فضائل العشر من ذي الحجة - 1

فَضائِلُ العَشـرِ مِن ذِي الحجَّـة

إن الحمدَ لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفسِنا وسيئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يضللْ فلا هاديَ له.

وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شَريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه.

أمَّا بعد: فإنَّ أصدقَ الحديثِ كلامُ الله، وخيرَ الهَدْي هديُ محمد -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكلَّ محدَثةٍ بِدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النَّار.

أمَّا بعد:

فمِن مِنن الله الكريم -جلَّ في عُلاهُ، وعظُم في عالي سَماه- أنَّه اختصَّ بعضَ خَلْقِه بشيءٍ من المزايا والفضائل التي فضَّلها على بعضٍ آخر؛ فجعلَ بين النَّاس مُفاضلاتٍ.

فلا شكَّ ولا ريبَ أن الأنبياءَ هم أفضلُ البشرِ، وليس مِن شكٍّ أن نبيَّنا -صلَّى الله عليه وسلَّم- هو سيِّد الأنبياء، وكذلك الحال فيمَن بعد الأنبياء؛ فالصَّحابةُ -رضي الله-تعالى-عنهم- هم سادةُ البشر بعد الأنبياءِ، وأفضلُ الصَّحابةِ: العشرة المبشَّرون، وأفضل العشَرة: الخلفاءُ الأربعة، وأفضل الخلفاءِ الأربعة: الشَّيخان -أبو بكرٍ وعُمر-، وأفضل الشَّيخَين: أبو بكرٍ الصِّدِّيق -رضيَ الله-تعالى-عنه-.

وكذلك: جعل -سُبحانه وتَعالى- في المكان فَضائلَ -لا توجد في بعضٍ وتوجَد في بعض-.

فلا شكَّ ولا ريب أن مكَّة المكرَّمة أحبُّ أرضِ الله إلى الله، وأن أفضل ما في مكَّة: هو المسجد الحرام والكعبة المُشرَّفة.

وكذلك الشأن فيما بيَّن النبيُّ -صلى اللهُ عليهِ وسلَّم- أنَّه لا تُشدُّ الرِّحال إلا إليه؛ وهم: المساجِد الثلاثةُ: المسجد الحرام، والمسجدُ النَّبويُّ، والمسجد الأقصى.

ومِن هذا الفضل: أنه جعل لهذه المساجد الثلاثة مِن الفضائل -في الصلاة ومضاعفاتِها- ما ليس في غيرِها؛ فصلاةٌ مفروضة في المسجد الحرام تعدِل مائة ألفِ صلاةٍ، وصلاةٌ مفروضةٌ في المسجد النبويِّ تعدل ألف صلاةٍ، وأربعُ صلواتٍ في المسجدِ الأقصى تعدل صلاةً في المسجد النَّبويِّ -كما أخبر النبيُّ-عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام-.

وقد جعل الله -سبحانَه وتَعالى- في الزَّمان زمانًا أفضلَ من زمان، ووقتًا أفضلَ من وقت، وظَرفًا خيرًا من ظرفٍ.

فلا شكَّ ولا ريب أن لشهرِ رمضانَ مِن الفضلِ ما لا يَعلمُ به إلا اللهُ، وأنَّ لِليلةِ القدْر -مِن شهر رمضان- ما لا يعلمُ فيه إلا الله، وكذلك جعل الله -سبحانه وتَعالى- مِن الأشهرِ أشهرًا حُرُمًا، وجعل من الأشهُر أشهُرًا للحجِّ.

كل ذلك بيانٌ وتوكيدٌ وإثباتٌ لمنزلةِ هذه المخلوقات -بعضِها فوق بعض، وبعضِها على بعض-.

فمِن الزَّمان زمانٌ أفضل مِن زمان، ومن المكان مكانٌ أفضل مِن مكان، وكذلك الشأنُ في الأعيانِ والإنسان؛ حتى الملائكة: بعضُهم خيرٌ من بعض؛ فجبريل وميكائيل وإسرافيلُ وحمَلة العرش؛ هم أفضل الملائكةِ -على فضلِهم جميعًا، وهم الذين لا يَعصون اللهَ ما أمرهُم ويفعلون ما يؤمَرون-.

وها نحن -أيها الإخوةُ في الله!- على بُعدِ أيَّام قليلةٍ من شهرِ ذي الحجَّة، هذا الشَّهر المُبارَك الذي فيه أيامٌ مِن أفضل الأيَّام، وأوقاتٌ مِن أعظم الأوقات.

وقبل أن نَبدأ بذِكر شيءٍ من هذه الفضائل: نبيِّن فرقَ ما بين الأشهرِ الحرُم وأشهر الحجِّ.

فاللهُ -تعالى- يقول: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ}، وعندما ذَكر -سبحانه-عدة الشهور قال: {مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ}....

فكثير مِن النَّاس يَخلطون بين(أشهُر الحجِّ) وبين (الأشهر الحرُم).

الأشهُر الحرُم؛ يقول أهلُ العلم: هي ثلاثةٌ سردٌ وواحدٌ فرْد. (ثلاثة سَرْد): أي متواصلة مَسرودة، و(واحد فَرْد): أي مُستَقِلٌّ.

أما المستقِل: فهو رجب؛ لذلك: يُطلِق العرب على شهر رجَب أنه: (رجب الفَرد).

وأما السَّرد؛ فذو القعدة، وذو الحجة، وشهر اللهِ المحرَّم.

هذه الأشهُر التي هي الأشهر الحرُم.

أما أشهُر الحجِّ: فهي شوال، وذو القعدة، والعشر الأُوَل مِن شهرِ ذي الحجة.

فبان -بذلك- أن هذه العشرَ الأوَل -وبعض أهلُ العلم ألحقَ بها أيَّام التشريق- من شهر [ذي الحجَّة]- جمعت مِن الفضائل فضائل قد لا توجد في غيرِها؛ فهي من أشهر الحج -مِن جهة-، وهي من الأشهر الحرُم -مِن جهةٍ أخرى-.

واللهُ -تبارك وتعالى- عندما ذكَر الحجَّ في كتابه؛ ماذا قال؟

قال: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ - لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ}.

قال ابن عباس: (الأيَّام المعلومات: هي العشر الأُوَل من شهرِ ذي الحجة) -التي نتكلَّم عن فضلها-.

ووصْفُ الله لها بأنها معلومات: إشارةٌ إلى أهميَّتِها، وتنبيهٌ لفضلِها، وتنبيه على مكانتِها، وإشادةٌ بذِكرها؛ فهي معلوماتٌ معروفاتٌ مشهوراتٌ وفي النُّفوس مُقرَّرات.

هذا مقصودُ قول الله -عزَّ وجل- {مَعْلُومَاتٍ}.

ثم اللهُ -عزَّ وجلَّ- يقولُ -سبحانَه- في آيةٍ أخرى-: {وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ}

كثيرٌ من النَّاس -أيضًا- يخلطُ بين (الأيَّام المعلومات)، و(الأيَّام المعدودات).

والأيَّام المعدودات: أشهر الأقوال؛ أنَّها أيَّام التَّشريق: الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر-من شهرِ ذي الحجة-؛ لذلك: بعضُ أهل العلم -كما أشرتُ- ألحَق أيَّام التشريقِ بأشهُر الحج.

والنبيُّ -عليهِ الصَّلاة والسَّلام- يقول: "أيَّام التَّشريق: أيَّام أكلٍ، وشُرب، وذِكرٍ لله"؛ لذلك: أرجحُ الأقوال أن أيَّام التشريق لا يجوزُ صيامُها -لا للحاجِّ، ولا لغيرِ الحاجِّ؛ إلا: الحاجُّ الذي لم يجدِ الهدْي إذا كان متمتِّعًا؛ فيصوم ما عليه من صَوم في هذه الأيَّام-استثناءً وخروجًا من عُموم النَّص-.

وكذلك قول الله -عزَّ وجلَّ-: {وَالْفَجْرِ - وَلَيَالٍ عَشْرٍ}.

قال الإمام الطبريُّ في "تفسيره": "وعلى هذا إجماع أهل التَّأويل أنَّ اللياليَ العشرَ المذكورةَ في هذا النصِّ القرآنيِّ إنما هي عشرٌ من ذي الحجة".

كل ذلك إشارةٌ كريمة جليلةٌ عظيمةٌ أنَّ هذه الأيَّام المبارَكة المبرورةَ مذكورةٌ في نصِّ القرآن الكريم بإجماعِ السَّلف والخلف -كما قال الإمامُ ابن كثيرٍ في "تفسيره"-أيضا-.

وقد روى الإمامُ أبو داودٍ: عن الصَّحابي الجليل -ابن عمِّ رسول الله-صلى اللهُ عليهِ وسلَّم- عبد الله بن عبَّاس قال: قال رسولُ الله -صلى اللهُ عليهِ وسلَّم-: "ما مِن أيَّام العملُ الصَّالح فيهنَّ أحبُّ إلى اللهِ مِن هذه الأيَّام"، قال الرَّاوي: يعني أيَّام العشر، قالوا: يا رسول الله! ولا الجهادُ في سبيل الله؟ فقال -صلى اللهُ عليهِ وسلَّم-: "ولا الجهادُ في سبيلِ الله؛ إلا رجلٌ خرج بنفسِه ومالِه؛ فلم يرجعْ مِن ذلك بشيءٍ"..

هذا إنسانٌ عَمَلُه على هذه الصُّورة -إذا كانت موافِقةً للشَّريعة، مُنضبطةً بأصول المِلَّة، مُرتبطةً بأقوالِ عُلماء الأمَّة-؛ فإنَّه -والحالةُ هذه- يكون فِعلُه خيرًا من فعل العامِل بشَرع الله، والمطبِّق لطاعة الله، والمتبِّع لسُنَّة رسول الله، والذَّاكِر لله في هذه الأيَّام العشر-دون الجهاد على هذه الصورة-.

ها هنا تنبيهٌ يغلط فيه كثيرٌ من النَّاس:

كلمة (العمل الصَّالح) كلمةٌ عامَّة؛ تشمل: الصَّلاة، والصِّيام، والصدقةَ، والذِّكر، وغير ذلك..

فبعضُ أهلِ العلم يقول بأنَّه يُصام في هذه العشرة -كلِّها-.

وعلى ذلك كثيرٌ من النَّاس -في كثيرٍ من البِلاد-.

لكنَّ الصَّواب: كما في حديث السَّيِّدة عائشة -رضي الله-تعالى-عنها-وهي التي يقول عنها الحافظُ ابنُ حجرٍ: (هي أعلمُ النَّاس بِعبادة رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- في سفَره وحضَره، في ليلِه ونهارِه)-؛ قالت: "لَم أرَ رسول الله -صلى اللهُ عليهِ وسلَّم- يصومُ العشرَ من ذي الحجةِ قطُّ".

فهذه إشارةٌ إلى أن النبيَّ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام- لم يَصُمْها كاملةً.

لكن:

هل صام بعضًا وترك بعضًا؟

النصُّ ساكتٌ عن هذا؛ لكنْ: عموم العمل الصَّالح يشمل الصِّيام -لا شكَّ، ولا ريب-.

لكن أن تُصام كلُّها؛ فلم يَرِد في ذلك دليلٌ صريحٌ؛ بل هذا النصُّ في النَّفيِ صريحٌ في عدمِ صيامِ النبيِّ -صلى اللهُ عليهِ وسلَّم- لهذه العشرِ كاملةً.

قد يقول قائلٌ: ماذا نفعلُ في الحديث الذي يقولُ فيه أحدُ الصَّحابةِ: "كان رسولُ اللهِ -صلى اللهُ عليهِ وسلَّم- يصوم التسعَ مِن ذي الحجَّة"؟

نقول: ذكَر المحقِّقون -من أهل العلم- أن هذه (التِّسع) المقصود بها: (يَوم التَّاسع)، وهو يومُ عرَفة، وهو الذي يُكفِّر سنتَين -السَّنَة الماضية، والسَّنَة الباقيَة-كما في "صحيح الإمام مسلم"-.

إذن: الذين يَصومون بِنيَّة عموم العمل الصَّالح في العشرة أيَّام كلِّها؛ هذا ليس مِن السُّنَّة في شيء.

ووَرد في "مسند الإمامِ أحمد": عن عبد الله بن عمر -رضيَ اللهُ-تعالى-عنهُما-: أن رسولَ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال -في رواية أخرى للحديثِ الأوَّل-نفسِه- قال: "ما مِن أيَّام أعظم عند الله، ولا أحبُّ إليه العملُ فيهنَّ مِن هذه الأيَّام العشْر؛ فأكثِروا فيهِنَّ مِن التَّكبير والتَّهليل والتَّحميد".

فهذه إشارة توضِّح -أكثر وأكثر- أن المقصودَ بالعمل الصَّالح -أصالةً-؛ هو الذِّكرُ لله -الإكثارُ مِن ذِكر الله-؛ {أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}، {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ}.

الذِّكرُ: مِن أعظم العبادات، وكم وكم مِن النَّاس -على يُسرِ الذِّكر- هم عنه غافلون! وهم عنه ساهون!

وعندما جاء ذلك الرَّجل إلى رسول الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- يقول: يا رسول الله! لقد تكاثرت عليَّ شرائع الإسلام؛ فأوصِني! قال: "أن لا يزال لسانُك رطبًا بذِكر الله".

فذِكر الله -تبارَك وتعالى- مِن أعظم ما يتقرَّب به العباد إلى الله -سُبحانَه وتعالى-، مُتَّبعين ومُتأسِّين ومُقتَدين برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهو سيِّد الذَّاكِرين، وسيِّد الشَّاكِرين -صلى الله عليه وعلى آله وصحبِه أجمعين-.

ومما ذكَره أهلُ العلم في فضل هذه الأيَّام العشْر -التي هي خيرُ أيَّامٍ على العُموم، وخيرُ أيَّامٍ في شهر ذي الحجَّة-على الخُصوص-: أنَّ فيها الحجَّ، وفيها يومُ التَّرويَة -الذي هو يومُ الثَّامن-، وهو مُفتَتح أعمالِ الحجِّ.

ولئن كان القولُ في يوم الثَّامن أنَّه سُنَّة -كما ذهب بعضُ أهل العلم-؛ لكنِّي أعتقد أن هذا الذي ضحَّى بِمالِه، وضحَّى بوقتِه، وضحَّى براحتِه، وفارقَ الأهلَ والولدَ والبلدَ ليحجَّ حجَّة -قد لا يرجع إلى هذه البقاع المقدسة مرةً أخرى-؛ فإن كثيرًا مِن النَّاس يتساهلون! فلا يعرفون يوم التروية! يذهبون مباشرةً إلى عرَفة؛ لا يمكثون في مِنى يوم الثامن!

ولا شكَّ ولا رَيب: أن في هذا مخالفةً لفضلِ يوم التَّروية -الذي هو مُفتتح أيَّام الحجِّ-من جهة-، والذي هو سُنة رسول الله-صلى اللهُ عليه وسلم- القائل: "لِتأخُذُوا عنِّي مَناسِكَكُم"-.


طباعة
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل

Powered by: MktbaGold 6.5