جواب الشيخ المحدث علي الحلبي على رسالة الشيخ الدكتور صادق البيضاني حول(قضايا منهجية)

جواب الشيخ المحدث علي الحلبي على رسالة الشيخ الدكتور صادق البيضاني حول(قضايا منهجية)
14002 زائر
01-01-1970 01:00
بسم الله الرحمن الرحيم


الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
مِن (عليّ بنِ حسنٍ الحلبيِّ الأثريِّ) -عفا اللهُ عنهُ-، إلى أخيهِ في الله (فضيلةِ الشيخِ صادقِ بنِ محمدٍ البيضانيِّ) - نَفَعَ اللهُ بهِ-.

السلامُ عليكُم ورحمةُ الله وبركاتُه؛ أمَّا بعدُ:

فقد استلمتُ -عبرَ (البريدِ الألكتروني)- صورةَ رسالتِكُم الكريمةِ؛ المُرسَلَةِ إليَّ بتاريخ (10/ذي القَعدَة/ 1431هـ)، والتي تضمَّنَت الاستفسارَ عن أربع قضايا كُلِّيَّة أثارَها (بعضُ الفُضلاء) -كما ورَد وصفُهُم في رسالتِكم الكريمةِ- حولَ بعضِ ما نُقِلَ عنِّي، أو أُخِذَ عَلَيَّ مِن مسائلَ، أو أقوالٍ...
فأعتذِرُ -ابتِداءً- عن التأخُّرِ في الردِّ، ثُمَّ إنِّي أقولُ:

1-
نصُّ الاستِفسارِ الأوَّل:
(موقفكم مِن رسالةِ عمَّان؛ فهل تُزكُّونَها وتُزكُّونَ ما جاء فيها مِن البُنود والمضامين؟؟)...

فأجيبُ -بحولِ الله وبقوَّتِه-:

أوَّلاً: يجبُ أن نُفرِّقَ بين (رسالةِ عمَّان)، و(مضامين رسالة عمان)؛ فهما شيئان مُتبايِنان:
- فـ(رسالة عمَّان) هي التي جَرَى ذِكرُها على لِسانِي -حَسَبَ ما سيأتِي شرحُهُ وبيانُهُ-.
- أمَّا (مضامين رسالة عمَّان)؛ فهي رسالةٌ مستقلَّة؛ عبارة عن شَرحٍ وتعليقٍ وإضافةٍ، كَتَبَها بعضُ السياسيِّينَ (!) يقدّم فيها آراءه وتوجُّهاته في
(رسالةِ عمَّان)
!
وأقولُ -هُنا-: في (مضامين رسالة عمَّان) مِن الأخطاءِ والمُلاحظاتِ -ممَّا لا نرضاه- ما لا يُوجدُ في (رسالة عمَّان) -بتاتاً-.
ومَن خَلَطَ بينهُما فلمْ يُصِبْ.

ثانياً: هذه الزوبعةُ التي أُثيرَت حولَ (رسالةِ عمَّان) إنَّما أُثيرَت لِـمَا ادُّعِيَ عليها مِن القولِ بوحدةِ الأديانِ، وما إلى ذلك مِن شِركٍ وكُفران!
ولولا هذه الدَّعوَى الباطلةُ -بَدْءاً وانتِهاءً- لَـمَا ذُكِرَت، ولا تُذُكِّرَت!
عِلماً أنَّ كَلامِي بشأنِها -الذي أثارَهُ القومُ- وثوَّرُوهُ!- كان قبل أكثَرَ مِن خمسِ سنواتٍ!!!
فلماذا الآنَ؟!

ثالثاً: مِن بابِ التعريفِ بـ(رسالةِ عمَّان) -وبيان واقعها، وحيثيَّاتِها، وموقعِها، وما يتَّصِلُ بها-؛ أقولُ:

1-
صدرَتْ باسمِ وليِّ أمرِ بلادِنا (الملك عبد الله الثاني بن الحسين) - جمَّلَهُ اللهُ بتقواه-، وليست صادرةً مِن وزارة أوقاف، أو هيئة جامعيّة ، أو قضائيّة، أو أيّ جهة أُخرَى -لا شرعيَّةٍ ولا غير ذلك-...

2-
صَدَرَت قَبلَ سِتِّ سَنواتٍ-وفي ليلة السابع والعشرين من رمضان- تحديداً- معنىً مقصوداً-..

3-
(رسالة عمّان)
-بمُجْمَلِها-أساساً-أرادَ بها
(صاحبُها)
أن تكونَ شَرحاً مُوجزاً وعامّاً، وبعِباراتٍ مختصرة لطيفةٍ غير مطوّلة؛ تُبَيِّنُ شمائلَ الإسلام، ومحاسِنَه.
وقد دَفَعَ إلى كتابتِها الواقعُ المرُّ الذي يعيشُهُ الإسلام والمُسلمون في ظِلِّ المتغيِّرات العالميَّة -والسياسيَّة- الكثيرة.

4-
صِيغَتْ (رسالة عمّان) بلُغة (دبلوماسيَّة) عصريَّة؛ لأنَّها -في الأصل- مُوجَّهة إلى فئاتٍ معيَّنَة مخصوصة مِن النّاس؛ وليس لعامَّتِهِم؛ حتّى يعرفوا حقيقة دينِ الإسلام -ولو بالجملة-؛ ممَّا جعلَ فيها بعضَ العباراتِ الفضفاضة، أو المُوهِمَة، أو المُجْملَة....
* وبطيِّ رسالتِي هذه: نسخةٌ مِن (الكلمةِ الافتتاحيَّةِ) التي ألقاهَا خادِم الحرمَين الشريفَين الملكُ عبدُ الله بنُ عبدِ العزيزِ -حفظهُ اللهُ- في (المؤتمرِ العالميِّ للحوارِ) -في إسبانيا / مدريد- بتاريخ: 25/تموز/2008؛ للمقارنةِ بينَها وبينَ كثيرٍ مِن عباراتٍ وألفاظٍ وجُمَل (رسالة عمَّان) -مِن حيث الصياغة الدبلوماسية-.
وعليه؛ فأقولُ:

هَل مِن مَصلحةِ دعوتِنا السلفيَّةِ -خُصوصاً-، وعامَّة المُسلمِين في بَلَدِنا- عُموماً- أنْ نُعلِنَ بنقدِ هذه (الرسالة) -وهي الصادرةُ باسمِ وليِّ أمْرِ بِلادِنا-، فَضلاً عن أنْ نَطْعَنَ بها -مع عدمِ استطاعتِنا ذلك، ولا قُدرتِنا عليه -واقعيًّا-!؟

أمْ أنَّ الأجْدَى والأنفعَ -للجميعِ- حملُ تلك العبارات
(الفضفاضة، والمُوهِمَة، والمُجمَلة)
على أقرب المعانِي اللغويَّةِ التي لا تُخالِفُ الشَّرْعَ، مع الشرحِ والتقريبِ والبيانِ لِـمَا
(قد)
يُوهِمُ مِنها مُخالفةَ الشَّرع؟!

5-
هي مُوجَّهةٌ إلى غيرِ المُسلمين -ابتداءً-؛ ولأهل الشَّأنِ والقرار منهُم -مِن حُكّام وصحفيِّين، ورُؤساء، ووُزراء، و.. و.. - على وجهٍ أخصَّ-.
وقد تُرجِمَتْ إلى عددٍ كبيرٍ مِن اللُّغاتِ الأجنبيَّةِ-ووُزِّعت ونُشِرت على أوسعِ نِطاقٍ-...

6-
أقرَّها عددٌ كبيرٌ مِن الجهاتِ الرسميَّةِ والشعبية- في الأُردُنّ وخارجها- حتى مِن العُلماء-بكافّة مراتِبهم واتجاهاتِهم-، والوُلاة -بتعدّد مناصبهم ودرجاتِهم- ؛ منهُم: خادِمُ الحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْن الملك عبد الله بن عبد العزيز، وفضيلة الشيخ عبد الله بن سليمان المنيع -حفظهما الله -تعالى- على سبيلِ المِثال-كما هو مُثبَتٌ في ميثاق الرسالةِ-...
فما (قد) يُنتقَدُ به (عليّ الحلبيّ !) أوْلَى وأوْلى أنْ يكونَ المُنتَقَدُ به: ذَوِي الهيئاتِ هؤلاءِ - زادَهُمُ اللهُ سداداً وتوفيقاً-وبخاصةٍ إذا كانُوا أقربَ إلى المُنتقِد، وأدنى إليه!-...

ولئن ألزَمَنا المنتقِدُ -نحن- بهذا القولِ دون أولئك ؛ فإنّ الخوارجَ والتكفيريّين -وما أكثرَهم وأشدَّ تربُّصَهم!-سيُلزمونه -هو- بقولهم-شاء أم أبَى!- بل مِن بابِ أَوْلَى!!
وهذا-كما لا يخفى على ذوي الفِطَنِ- فتحٌ لبابٍ كبيرٍ عظيمٍ للخوارج والتكفيريّين -هؤلاء!-؛ يدخلون به -أكثرَ وأكثرَ-إلى ولاة أمور المسلمين وعلمائهم، للحُكمِ عليهم بالردّةِ والكفر المستبين ، والخروج عن المِلَّةِ والدِّين...

فوافرحةَ هؤلاء -بانحرافِهم وضلالِهم- بمثل أولئك -بفتاواهم وتسرُّعِهم- !!

7-
ليستْ (رسالةُ عمّان) (قُرآناً) -كريماً- لا يأتِيه الباطِل مِن بَيْنِ يدَيْه ولا مِن خَلْفِه؛ وإنَّما هي نَتاجٌ بشريٌّ مَحْضٌ ؛ قُصِدَ بها خيرٌ صِرْفٌ...
وهي بذلك -ولا شكّ- عُرضةٌ للأخذِ والرَّدّ، والمُناقشة، والبحث...
ولكنْ؛ بالتي هي أحسنُ للّتي هي أقوم -وضِمن القنوات الشرعيَّةِ والرسميَّة-...
لا بالترصُّدِ، والتربُّص، والتلصُّص-كما فعل بعضُ الغلاةِ-ولا يزالون يفعلون!-...

8-
لمْ يكُنْ ثَنائي عليها-بل مجرّد ذِكري لها وإشارتي إليها!-والذي لا يتجاوزُ سطراً واحداً!-وفي ظرفٍ خاصٍّ جدًّا!!- وذلك أثناءَ إلقائِي خُطبةَ جمعةٍ أمامَ مَلِكِ بِلادِنا ووليِّ أمْرِنا -وذلك بعدَ تفجيراتِ عمَّان - قبلَ خمس سنواتٍ!- ثناءً عامًّا على كُلِّ حُروفِها وكَلماتِها ومحتوياتِها -فضلاً عن مضامينِها-؛ وإنَّما هو -بداهَةً- ثناءٌ على أصلِ فكرتِها، وأساس مَبناها؛ في أنَّ الإسلامَ دينُ الرَّحمةِ، وليس دينَ الإرهابِ والتطرُّفِ -لا أكثر-؛ رَبْطاً لملكِ بلادِنا-سدّده اللهُ- بالإسلامِ، وبياناً لِحِرصِه عليهِ، ودعوتِه إليه...

فقد قُلتُ -في خطبتي- ابتِداءً-:
(فَالشُّكْرُ -كُلُّه- مُوَجَّهٌ لِمَلِيكِنا -جَزاهُ الله خَيْراً، وَزَادَهُ فَضْلاً وَبِرًّا- فِي رِعايَتِهِ، وَحِياطَتِهِ، وَسَهَرِهِ، وَحَدَبِه، وَحرصه، وحِراسَتِه)، ثُمَّ قُلتُ-بعدُ- ما نصُّه-:
(وَما (رِسالَةُ عَمَّان) -السَّبَّاقَةُ فِي شَرْحِ رِسالَةِ الإِسْلام الحَقّ الوسطيّة- الَّتي أَطْلَقَها -حَفِظَهُ الله وَرَعاه- قَبْلَ أَكْثَرَ مِن عام: إِلاَّ دَليلاً قَوِيًّا، وَبُرْهاناً جَلِيًّا عَلَى عِزَّتِهِ بِهَذا الدِّين وَصَفائِهِ، وَاعْتِزازِهِ بِجَمالِهِ وَنَقائِه، وَحِرْصِهِ عَلى تَقَدُّمِهِ وَبَقائِه؛ مِمَّا يَسْتَدْعِي لُزُومَ طاعَتِهِ بِالحَقِّ المَأْلُوف، وَوُجوبَ التِزامِ أَمْرِهِ بِالبِرِّ وَالمَعْرُوف)...

... فقولِي: (رسالة الإسلام الحق) -هكذا- جليٌّ في تميُّزِ دين (الإسلامِ) عن غيرِهِ من (الأديان)، وعَدَمِ اختلاطِهِ بها !! وأنّ التديّنَ بما سواه باطلٌ؛ كما قال -تعالى: { إنّ الدينَ عند الله الإسلامُ } و:{ ومَن يبتغِ غيرَ الإسلامِ ديناً فلن يُقبلَ منه وهو في الآخرةِ من الخاسرين}-..
وهذا ممَّا ينقضُ أصلَ تِلكَ الدَّعوَى الكفريّة -التكفيريَّة- الباطلة-جذرياً-؟!
فكيفَ أُلْزَمُ -مفهوماً- بعَكْسِ نصِّ كلامِي -منطوقاً-!؟
فضلاً عن توكيديِ -كما هو ظاهرٌ-وفي السياقِ ذاتِه-على
(نقاءِ)
الإسلامِ ،
و
(صفائِه)،
و
(بقائِه)؛
المُناقضِ-كلُّه-تماماً-لدعوى
(وحدة الأديان)
-الكفرية الباطلةِ-كلّيّاً-....

9-
إلزامي بكُلِّ حرفٍ أو كلمةٍ (!!) في (رسالةِ عمّان): إلزامٌ باطلٌ؛ فلا كلامَ على وَجه الكمال والتمام -يلتزمُ به العبدُ-كلِّه- إلا كلام الله -تعالى-، ورسولِه -صلى الله عليه وسلم-.
وهذه بدهيَّةٌ لا تحتاجُ إلى كثيرِ قولٍ، أو مزيد بيانٍ-ولولا غلوّ الغُلاة وتربّصُهم لَمَا وقفتُ عند هذه النقطةِ -أصلاً-!
ولا يَخفَى على ذَكِيٍّ زَكِيٍّ أنَّ (لازِمَ المَذهَبِ ليسَ بلازِمٍ)؛ فكيفَ مع نَفْيِ ذاك الّلازِمِ المُنكَرِ (الباطل) -والذي لم يخطُر لي على بال!- ونَقضِهِ؟!

10-
(رسالة عمّان)
أضحت في بلادِنا-شئنا أم أبَيْنَا!- مادَّةً علميَّةً تربَوِيَّةً منهجيّةً
(مفروضةً)
على طلبةِ المدارس والجامعات والمعاهد والكليّات -فضلاً عن المؤسَّسات والدوائر والوزارات- الأردنيَّة، وأضحَت تُقام لشرحِها وبيانِ مقاصدها الدوراتُ في المساجد، وحِلَق التعليم في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلاميّة -وغيرها مِن المرافق العامَّة الكُبرَى - في بلادنا الأردنّ-.
بل دُعِيَ إلى ذلك خَلائقُ مِن عِلْيَةِ النَّاس وكُبرائهم -وعلى مستويات عدَّة- حتّى مِن خارجِ الأُردُنّ -أيضاً-، فضلاً عن المُؤلَّفاتِ، والرَّسائلِ، والمَقالاتِ -فيها -وما أكثرَها-.

11-
فهل مِن (العقل والحكمة) -وهما من (منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله)- أنْ نُفرح نحنُ -بأنفُسِنا!- أعداءَ الدِّين، ودُعاةَ الباطل، وأهلَ الضَّلال -فضلاً عن الكَفَرَة والمُشرِكِين-أو الخوارج والتكفيريّين- بأنَّ (رسالة عمَّان) تدعُو إلى (وحدة الأديان) -تلك العقيدة الكُفرِيَّة!-، وأنّها تتضمّن الباطل والمُنْكَرَ مِن القول والزُّور -كما يتمنَّى أولئك المُجرِمُونَ ويشتهون-؟!
أمْ أنَّ العَقْلَ والحكمةَ (!) يُنادِيان ويقضيان بأنْ (نُوَجِّه) ما (قد) يُوجدُ فيها مِن الكلامِ المُجمَلِ الذي (قد) يحتمل (شيئاً) مِن تِلْكُمُ المعاني الباطلةِ إلى معنىً حَقٍّ يلتقي عمومَ مضمونِ (الرسالةِ)-وسياقاتِها-، ولا يُخالِفُ الشَّرْع، ولا يَتناقَضُ مع دلائله ونُصوصِه -ما دامَ الأمرُ مُمْكِناً -هكذا-ومقبولاً-؟!
وهذا -تماماً- ما نحنُ حريصونَ عليه؛ إبقاءً على مقاصدِ هذه (الرسالة)-ومبانيها- بما لا يُخالف شيئاً مِن الشريعة -ومعانيها-.

12-
ما ادُّعِيَ على (رسالة عمّان) مِن أنَّها تدعُو إلى عقيدة
(وحدة الأديان)
-الكفرية-، أو .. أو .. -كُلُّه- ليسَ صريحاً، ولا ظاهراً -ألبتَّة-، وإنَّما هو ألفاظٌ يَسيرةٌ مُحتملَةٌ -ليس إلاّ-.
بل إنَّ فيها نصًّا ظاهراً جليًّا يُخالفُ ذلك، ويُناقضُهُ؛ وذلك
(نصُّ)
ما جاءَ فيها:
«أصلُ الدِّياناتِ الإلهيَّةِ واحدٌ، والمُسلمُ يُؤمنُ بجَمِيعِ الرُّسُلِ، ولا يُفَرِّقُ بَيْنَ أحدٍ منهُم، وإنَّ إنكارَ رسالةِ أيِّ واحدٍ منهُم خُروجٌ عن الإسلامِ؛ ممَّا يؤسِّسُ إيجادَ قاعدةٍ واسعةٍ للالتِقاءِ مع المُؤمنِينَ بالدِّياناتِ الأُخرَى على صُعُدٍ مُشترَكَةٍ في خِدمةِ المُجتمعِ الإنسانيِّ، دونَ مَساسٍ بالتميُّزِ العَقَدِيِّ، والاستِقلالِ الفِكريِّ؛ مُستندِينَ في هذا -كُلِّهِ- إلى قولِهِ -تعالى-: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير}».

... فأيُّ ادِّعاءٍ باطلٍ -ذاك- في موضوعِ
(وحدةِ الأديانِ)
-هذا-، مع هذا التنصيصِ الواضحِ الجليِّ على نَفْيِ ذلك وعَدَمِهِ، وبألفاظٍ مُتعدِّدةٍ شتَّى، لعلَّ أظهرَها ما جاءَ في
(الرسالةِ)
-كما تقدَّم-: «دونَ مَساسٍ بالتَّمَيُّزِ العَقَدِيِّ والاستقلالِ الفِكريِّ» -عند ذِكرِ الدِّياناتِ-..
وعليه؛ فمِن المُمْكِنِ -جدًّا- حملُ ما (قد) يُوجد فيها مِن ألفاظٍ مُحتملةٍ -بحُسنِ الظَّنِّ، وحُسن النَّظَرِ في السياقِ-من جهةٍ-؛ وفي إدراكِ المآلاتِ ومعرفة النتائج -من جهةٍ أخرى-إلى ما لا يُخالفُ الشريعة، وما لا يُناقض شيئاً مِن قواعدِ المِلَّةِ البديعة.

13-
فلْنَتَذَكَّرْ -جميعاً- الظَّرْفَ الذي يعيشُهُ المُسلمونَ في أنحاء العالم، والحالَ الواهيَ الواهِنَ الذي تحياهُ الأُمَّة في أرجائها -كافّةً-، والضعفَ الساريَ في جَسَدها، والتبعيَّةَ الشديدةَ المفروضةَ عليها؛ مِن أعدائِها -شرقاً وغَرباً-، وأَثَرَ ذلك في خِطابِنا، ولُغَتِنا، ومَواقِفِنَا- كافَّةً-.
و(الرسالة) راعت هذه الظروفَ-جداً- ولم تُغفلها!...
وهذا -كلُّه- ممَّا لا يَخفَى على عاقِلٍ -ولا أقولُ: عالمٍ-!

14-
أحوالُ بلاد المُسلمِين -عُموماً- تختلفُ مِن بلدٍ إلى آخَر -بل من مدينة إلى أخرى!-في عددٍ مِن الأُمور-؛ فليس كُلّ ما قد يصلُحُ في الحِجازِ يَصلُحُ في نجد، وما يَصلحُ في نجد قد لا يَصلحُ في عمَّان، وما يصلحُ في عمَّان قد لا يصلحُ في بغداد، وما قد يصلحُ في بغدَاد قد لا يصلحُ في دِمشق... وهكذا..
فمعاملتُها -جميعاً- على نَمَط واحدٍ: مُخالِفٌ لأصولِ إدراكِ المَصالح والمفاسد، ومعرفتِها، والترجيحِ بينها-ممّا هو معدودٌ من أعظمِ قواعدِ التشريعِ الإسلاميّ-...

15-
ما دامَ أنَّ (رسالة عمَّان) منسوبةٌ إلى وليِّ أمرِ بلادِنا -رَعاهُ اللهُ بهُداه-؛ فالواجبُ سُلوكُ سبيل السرِّ في نُصحِهِ وبيانِهِ، والتلطُّفُ في إبداءِ وُجُوه الصَّواب له -حفظهُ اللهُ- حكماً شرعيًّا سلفيًّا واضحاً-، إنْ كان فيها مُخالفةٌ ظاهرةٌ؛ وإلا فالأصلُ تحسينُ الظنِّ-ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً-...
أمْ أنَّ
(معامَلَة الحكَّام!)
-وأولياء أمور المُسلمِين- تختلفُ أحكامُها مِن بلدٍ (إسلاميّ) إلى آخَرَ؛ فيجوزُ الجهرُ بنقدِهم -هُنا!-، في الوقت الذي هو مِن أكبرِ الكبائرِ وعلامات الخوارج -هُناك-؟!!

16-
إذا كان الحُكْمُ الحقُّ (القاطِع) -مِن مشايخِنا- أنَّ في ( بعض ألفاظِ ) (رسالةِ عمَّان) ما (قد) يُمَثِّلُ -فِعلاً- القولَ بعقيدة (وَحدَةِ الأديانِ)-الكفرية-، وأنَّ إقرارَها أو الثَّناءَ عليها -ولو بالعُمومِ!- (يُلزِمُ) القولَ بذلك -وهذا ما لمْ يكُن، ولنْ يكونَ!-؛ فإنَّ هذا يُوجِبُ -قبل كلّ شيء- مراجعةَ وليّ أمر بلادِنا-سدّده الله- لإصلاحِ ما انتُقِد منها وضبطِه.
وحُسْنُ الظنّ به-حفظه الله بالإسلامِ والسُّنَّةِ- قَبولُ ذلك وتدارُكُه-..
وإلى ذلك الحين: فأنا بريءٌ من ُكلِّ ما فيه إقرارٌ-إنْ كان!- لشيءٍ مِن هذا الباطلِ أو غيرِهِ -في صغيرٍ أو كبيرٍ -فيها أو في غيرِها-...
واللهُ على ما أقولُ شهيدٌ.

ويُوجِبُ هذا على المُنتقِدِ -باتّجاهٍ آخَرَ-ولا بُدَّ- أنْ ينتقِدَ سائرَ مَن أقرَّها، ووافَقَ عليها- ممَّن ذُكرَت أسماؤُهُم -قَبلاً- فضلاً عن غيرِهِم-؛ لا أنْ يَحكُمَ على (زيدٍ)، في الوَقتِ الذي يَستَثْنِي فيه (عَمراً)-تحكُّماً محضاً!-كيلاً بمكيالَيْن، ووَزْناً بميزانَيْن!!
وكما لا نرضى (نحن) هذا له ؛ فلا يجوزُ أن يرضاه (هو) لنا!

17-
وأخيراً؛ فـ (الحكمة) -في التعريف العلميّ-: وضع الشيء في موضعِهِ!
{ ومَنْ يُؤتَ الحِكمةَ فقد أُوتِيَ خَيراً كثيراً}...
وأُضيفُ -خِتاماً لهذه النُّقطةِ- الأُولَى-:
أنِّي كَتَبْتُ -قَبلَ انتشارِ فتاوَى (التبديعِ) -الأخيرةِ!- وتداوُلِها!- مَقالاً مُطَوَّلاً بعُنوان: «براءةُ أهلِ السُّنَّةِ والإيمانِ مِن دَعوَى وَحدَةِ الأديانِ»، بيَّنْتُ فيه ما أنا عليه -مِن قَبْلُ ومِن بَعدُ- مِن الإنكارِ الحازم الحاسم الجازم لِهذه العقيدةِ الكُفريَّةِ الباطلةِ... خَتَمْتُهُ بقَولِي:
(إنَّ القولَ بوَحدَةِ الأديانِ -وما إليها... - كُفرٌ -وأيُّ كُفْرٍ-؛ لا يقولُ به إلاّ كافِرٌ مُستبين، أو جاهِلٌ غيرُ أمِين، أو ضالٌّ عن الحقِّ والدِّين)...
علماً أنَّ لي تعليقاً علميًّا -مطبوعاً ومنشوراً -مشهوراً- مُنذُ أكثرَ مِن عشرينَ عاماً!- في حاشيتِي على كِتابِ «العُبوديَّةِ» -لشيخِ الإسلامِ ابنِ تيميَّةَ- كتبتُهُ على قولِهِ (ص148) -رحمهُ اللهُ-:
«ذلك هو دينُ الإسلامِ، الذي بَعَثَ اللهُ به الأوَّلِينَ والآخِرينَ مِن الرُّسُلِ، وهو الدِّينُ الذي لا يَقبَلُ اللهُ مِن أحدٍ دِيناً إلّا إيُّاهُ.
وهو حقيقةُ العِبادةِ لربِّ العالمِينَ.
فنسألُ اللهَ العظيمَ أنْ يُثِيبَنا عليهِ، ويُكَمِّلَهُ لَنا، ويُميتَنا عليه، وسائرَ إخوانِنا المُسلمِينَ».
فقلتُ -مُعلّقاً-:

«فدَنْدَنَةُ بعضِ (العصرانيِّينَ) حولَ «وحدةِ الأديانِ»، و«التسامُحِ الدينيِّ»، و«الأُخُوَّةِ الإنسانيَّةِ»: مِن ضلالاتِ المُبطِلِينَ، وانحرافاتِهِم، بل كُفريَّاتِهم، وإنَّما يُريدُونَ بذلك اجتِثاثِ أصلِ الإسلامِ، ومَحْوِ حقيقةِ دينِ الله مِن النُّفوس، فالحذَرَ! الحَذَرَ!».
فماذا بعدُ؟!
ومع هذا وذاك؛ فلا يزالُونَ -كبيراً وصغيراً! مُقلِّداً ومُقلَّداً!- يَنسُبونَ إليَّ (!) بالباطلِ والزُّورِ هذا القولَ الكافِرَ المأزور!!

ومِن جهةٍ أُخرى؛ فمِن المقرّر-أصالةً-عندنا-نحن السلفيّين-خَلَفاً عن سَلَف-أننا لا نرضى -بل نرفضُ بشدّةٍ- دعوةَ
(التقريب بين الفرق والمذاهب!)
-لبطلانِها وضلالِها وفسادِها-؛ فكيف نرضى بدعوةِ
(وحدة الأديان!)
- وهي الأكثرُ بُطلاناً، والأشدُّ ضلالاً، والأظهرُ فساداً-بل الأعظمُ كفراً-!!!!!
وهذا ممّا لا ينبغي أنْ يغيبَ عن الفَطِن؛ ولكنْ!!
{ إنّ هذا لَشيءٌ عُجابٌ }
...
وثَمَّةَ إضافةٌ أُخرَى -مهمَّةٌ-؛ فأقولُ:
لماذا تَنزَّلَ -أو تنازَلَ!- مَن ضلَّلَنِي بسببِ هذه المسألةِ(!) المُفتراةِ -ومُقلِّدُوهُ- مِن الحُكْمِ بالتكفيرِ، إلى التبديعِ؟!
مع أنَّ القولَ بـ(وحدة الأديان) كُفرٌ أكبرُ!!
ولستُ أدرِي -حقيقةً- سببَ هذا التَّنازُلِ -أو التنزُّل!- منهُ -هداهُ اللهُ- ،ومدَى شرعيَّتِهِ!:
أهو مُراعاةٌ لشُعوري، وتلطُّفٌ بمشاعِرِي؟!
أمْ هُو وفاءٌ لِصِلَةِ ما يَقرُبُ مِن ثلاثينَ عاماً -معهُ!- أنْ تذهبَ هَباءً منثوراً؟!
أمْ إدراكٌ لِـمَا قد يَعتبرُهُ منِّي جَهلاً (!) بحُكْمِ عقيدةِ وحدةِ الأديانِ الكُفريَّةِ؛ يعذُرُنِي فيه بجهلي - مع كَونِي -حقيقةً- عارِفاً بحُكْمِهِ -تماماً-!!
أمْ تلطُّفٌ بِمُجتمعِ الدعوةِ السلفيَّةِ أنْ تَرِدَ إليهِ أحكامُ التكفيرِ في وقتٍ هُم أشدُّ ما يُحارِبُونَ فيه هذا التكفيرَ؟!
أم ماذا...؟!

وبِغَضِّ النَّظَرِ عن هذا وذاكَ وذيَّاك؛ فإن هذا الزعمَ- بالادّعاء عليّ- مِن أشدِّ الباطلِ وأفدحهِ ؛ فلقد بيَّنْتُ رَأْيِيَ الواضحَ الصريحَ -مِن قبلُ ومِن بعدُ-أكثرَ وأكثرَ- في موضوعِ (وَحدَةِ الأديانِ) -هذا -وتكفيرِ القائلِ به- جليًّا- في مَقالي: «الإعلان ...» -المُشارِ إليهِ قَبلاً-، والذي هو متضمّنٌ -أيضاً-بحمدِ الله- لُزوماً- تبرئةَ خادِمِ الحرمَيْنِ الشريفَيْنِ الملكِ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ العزيزِ، وكذا فضيلةِ الشيخ عبد الله بن مَنيع -حفظَهُمَا اللهُ- وغيرِهما-سواءً بسواءٍ- مِن أنْ يُقدِمَ مُتجرِّؤٌ موتورٌ على تبديعِهِما -فَضلاً عن تكفيرِهِما!-، وذلك على نحوِ ما عُومِلْتُ به أنا -رُغمَ التَّنازُلِ أو التنزُّل- المذكُورِ آنِفاً-!
ولستُ أظنُّ (!) أنَّ أحكامَ التكفيرِ -أو التبديعِ- المُنضبِطَةَ(!!!) لها صِلَةٌ مِن قريبٍ أو بعيدٍ بالحُدودِ الجُغرافيَّةِ، أو الإقليميَّة! فضلاً عن الرُّتَبِ الشخصيَّةِ، أو السياسيَّة!!
ومع هذا التوضيح والإيضاح، والتبيين والبيان، أقولُ:
لو استقبَلتُ مِن أمرِي ما استدبَرْتُ: لأغلقتُ هذه الأبواب -على وهنها-، وقطعتُ تلكُمُ الأسباب -على وهائِها-...
وصدقَ اللهُ -آمراً نبيه-صلى الله عليه وسلم-: {... وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ..}..

2-
نصّ الاستفسارِ الثَّاني:
«هل تَرَوْنَ حَصْرَ الكُفرِ بكُفْرِ الجُحودِ والتكذيبِ والاستِحلالِ القلبيِّ؟؟».

فأجيبُ:
أبداً؛ بل (أقسام الكُفرِ) معروفةٌ عندَ أهلِ العلمِ -قديماً وحديثاً-.
وقد نَقَلْتُ كلامَ الإمامِ ابنِ القيِّمِ- في عَدِّ وذِكْرِ (أقسامِ الكُفْرِ) -مِن كتابِهِ «مدارجِ السَّالكِين» -في كتابي «صيحَة نذير بخطرِ التكفير» -المطبوع قبل نحوِ خمسةَ عشر عاماً- وهو -للأسفِ- أحدُ الكِتابَيْنِ اللَّذَيْنِ انتَقَدَتْ (بعضَ) ما فيهِما (اللَّجنةُ الدائمةُ للإفتاءِ) -المُوقَّرة-ناسِبَةً إليَّ القولَ بالحصرِ المذكور!- وهو حصرٌ باطِلٌ، ونِسبةٌ إليَّ أشدُّ بُطلاناً-!

وقد بيَّنْتُ ذلك -أكثرَ وأكثرَ- في عددٍ مِن كُتُبِي ومُؤلَّفاتِي- لاحِقاً- مِثل: «الأجوبة المُتلائمة..»، و«التنبيهات المُتوائمة»، و«التبصير بقواعد التكفير»، و«التعريف والتنبئة بتأصيلات الإمام الألباني في مسائل الإيمان، والردّ على المُرجِئة» -وغيرها...- وكُلُّها مطبوعةٌ مشهورةٌ-.
وما (قد) يُوجَدُ في كلامِي -المكتوب أو المسموع- ممَّا
(قد)
يُخالِفُ هذا التأصيلَ: فينبغِي أنْ يُحمَلَ على هذا -لُزُوماً-...
فلا أُطيل...

3-
نصُّ الاستفسارِ الثالث:
«قُلتُم: إنّ وَصْفَ الصحابةِ بالغُثائيَّةِ ليسَ سبًّا، ثُمَّ تراجعتُم وقُلتُم: لا يجوزُ وَصفُهُم بالغُثائيَّةِ، فهل الثاني اعتذارٌ عن الأوَّلِ، واعترافٌ بأنَّكُم أخطأتُم؟؟».

فأجيبُ:
ليسَ القولُ الثاني تراجُعاً عن القولِ الأوَّلِ -ألبتَّةَ-، بل هو تكميلٌ له وتبيينٌ؛ ذلكُم أنَّ وصفَ
(السُّنِّيِّ)
للصحابةِ بالغُثائيَّةِ
(لا يجُوزُ)،
ولكنَّه -منهُ-
(ليسَ سبًّا)...
بخلافِ ما لو صَدَرَ هذا الوَصفُ القَبيحُ -الذي لا يجوزُ- مِن غيرِ (سُنِّيٍّ)؛ فإنَّه عينُ الطعن والسَّبِّ...
فلا (تراجُعَ)، ولا تَعارُض...

نَعَم؛ إذا تكرَّرَ ذلك الوصفُ -أو ما في معناهُ- ولو مِن منسوبٍ إلى السُّنَّةِ-: فإنَّهُ يُحكَم على قائلِهِ -بعدَ البيان وإقامة الحُجَّة- بالزَّندَقَة؛ ليسَ -فقط-
(لا يجوزُ)
!!

وهذا مشهورٌ عن الإمامِ أبي زُرعةَ الرَّازي -لمَّا قالَ-: «إذا رأيتَ الرَّجُلَ ينتقِصُ أحداً مِن أصحابِ رسولِ الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، فاعلَم أنَّهُ زِنديق».

* وبِطَيِّ هذه الرسالةِ: بعضُ فتاوَى أُستاذِنا الشيخ الشيخِ عبدِ المُحسنِ العبَّادِ -حفظهُ اللهُ - في كلمةِ (الغُثائيَّةِ) -نفسِها-، والتي يظهرُ لمتأمِّلِها أنَّها تلتقي -تماماً- كلامِي وقولِي -والحمدُ لله-...
فلَسْنا نَغلُو في الأحكام، ولا نَتساهلُ في الإقدام!

وقد جَمَعَ بعضُ تلاميذِي -سدَّدَهُ اللهُ- رسالةً -مِن كلامِي المَنثور في مُؤلَّفاتِي ومَقالاتِي وتسجيلاتِي- بعُنوان: «إتحاف السَّائل، وإفحام الجاهل، بما وَرَدَ في الصحابة الأصائل مِن الفضائل» -وهي مطبوعةٌ-.
فلا أُطيلُ -أيضاً-..

4-
نصُّ الاستفسارِ الرابع:
«نقدتُم الشيخ أبا إسحاق الحُوينيّ والشيخ محمد بن حسَّان نَقداً لاذِعاً، ثُمَّ صرتُم تُثنُونَ عليهِما في المجالسِ والأشرطةِ، فما هو الدَّافعُ للأمرَيْنِ»؟

فأجيبُ:
أمَّا أنَّه (نَقدٌ لاذِعٌ)؛ فلا .... فضلاً عن أنْ يكونَ تَبديعاً أو تضليلاً -كما نَسَبَهُ إليَّ -بالباطلِ- بعضُهُم!
أمَّا أنَّهُ (نَقدٌ)؛ فنَعَم...
ومَن ذا خالٍ مِن النَّقدِ؟!
وليسَ في نَقدِي لهُما ما يَنفِي ثَنائي عليهِما -ابتداءً-؛ فلا تَعارُضَ -بحمدِ الله-.
لكنِّي -في الحقيقةِ- صرتُ أرَى -لأسبابٍ عدَّة- أنَّ المُجاهَرَةَ بنقدِهِما ليس لها كبيرُ فائدةٍ -مِن حيثُ الأثرُ والتأثيرُ-..

فآثَرْتُ الإسرارَ بذلك وعدمَ الجهرِ بهِ، والتواصُلَ معهُم بالنُّصحِ الرَّفِيق، والتوجيهِ اللَّيِّن، وقد رأيتُ -بَعدُ- آثارَ ذلك- الكثيرة الطيِّبَة المُبارَكَة -بتوفيقِ الله -تعالى-:
فمِمَّا كُنتُ أنتقدُهُ على الشيخِ محمد حسَّان -نَفَعَ اللهُ به- أنَّهُ كان يُثنِي على (سيِّد قُطْب)، وأنَّه كان يُكثِرُ النَّقْلَ عن
(سيِّد قُطْب)
!
فناصَحْتُهُ، وأرسَلْتُ له كِتابَيَّ المَطبوعَيْنِ في الردِّ على (سيِّد قُطْب)، فتراجَعَ عن ذلك -كُلِّه-، وأمَرَ بحَذْفِ كُلِّ النُّقولِ عن (سيِّد قُطْب) مِن سائرِ كُتُبِهِ المَطبوعةِ -جزاهُ اللهُ خيراً-.
وممَّا كُنتُ أنتقِدُهُ على الشيخَيْنِ (محمد حسَّان) و(أبي إسحاق الحُوَيْنِيّ) -معاً-: سُكوتُهُما عن بعضِ التكفيريِّين -وبخاصَّةٍ المَدعُو (محمد بن عبد المقصود) -التكفيري-، وقد ناصحتُهما بذلك؛ فكان جوابُهُما أنّ سُكوتَهُما عنهُ مِن بابِ التخفيفِ مِن شرِّه، مع مُناصحتِهما له، وتذكيرِهما إيّاه.
وقد ذَكَرَا -حفظهُما اللهُ- أنَّ مُناصحتَهُما -تِلك- قد آتَت بعضَ أُكُلِها؛ حيثُ إنَّ ابن عبد المقصود -المذكور- كَفَّ عن طَعْنِه ببعضِ مشايخِ الدعوةِ السلفيَّةِ بتُهمةِ (الإرجاء)!
وفي زيارتِي الأخيرة لمِصر -قَبلَ أقلَّ مِن ثلاثةِ أشهُر- علمتُ مِن مَصدَرَيْن مُقرَّبَين -جدًّا- مِن الشيخ محمد حسَّان، أنَّه تركَ ابنَ عبد المقصود، وفاصَلَهُ...
وذلك الفضلُ مِن الله...
ونحنُ -واللـهِ- نَفرحُ بهذا التجاوُبِ الإيجابيِّ، ونَسعدُ لهذه الاستجابةِ السَّنِيَّةِ...
بعَكسِ مَن يَفرحُونَ بالزَّلَّةِ، ويتمنَّونَ لإخوانِهِم العَثْرَة!!

* وبِطَيِّ رسالتِي هذه: تفريغُ الاتِّصال الهاتفيّ -الذي جرَى في منزلِي- بين الأخ الشيخ مشهور حسن، والأخ الشيخ محمد حسَّان، في الاستِفسار عمَّا يُنتقدُ فيه الشيخ محمد حسَّان، وجوابهِ الجليّ على ذلك..

* وبِطَيِّها -أيضاً-: صورةٌ عمَّا كَتَبْتُهُ في مُقدِّمَةِ كِتابي «سؤالات علي الحلبي لشيخِه الإمامِ الألبانيِّ» حولَ ما يتَّصِلُ بالشيخ أبي إسحاق الحُوينيِّ -نَفَعَ اللهُ به- وبعض ما انتُقِد عليه-...
وأختِمُ بذِكْرِ إضافتَيْن هامَّتَيْن في هذه المسألةِ الأخيرةِ-:

الأُولَى: أنَّ الواقعَ الجديدَ للشيخَيْن الفاضِلَيْن -محمد حسَّان والحوينيّ- مِن تصدُّرِهِما في القنواتِ الفضائيَّةِ، واشتهارِهِما برَفْعِ رايةِ العقيدةِ السلفيَّةِ، ونَشْرِ السُّنَّةِ الصحيحةِ: اقتَضَى مِنِّي -حسب ما اجتهدتُ- لُزومَ حُسنِ التَّعامُلِ معهما، والتلطُّف بهِما؛ وذلك بالشدِّ على أيديهِما، والدُّعاءِ لهُما، والمُناصحةِ لهُما، والتواصي بالحقِّ والصَّبْرِ معهُما -نَشراً للسُّنَّةِ، وتَعاوُناً على الهُدى-؛ فأهلُ السُّنَّةِ أعْرَفُ النَّاسِ بالحقِّ، وأرحمُهُم بالخَلْق...
وليسَ مِن شكٍّ أنَّ كَسْبَ مِثلِ هذه الطَّاقاتِ -في مِثلِ هذه المَواقعِ- جِدُّ نافِعٍ للدَّعوةِ السلفيَّةِ، وانتشارها بين العامَّةِ والخاصَّةِ -بدَلاً مِن نَبْذِها وإهدارِها-...
وهذا -مِن حيثُ آثارُ قَنواتِهِما المذكورةِ- واقعٌ ملموسٌ محسوسٌ؛ لا يُنكِرُهُ إلّا جاهلٌ به، أو جاحدٌ له...
فقد نَفَعَ اللهُ -تعالى- بجهُودِهِما كثيراً مِن العِبادِ في كثيرٍ مِن البلاد...
ومَن يعمَل: لا بُدَّ أنْ يُخطِئ...

مع التنبُّهِ -والتنبيهِ- إلى فوارِقِ ما بَيْنَ أصنافِ تلكُم الأخطاءِ، مِن خطأٍ اجتهادِيٍّ، إلى خطأٍ قَطعيٍّ، ومِن خطأٍ فرعيٍّ، إلى خطأٍ عقائديٍّ...
مع لُزومِ وُجودِ التَّناصُحِ والبيانِ في ذلك -كُلِّه- حَسَبَ الأُصولِ والضَّوابط-.
وهكذا...

الثانية: لو أنَّنِي اختَرْتُ في (محمد حسَّان) و(الحُوَينِي) -مثلاً- أو غيرهما- قولاً يُناقِضُ القولَ الذي اختارَهُ بعضُ المشايخِ والعُلماءِ -مِن الطَّعنِ بهِما-؛ فهَل في هذا ما يُناقِضُ منهجَ أهلِ السُّنَّةِ وطريقتَهم في أحكامِ الجَرحِ والتعديلِ؟!
نَعَم؛ أنا أتكلَّمُ عمَّن لهُم أصولٌ سُنِّيَّةٌ سلفيَّةٌ واضحةٌ صريحةٌ...
ولا أتكلَّمُ عن الحزبيِّين، والتكفيريِّين -ومَن لَفَّ لَفَّهُم-!
وعليهِ؛ فإنَّ مخالفتي- أو عدَمَ مُوافقتِي- للشيخ فلان! أو فُلان في طَعْنِهِ بِفُلانٍ أو فُلان -ممَّن هُم على أُصولِ نَهْجِ السَّلَفِ والسُّنَّةِ-لا أُؤاخَذُ بها -ألبتّة-؛ ذلكم أنّي-في الوقتِ نفسِهِ- مُوافِقٌ مَن لا يقلُّ عنهُ مكانةً مِن أهلِ السُّنَّةِ- مِن فُضلاءِ العصرِ وعُلمائهِ- إن لم يكُن أكثرَ وأكبرَ...
ناهِيكَ عن أصلٍ علميٍّ راسخِ مُقَرَّرٍ، وهو: أنَّ الاختلافَ في الجَرحِ والتعديلِ -مِن جهةِ الضَّبْطِ، أو العدالةِ، أو البِدعةِ - خلافٌ اجتهاديٌّ سُنِّيٌّ مُعْتَبَرٌ في القديمِ والحديثِ- ضِمنَ الضوابطِ العلميَّةِ المعروفةِ-.
وهذا جدُّ واضحٍ...

ودلائلُ ذلك وشواهدُه -النظريَّة، والتطبيقيَّة- أكبرُ -وأكثرُ- مِن أنْ تُحصَرَ...فلا يُجادَلُ بها!
ولا يَنفِي هذا -أو يُعارضُ- لُزومَ وُجودِ التَّناصُحِ -بيننا-، وإبداءِ وُجوه التَّواصِي بالحقِّ والصَّبرِ والمَرحمَة-فينا-...

وأخيراً:
أشكُرُكَ -فضيلة الأخ الصادِق الشيخ صادق- على إحياءِ رُوحِ التَّواصِي والتَّواصُلِ والتَّناصُحِ-هذه- بَيْنَ أبناءِ الدَّعوةِ السلفيَّةِ ودُعاتِها؛ هذه الرُّوحُ التي كادَ بعضُ الغُلاةِ -هداهُمُ اللهُ- أن يُزهِقَها، ويَلفظَها...
فأحمدُ اللهَ -تعالى- على وُجودِك، ووُجودِ أمثالِك مِن النَّاصِحِين الأُمَناء، والأحبَّةِ الفُضلاء...
وجزاكُمُ اللهُ خيراً...
والسلامُ عليكُم ورحمةُ الله وبركاتُهُ.
وكتب
محبُّكُم
عليُّ بنُ حسنٍ الحلبيُّ الأثريُّ
-عفا اللهُ عنهُ-
عمَّان - الأردن
15/ذو القعدة/1431هـ

------------------------------------------------------------
المرفقات:
1-
الكلمة الافتتاحية في (المؤتمر العالمي للحوار) -إسبانيا - مدريد- لخادِم الحرمَين الشريفَين الملك عبد الله بن عبد العزيز -حفظه الله-.
2-
الفتاوَى المنقولة عن سماحةِ أُستاذِنا الشيخ عبدِ المحسن العبَّادِ -حفظهُ اللهُ- حول كلمة (الغثائيَّة).
3-
نَقْل مِن كِتابي «السُّؤالات» حولَ (أبي إسحاق الحويني).
4-
تفريغُ الاتِّصال الهاتفي للشيخ محمد حسَّان مع الشيخ مشهور حسن.
   طباعة 
0 صوت
Powered by: MktbaGold 6.5