كلمة حول ( أحداث مصر ) - 2

كلمة حول ( أحداث مصر ) - 2
5144 زائر
01-01-1970 01:00

=

فأوَّل الأمورِ: آية.

وثانيها: حديث.

وثالثُها: أثرٌ من آثار السَّلف الصَّالحين.

ورابعُها: قاعدة مِن قواعد الفِقه.

وقَواعد الفِقه تَختلف عن قواعدِ الأُصول؛ لأنَّ قواعدَ الفِقه ألصقُ بِشُؤون المسلمين العَمَليَّة الحياتِيَّة الواقعيَّة العامَّة؛ بينما القواعد الأصوليَّة أقرب ما تكونُ إلى عقول العلماء وأنظارهم في التَّفهُّم والاستِنباط مِن النَّص؛ بينما القاعدةُ الفِقهيَّة إنَّما هي مُستنبطةٌ -أساسًا- مِن عُموم الأدلَّة الشَّرعيَّة، -سواءٌ في كتابِ الله، أو في سُنَّة رسول الله-صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-.

فمما اتَّفق عليه أهلُ العلم الثِّقات مِن القواعد الأساسيَّات في فهمِ الشَّريعة وأُصولِها المَنيعةِ؛ قولُهم: (درءُ المَفاسِدِ مُقدَّمٌ على جلبِ المَصالح)؛ هذه من قواعد الفِقه المحرَّرة والمحبَّرة.

وقد يلتحقُ بها -مِن مِثلها- قاعدةٌ أخرى -وفي السِّياق ذاتِه-؛ وهي قولُهم: (إنَّ ارتكابَ أخفِّ الضَّرَرَيْن هُو الأصلُ؛ دَفعًا لأكبَرِهِما).

أمامَنا ضَررانِ؛ لا بُدَّ أن نتلبَّس بِأحدِهما -ليس لنا خَيار-؛ فما هو الفِعل الحق؟!

الفِعل الحقُّ: ارتكابُ أخفِّهما؛ دفعًا لأكبرِهما وأشدِّهما.

القاعدة الثَّالثةُ -في الباب نفسِه، وانطلاقًا مِن الأصل ذاتِه-؛ قولُهم: (عندَ تَزاحُمِ المصالِحِ تُحَصَّلُ المصلحةُ الرَّاجحةُ، وتُترَكُ المصلحةُ المرجوحةُ).

فلننظر الواقعَ الأليم الذي يكاد يُودي بأمنِ البِلاد والعباد، والذي قد تكونُ بِدايتُه أمرًا هيِّنًا، وكلامًا ليِّنًا؛ كما يقولون: (نحن نفعل مَسيرةً سِلميَّة.. أو مُظاهرة سِلميَّة)!!!

فإذا بها في أوَّلها كذلك، وفي آخرها على النَّقيض مِن ذلك!!

فكيف إذا كانت مِن أوَّلها على غير ذلك؟!!

وقد تكون في أوَّلها وثانيها وثالِثها على معنى ذلك، وفي ما هنالك؛ لكنْ: في كلِّ مرَّةٍ تَزدادُ الحرارة، حتى تَنطلقَ الشَّرارةُ التي تَحرِقُ الأخضر واليابِس! وهم يَحسبون أنَّهم يُحسِنون صُنعًا!!

يحسبون أنَّهم قائمون بالأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر!

لكنْ: دون التِفاتٍ لآية! ودون انتِباهٍ لحديثٍ!! ومِن غير درايةٍ بآثارِ السَّلف!! ودون أن يَتأمَّلوا في أيٍّ مِن هذه القواعد الفِقهيَّة المحرَّرة المعتبرة عند أهلِ العِلم -لا في قليلٍ، ولا في كثيرٍ-.

قد تكون المصلحةُ المتوهَّمة آنيَّةَ النَّظرة؛ لكنَّ المصلحةَ الراجحة الصَّحيحة إنَّما تكون في معرفةِ المآلات.

و(فِقهُ إدراكِ المآلاتِ) فِقهٌ مِن أعظم الفِقه، وأجلِّه، وأدقِّه، وأرفعِه، ولا يكاد يُدركُه إلا الأفراد -في كلِّ زمانٍ ومكانٍ- مِن العلماء الرَّبَّانيِّين، والأئمَّة المتفقِّهين، الذين رَضُوا بِمنهجِ الحقِّ، ولم يَقبَلوا عنه بدلًا.

أمَّا الخامس: فهو بعضُ الفتاوى..

ولا نستطيع -بطبيعة الحال- أن نأتي عليها -جميعًا-؛ فأكاد أقولُ:

لا أعرف عالِـمًا مِن أهلِ السُّنَّةِ وأصحاب العَقيدة الصَّحيحة -في هذا الزَّمان-؛ إلا على الإنكارِ والتَّشديد -الشَّديد- على هذه المُظاهرات والاعتِصامات والإضرابات؛ لِـما عَرفوا مِن كونِها -أوَّلًا- أصلًا غيرَ شَرعيٍّ، وثانيًا: لِـما يترتَّب عليها مِن فسادٍ للبلاد والعباد.

وإذْ يُقرِّرون هذا ويُؤصِّلونه؛ فهُم -في الوقت نفسِه-ونحن معهم وبِهم- نَأبى الظُّلم، ونرفضُ الضَّيم، ولا نقبلُ الفَساد..

لكنْ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ..

هكذا المؤمنُ الحق يَنظر إلى الخطِّ القويم، والصِّراط المستقيم -ولو كان أطولَ مَسارًا، وأبعد منالًا-؛ لكنَّ فيه النَّجاة، وفيه النَّجاح، وفيه الفلاح -دنيا وأخرى-.

سُئل الشَّيخ ابن بازٍ -رحمهُ اللهُ-:

قال له السَّائل: باتت ظاهرةٌ عند كثيرٍ مِن النَّاس؛ وهي التَّجمُّع والتَّجمهُر وخُروج المَسيرات والمظاهرات؛ كنوعٍ مِن إنكار المنكر؛ فما رأيُكم في ذلك؟

فقال الشَّيخ ابن باز..

ولو قيل هو أجلُّ علماء العصر وأكبرُهم وأعظمُهم؛ لَما أبعَدَ القائلُ؛ لأنه بَنى عِلمَه على كتاب الله وسُنَّة رسولِ الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، ولم يَبْنِ عِلمَه على التَّحزُّب، وعلى استِرضاءِ العامَّة والدَّهماء، وعل استِمالة قلوب الغَوغاء؛ كما يفعلُ بعضُ ذَوي الأسماء الرَّنَّانة، والألقاب الطَّنَّانة -بغيرِ علمٍ، ولا هُدًى، ولا بصيرةٍ، ولا كتابٍ مُنير-!

قال: «الخروج في المظاهرات والمَسيرات ليس طَيِّبًا»؛ وإذا لم يكن طَيِّبًا؛ فهُو خبيثٌ، فليس -ثمَّة- إلا طيِّبٌ وخَبيث.

قال: «وليس مِن عادة أصحاب الرَّسول -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- ومَن اتَّبعه بإحسان».

ألم يكون -في ذلك الوقت- مُنكرات؟

ألم يكن -في ذلك الزَّمان- مُخالفات؟

ألم يكنْ -في تلكُم الحقبةِ- ما يُخالف فيه شَرعُ الله، وما يُناقَض فيه كتاب الله؟

بلى؛ ولم يَنزعوا إلى ذلك، ولم يَفعلوا ولو أدنى ذلك.

قال: «إنَّما النَّصيحة، والتَّوجيه، والأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر، والتَّعاون على البرِّ والتَّقوى..»؛ وهذا ما ورد في أثرِ أسامة بن زيدٍ في نُصحِه لِعثمان -رضيَ اللهُ عنه-بينَه وبينه-، دون فتح بابِ فسادٍ وإفساد، ودون تأليبِ القلوب والعقول على أولياءِ الأمور؛ مما يُفسِد ولا يُصلح، مما يُسيئُ ولا يُفيد.

قال: «هذه هي الطَّريقة المتَّبعة؛ قال الله -عزَّ وجلَّ-: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ» بعضهم أولياء بعض؛ ليس بعضُهم أضدادَ بعضٍ! ليس بعضُهم يُناقض بعضًا..!

«﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وقال -عزَّ وجلَّ-: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ».

قوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ؛ (مِنْ) -هنا- قال بعضُ أهلِ العِلم: إمَّا أن تكونَ (مِنْ) التَّبعيضيَّة، أو أن تكونَ (مِنْ) لِبيانِ الجِنس.

فإذا كانت (مِن) تبعيضيَّة؛ فالمقصود -بهذا التَّبعيض-: أهل العِلم.

وإذا كانت (مِن) لِبيان الجِنس؛ فهي بِمعنى: (كُونوا أمَّة)؛ أي: بمقدار ما تَعرفون مِن الحق وتَهتدون إلى الصِّدق بِمِقدار ما تأمرون بالمعروفِ وتَنهَون عن المنكر؛ وهذا مِن أدلَّة تجزُّؤ العلم والمعرفة، وتجزُّؤ الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر.

قال: «وقال -سُبحانَه-: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وقال رسول الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «مَن رأَى مِنكُمْ مُنْكَرًا؛ فَلْيُغَيِّرْهُ بِيدِه، فإن لم يَستَطِعْ فَبِلِسانِه، فَإن لَم يَستَطِعْ فَبِقَلْبِه، وذلك أضعَفُ الإيمانِ».

قال سماحتُه -رحمهُ اللهُ-: «فالإنكارُ بِالفعل يكون مِن الإمامِ، أو الأميرِ، أو مِن الهيئة التي لها تعليمات..»؛ الهئية: أي الفِئة التي يُولِّيها الأميرُ؛ لتنفيذِ الأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر؛ لأنَّ اليَدَ يترتَّب عليها أمورٌ وأمور!

الآن: لو أن اثنين تَقاتلا باليدِ في السُّوق؛ لحصل مِن الفساد ما لا يعلم به إلا الله!!

فكيف إذا كان الأمر بالمعروفِ، والنَّهي عن المنكر موكُولًا إلى عامَّة النَّاس، مِن الهَمَج الرَّعاع -أولئك-؟!! أو مِن الهُوج الغَوغاء -هؤلاء-؟!

فهذا أشد وأنكى -عياذًا بالله-.

قال: «أمَّا أفرادُ النَّاس إذا أنكَرُوا باليَدِ؛ ستكونُ الفِتنة والنِّزاع والفُرقة وتضييعُ الفائدة..

فيجب على كلِّ شخصٍ أن ينصحَ بالقولِ والتَّوجيه والتَّرغيب والتَّرهيب..».

أما صاحبُ البيتِ على أولاده، والهيئة في نظامها -حسب طاقاتها-؛ يعني شركة، أو مؤسَّسة، أو جمعيَّة، أو ما أشبه.

وكذلك الأميرُ؛ فله الإنكارُ بالفِعل؛ بمعنى: أن يَسجن، أن يَضرِب، أن يَفعل، أن يأمُر، أن يَنهَى؛ لأنه الأمير.

لكنْ: لا نتكلَّم عن أمراء الأحزابِ والجماعات والحركاتِ والتَّنظيمات -سواءٌ منها ما كان عَلنيًّا- زعموا-أو سِريًّا- نتكلَّم عن الأمير الشَّرعيِّ، بضابطه الشَّرعي.

قال: «أمَّا أفرادُ النَّاس؛ فعلَيهم الإنكارُ بِالقول؛ لأنه لا يستطيع الإنكارَ بِالفِعل حتَّى لا تَعظم المصيبةُ، ويَعظم الشَّرُّ».

هُنا ورد سؤالٌ آخرُ على الشَّيخ -رحمهُ اللهُ-؛ يقولُ: «إنَّ الحاكمَ يَرضى لهذه الاعتصاماتِ والمظاهراتِ، ويستدلُّون بذلك على جوازها..».

بعض البلاد -بنفسِ النِّظام-الحُكومي، أو الرَّسمي- تقول: لا مانع مِن المظاهرات!!

يقول الشَّيخ ابن باز: «المُظاهرات شَرُّها كبيرٌ» حتَّى لو أذِن بها الحاكم؛ الحاكم -مهما أذِن- لا يستطيع أن يُوقِف على رأسِ كلِّ إنسان مَسؤولًا يُراقبه، أو على رأسِ كلِّ أحد مَن يَعرف خلفيَّته ودخليةَ نفسِه، وخبيئة فؤادِه!! هذه لا يَعلم بها إلا الذي بكلِّ شيء محيطٌ -جلَّ في عُلاه وعَظُم في عالي سَماه-.

هذه أصولٌ خمسة؛ كلُّها قائمةٌ على النَّاحية الشَّرعية، والأصول الدينيَّة.

ولمَّا كان الدِّين إنَّما هو مِن ضِمن ثمراتِه، ومِن ضمن مبادئِه، ومِن ضِمن نتائجِه: إصلاحُ الدُّنيا في نواحيها الاجتماعيَّة؛ فإنَّه قد يترتَّب على أمثال هذه المظاهرات مِن الفساد الدُّنيويُّ الاجتماعي ما الله به عليم!

مِن ذلك: لو فرضنا أن هذه المظاهرة -أو تلك- كما يقالُ -في لُغة العَصر-: (مظاهرةٌ نظيفةٌ بِنِيَّةٍ شريفةٍ)؛ هل يستطيع أحدٌ أن يأمنَ اندِساسَ المُندسِّين، ودخولَ المخرِّبين الذين لا يُريدون للأمَّة بَقاءَ صَفوِها، ولا يُريدون لها نقاءَ صفِّها؛ فيُفسِدون ليُصِيبوا طرَفَين: جِهة الحاكِم -مِن طرفٍ-، وجهة هذا المحكوم القائِم بهذا الأمرِ -مِن طرفٍ آخر-.

الأمر الثاني: ما يترتَّب عليه مِن شغبٍ وفوضى بما يجعل الأمَّة تكاد تفقِدُ أمانَها؛ والله -عزَّ وجلَّ- جعل الأمن مِن ثمرات الإيمانِ: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ؛ فبِقَدر ما تُضيِّع من الأمن؛ يكونُ -ثمَّة- ضياعٌ ونقصٌ -لكَ- مِن الإيمان.

انظُروا، واعتبِروا، وتأمَّلوا ما جرى، ويجري، وما هو جارٍ وواقع مِن هذا الشَّغب، ومِن هذه الفوضى التي عمَّت وطمَّت كثيرًا من بلاد المسلمين..!

ونسأل اللهَ أن يجعل العاقبة سليمة، طيِّبةً خيِّرة، وأن يدرأ عنَّا وعن جميع بلاد المسلمين الفتنَ والمحن ما ظهرَ منها وما بطن.

الأمرُ الثَّالث: ما تُنتجه -تِلكُم- الفوضى، وما يُنتِجه -ذاك- الشَّغب؛ مِن تحطيمٍ لممتلكات -سواءٌ الخاصَّة والعامَّة-..

إنسانٌ واضعٌ سيَّارتَه أمام بيتِه؛ بأيِّ حق تَقلِبونها، أو تحرقونَها؟!!

الإشارات المروريَّة -الخضراء، والبُرتقاليَّة، والحمراء-التي تُسيَّر بها السَّيارات-؛ ما الفائدةُ مِن كسرِها، ومِن تحطيمِها، ومِن ضَربِها؟!!

وعلى هذا فقِسْ!

فكيف إذا عرفنا أنَّه قد يكون -هنالك- تخريبٌ، وحرقٌ لبعضِ الدُّورِ و..و.. غيرها من الأماكن.

أيضًا مِن ذلك: الاختلاط المُحرَّم بين الرِّجال والنِّساء.

فنَرى -في المظاهرة- الرَّجلَ والمرأة جنبًا إلى جنب!!

ورأينا -وعجِبنا مما رأينا!!- أنَّ النِّساء -في بعض الأحيان- هُنَّ اللَّواتي يُحرِّكنَ الرِّجال! وهنَّ اللَّواتي يَنطلقن بالهتافات!!

بل رأينا أنَّ المرأة تصعدُ على ظَهْر الرَّجل، وتُلوِّح، وتَصيح!!

فأي طريقةٍ فاسدة هذه؟!!

«وإنَّ ما عندَ اللهِ لا يُنالُ إِلا بِطاعَتِهِ» -كما قال رسولُ الله-صلَّى اللهُ عليهِ وسلم-.

هذا فضلًا عن استغلالِ أصحابِ الشَّهوات -وما أكثرَهم في هذه الأوقات!- مِن إيقاع ما لا يُتخيَّل في هذه المرأة -التي قد تكون أمامَه، أو بِجانبه، أو حتى فوقَه-!

وكذلك -أيضًا- مِن النَّتائج الفاسدة المفسدة لهذه الأفعال البعيدةِ عن الشَّرع: ضعف عقيدة الولاءِ والبراء في النُّفوس.

فنرى المسلمَ يَمشي بجانب الكافر!

الدَّاعية الذي يقولُ عن نفسِه إنَّه داعية إسلامي!! يضع يدَه بيد الشُّيوعي واليَساري والعِلماني، والفاسِق والطَّائع سواء؛ هذا يُنادي بشِعاره، وهذا يُنادي بشِعاره!! ولم تجمعهما إلا تِلكُم الغاية الفاسِدة التي ليس مِن ورائها فائدة؛ إلا إيقاع الأمَّة بِمزيد مِن البلاء، ومزيد من الفِتنة، ومزيدٍ من الفَساد.

الأمر السَّادس: ما يحصل -نتيجةَ المواجهة- بين الطَّرفين؛ مِن قتلٍ، وإيذاءٍ، وجَرح، وكَسر؛ حتى يكاد ذلك يُصيب بعضَ الأبرياء مِن المارِّين.. بعضَ الأبرياء مِن الذين ليس لهم صِلة -لا مِن قريبٍ، ولا مِن بعيد-؛ فإذا بهم يَدخلون في عرس واحد، وإذا بهم يُبتَلَون بابتِلاءٍ واحِد! وإذا بهم يُصابون -جميعًا- بِمُصيبةٍ واحدةٍ -فضلًا عن القتل، أو ما أشبه-!

وسمعتم -بالأمسِ القريب-: كيف حَرَق ذلك الرَّجُل نفسَه! ثمَّ زاد الطِّين بِلَّةً: أن اقتدى به مُقتَدون، واهتدى -بِسُوء فِعله- مُهتدون!! وهم -واللهِ- ليسوا على هُدى في هذا الصَّنيع -الشَّنيع-!!

فسمِعنا عمَّن حرَق نفسَه في مِصْر.. في السُّعودية.. في اليمن.. في الجزائر.. في موريتانيا.. وبلغني أن بعضًا مِن النَّاس حرَق نفسَه في عمَّان -هُنا-!! ولا حول ولا قوة إلا بالله.

والإمامُ الطَّبريُّ يقول: «لَم يأذن اللهُ -تَبارَك وتَعالى- لأيِّ أحدٍ أن يَقتلَ نفسَه -أبدًا-».

وهذا منصوصُ القرآن العظيم؛ الله -تَعالى- يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ.

ولا يُقال: (الغاية تبرِّر الوسيلة)!!

لأن الغايَة في الشَّرع نبيلة؛ وكذلك الوسيلةُ يجب أن تكونَ نبيلةً -سواء بِسَواء-.

والعجبُ: أن بعضَ النَّاس صار يُسمِّي هذا الحريقَ -أو المُحرِقَ نفسَه-: (البَطَل!)، أو (الشَّهيد!)، أو (قائد الثَّورة!)!!

صدق رسولُ الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- عندما ذكر بعضَ المحرَّمات، ونبَّه على بعض الأفعال السَّيِّئات؛ فقال : «يُسمُّونَها بِغَيرِ اسْمِها»؛ وهذا مِن هذا -سَواء بِسَواء-.

ومِن الأمور -أيضًا- والنَّتائج السَّيِّئة: تَعميق العداوة بين الحاكِم والمحكوم.

أنتَ جُزء لا يتجزَّأ مِن منظومة هذا البلد -أو ذاك-؛ أيُّهما أعظم لكَ ولِلحاكِم ولِلبلد وللنَّاحية الدِّينيَّة والاجتماعيَّة والشَّخصيَّة: أن تكون الصِّلةُ صِلةً فيها هدوءٌ واستِقرار -ولو هذا الهدوء والاستقرار نِسبيٌّ-كما يقولون-؟ أم أن تكونَ الصِّلة فَسادًا وإفسادًا، وغضبًا مُتأجِّجًا، وحقدًا دفينًا، وتربُّصًا وتَصيُّدًا، وعثرةً وانتقامًا؟!

لا شكَّ ولا ريبَ عند كلِّ عاقلٍ -ولا أريد أن أقول: عند كلِّ عالم!-: أنَّ مثل هذه الصَّنائع، ومثل هذه الفعائل؛ تزيدُ الحقد حِقدًا، وتزيد الانتقام انتقامًا، وتزيد الفجوة فجوةً؛ بما لا يكون فيه فائدةٌ، ولا نفعٌ -لا لِلفردِ، ولا للمجتمع، لا لِلحاكِم، ولا للمَحكوم-.

نسأل الله العظيمَ ربَّ العرشِ العظيم أن يُذهبَ عنَّا الفتن -ما ظَهر منها، وما بَطَن-، وأن يُولِّيَنا خِيارَنا، وأن يجعلَنا أهلًا لِلسُّنَّة ومِن أهل السُّنَّة، وأن يَجعلنا قائمين بالحقِّ، هادِين إلى الحقِّ، مُلتزِمين بالحقِّ؛ إنه -سُبحانه- وليُّ ذلك والقادِر عليه.

وصلَّى اللهُ وسلَّم وبارَك على نبيِّنا محمَّد، وعلى آلِه وصحبه أجمعين.

وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين.

   طباعة 
0 صوت
Powered by: MktbaGold 6.5