الذب المستبين عن أم المؤمنين

الذَّبُّ المُستَبينُ عنْ أمِّ المُؤمِنينَ

-رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-

إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالنَّا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. أمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كَلَامُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُها، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ. أمَّا بَعْدُ:

فإنَّ مِن منَّة اللهِ -تَبارَكَ وتَعالَى- على عبادِه أن وفَّقهم لأَن يَكُونوا قائلِين بِكتابِ الله، مُتَّبِعين سُنَّةَ رسولِ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، مُلتزِمين نهجَ السَّلفِ الصَّالِحين، والمقدَّمُ فيهم أصحابُ رسولِ الله -صلَّى الله عليهِ وعلى آلِه وأصحابِه أجمعين-، فمَن كان على هذهِ الشَّاكِلةِ، ومَن كان على هذه السَّابِلة؛ فهو على قدَمٍ راسِخٍ، وعلى أصولٍ ثابتةٍ لا تتلجلَجُ، ولا تتجذَّب، ولا تتردَّد، وكيف يكونُ له شيءٌ مِن ذلك وهو مُعتمدٌ هذه الأصول، مَبنيٌّ -فِكرُهُ وتصوُّرهُ ومنهجُه- على هذه الأُسس؛ فأَحرَى وَأحرَى أن ترتدَّ كل شُبهةٍ يَقولها قائل، أو يَنقلها ناقل لا أقول -فقط- إلى نَحرِه؛ بل إلى وجهِه -والعياذُ بالله-.

ورَوى الخطيبُ البغداديُّ في "تاريخِه"، وابنُ عساكر في كتابه "تَبيين كذِب المفتري": عن جابر -رَضِيَ اللهُ عنْهُ- قال: (قيل لِعائشةَ -رضِيَ اللهُ-تعَالَى-عَنْها-: إنَّ ناسًا يَتناولون أصحابَ رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-حتَّى أبا بكرٍ وعُمر-؟! فقالت -رضِيَ اللهُ-تعَالَى-عَنْها-: وما تَعجبون مِن هذا؟! إنَّهم قومٌ انقطع عنهم العملُ؛ فأحبَّ اللهُ أن يواصِل لهم الأجرَ)!

هذا قول أمِّ المؤمنين -والتي نتفيَّأ-في هذه الأُمسِية المباركة-ظِلال ذِكرِها الطيِّب، وأفياءَ حديثِها العَذب-والذي هو على أهلِ النِّفاق عذاب! وعلى أهل الباطِل صَواعق مِن نار-وبئس القرار!-.

وقبل أن ندخلَ في ذلك -كلِّه- نُشير إلى أمور؛ مِن أهمِّها:

أنَّ دِفاعنا عن الصَّحابة -عمومًا- وعن أم المؤمنين عائشةَ -رضِيَ اللهُ عَنْها-خصوصًا-؛ إنَّما هو دفاعٌ ننصُر به أنفسَنا -تَثبيتًا لنا وتَوكيدًا لِحقِّنا-، أمَّا هي -رضِيَ اللهُ عَنْها وأرضاها، وقاتَل مَن انتقصها-؛ فهي المبرَّأة مِن فوق سبعِ سَماوات -قُرآنًا كريمًا يُتلى إلى يومِ القِيامة-بإجماع الأمَّة-جيلًا فجيلًا-.

فلا نتكثَّر القول، ولا نُكثر الكلام -مِن حيث الدِّفاع-؛ فالدِّفاع عنها قد تولاهُ اللهُ -بنفسِه- وهو القائلُ: {إِنَّ اللهَ يُدافِعُ عنِ الَّذينَ آمَنُوا}، فكيف بالطَّاهرة المطهَّرة، الصِّدِّيقة بنت الصِّدِّيق، الطَّيِّبة المطيَّبة -رضِيَ اللهُ عَنْها-؛ فأَولى وأَولى، وأَحرى وأَحرَى أن يكونَ هذا الدِّفاع في كتابِ الله، يُؤجَر عليه التَّالُون المؤمِنون الصَّادِقون المُصدِّقون، ويَأثم بِسببه المُبغِضون الشَّتَّامون السَّبَّابون القاذِفون -قاتَلهم اللهُ أنَّى يؤفَكون-.

ومِن نافلة القَول: أن نُبيِّن أن موقفَ الرَّوافضِ -الشِّيعة الشَّنيعة- مِن عائشة أمِّ المؤمنين ليس موقفًا استِثنائيًّا؛ إنَّما هو موقفٌ جارٍ على نَسق عقيدتِهم الفاسدَةِ في عُموم الصَّحابة -رَضي اللهُ-تَعالى-عَنهم-.

فَقد رَوَوا في مؤلَّفاتهم -الَّتي لا خِطامَ لها، ولا زِمام- أنَّ مَن كان مع النَّبيِّ كلُّهم ارتدُّوا إلا أربعةَ نفرٍ، أو ثمانية نفرٍ!! مع أنَّ الإمامَ أبا زرعة الرَّازي يقولُ: (تُوفِّي رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عن أكثرَ مِن مائة ألفِ صاحبٍ، شهِدوا معهُ حَجةَ الوداع -رَضِي اللهُ-تَعالى-عنهُم جَميعًا وأرضاهُم، وألحقَنا بهم في الصَّالِحين مِن عبادِه-مِن النَّبيِّين والصِّدِّيقين والشُّهداء وحَسُن أولئك رفيقًا-.

والعَجَب أن هذه الفئةَ المنتسِبةَ -زُورًا- إلى الإسلام تُناقض حتى أفكارَ اليهودِ والنَّصارى! فلو سُئل اليهود: مَن خير النَّاس في دينِكُم؟ لَقالوا: أصحابُ موسَى. ولو سُئل النَّصارى: مَن أفضل النَّاس في دينِكم؟ لقالوا: أصحابُ عيسى. وَلو سُئل هؤلاءِ: مَن شرُّ النَّاس؟ لَقالوا: أصحاب النَّبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-! لا أقولُ يُخالفون الشَّرع -فقط-؛ بل يُخالفون الفطرةَ، ويخالفون العقل الصحيحَ السَّوِيَّ المبنيَّ على الأصول المستقيمة والقواعدِ السَّليمة.

وهذا -وحدَه- يجب أن يكون رادِعًا -مع التَّاريخ، ومع التَّجارب، ومع سائر الطُّرق العقليَّة التي يستعملُها الإنسان-كلُّ الإنسان- لمعرفة أنَّ ذلك الطَّريق الذي يُسمُّونه طريقَ التَّقريب بين المذاهب، وطريق التَّوحيد للفِرَق والأفكار؛ أنَّه طريقٌ مسدودٌ، وأنَّه طريق نهايتُه مُظلِمةٌ، وأنَّه نفَقٌ نهايتُه الويل والثُّبور وعظائمُ الأمور.

فهذا الحقُّ ليس به خفاءُ .. فدَعْني مِن بُنَيَّات الطريقِ

النَّبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عندما قالَ: "وَتفترقُ هذه الأمَّةُ إلى ثلاثٍ وسبعينَ فرقةً؛ كلُّها في النَّار إلا واحدة"، قالوا: مَن هي -يا رسولَ الله-؟ فقال -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "هي الَّتي على مِثلِ ما أنَا عليهِ اليومَ وأصحابِي".

فكيف نمُدُّ أيديَنا -فضلًا عن أن تَهويَ قلوبُنا- نحوَ أناسٍ يُكفِّرون أصحابَ نبيِّنا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ويتَّهمون عِرضَ بعضِ أزواجِ النَّبيِّ الكريمِ الطَّاهِراتِ المطهَّرات، الطَّيِّبات النَّقيَّات -رَضِيَ اللهُ-تَعالى-عنهنَّ أجمعين-.

فهذا بابٌ يُغلق؛ لأن التَّاريخ يرفُضُه، والعقلَ يرفضُه، والشَّرع يَرفضُه، والواقع يرفُضُه؛ فهذه أسطوانةٌ مَشروخةٌ بِدعوى التَّقريب بين المذاهِب أو المِلل أو الأفكارِ -والعياذُ باللهِ-تباركَ وتَعالى-.

ومِن أعجب العَجَب -تَسلسُلًا مع تلكمُ النُّقطة السَّابقة التي ذكَرناها-: أنَّني ناقشتُ -قبلَ سَنواتٍ- واحِدًا مِن هؤلاءِ الَّذين يُؤيِّدون الشِّيعةَ الشَّنيعةَ، ويُوافِقون أفكارَها، ويُصَفِّقون لها، فقُلتُ لهُ: كيف تفعلُ ذلك وهذه عقائدُهم. . وهذا دينُهم. . وهذا منهجُهم. . وهذا طعنُهم. . وهذا سبُّهم. . وهذا كُفرُهم وتَكفيرُهم؟!! فقال -ولبِئسَ ما قالَ!- قال: (نحن نُؤيِّدهم سِياسيًّا ولا نؤيِّدهم عقائديًّا)!!

وهذه شُبهةٌ إبليسيَّة فاجِرة، وكذبةٌ شيطانيَّة كافِرة!

وما هذا إلا أسلوبٌ يُرادُ به الدُّخول على قُلوبِ عوامِّ أهلِ السُّنَّة؛ لِيَلِينوا ولِيَقبَلوا ما عند أولئك تحتَ شِعار التَّقِيَّة التي هي إظهار خلاف ما يُبطِلون، وهي -كما هو مَنصوصُ كُتبِهم- تِسعةُ أعشارِ دينِهم!! حتى قالَ قائلُهم: (التَّقِيَّة تِسعةُ أعشار دينِنا، ومَن لم يُؤمن بالتَّقيَّة؛ فليس منَّا)!!

لكن بعض النَّاعقين وبعض الفاجِرين المُضِلِّين المبطِلين أغراهُ الشَّيطان -أكثرَ وأكثر- لِيَفضح نفسَه -أكثرَ وأكثر-؛ فنزع قِناع التَّقِيَّة، ورجع إلى حالتِه الأُولى غير السَّويَّة؛ ليُعلن على الملأ بتكفيرِ الصَّحابة، وليقولَها في الصُّحف والمنتديات والفضائيَّات، ويُقيم عليها الاحتفالاتِ؛ ليتَّهمَ أم المؤمنين عائشةَ -رضِيَ اللهُ عَنْها- بما برَّأها الله منه -رضِيَ اللهُ عَنْها، وقاتل مُنتَقِصَها-.

فزاد هذا الظالم المُبير، وهذا النَّاعق الكبير سُوءًا على سوء؛ بأن فَضَح نفسَه -أكثرَ وأكثر- مع أن هذا معروفٌ، لكنَّهم كانوا يتسلَّلون لِواذًا وراء التَّقِيَّة، حتى شعروا أنهم -في هذا الزَّمان- على شيءٍ مِن القوة، وعلى شيءٍ من الإعلامِ، وعلى شيءٍ من المَنَعة؛ وكلُّ ذلك لا وَزن له عندَ الله، وكلُّ ذلك لا قِيام له في مِيزانِ الله، والحقُّ أحقُّ بالقَبول، وإن كان للباطلِ جولةٌ؛ فلِلحقِّ جولات، وإن كان للباطلِ دولةٌ؛ فلِلحقِّ دُوَل.

كذلك -أيضًا- مما يجبُ أن يُعلم: أن أمَّ المؤمنين عائشةَ -رضِيَ اللهُ-تَعالى-عَنْها- كانت أحبَّ نِساءِ رسولِ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إليه، وهذا معروف -كما في "الصَّحيحَين"-؛ لكني أردتُ ذِكرَه لِكلمةٍ قالها الإمامُ الذَّهبيُّ -تعقيبًا على هذا الحديثِ المَرويِّ في "الصَّحيحَين"-: أنه سُئل النَّبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-والسَّائل كان عمرَو بن العاص-رَضِيَ اللهُ عنْهُ-، قال: يا رسولَ الله! أيُّ النَّاس أحبُّ إليك؟ فقال: "عائشة". . هكذا بالعُموم -صلواتُ الله وسلامُه عليه، ورضِيَ اللهُ-تَعالَى-عَنْها وأرضاها-، فقال عمرُو بن العاص: ومِن الرِّجال؟ قال: "أَبُوها" أبو بكر الصِّديق-رَضِيَ اللهُ عنْهُ-؛ لذلك اختار النبيُّ -عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- أن يَخلفَه في الصلاة -في آخرِ أيَّامه؛ بل ساعاتِه ولحظاتِه- أبا بكرٍ، واختار أن يُمَرَّض -في لحظة وفاتِه- بَيتَ ابنةِ أبي بكرٍ عائشةَ -مع وجود نسائِه الأُخريات-رضيَ اللهُ-تعالى-عنهنَّ جميعًا-.

وما ذلك إلا تحقيقًا لمعنى هذِه المحبةِ الشَّرعيَّة الَّتي لا يَنطقُ فيها رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عن الهوى، إنْ هو إلا وَحيٌ يُوحَى.

فكان أبو بكرٍ خليفةَ المُسلمين، وكانت عائشةُ أمَّ المؤمِنين، الطَّاهرةَ المطهَّرة، الطَّيِّبةَ المُطيَّبة، الصِّدِّيقة بنت الصِّدِّيق -رضِيَ اللهُ-تَعالى-عَنْها وأرضَاها-.

والذَّهبي -رَحمهُ اللهُ- قال تلكُم الكلمةَ الذَّهبيَّة التي اشتُقَّ لها هذا الوَصفُ مِن نِسبتِه -رحمهُ اللهُ-؛ لما فيها مِن علوِّ بيانٍ، ومِن قمَّة حقٍّ؛ قال: (وهذا خبرٌ ثابتٌ رغمَ أُنوف الرَّوافضِ).

والحديث في "الصَّحيحَين"؛ لكنَّ الرَّوافض لا يَرفعون للصَّحيحين رأسًا؛ بل لا يَرفعون للصَّحابة -أساسًا- رأسًا! وهذا منهم -في حقيقةِ أمرِه- هدمٌ لسُنَّةِ النَّبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

قال: (وهذا خبرٌ ثابتٌ رغمَ أُنوف الرَّوافضِ، وما كان -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- لِيُحبَّ إلا طيِّبًا، وقد قال: "لو كُنتُ متَّخذًا خليلًا مِن هذه الأمَّة؛ لاتَّخذتُ أبا بكرٍ خليلًا، ولكنْ أُخوَّة الإسلام أفضل") وهذا الحديث -أيضًا- في "الصحيحين".

ثمَّ قال: (فأحَبَّ النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أفضلَ رجلٍ مِن أمَّته، وأفضَلَ امرأةٍ مِن أمَّتِه، فمَن أبغَضَ حبيبَيْ رسولِ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ فهو حَرِيٌّ أن يكون بغيضًا إلى الله ورسولِه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

هذه شذراتٌ مُهمَّات أسوقها بين يدي ما أريدُ ذِكرَه مِن مُهمَّاتٍ أُخرى، ومِن كُليَّاتٍ تَزيدنا -كما قُلتُ- تَثبيتًا وتَوكيدًا على هذه العقيدة الحقَّة الرَّاسخة الراسيَة التي لن تُزلزلَها الشُّبهاتُ، ولن تُحرِّكها الكلماتُ المُضِلات -ولو كان بعضُ هؤلاء المُبطِلين لبِعضهم ظهيرًا-.

فلنسمعْ ماذا يقولُ الإمامُ أبو جعفرٍ الطَّحاويُّ -رَحمهُ اللهُ-تعالى- في عقيدتِه المشهورة التي قالَ فيها بهاءُ الدِّين السُّبْكيُّ: (هذه عقيدةٌ اتَّفقت عليها المذاهبُ الأربعة الإسلاميَّة). .

ماذا يقول الإمامُ أبو جعفرٍ الطَّحاويُّ؟

يقول -عندما ذَكر الصَّحابةَ-:

(وَحبُّهم دِينٌ وإيمانٌ وإِحسانٌ، وبُغضُهم كُفرٌ ونِفاق وطغيانٌ)؛ هؤلاء هم الصَّحابة -عُمومًا-.

أمَّا خاصة أهل بيتِه؛ فاسمعوا ماذا يقول عنهم أبو جعفرٍ الطَّحاويُّ -نفسُه-؛ يقول:

(ومَن أحسنَ القولَ في أصحابِ الرَّسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأزواجِه الطَّاهرات مِن كلِّ دنَس، وذُرِّيَّاته المقدَّسين مِن كل رَجَس؛ فقد بَرِئَ مِن النِّفاق).

يقولُ ابنُ أبي العزِّ الحنَفيُّ -أشهرُ شُرَّاح "الطَّحاويَّة"، وأفضلُهم، وأحسنُهم، وأصفاهُم، وأنقاهم-، يقول: (وإنَّما قال الشَّيخُ -رَحمهُ اللهُ-) يعني: الطَّحاوي ("فقد بَرِئَ مِن النِّفاق"؛ لأن أصل الرَّفض) يعني: التَّشيُّع المُبطِل (إنَّما أحدثهُ مُنافقٌ زِنديقٌ قَصْدُه إِبطالُ دين الإسلام، والقدحُ في الرَّسول -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-كما ذَكَر ذلك العلماءُ-. فإن عبدَ الله بن سبأ لما أظهرَ الإسلامَ) وهو يهوديٌّ، مُنافق، اندسَّ متستِّرًا ليفسِدَ الدِّينَ من داخلِه (فإنَّ عبدَ الله بن سبأ لما أظهرَ الإسلامَ أرادَ أن يُفسدَه بِمكرِه وخُبثِه -كما فعل بولس بدِين النَّصرانيَّة-، فأظهر التَّنسُّك) يعني: ابنَ سبأ (ثم لما قَدِم على الكوفة أظهر الغُلوَّ في عليٍّ والنَّصرَ له؛ ليتمكَّن -بذلك- مِن أغراضه) وما هي أغراضُه؟ إفسادُ الدِّين بهذا الغُلو المُشين، وبهذا الفساد المُستبين، الذي يُريد به -ومِن ورائه- تَغييرَ صَفاء الإسلام، ونقاءِ الشَّريعة، وبقاء الملَّة، المبنيُّ ذلك -كلُّه- على كتاب الله وسُنَّة رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ليجعله قائمًا على الغُلو -وهو الذي قال فيه رسولُ الله-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-مُخاطبًا الصَّحابة، مخاطبًا مَن بعدَ الصَّحابةِ فيهم: "إيَّاكم والغلوَّ في الدِّين؛ فإنَّما أهلك مَن كان قبلكم غُلوُّهم في دينهم"-.

قال: (وبلغ ذلك عليًّا) بلغَ خبرُ ابنِ سبأ عليَّ بن أبي طالبٍ -رَضِيَ اللهُ عنْهُ- (فطلب قَتْلَه؛ فهرب). . حتى علي-رَضِيَ اللهُ عنْهُ- الذي هو زوجُ ابنةِ رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ووالدُ حفيدَيْه سَيِّديْ شباب أهل الجنَّة -الحسن والحُسين-رضي اللهُ عنهما- لم يَرتضِ هذا الغُلو، ولم يَقبل هذا الدَّسَّ، ورفض هذا المكرَ الخبيث الذي لا تَزال الأمَّة تُعاني منه إلى هذه اللَّحظة، وإلى أن يشاء اللهُ بأن يُجتث هذا المكرُ الخبيث، وهذا الدَّنس المُفسِد الذي أهلك الحرثَ والنَّسل -دِيانةً واعتقادًا وواقِعًا وتاريخًا وحضارةً-، فليس منه إلا السُّوء، وليس فيه إلا السُّوء. . نعم.

وها هنا -أيها الإخوة- كلماتٌ جميلاتٌ للإمام الآجريِّ -رَحمهُ اللهُ-تَعالى-، وهي كلماتٌ في الباب الذي نحنُ فيه تَنزيهًا ودِفاعًا -مِن جهة-، وتوكيدًا وتثبيتًا -مِن جهةٍ أخرى- قلَّ مَن يَذكُرُها أو يتذكَّرُها أو يَتذاكرُ بها، كلماتٌ طيِّبات مِن عالِم ألَّف كتابًا مِن أعظم كتب العقيدة الإسلاميَّة؛ وهو كتاب "الشَّريعة" للإمامِ ابن الحُسين الآجري -رَحمهُ اللهُ-.

قال: (اعلَمُوا -رحِمَنا اللهُ وإياكم- أن عائشةَ -رضِيَ اللهُ عَنْها- وجميعَ أزواج رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أمَّهات المؤمنين، فضَّلهنَّ الله -عزَّ وجلَّ- برسولِه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-) {وأزواجُه أمَّهاتُهم} (لم يَنلنَ هذا الفضلَ إلا بِفضيلةِ زَواج النَّبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- منهنَّ -رضيَ اللهُ عنهنَّ-).

قال: (أوَّلهنَّ: خديجة -رَضِيَ اللهُ عَنهَا-، وبعدها عائشة -رَضِيَ اللهُ عَنهَا- شَرفُها عظيم، وخَطرُها جليل). . كلمة (خَطَر): مِن الألفاظ التي تُستعمل على وَجهَين: (خَطَر) بمعنى البلاء، و(خَطَر) بمعنى العلوِّ والمنزلة. ويُعرف ذلك بالسِّياق.

وإذْ ذَكَرَ الآجريُّ -رحمهُ الله- خديجةَ وعائشةَ -رضيَ اللهُ عنهُما-؛ فإنَّني مُورِدٌ كلمةً نفيسةً للإمامِ ابن قيِّم الجوزيَّة -رحمهُ اللهُ-تَعالى- ذَكر فيها أمَّهاتِنا -خديجةَ وعائشةَ-رضيَ اللهُ عنهُما-؛ فقال: (واختُلف في تفضيلِ خديجةَ على عائشةَ -رضيَ اللهُ عنهُما- على ثلاثةِ أقوالٍ، ثالثُها: الوقف)؛ يعني: هنالك قول أن عائشةَ أفضل. وهنالك قول: أنَّ خديجةَ أفضل. وهنالك قول بالوقْف؛ وهو أن يُقال: نتوقَّف في التَّفضيل. والتَّوقُّف في التَّفضيل لا يَلزمُ منهُ التَّوقُّف في الفضلِ؛ فالفضلُ ثابتٌ؛ لكنَّ الكلامَ في الأفضل -لا في فاضلٍ ومَفضولٍ، ولكن: في فاضلٍ وأفضل-.

ثم قال ابن القيِّم: (وسألتُ شيخَنا ابن تيميَّة -رحمهُ الله-؛ فقال: "اختص اللهُ كلَّ واحدة منهما بخاصَّةٍ: خديجة كانت تأثيرُها في أوَّل الإسلام، وكانت تُسلِّي رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وتُثبِّته، وتُسَكِّنه، وتَبذل دونَه مالَها، فأدركت غُرَّة الإسلام") يعني: بدايتَه (واحتملت الأذى في الله وفي رسولِه، وكانت نصرتُها للرَّسولِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في أعظمِ أوقاتِ الحاجَة؛ فلَها مِن النُّصـرةِ والبَذل ما ليس لغيرِها. وعائشةُ -رضيَ اللهُ عنها- تأثيرُها في آخر الإسلامِ؛ فَلَها مِن التَّفقُّه في الدِّين، وتبليغه إلى الأمَّة، وانتفاع بَنِيها") أي: عامَّة المؤمنين؛ لأنَّها أمُّ المؤمنين ("بما أدَّت إليهم مِن العلم ما ليس لغَيرِها")؛ بل أكاد أقولُ: ما يكاد يكون ليس لغيرِها -ليس-فقط-من النِّساء؛ بل حتى مِن الرِّجال؛ إلا أن يكون أبا هريرة-رضي اللهُ عن أبي هريرة-.

وإذْ قد ذكرنا أبا هُريرةَ؛ فإنَّ الذي صلَّى على عائشة صلاةَ الجنازة: هو أبو هريرة -رضيَ اللهُ-تعالى-عنهُ-.

وعائشة روَت من الأحاديث عن النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أكثرَ مِن مائتَين وألْفَي حديثٍ، في "الصَّحيحين" منها نحوٌ مِن ثلاثمائةِ حديثٍ -عند البخاري ومُسلم-، وهذا -كما قلتُ- لم يَحصل إلا لأبي هُريرة -رضيَ اللهُ-تَعالى-عنه-. نعم.

قال الآجريُّ -ذكر خديجةَ وعائشة-، قال: (فإنْ قال قائل: فَلِم صار الشُّيوخ يَذكرون فضائل عائشةَ -رضِيَ اللهُ عَنْها- دون سائرِ أزواج النَّبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ممن كان بعدَها؟) لِم اختُصَّت عائشةُ بالذِّكر أكثر من غيرِها؟ فقال: (قيلَ له: لمَّا أن حَسَدها قومٌ مِن المنافِقين على عهد رسولِ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فرَمَوها بما قد برَّأها اللهُ -تَعالى- مِنه، وأنزل فيه) أي: في هذا الذي اتُّهِمتْ فيه مِن الإفك (القرآنَ، وأكذَب فيه) أي: القرآن (مَن رماها بباطلِه؛ [فَسَرَّ] اللهُ الكريمُ بهِ رَسولَه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وأقرَّ بِه أعينَ المؤمنين، وأثخن به أعينَ المنافقين؛ عند ذلك: عُنِي العلماءُ بِذِكر فضائلها -رضِيَ اللهُ عَنْها- زوجة النَّبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في الدُّنيا والآخرة. ورُوِي. .) والكلام لا يزال للآجريِّ -رحمهُ الله- (روي أنَّه قيل لعائشةَ -رضِيَ اللهُ عَنْها-: إنَّ رجلًا قال: إنَّك لستِ بأمٍّ! فقالت: "صَدق! أنا أمُّ المؤمنين، ولستُ بأمِّ المنافقين"). وفي لفظ: "ولستُ بأمِّ الكافِرين".

قال الآجريُّ: (وَبلغني عن بعضِ الفُقهاء من المتقدِّمين أنه سُئل عن رَجلَيْن حَلفَا بالطَّلاق؛ أحدهما أن عائشةَ أمُّه، وحلف الآخرُ أنها ليست بأمِّه؛ فقال: كلاهُما لم يحنُث. فقيل له: كيف هذا؟ لا بُدَّ أن يحنُث أحدُهما! فقال: إنَّ الذي حلف إنَّها أمُّه؛ فهو مؤمن؛ [وبالتَّالي] لم يحنث. والذي حلفَ إنَّها ليست أمَّه؛ هو مُنافق فلم يحنث) لأنَّها أم المؤمنين وليست أمَّ المنافقين وليست أمَّ الكافرين.

ثم قال الآجريُّ -رحمهُ اللهُ-: (فنعوذُ باللهِ ممن شَنأ عائشةَ) "شَنأ"؛ أي: أبغض، {إنَّ شانِئَك هو الأبترُ}. (فنعوذُ باللهِ ممن شَنأ عائشةَ حبيبةَ رسولِ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الطيِّبة المبرَّأة، الصِّديقة ابنةَ الصِّديق أم المؤمنين -رضِيَ اللهُ عَنْها، وعن أبيها خليفة رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-).

أحب النَّاس إلى رسولِ الله: عائشةُ وأبوها، وأبغضُ النَّاس إلى هؤلاءِ الرَّوافض: هم عائشة وأبوها! فليخترْ كلُّ عاقلٍ أي الفريقَيْن أحق بالأمن، ولا شكَّ ولا ريب أن مَنصوص كتابِ الله، وما تواترَ مِن أحاديثِ رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُنادي بقوَّةٍ وثبات: أن الحق أبلج، وأن الباطل يتلجلج.

وقال الآجريُّ -رحمهُ الله-: (إنَّ الله -عزَّ وجلَّ- لم يَزد عائشة -رضِيَ اللهُ عَنْها- في قصة الإفك إلا شرفًا ونُبلًا وعِزًّا، وزاد مَن رماها من المنافقين ذُلًّا وخِزيًا، ووعظ مَن تكلَّم فيها -مِن غير المنافقين- مِن المؤمنين بأشد ما يكون مِن الموعظة، وحذَّرهم أن يَعودوا لمثلِ ما ظنُّوا مما لا يَحل الظنُّ فيه؛ فقال -عزَّ وجلَّ-: {وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ - يَعِظُكُمَ اللهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}).

ذكر الإمامُ القاضي عياض: عن الإمامِ ابن شعبان -من أئمةِ المالِكيَّة المتقدِّمين- أنه قال: (مَن عادَ؛ فقد كَفَر)؛ {أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}؛ (فمَن عاد؛ فقد كفر).

فهؤلاء العادُون العائِدون الخائِضون بالكذب والمَين والزُّور والإفكِ المأفون؛ كافرون بِنصِّ كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل مِن بين يدَيه ولا مِن خلفه.

وسيأتينا -إذا بقي وقتٌ- شيء من كلام أئمةِ العلم في هذا.

ثم قال -والكلام للآجريِّ-: (ميِّزوا -رحمكُم اللهُ- مِن هذا الموضِع حتى تعلموا أنَّ اللهَ -عزَّ وجلَّ- سبَّح نفسَه؛ تعظيمًا لِما رمَوها به، ووعظ المؤمنين موعظةً بليغة).

ثم قال: (سمعتُ أبا عبدِ الله ابن شاهين -رَحمهُ اللهُ- يقول: إنَّ الله -تَبارَكَ وتَعالَى- لم يَذكرْ أهلَ الكفر بما رَمَوه إلا سبَّح نفسَه) والتَّسبيح: هو التَّنزيه (تعظيمًا لِما رمَوهُ به؛ مثل قولِه -عزَّ وجلَّ-: {وَقالُوا اتَّخذَ الرَّحمنُ ولدًا سُبحانَهُ})؛ يُنزِّه اللهُ -تعالى- نفسَه عن أن يكون حالُه كما وصفه به هؤلاءِ الكُفار والمشركون.

قال: (فلما رُميت عائشةُ -رضيَ الله عنها- بِما رُميتْ به من الكذب؛ سَبَّح نفسَه تعظيمًا لذلك؛ فقال -عزَّ وجلَّ-: {وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ }؛ فسبَّح نفسَه -عزَّ وجلَّ-؛ تعظيمًا لما رُميت به عائشةُ -رضي اللهُ-تعالى-عنها-).

قال -والكلامُ للإمام الآجريِّ-أيضًا-: (فوعظَ اللهُ المؤمنينَ موعظةً بليغةً، ثم قال اللهُ -عزَّ وجلَّ-: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ}) نسأل اللهَ العافية.

(فأعلمَنا اللهُ -عزَّ وجلَّ- أنَّ عائشةَ -رضِيَ اللهُ عَنْها- لم يَضـرَّها قولُ مَن رماها بالكذب، وليس هو بِشرٍّ لها؛ بل هو خيرٌ لها، وشرٌّ على مَن رماها).

وكذلك أقولُ -اليومَ-بعدَ ألفِ ألفِ يومٍ-: إنَّ هذا الذي قاءَه وقالَه ذلك النَّاعِقُ الخاسرُ الخاسِئ الخبيثُ -مِن هنا، أو هناك، أو هنالك-؛ ليس هو شرًّا لنا؛ بل هو شرٌّ له، وليس هو خيرًا له؛ بل هو خيرٌ لنا في أنْ أعاننا اللهُ وكلَّ داعٍ مسلم، وصاحب علمٍ وسُنَّة أن يُذكِّر النَّاسَ؛ بل أن يُعلِّمهم فضائلَ هذه الصدِّيقةِ، ومآثرَها العظيمة، ومناقبَها الجليلةَ التي قد تكونُ خفِيتْ -أو نُسِيت- عن بعضِنا في غَمرةِ اعتقادِنا فيها ذلك الاعتقادَ العظيم المَبنيَّ على كتاب الله الكريم وسُنَّة النبي الأمين -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ لذلك: نُكرِّر -اليوم- ما قالهُ اللهُ -ذلك اليوم-: {لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ}.

قال الإمامُ الآجريُّ -يُشيرُ إلى قولِ مَن رماها بالكذب-، قال: (وهو عبد الله بنُ أُبيِّ بن سَلول وأصحابُه مِن المنافِقين، وإن كان قد مضَّها) أي: أزعَجها (وأقلقها، وتأذَّى النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وغمَّه ذلك إذْ ذُكرتْ زوجتُه وهو لها مُحبٌّ مُكرِم، ولأبيها-رَضِيَ اللهُ عنْهُ-، فكلُّ هذه درجاتٌ لهم عند الله -عزَّ وجلَّ-) أي: هذا المضُّ، وهذا القلقُ، وهذا الغمُّ، وهذا الإيذاء (حتى أنزل الله -عزَّ وجلَّ- براءَتَها وحيًا يُتلى، وسرَّ اللهُ الكريمُ به قلبَ رسولِه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وقلبَ عائشة وأبيها وأهلِها وجميع المؤمنين، وأثخنَ بهِ أعيُنَ المنافِقين -رضِيَ اللهُ عَنْها، وعن أبيها، وعن جميع الصحابةِ، وعن جميع أهل البيتِ الطَّاهِرين-).

هذه إشارةٌ إلى عقيدةِ أهل السُّنة في أهل البيتِ أنَّهم مقدَّمون، وأنهم مُقدَّرون، وأنهم نُبلاء ومُكرَّمون؛ لكن: لا نغلُو فيهم كما لا نجفو عنهم، ونتكلَّم فيهم بما ذكرهُ اللهُ عنهم أو رسولُه الكريم -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ولا ندَّعي فيهم العِصمة، ولا ندَّعي فيهم علمَ الغيب، ولا ندَّعي فيهم النفعَ والضرَّ من دون الله؛ فكلُّ ذلك مِما لا يَرضَونَه ولا يَقبلونه؛ بل يُحارِبونَه ويَنهَون عنه ويَرفُضونه.

وهكذا -أيها الإخوةُ- اسمَعوا ماذا يقولُ الإمامُ الآجريُّ في آخرِ جملةٍ مِن كلامِه، قال:

(لقد خابَ وخسِر مَن أصبحَ وأمسَى وفي قلبِه بُغضٌ لعائشةَ -رضِيَ اللهُ عَنْها-، أو لأحدٍ من أصحابِ رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أو لأحدٍ مِن أهلِ بيتِ رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-) رَضي الله عنهم جميعًا ونفعنا بحُبِّهم.

وها هُنا كلمةٌ نقلَها الإمامُ أبو محمَّدٍ ابن حزمٍ في كتابِه "المحلَّى" -وهو مِن أجلِّ كُتب الإسلام؛ كما قال الإمامُ شمسُ الدِّين الذهبيُّ في كتابه "سِير أعلام النُّبلاء"، ذكَر كُتب الإسلام المهمَّة؛ فذَكر مِنها كتاب أبي محمَّد ابن حزم "المُحلَّى"-، نقل الإمامُ ابن حزمٍ عن الإمامِ مالكٍ قولَه: (مَن سبَّ أبا بكرٍ وعُمرَ جُلدَ، ومَن سبَّ عائشةَ قُتِلَ)، قيل له: لِم يُقتلُ في عائشة؟ يعني: يُقتل في عائشة ولا يُقتل في أبي بكرٍ وعمر؛ قال: (لأن الله -تعالى- يقول في عائشةَ -رضِيَ اللهُ عَنْها-: { يَعِظُكُمَ اللهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ})، الإمام مالكٌ يقولُ -مستنبِطًا من الآيةِ-: (فمَن رماها؛ فقد خالفَ القرآنَ، ومَن خالف القرآنَ قُتل) أي: في هذا الأمرِ المكفِّر. لهذا قال ابنُ حزمٍ -معلِّقًا، وكاشفًا ما قد يُشكِل على الأذهان- قال: (قول مالكٍ -ها هُنا- صحيحٌ، وهي رِدَّةٌ تامَّة، وتكذيبٌ لله -تعالى- في قطعِه ببراءَتِها)؛ إذًا: مخالفةُ القرآن المؤدِّية للقَتل مِن أي باب ..؟ مِن باب أن فيها تكذيبًا لنصِّ القرآنِ الكريم الذي قطعَ ببراءَتِها -رضي الله-تعالى-عنها وأرضاها-.

وقال الإمامُ أبو بكرٍ ابن العربيِّ . . وأبو بكر ابن العربيِّ غير محيي الدِّين ابن عَربي! لذلك اصطلح أهلُ العلم على ابنِ عربي الصوفيِّ بـ(النَّكِرة!) تمييزًا له عن ابن العَربي المالِكي بشَيئَين بـ (أل) التَّعريف التي إذا رُفعت يكون صاحبُها نكرةً، وبعقيدتِه النَّكرة المُخالفة لكتاب اللهِ وسُنَّة رسوله.

قال أبو بكرٍ ابن العربي القاضي الفقيهُ المالِكيُّ في كتابِه المشهورِ "أحكام القرآن" قال: (إن أهلَ الإفكِ رمَوا عائشة المطهَّرة بالفاحشةِ فبرَّأها الله، فكلُّ مَن سبَّها بما برَّأها اللهُ منه؛ فهو مُكذِّب لله، ومَن كذَّب الله؛ فهو كافِر).

ثم قال: (فهذا طريقُ قول مالِكٍ)؛ يعني: هذا السَّبب الذي جعل الإمامَ مالكًا يقول بتَكفير مُخالِف القرآن -أي: في هذه الجزئيَّة، وعلى هذا المعنى-.

قال: (وهي سبيلٌ لائحة لأهلِ البصائر) يعني: أهلُ العلم الذين يَعرفون الحقائقَ الشَّـرعيَّة، والقواعدَ المرعيَّة؛ يعرفون أن حُكمَ الإمامِ مالِكٍ حُكمٌ صحيح.

ونقل شيخُ الإسلامِ ابن تيميَّة -رحمهُ اللهُ- في كتابه "الصَّارِم المسلولِ على شاتِم الرَّسول" قولَ القاضي أبي يَعلَى الحنبلي: (مَن قذف عائشةَ -رضِيَ اللهُ عَنْها- بما برَّأها اللهُ منه؛ كَفَر -بلا خِلاف-).

ثم قال شيخُ الإسلام: (وقد حكى الإجماعَ على هذا غيرُ واحدٍ، وصرَّح غيرُ واحدٍ من الأئمة بهذا الحُكم).

وهذا يُذكِّرني بفِريةٍ شيعيَّةٍ مُعاصِرة قاءَها وقالَها بعضُ فَجَرتِهم وكَذَبتِهم؛ قال: (إنَّ آياتِ الإفكِ الواردة في القرآن ليستْ في عائشةَ! وإنما هي في مارية القِبطيَّة -رضِيَ اللهُ عَنْها-أيضًا-)!

وقد نقل الإمام ابنُ الجوزيِّ في كتابه "زاد المَسير في علم التَّفسير" إجماعَ المفسِّرين -بلا خِلاف- على أن هذه الآيات نازلةٌ في تبرئةِ وتطهيرِ أمِّ المؤمنين عائشة -رضِيَ اللهُ عَنْها-.

فهؤلاء قومٌ يُخالفون الإجماعَ، يُخالفون نصوصَ كتابِ الله، يُخالِفون ما صحَّ عن رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ فهُم أحقُّ بما يَقولونَه وبما يَفترونه فيمَن برَّأهم الله منه، وفيمَن زكَّاهم الله بخلاف قولِهم.

أسأل الله -عزَّ وجلَّ- بأن يُلحقَنا وإيَّاكم والصَّالحين مِن عبادِ الله تحت لواء نبيِّه الكريم لنشربَ -لا لِنُطرَد-؛ إنَّه -سُبحانه- وليُّ ذلك والقادر عليه.

وصلَّى الله وسلَّم وبارَك على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آلِه وصحبِه أجمعين، ولا عُدوانَ إلا على الظالِمين.


طباعة
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل
روابط ذات صلة

الفتاوى المتشابهة الفتوى التالية

Powered by: MktbaGold 6.5