كلمة توجيهية حول أحداث مصر وتونس

كلمة توجيهيَّة حول أحداث مصر وتونس

الأخ يقول: نريد كلمةً عما يجري في مصر وتونس.

أقول: تكلمنا -أظن: في الدرس قبل الماضي- في هذه المسألة، وفصَّلنا، ونقول: نسأل الله -تَعالى- أن يجعل العواقب سليمةً للمُسلمين.

هذه ثورات غضبيَّة شعبيَّة، ليس من ورائِها الحُكم بالإسلامِ، ولا الالتِزام بالإسلام، ولا الدَّعوة للإسلام!

حتى لو كانت كذلك: فنحنُ لا نرى خُروج النَّاس بهذه الصُّورة التي يُشابِهون فيها الكُفَّار، وفي ذلك فتاوى مُعتَمَدةٌ وواضِحة وقطعيَّة لمشايخِ العصر وأئمَّة الزَّمان: الشيخ الألباني، الشيخ ابن باز، الشيخ ابن عثيمين، الشيخ مقبل بن هادي الوادعي، وغيرهم مِن أهل العِلم، لهم فتاوى في ذلك مَقطوعٌ بها.

فهؤلاء -الآنَ- قاموا مِن أجل لقمة العيش! قاموا مِن أجل جَور السلطان! مِن أجل الفساد المالي! لم يقوموا مِن أجل الإسلام!! وأنا أحمدُ اللهَ على ذلك؛ وإلا: لكان هذا سببًا في مزيدٍ من الضَّغط على الإسلامِ والمسلمين، في مزيدٍ من القهرِ للإسلامِ والمسلمين.

ولو أردنا أن نُحكِّم عواطفَنا -لحظةً-، ولو أردنا أن نُحكِّم أهواءَنا -صِرفةً-؛ لقبِلنا وشاركنا وبارَكْنا!! لكنَّنا: لا ولن نفعل ذلك؛ لأن الفتنةَ تُميِّز المواقف، وتُميِّز المناهج.

ولا يجوز أن نسلكَ مثلَ هذه المسالِك، أو أن نتهاوَن فيها في مَعرِض هذه الفتنة التي أخبر النبيُّ -عليهِ الصَّلاة والسَّلام-في بعض أحاديثِه في موضوع الفتن-: أن عقولَ النَّاس تكون فيها هباءً!!

والنَّبي -عليهِ الصَّلاة والسلام- في الفِتن يقول: «كونُوا أَحلاسَ بُيوتِكم»..

والنَّبي -عليهِ الصَّلاة والسلام- في الفِتن يدعو ربَّه؛ يقول: «وإذا أردتَ أن تَقْبِضَني؛ فاقبِضْني إليك غير مَفتونٍ» -أو كما قال-عليهِ الصَّلاة والسَّلام-.

لكن: النَّاس عند غلبة العاطفة، وعند غلبةِ الحماسة؛ لا يُميِّزون، ولا يتفهَّمون، ولا يُدرِكون!

ولو سألتُ سؤالًا واحدًا:

قال علي -رضيَ اللهُ عنه-: «النَّاس ثلاثة: عالِم ربَّاني، ومُتَّبع على سبيل نجاة، وهمجٌ رعاع أَتْباع كل ناعق»؛ هؤلاء الملايين المُملْيَنَة، ومئات الألوف المُكتظة بهم الميادين والشوارع -ثمةَ-: أيٌّ مِن هذه الأصناف الثلاثة أكثرُهم؟

هم -لا شكَّ، ولا ريبَ- مِن الصنفِ الثالث!!

وللأسف: يكتب كاتبٌ -يُقال إنَّه إسلاميٌّ!!-، في جريدةٍ -يُقال إنها إسلاميَّة!!-أمسِ-تمامًا-، يقول: (فلْنحتكِم إلى الشَّارع)!!!

إذا كان هذا بِمثابةِ المُوَجِّه! يقول هذا الكلام!! فما بالُكم بأولئك العوامِّ الرَّعاع الغُثاء؟!!

نسأل الله العافية.

الاحتِكام إلى الشَّرع؛ ليس إلى الشَّارع..

الاحتِكام إلى الدِّين؛ ليس إلى الدُّنيا وأهلها..

لكنْ: غلبة العاطفة، وتغلُّب الحماسات يوقِع في نتائج مذمومةٍ وسقيمةٍ وعقيمةٍ وإن رضِيَها بعضُ النَّاس وتوهَّموا أنها خير؛ لكنَّها -من حيث الحال والمآل- لن تكون خيرًا.

ولو تأملَ هؤلاء وأولئك قولَ النَّبي الكريم -صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلَّم-: «ما مِن عامٍ إلا والذي بعدَه شرٌّ مِنهُ حتَّى تَلقَوا ربَّكم»؛ لعَرَفوا كم هُم مُخالِفون!

وهذا لا يعني -أبدًا- أن نَرضى بالفساد، أو أن نرضَى بالقِلة أو الذلَّة، أو أن نرضى بمُخالفة الشَّرع، أو أن نَقبَل البُعد عن الدِّين -في واقع الأمَّة ومُجتمعاتها-؛ لكن: لكلٍّ طريقتُه، ولكلٍّ أسلوب المَخرج مِنه؛ ليس بالأهواء، ولا بالآراء، ولا بالأذواق، ولا بالتَّجارب!

ما شاء الله: الأمور صلحتْ في تونس؛ إذن: نجرب في مصر!! صلحت في مصر؛ إذن: نجرب في اليمن!! صلحت في اليمن؛ إذن: في البحرين.. وهكذا..!!

الدِّين ليس حقلَ تجارب! والأمر بالمعروف والنَّهي عن المُنكر له أصولُه، وله ضوابطُه..

كلُّ ذلك مُنضبِط.

أمَّا الخلطُ والخبطُ الجاريان -اليوم-.. :

سمَّوها -ابتداءً-: (احتجاجًا)!! ثم عَلَوا؛ فسمَّوها: (مُظاهرة)! ثم عَلَوا؛ فسمَّوها: (ثورة)، وآخِر طبعة سمَّوها: (انتفاضة)!!

هذا -كلُّه- مخطوطٌ في الصحُف والجرائد التي تُثوِّر النَّاس، ولن تكونَ هذه الثَّورة إلا وبالًا على بُلدانهم وأوطانِهم، وأنفسِهم -بالتَّالي-؛ لأن هذا البلد وهذا الوطن مَن يسكنه؟ ومَن يعيشه؟

ولو تأمل هؤلاء وأولئك قولَ النبيِّ الكريم -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «مَن أصبح منكم آمِنًا في سِربِهِ، مُعافًى في بدنِه، عندَه قُوتُ يومِه؛ فكأنما حِيزَت لهُ الدُّنيا بحذافيرِها».

.. وقارنوا هذا بِما يرَونه في تونس، وبما رأوه في مصر -نسأل الله-سبحانهُ وتَعالى-أن يُسبل عليهم الأمنَ والإيمانَ والأمان- لو رأوا هذا وذاك وقارَنوا فيهما فيما هو حالُ أنفسِهم؛ لعَرَفوا كم نعمةُ الله عليهم عظيمة -ولو ثمةَ جَور، ولو -ثمةَ- خلل، ولو -ثمةَ- فساد!-، فما رضيَ النَّاس بشيءٍ؛ إلا أكرمهم اللهُ بما هو أعظم، وما نقموا على شيءٍ مُخالِفين فيه الشَّرع؛ إلا ابتُلوا بما هو أعظم!

نسأل الله العظيم ربَّ العرشِ العظيم: السَّداد والهداية والرَّشاد لنا ولكم ولجميع العباد والبلاد؛ إنَّه سميع مُجيب.

وآخر دعوانا أن الحمدُ لله ربِّ العالمين.


طباعة
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل
روابط ذات صلة

الفتاوى المتشابهة الفتوى التالية

Powered by: MktbaGold 6.5