فقه الدعوة إلى الله .. محاذير وبدع دعوية 3

فِقْهُ الدَّعوةِ إلى اللهِ

(مَحَاذِيرُ وَبِدَعٌ دَعَويَّة)

(3)

إنَّ الحمْدَ للهِ، نَحمدُهُ، ونَستعينُه، ونَستغفِرُه، ونَعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفُسِنا، وسيِّئاتِ أعمالنَّا، مَن يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِلْ فلا هادِي له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا الله، وحدهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، أمَّا بعدُ:

فلا يزال الكلام موصولاً -أيها الإخوةُ الأحبَّة!- في مسألة مهمَّة، وقضيةٍ مُلمَّة؛ وهي: مسألةُ المحاذير والبِدع التي ارتبطت في بعضِ الدَّعوات -وللأسفِ الشديد!-.

وقد ذكرْنا بعضَها -على تفاوتٍ فيما بينهما-كِبَرًا وصِغرًا، شُهرةً وانضواءً-؛ لكن -كما ذكرنا عن الإمامِ البربهاريِّ: " احذرْ صغارَ المحدَثات؛ حتى لا تغدوَ كِبارًا "؛ فهذه قضيةٌ -في أصلها- منهجية؛ يجبُ التنبُّه لها، والتَّوقُّف عندها.

ومِن الأمور المهمَّة -من هذه المحاذير-مما ينبغي ذِكرُه-: ما أسمِّيهِ (تبديل المواقِع).

وهو ما أشار إليه النَّبي -عليهِ الصَّلاة والسَّلام-: " إن بين يدي السَّاعة سنواتٍ خدَّاعات؛ يُؤتمَن فيها الخائِن، ويُخوَّن فيها الأمين، ويُصدَّق فيها الكاذِب، ويُكذَّب فيها الصَّادق، وينطق فيها الرُّويبِضة "، قالوا: مَن الرُّويبِضةُ -يا رسولَ الله!-؟ فقال -عليه أفضل الصَّلاة وأتم التسليم-: " الرجل التَّافه يتحدَّث في أمرِ العامَّة ".

فهذه حقيقة -في هذا الزَّمان- مِن أكبر المحاذير الدَّعوية، ومِن أخطرها، وأشدِّها أثرًا.

يتكلَّم أهلُ العلم؛ فلا يجدونَ آذانًا صاغية!

ويتكلَّم الرُّويبِضات؛ فيجدون ألف أذن -وأذنًا-!

يتكلم الجاهل، ويُصغي له مَن هو معدودٌ في العُقلاء!

ويتكلَّم العالِم؛ فلا يجدُ إلا النُّكرَة!

وما هذه النُّكرة إلا بسبب أنَّ المجتمعات التي نعيشُها مجتمعاتٌ عاوَدت الغُربة، وعادت إليها الغُربة!

والنَّبي -عليهِ الصَّلاة والسَّلام- يقول: " إنَّ الإسلامَ بَدَأَ غَرِيبًا، وسَيَعُودُ غَرِيبًا كَما بَدَأَ؛ فَطُوبَى لِلغُرَباءِ " قالوا: مَن الغُرباء -يا رسول الله!-؟ قال: " الَّذين يَصلُحونَ عندَ فَسادِ النَّاس ".

أما رواية: " يُصلِحونَ ما أَفسَدَ النَّاس مِن سُنَّتِي "؛ فلا تَصِح -على شُهرتِها-؛ لكنَّ ضبطَ الرِّواية قد يُعين على مثل المعنى: " يَصلحون عند فساد النَّاس " أي: في أنفسهم، وممكن أن يُقال: " يُصلِحون عندَ فسادِ النَّاس " أي: في غيرِهم، وهذه صفة الدَّاعي إلى اللهِ على بصيرةٍ: أنه صالحٌ في نفسِه، مُصلِح لغيرِه، دائبٌ على هذا وذاك، لا ينفكُّ عنهما، ولا ينفصِلُ منهما.

وأنا لا زِلتُ أذكرُ -كرأيِ العَين- حربَ الخليج الأولى -أو ما سُمِّي بـ (حَربِ الخليج الأُولى)-قبل ستةَ عشرَ عامًا- في أول صُعودٍ لمَن سُمُّوا بـ(الدُّعاة)، ولمن كان نجومُهم وخروجُهم سببًا في هذا الفَصلِ النَّكِد، وهذا الفِصام المُحدَث بين العُلماء والدُّعاة؛ مما أدَّى إلى (تبديل المواقع)، واستبدال المواقف.

ولا زلتُ أذكرُ تلكمُ الكلمةَ المُنكَرة التي قالَها بعضُهم -ولبئسَ ما قال!-، قال: ( الأمةُ -الآن- فاقدةٌ لمرجِعِيَّتها الشَّرعيَّة )! في الوقت الذي كان فيه أكابرُ أهلِ العلم، ورُؤوس أئمة هذا الزَّمان: الشيخ ابن باز، والشَّيخ الألباني، والشيخ العثيمين -رحمهم الله-جميعًا-.

إذا كانت الأمةُ -ذلك الحين- فاقدةً لمرجعيَّتها الشَّرعيَّة -وفيها مَن فيها-؛ فكيف الحالُ -اليومَ- وليس فيها مَن فيها -وللأسف!-؟!

فتِلكُم كَلمة -فيما أجزِم وأعتقد- أنَّها كانت مَدروسَة؛ لِغرس مفاهيمَ معيَّنة في قلوبِ الشَّباب؛ كانت المحاضَرة أو الرِّسالة أو المنشور أو المكتوب يَصدُر هنا؛ ويتردَّد هناك وهنالك في نفس الوقتِ، بنفس المعاني، في شرق البلاد وغربها، وطولِها وعرضِها!! مما كان له أثرٌ -لا نُنكِر- أثر كبيرٌ -وكبير جدًّا- في تغيير مفاهيم الكثيرٍ مِن الشَّباب -للأسف!-؛ لأن العواطفَ كانت سائِبة، والحماسات كانت مُشتعلة؛ فلم يكنْ -ثمَّةَ- مجال للإدراكِ العلميِّ المنضبط، ولم يكنْ -ثمَّةَ- حضورٌ للتعقُّل المرتبط بالشَّرع على وجهه الحق، وعلى صورتِه الأحقِّ.

فلا زالت الآثار -منذ ذلك الحين إلى هذه السَّاعة- شديدةً وعظيمةً -وللأسف-.

وإنْ كان كثيرٌ من أولئكَ الذين أشعَلوا تلكمُ النَّار قد اكتَوَوا بها -الآن-! فصاروا يتراجَعون؛ لكن: إذْ هم تراجعوا -نظريًّا-؛ فقد غرسوا غرسًا التفَّ على رقابِهم وأعناقِهم وأبدانِهم؛ فضُلِّلوا -بل كُفِّروا- مِن بعضِ مَن هُم مِن غرسِهم -وللأسف! وللأسف الشديد!-؛ هذا غرسُهم، وهذا حصدُهم وحصادهم!! والسَّبب في ذلك: هذا ما أشرتُ إليه مِن ( تبديل المواقع ).

وأعجبني -في ذلك الزَّمان- رسالة كتبها بعضُ من كان مظنونًا أنهُ منهم، ثم أبدت الأيامُ أنه ليس كذلك -ولو في الجُملة-؛ حيث كتب رسالةً سمَّاها " العُلماء هُم الدُّعاة "؛ لأنَّ ذلك الوقت ظهرت هذه البِدعة المستنكَرة؛ مِن أن العلماء شيء، والدُّعاة شيء آخر!!

ونحن -على وجه الدَّيمومة- نُكرِّر: أن الدعوةَ إلى اللهِ ينبغي أن يكونَ عِمادُها العلم، واعتِمادُها على العلم، وأن دعوةً بغير علم؛ دعوة مَنقوصة ومَنكوسة -لا خِطام لها ولا زِمام، ولا وراءَ لها ولا أمام-.

والعلماءُ هم الدُّعاة، هم الرَّبَّانيُّون، هم الحريصون على الأمَّة -ولو تَوهَّم المتوهِّمون-في بعض مواقِفهم- أنهم غير ذلك، وأنهم ليسُوا كذلك؛ لكنَّه توهُّم فاشِل!

وتُعجبني -في هذا المقام- تِلكم الكلمة المَرويَّة عن بعضِ أئمةِ السَّلف لمَّا قال: " إذا أقبلتِ الفتنةُ لا يَعرفُها إلا العُلماء، وإذا أدبرتْ يعرفُها العُلماء والجُهلاء ".

إذا أقبلت يعرفونها بما يَستشعرون، وبما يَستبصِرون، ويتبصَّرون، ويَستشرفون الواقع -ربطًا بالماضي، ونظرًا للمستقبل، معرفةً لحقيقةِ الأمَّة ومُقدَّراتِها، واعتِبارًا بمَقدرةِ الأعداءِ وغُلَوائِهم-.

هذا كلُّه نظرُ العالِم الرَّبَّاني.

أما ذلك الدَّاعي الدَّعي -أو المُدَّعي-؛ فلا ينظر أكثرَ من أرنبةِ أنفِه، ولا يَطالُ بصرُه أكثر مما يرى بعينيْه!! أما ذلكم الاستشراف -بعيد المدى، كبيرُ الصَّدى-؛ فهذا ليس هو إليه بِسَبيل!

فيجب أن يكونَ النَّظرُ -في التَّعريف بهذا الخطر- نظرًا دقيقًا؛ لأنه إذا لم تَنضبط صورةُ العلمِ وترتبط بأصولها الشَّرعيَّة وقواعدِها المَرعيَّة؛ فإنها ستكونُ ذاتَ خطرٍ كبير على الدَّعوة والمَدْعوِّين، وعلى العِلم، وعلى سائرِ أصنافِ النَّاس.

ومما يُذكر -أيضًا-في هذا الباب-أعني: المحاذير والبِدع المرتبطة بالدَّعوة-: (المُراجَحةُ بين الغُلو والتَّقصير)، والحق بينهما: الوسط الشَّرعي.

ولقد نبَّه بعضُ إخوانِنا الأفاضل إلى لطيفةٍ دقيقةٍ رائعة -نَذكُرها له-وهو أخونا الشَّيخ أسامة القُوصي-حفظه اللهُ ونفعَ به- قال: ليسَ الوَسط هو نُقطة النِّصف بين مُنحرِفَيْن؛ لأنَّه مِن الممكن -جدًّا- أن يكونَ انحرافُ الغالي أشدَّ مِن تقصير المُقصِّر، أو أنَّ يكون تقصيرُ المقصِّر أعظم مِن انحرافِ الغالي، فإذا وضعتَه -وضعت الحقَّ- في النِّصف؛ فإنَّك تُكرِّسُ الخطأ، ولن يكونَ الحق هو الحق المَرضي بوجهه النَّدي؛ لكن الحق هو الأَصل، ثم ينحرفُ عنه الطَّرفان.

الوسَط هو الأصل العدل؛ كما صحَّ في السُّنَّة: عن النَّبي -عليهِ الصَّلاة والسَّلام- {وَكَذَلِكَ جعلناكم أمة وسطًا}؛ قال: " أي: عدلًا "، ثم ينحرف إلى طرفَين؛ قد ينحرف الغُلاة مائة مِيل، وقد ينحرف المُقصِّرون خمسين ميلاً، أو مائتي ميل، فلو أردنا أن ننظرَ إلى الوسط بين المائة والمائتين، أو المائة والخمسين، أو الثلاثمائة والأربعين؛ لا يكون الوسَط هو الحق؛ لكن: الوسَط هو الأصل الذي ينحرف إلى طرفيهِ أهل الغُلو وأهل التَّقصير.

ومِن أعجب ما رأيتُ -في هذا الزَّمان-: ما كرَّرَتْهُ أيادي الحدَثان -كما يُقال-؛ فعليٌّ -رضي الله عنه- أمير المؤمنين، قال كلمةً رائعة -جدًّا-؛ قال: " هلَك فيَّ طرفان: مُبغِضٌ ومُحب "؛ المبغِض ناصَبَه العَدَاء؛ فكان -هنالك- النَّواصب، والمُحِب تشيَّع -غُلوًّا-، وانحرف -عقيدةً-؛ فكان هذا ضلالاً، وذلك كان ضلالاً -أيضًا-.

من أعجب العجب -الَّذي ذكرني بهذا الأثر وهذا الواقع-: هو تلكم الواقعة -ما سمعناه وسمِعتموه، وقرأناه وقرأتموه- مِن اتهامِ بعضِ الجُهَّال بعضَ مشايخِ أهلِ السُّنَّة -وبخاصَّة منهم: شيخنا أبا عبد الرَّحمن محمَّد ناصِر الدِّين الألباني-رحمهُ الله-تعالى-وجمعنا وإيَّاكم وإيَّاه في الصَّالحين مِن عبادِه- مِن أنه مُرجئ!! في الوقت الذي يتَّهمُه آخرون -وقرأتُ هذا في رسالة مُفردة مؤلَّفة خاصَّة- يتَّهمونَه بأنه خارجي!!

فطَرَف يتَّهمونَه بالخُروج والخارجيَّة، وطرف آخَر يتَّهمُه بالإرجاء والمُرجئة!!

وكِلا طرفيْ قصدِ الأمورِ ذميمُ!

هذا مُبطِل، وذاك مُبطِل!

ولم يكن لشَيخِنا -رحمهُ الله-في سِيرته المُشرِقة المُنيرة المُضيئة التي لم تَكنْ -قطُّ-في أصلِها وفَرعِها، في جَذرها وآثارِها- إلا دعوةً إلى الكِتاب والسُّنَّة، ودعوةً إلى منهج سلفِ الأمة، وربطًا للنَّاس -كافَّة- بأدلةِ الوَحيَين دون ربطٍ بأشخاص، أو أحْزاب، أو أسماء، أو أعيان؛ إلا بِعُموم مَنهج السَّلف الصَّالح -رضيَ اللهُ-تعالى-عنهم-؛ لأنَّهم كانوا أعلمَ النَّاس، وأتقَى النَّاس، وأروعَ النَّاس في سَمتهِم، وفي هَديِهم، وفي خُلُقهم، وفي دِينهم، وفي خاصَّة أنفسِهم، وفي سائِر شُؤونهم؛ فكانوا هم القُدوة.

{ومنَ يُشاققِ الرَّسولَ مِن بعدِ ما تبيَّن له الهُدى ويتَّبع غيرَ سبيلِ المؤمِنين نُولِّهِ ما تَوَلَّى ونُصلِه جهَنَّمَ وساءَتْ مَصيرًا} [النساء: 115].

فينبغي أن يكون الدَّاعي إلى الله على مَنهج الوَسط العَدل، بعيدًا عن غُلوِّ الغَالِين، ونائيًا -بنَفْسِه- عن تَقصِير المُقصِّرين -مِن غير إِفراطٍ، ولا تَفرِيطٍ-.

هذا هو الحَقُّ.

ولا عليكَ أن يُطعَنَ فيك، أو أنْ تُلتَمَس لكَ التُّهم، أو أن تُجهَّزَ لك الفِرَى!! كلُّ ذلك لا وَزنَ له طالَما أنَّك واثقٌ بنَفْسِك، مُطمِئِنٌّ بما بينك وبين ربِّك، سائرٌ بإسنادٍ أوُّلُه شُيوخ هذا الزَّمان، وأئمَّتُه الكِرام، وآخرُه: أبو بَكرٍ وعُمر وعُثمان وعَلي، وفَوقَهمْ سَيِّدُنا النَّبي -صلَّى اللهُ علَيهِ وسَلَّم-، وبين هذا وذاك: الشَّافعي، وَأحمد، والدَّارَقُطني، والطَّحاوِي، وابن تيميَّة، وابنُ كَثِير، والمِزِّي، والإمام محمَّد بن عبدِ الوهَّاب، والشَّوكاني، والصَّنعاني، والمُعلِّمي . . وهذه الأسماء اللمَّاعة التي يَحِقُّ أن يُقالَ فيها:

جَمالَ ذي الأَرضِ كَانُوا فِي الحياةِ وَهُمْ ... بعدَ المَماتِ جَمالُ الكُتْبِ والسِّيرِ

كانوا في الحياةِ هم جمالَ الأرض، وبعد أنْ ماتُوا صارُوا جَمالَ الكتب، لولا هذه الأسماء في الكُتب -التي بين أيدينا-؛ لكانت خِلوًا مِن كل مُتعةٍ علميَّة، ومِن كل فائدة شرعيَّة، ومن كلِّ فقهٍ صحيح ونظرٍ رجيح؛ لأنَّنا لم نعرف الحقَّ إلا مِن خلالِهم، وهُم أدِلاَّء على الحق، وليسُوا علاماتٍ على الحقِّ، هُم أدِلاء، ويَربِطون النَّاس بالحقِّ؛ لا يربطونهم بأنفسِهم.

فتِلْكُمُ المُراوحة بين الغُلوِّ والتَّقصير؛ مُراوحةٌ سيئةٌ -جدًّا-؛ فالغُلو يؤدِّي إلى التَّقصير -ولو بعدَ حين-، والتَّقصير إذا لم يكنْ فيه رجوعٌ إلى الحق وثَباتٌ عليه؛ فإنه قد يوصِل بأصحابه إلى الغُلو.

وأنا أضربُ -على ذلك- مَثَلَيْن:

كم مِن إنسانٍ كان مِن الغُلاة؛ فجاءتْه ردَّةُ فِعل؛ فـ -لا أقول: صار مِن المقصِّرين؛ بل أقول:- قد يكونُ انحرف إلى غيرِ الدِّين! وإلى الخُروج مِن الدِّين!

وأنا أرى هذا في بعضِ الكُتَّاب -اليَوم- بعد أن كانوا مُنظِّرين في الفِكر التَّكفيري، وفي الفِكر التَّثويري، والفِكر التَّهييجي؛ صاروا -اليَومَ- ألعوبةً بأيدي العِلمانيين، بأيدي الكافِرين المُشرِكين -الذين لا يُريدون اللهَ، ولا رسولَه -عليه الصَّلاة والسَّلام-، وما ذلك إلا بسببِ ردَّة فِعلٍ أودَت -بهم- مِن انحرافٍ إلى انحراف!

ولا يَخفى -على إخوانِنا- ذلك الأثرُ -المرويُّ عن ابن سِيرين-: عندما جاءه أحدُ تلاميذِه يبشِّره: يا إمام! أبشركَ: أن فلانًا خارجي قد ترك الخارجيَّة! قال: " لا تَعجَل! ولكن انظُر إلى أيِّ بدعة -أخرى- صار "!!

هكذا يتردَّدون -مِن بدعة إلى بِدعة، ومِن هَوًى إلى هَوى-!!

وكذلك الحال -مِن أولئكَ المُقصِّرين الذين انتَقَلُوا مِن أسفلِ السُّلَّم إلى أعلاه -خَبطَ عَشواء-؛ وهؤلاء مثلهم ظاهر مَرئي لِكلِّ ذي عَينين- في أناسٍ كانوا -بالأمسِ القَريب- مِن عامَّة النَّاس وفُجَّارهم، وفُسَّاقهم، وجُهَلائهم، ثم تابوا -وهذا شيءٌ محمود؛ أن يتوبَ الفاسِق، ويعودَ الفاجِر، ويهتديَ الضَّال؛ هذا شيءٌ مرغوبٌ محمود، والنَّبي -عليه الصَّلاة والسَّلام- يقول: " لا يُؤمِنُ أحدُكُمْ حتَّى يُحبَّ لأخِيهِ مَا يُحبُّ لِنَفْسِه "؛ لكن أن يكون هذا الانتِقال؛ كما في المَثل العامِّي -ولا أجد مَثلاً عربيًّا فصيحًا-يعني- يُؤيِّده ويَشهَد له-: " مِن القُفَّةِ على أُذُنَيها "؛ إذا بهم بعد أن كانوا -بالأمِس- فُجَّارًا وجُهَّالاً؛ كانوا يَستحيُون منكَ -أيها الملتحي! أيها الملتزِم! أيها الطَّالب للعلم! إذا رأَوْك؛ بل يَقترِبون منك -على استحياءٍ-وهم فُجَّار!- يَقولون لك: يا شيخ! ادعُ لنا! وإذا كان الواحدُ منهم بيده الدُّخان والسِّيجارة؛ قد يدسُّها في جيبِه، فيحرِق ثيابه؛ حتى لا تراه! وإذا كان يسمع الموسيقا والمعازف قد يُغلقُها أو يكسِر الجهاز؛ حتى لا تؤاخِذَه! هذا وهو غير مُلتزِم!

فلما التزم؛ صار إذا رآك لا يُسلِّم عليك! وصار إذا رآك؛ يَنظر إليك نظرةً عُلويَّة! وصار إذا رآك؛ يُعرِض عنك وكأنَّه لم يَرَك!

هذا مِن التَّفريط لا الإفراطِ -بالجهل-.

وهذا يُذكِّرني بالكلِمَة المرويَّة عن الإمامِ الأوزاعيِّ -رحمهُ اللهُ-لمَّا قال: " إنَّ مِن سعادة الحَدَث والأعجميِّ أن يُوفِّقَه اللهُ لِرَجلٍ مِن أهل السُّنَّة ".

إنسان حَدَث ثم كَبر، وإنسان آخر أعجمي، لا يَعرِف العلمَ، ولا الدِّين، ولا اللُّغة-، ثم دخلها؛ إذا وفَّقه الله -تعالى- لرجلٍ مِن أهل السُّنَّة؛ فهي أعظم نِعمَة، وأكبر مِنَّة؛ لأنه سيأخذُ بيدِه إلى الهُدى، وسيتَناولُه إلى الحق. لكن: إذا كان أصولُه إلى مُبتَدِع، أو إِلى غالٍ، أو إلى حَرَكي، بِدْعِيِّ؛ ماذا ستكون النَّتيجة؟ وماذا سيكون الأثر؟!!

قال بعضُ أئمة السَّلف -ولعلَّها مرويَّة عن الأوزاعيِّ-نفسِه- قال: " لَأَن يَصحبَ ولدِي شاطِرًا سُنِّيًّا " (شاطِر) يعني: قاطِع طريق، في اللغة: الشَّاطر هو القاطع للطريق؛ يعني: لص.

" لأن يصحبَ وَلدي شاطرًا سُنِّيًّا؛ أحب إليَّ مِن أن يصحبَ عابدًا مُبتَدِعا ".

لأن هذا السُّنِّي في شَطارته وسرقتِه وقَطْعه للطَّريق؛ -يعني- إذا آذى فإنَّما يؤذي نفسَه، أو مَن معه -في هذه المحدوديَّة الضَّيِّقة-على ما فيه مِن انحراف-؛ فضلًا عن أنَّه لا يَنسِب انحرافَه إلى الشَّرع -وهذه الأخطر!-، لا يَنسِب انحرافَه إلى الشَّرع؛ تقول له: يا ابن الحلال! أنت حرامي! يقول لك: الله يتوب علينا! لكن ذاك؛ تقول له: أنت خارجي! يقول لك: وما له؟! الله يهديك زي ما هداني!!

هذا الذي يجري، وهذا الذي يُقال -وللأسَف-!!

" لَأَن يَصحبَ وَلدي شاطرًا سُنِّيًّا؛ أحب إليَّ مِن أن يصحبَ عابدًا مُبتَدِعا ".

ومِن هنا: كانت الكلِمَة الرَّائعة عن شَيخ الإسلام، والتي لها أصلٌ في كلامِ أئمةِ السَّلف -كسُفيان وغيره-؛ قال سُفيان -أوَّلاً-: " البِدعةُ أحبُّ إلى إبليسَ مِن المعصيَّة؛ فإنَّ المعصيَّة يُتابُ منها، وأمَّا البِدعة؛ فلا يُتاب منها "، وقال شيخُ الإسلام: " أجمعَ السَّلف والعُلماء على أنَّ شرَّ البِدع والشُّبهات أعظمُ مِن شرِّ المعاصي والشَّهَوات "؛ لماذا؟ لأنَّ صاحب المعصيَّة والشَّهوة يستحيي مِن عملِه، ويستخفي مِن فعله؛ بل إذا رآكَ ينكسِر بين يديْك، ويضعف أمام َعينيك؛ بينما صاحب البِدعة تراهُ يختالُ كالطَّاووس؛ يظن نفسَه مقدَّمًا، ويراكَ مؤخَّرًا! يراك ولا يقيمُ لك وزنَك؛ لأنه ليس عندَه ميزان العِلم، ولا ميزانُ الشَّرع! عنده أنه كلما تعنْتَر؛ كلما كان أثبتَ للدِّين، كلما عبسَ وقطَّب -ما بين حاجبَيْه-؛ كلما كان أكثر تديُّنًا والتزامًا، كلما تمشكَل مع النَّاس؛ كلما كان أديَن وأكثر عبادةً!! قُدوتُه أولئك الذين يتخيَّلُهم مُجاهِدين، يتخيَّلهم هم القائِمين بهذا الدِّين! وأما أولئك القَعَدة، أولئك القاعِدُون، أولئك المُتخاذِلون -حتى لو كانوا عُلماء-؛ فلا يرفعهم عِلمُهم عنده، ولا يُقيم له وزنًا فيهم! عنده إطار، عنده نظارات، عنده عَقليَّة يحكُم فيها على النَّاس، على الأغيار -مِن غير نظرٍ إلى الهُدى، ومِن غير اعتبار إلى الحقِّ، وإلى بهائه، وإلى حُجتِه، ونقائه، وصفائِه-.

فهذا الغُلُوُّ ضَلال -في نفسِه-، كما أن ذلك التَّقصير ضَلال -في نفْسه-؛ لكن: إذا أردنا أن نُحاكم بين ضَلالتين؛ فلا شكَّ عندي -قِيد أُنملة- أن ضَلالةَ الغُلو أشدُّ بألف مرةً -ومرة- مِن ضَلالة التَّقصير -وكلاهما شَرٌّ-!

والسَّببان اللذان ذكرتُهما -مِن قبلُ- أعيدهما السَّاعة:

السبب الأول: أن الغاليَ ينسُب غلوَّه للدِّين؛ بينما المقصِّر يَنسب غلوَّه لضعفِه.

الأمر الثَّاني: أن الغاليَ شررُه ينتشر، وضررُه يتَّسع؛ بينما المقصِّر لا يفعل ذلك إلا في أضيق بُؤرَة، ونُكرِّر: على ما فيه مِن انحراف، وعلى ما فيه من إثم؛ لكن: نحن -كما قلتُ- ننظر في أيهما أشدُّ ضَلالا ونُكرانًا وفسادًا وتأثيرًا مُنحرفًا.

نقطة أخرى -مِن المحاذير والبِدع-: ما أسمِّيه: " المَنهَج التَّرقيعِي ".

فقد سمعنا عن بعض الجماعات والأحزاب والحرَكات؛ أنها قالت: نحن نُريد لفِكرِنا، وجماعتِنا، وحرَكتِنا أن يكونَ عندها السِّياسة التي تقومُ بها جماعةُ كذا، والتَّنظيم الذي تقوم به جماعةُ كذا، والنَّشاط الذي تقوم به جماعةُ كذا، والتَّربيَّة التي تقوم بها جماعةُ كذا . .!!

ترقيع -مِن هنا ومن هناك-!!

فهذا الترقيع؛ ماذا ستكون النَّتيجة -في أصحابِه وأهله-؟!!

لن تكون النَّتيجة إلا كحالِ ذلك القِرد؛ يقال: أراد أن يتعلَّم مشيَّة الأرنب؛ فلم يتعلَّمها، ونسِي مشيتَه!!

وهكذا هؤلاء: أضاعُوا الحقَّ، وما عَرفوا الباطِل! لأنهم أرادوا التَّرقيع -مِن هنا وهناك-!

وأنا -أكادُ- أجزمُ أنهم -في السَّبب الرَّئيس لِترقيعِهم هذا- أنهم أرادوا أن يَجمَعوا -حولَهم- مَن فيهم استنكارٌ لبعضِ وقائعِ جماعاتِهم وأحزابهم؛ فأرادوا استرضاءَ الجميع بهذا المَنهَج التَّرقيعي -الذي يجدُ كل باحثٍ ضالتَه فيه-، ولو كانوا -بتفرُّقهم وتشتُّتهم- مُنحرِفين؛ كلٌّ إلى طرف، وقد لا يلتقي الطَّرفان -ولو إلى آخرِ الزَّمان-.

فهذا المَنهَج التَّرقيعي بعيدٌ عن الحق.

والعجبُ: أن هؤلاء انطلقوا مِن الخطأ، ولو أنهم انطلقُوا مِن الصَّواب؛ لعرفوا أن مَنهج السَّلف الصَّالح -رضِيَ اللهُ-تعالى-عنهُم-في عقيدتهم وسُلوكهم ومنهجهم ومُعاملاتِهم وعِلمهم ودعوتِهم- أن هذا المَنهَج هو المَنهَج التكامُلي، وأن هذا المَنهَج هو المَنهَج العِلمي الرَّبَّاني؛ وأمَّا الأفراد والأعيان؛ فليسُوا -هم- علامةً على الحق -لا في كَثرتهم، ولا في قِلَّتهم-.

ألم يَقُل عبدُ الله بن مسعودٍ -رضِيَ اللهُ-تعالى-عنهُ-: " الجماعةُ ما وافقَ الحقَّ -وإن كُنتَ وحدك-

ألم يُقَل لذلك العالِم؛ قال: " فلان الجماعة .. أبو حمزة السُّكَّري هو الجماعة "؟!

فَرق! فَرق!

لم تكن المقايسة في كثرة أو قِلَّة، في نُدرَة أو وَفرة، في خُمول أو شُهْرة؛ وإنما كان النَّظرُ والحُكمُ قائمًا على ماذا؟ على النَّظرِ المُرتبِط بالحقِّ المبنيِّ على دلائل الهُدى؛ أما غير هذا وذاك -مما هو مخالف لهذا الحقِّ-مهما كان قدْرُ أصحابِه، ومهما كان موقع أربابِه-؛ فإنه ليس هو نظرًا شرعيًّا -لا في قليلٍ، ولا في كثير-.

النَّظر الشَّرعي: هو الذي يضبط الأمور بالحقِّ.

أمَّا التَّرقيع والتَّمزيع والتَّنتيف -مِن هنا ومن هنالك- ادعاءً لشرعيَّة مزعومةٍ، ولجماعةٍ مُرادةٍ موهومة، يُراد منها -فقط- الاستقطاب والتَّكتيل -دون النَّظر إلى الشَّرع ولا الدَّليل-؛ فهذا -والله- واقعٌ ذليل، وحق مَرفوض، ومبدأ مَرِيض؛ ليس له إلى الحقِّ نصيب.

نقطةٌ أُخرى -في هذا البَاب-، وهي: خطأُ كثيرٍ مِن الشَّباب -ممارسةً، وواقِعًا- في فَهمِهم لآثارِ السَّلف الصَّالح في مَسائل كثيرة؛ أهمها -عندي-في هذا المقام- أَمران:

أما الأوَّل؛ فهو: الجَرح والتَّعديل.

وأما الأمرُ الثَّاني -وهو راجع إليه؛ لكن له باب آخر- وهو: الهَجْر والتَّبدِيع.

فكثيرٌ مِن الشباب قرؤُوا -ونحن نحمَد لهم ذلك، ونفرَح لهم بذلك-، لكن إذا لم تكن القراءة منضبطةً بالإرشاد والتَّوجيه؛ كما قيل:

ألا لا يُنال العِلمُ إلا بسِتَّةٍ ... سَأُنبِيكَ عن مَجمُوعِها بِبَيانِ

ذَكاءٍ وحِرصٍ واصْطِبارٍ وبُلغَةٍ ... وَإرشادِ أُستاذٍ وطُولِ زَمانِ

إذا لم يكن العِلم مبنيًّا على الإرشاد والتَّوجيه، والبيان والتَّنبيه؛ فإنه يُوقِع -أو قد يُوقِع- أصحابَه في بلاءٍ كبير، وقديمًا قيلَ: " إن مِن البَليَّة تشيُّخَ الصحفيَّة "! وقيل -أيضًا-: " مَن كان شيخُه كتابَه؛ غَلب خطؤُه صَوابَه ".

والحقُّ: أن هذا الإرشادَ، وذلك التَّوجيه -كلاهُما- مَبنِيَّان على أصلِ التَّناصُح في الدِّين، والتَّواصي بالحقِّ والصَّبر -على وجه اليقين-.

فالجَرح والتَّعديلُ لمَّا يقرؤُه القارئُ يَنبغي أن يُراعيَ أَمرَيْن:

أمَّا الأمرُ الأوَّل: أن الممارِسِين للجَرحِ والتَّعديلِ أئمةٌ كِبار؛ وبالتَّالي: ليسُوا هم على نَسقِ الصِّغار -ذوي الصَّغار-.

أما المُمارسة الخاطِئة: أنهم يُريدون إحياءَ هذا المَنهَج مِن خلال أنفسِهم؛ فيُجرِّحون أو يُعدِّلون، وإن لم يَفعلوا؛ فنَراهُم يَعبَثون، وفي الأرض الفَسادَ يَعيثون؛ في ماذا؟ في نقلِهم كلامَ بعضِ عُلماء الجَرحِ والتَّعديل دون دِرايَّة -أولًا-، وعلى وجهِ الإِجماع -ثانيًا-؛ فلا يكونُ هذا إجماعًا مِنهم، ثم يُوالون ويُعادون عليه!! وهذا باطِل!!

إذا والَيت وعادَيت على قول هذا العالِم؛ فما بالك بالعالِم الآخر الذي يُخالِف الأول -وكلاهما مِن أئمة أهل السُّنَّة-؟!

ثم يجعلون دَيدَنهم وهِجِّيراهُم في نقل هذه القَالات والمقولات، يَملؤون بها مجالسَهم، ويُعبِّئون بها قلوبَهم وقلوب الآخرين مِن أمثالهم؛ حتى إذا خَلا المجلسُ مِن هذا الصِّنف مِن القَول؛ كان مجلسًا مرفوضًا عندهم، وغيرَ مَقبول منهم!

وأنا أذكر -جيدًا- أننا -في بعضِ الدَّورات السَّابقة- كان هنالك -لي- عدَّة دُروس فيما سمَّيته: " ضوابط الجَرح والتَّعديل المعاصِرة "، وقد ذكرتُ عشرةَ ضوابط -في هذا الباب-؛ فإهمالُ أيٍّ منها سببٌ للوُقوع في هذا الانحراف النَّاشئِ عن عدم تفهُّم حقيقةِ الجَرح والتَّعديل المنقولة عن أئمة السَّلف، وأئمة أهل العِلم.

أمَّا الهَجْر والتَّبدِيع -أو فَلْنقلْ: التَّبدِيع والهَجْر-: فهذه طامَّة أخرى!

فقد رأينا أناسًا إذا رأَوا منك مخالفةً في شَخصٍ تَبِعوا فيه قولًا؛ نراهم ألحقوكَ به! وجَعلوكَ معه في قرَنٍ واحد!

وهذا ضَلال -وأي ضَلال!-.

لم يكن لأهل العِلم -فيما بينهم- أن يَنصِبوا الخِلاف بينهم بسبب خِلافهم في غيرِهم؛ هذا أصلٌ يجب أن يُفهَم، وأن يُحفَظ.

لم يكنْ لأهل العِلم -فيما بينهم- أن يَنصِبوا الخِلاف بينهم بسبب خِلافهم في غيرِهم، فإن فَعلُوا؛ فمَن المستفيد؟ غيرهم. وهُم في الخطأ واقعون، وبالباطِل متلبِّسون!

لكن: هذا -كما قلتُ- فيمَن اختلف فيه أهلُ


طباعة
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل

Powered by: MktbaGold 6.5