين؛ هذه حُجج مَقبولة؛ لكنَّ الطَّريق إليها مرفوضٌ، الطَّريقُ إليها -على هذا النَّسَق- [مَردود]؛ (لا) لتحريفِ الأدلَّة، (لا) لتبديدِ الدِّين، (لا) لتَغيير معالِمه؛ (نعم) للرُّجوع إلى العِلم والعِلماء والسُّنة والهديِ القُرآني في بيانِ الواجباتِ والأولويَّات وتَرتيبِها وإعطائِها حُقوقَها؛ لكن أن يُعصرَنَ الدِّين، وأن تتغيَّر أحكامُه ومَعالمُه بِحُجَّة الدَّعوة والحُسنى؛ هذا عين الباطِل الذي نرفضه، ولا يمكِن أن نرتضيَه -بحالٍ من الأحوال-.

ثم إذا كانت هذه العَصرنة في هذا الزَّمان؛ ما الذي يؤْمِنُنا أن يكونَ الزَّمان القادم أشدَّ خُسرانًا لواقع الأمة؛ فنُغيِّر هذه العصرنة إلى ما هو أسوأ منها! أو في مكان آخر!

نحن نتكلَّم في الشَّرق، وعندنا غرب، وعندنا غرب الغرب؛ فيُصبح الدِّينُ أديانًا! وتصبحُ الملَّةُ مِللًا! ويصبحُ الشَّرع شرائع!!

وكل ذلك باطل.

الدِّين واحد؛ كما الرَّب واحد، كما النَّبي واحد، كما القِبلة واحدة، كما الكِتاب واحد؛ أما تمزيقُ الدِّين وتشتيتُه وتفتيتُه -حسبًا للآراء، ونهبًا للأهواء-؛ فهذا لا يُرتَضَى -ولو تحت العناوين البرَّاقة-.

ولعل القاصِيَ والدَّاني سمع تِلكُم الاجتهادات -وكلمة (الاجتهادات)-هنا-مجاز، وليست حقًّا!- تلكم الاجتهادات الباطِلة المنقوصة المنكُوسَة مِن ذلكمُ التُّرابي الذي تكلَّم بغيرِ عِلم وأساءَ؛ وما ذلك إلا لِيوجِد لنَفسِه مَوطئًا في بلده!

وأخبرني -اليومَ- أحدُ إخوانِنا السُّودانيين عن وزيرٍ في السُّودان -يعني: كأنَّه وزير للأوقاف، أو ما أشبه- أنه كفَّر التُّرابي -ونحن لَسْنا مع هذا الرَّأي-، وهنالك: الدُّكتور جعفر شيخ إدريس -أيضًا- دُكتور سُوداني له كلمة وموقع في السودان -أيضًا- أطلق القَولَ بِتكفِيرِه.


طباعة
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل

Powered by: MktbaGold 6.5