الانتقاد لما صرح به محمد حسان

السؤال : بارك الله فيك -شيخ علي-...:

تنزيل النصوص الشرعية التي أخذناها ونأخذها ونعتقدها من أن [من منهج السلف ومن منهجنا] على عدم الخروج على الولاة ومنابذتهم بالسَّيف.

هذا أمر طيب، وهذا أصيل من إخواننا ومشايخنا طيب جدًّا؛ تهدئة الأمة وإرجاعها وربطها والحرص على وحدتها.

لكن: ألا ترى معي أن الأحداث في تونس وفي مصر هي ليست خروج بالسلاح، أو مقاومة، وليست مناداة -أيضًا- بالشَّرع والدين؛ إنَّما هي مناداة لِرفع ظُلم، وانتشار فساد؛ لتخفيف هذا الانتشار والتقليل منه.

فتنزيل النُّصوص مِن أحبَّتنا ومِن إخواننا على الأحداث وأنَّهم خارِجون، وأنَّهم كالخوارج، وأنَّ أي إنسانٍ يؤيِّدهم؛ فهو مِنهم، أو متعاطف معهم كان ينبغي أن [...]؛ ما رأيك في هذا الكلام؟

الجواب:

بِسم الله، و الصَّلاة والسَّلام على رسولِ الله، وعلى آلِه وصحبه ومَن والاه واتَّبع هُداه إلى يوم نَلقاه، أما بعدُ:

المشكلة -الحقيقة-في نظري- أكبر مِن أن تكون موقفًا، أو فعلًا، أو رَدَّ فعل.

المشكلة فيها تأثيرات مُتعدِّدة، وسلبيَّات كثيرة.

أنا أعتقد: أنَّ إعلان ما يجري في مصر باسم الفساد والظُّلم والمال وما أشبه، وليس باسم الدِّين؛ أنَّه إيجابي؛ بمعنى: أن لا يُنسب للدِّين والمُتديِّنين مثل هذا الفعل.

فالمتديِّنون والمسلمون -بشكل عام- حتى المنحرِفون منهم -ممَّن ليسوا مِن أهل السُّنة-؛ يُرمَون بقوسٍ واحدةٍ من الكفار، ومن المشرِكين و... إلى آخره.

الآن: موضوع أنَّهم خرجوا، أو قاموا بسبب الظُّلم والفساد، وأنَّه ليس بِاسم الدِّين؛ أن هذا يُنجيهم مِن أن لا نُسميَّه خُروجًا!

أنا أعتقد القضية مش قضية أسماء، وليست قضية ألقاب!

النبيُّ -عليهِ الصَّلاة والسَّلام- ذَكَر هذا الأمر، حتى في الحديث: " وإن أخذ مالَكَ، وجلَد ظهرَك "؛ فموضوع المال والفساد المالي مذكور في الحديث؛ يعني: ليست القضيَّة -فقط- القضيَّة الدِّينيَّة هي التي يُتحَسَّس منها، أو يُحذَر منها، أو.. أو.. ما أشبه؛ حتى القضايا الشخصيَّة؛ قال: (لو جلد ظهرك، وأخذ مالَك).

الأمر الثالث: أن ما يجري في مِصر -فعلًا- أنا أقول: أنَّه أمرٌ عامٌّ؛ وهذا ما أكَّده كثيرون من القائِمين -على تنوُّع أفكارِهم-حتى بعض النصارى، وبعض الوفديِّين-كما يقولون-، وبعض الشُّيوعيين، وبعض اليساريِّين-؛ قالوا: هذه ثورة شعبيَّة، ليس وراءَها جماعة مُنظَّمة، أو فئة إسلاميَّة، أو غير إسلاميَّة.

إيقاف هذا الجُموع، وهذه الجَماهير -الحقيقة- كان صعبًا جدًّا!

ونحن -الآن-ونحن نتكلَّم-؛ النَّاس -كلها- تترقب إعلان انتهاء هذه الفتنة بتنحي الرئيس المصري، وما أشبه.. -وأنا قادِم كنت أسمع الإذاعة-.

فالأمور لو كان بيدهم وباستطاعتهم إيقاف هؤلاء الجماهير، وإرجاعهم إلى بيوتِهم؛ ما قصَّروا!

اليوم صار -أظن-: 16 يوم! وبعد سويعات قليلة: 17 يوم!

فالأمر -حقيقة- صعبٌ وصعب جدًّا! وكما قلتُ في بعض المقامات، والمقالات: (الذي رجلاه في الماء غير الذي رجليه في النار)!! فالأمر صعب جدًّا.

لذلك.. حتى الشيخ صالح اللحيدان -من باب النظَر إلى المصلحة والمفسدة- طالَبَ في لقاء -قبل أيَّام قليلة- بالتنحِّي.. طالبَ مُبارك بالتَّنحي، وإن كان -للأسف- بعض المواقع الإسلاميَّة -من قنوات فضائيَّة، أو منتديات إنترنت- حذفتْ هذه الجملةَ من كلام الشيخ؛ نعم، حذفتْها بالصَّوت، وحذفتْها بالتفريغ!

الكلمةُ سُمعتْ، وسُجِّلت.. في أول بث لها: سُمعت وسُجلت؛ فلما انتُبه لها؛ حذفتْ!! وحذفُها لا يَنفي الواقع ولا يُغيِّره.

لكن: هل نحنُ نقول -الآنَ- بأن الشيخ اللحيدان لمَّا طالب هذه المُطالبة إنَّما فعلَ فِعلَ الخوارج؟!

أنا أقول: لا؛ إنما هو نظر إلى أهون الشَّرَّين، وأهون الشَّرَّين: هو أن تُحفظَ هذه البلدة، وأن تُحقَن هذه الدِّماء -ولو بتنحِّي الرئيس-..

يعني الرئيس بقي له شهور قليلة -أصلًا-، ومضى عليه ثلاثون سَنَة، والأمور فلتتْ أزمَّتها مِن بين يديه.. وإن كنا نؤكِّد -من قبلُ ومِن بعدُ-: أنَّنا لا نؤيد الخروج، ولا نراه، ولا نُجيزه؛ لكن: القضية فيها دِقة.

الشيخ عبد المُحسن العبَّاد سُئل -في"درس أبي داود"-قبل فترة-ليس متعلِّقًا بهذا الأمر-؛ سئل عن مسألة المُظاهرات، قال: هل هي خُروج؟ فأجاب بجواب دقيق -وإن كان سريعًا- قال: (هذه فوضى!)، وأضاف كلمةً أخرى أنا -الآنَ- نسيتُها!

المُهم: لم يُوافق السَّائلَ أن هذا خُروج.

أنا أقول: قد يكونُ خُروجًا، وقد لا يكونُ خُروجًا! يعني الأمر لا نستطيع أن نَنفيَه؛ لكنْ: أن نُرتِّب أحكامًا -أنَّ مَن يوافق هؤلاء؛ فهو مثلهم وهم خروج، وهؤلاء خوارج-؟!! يعني: هذه تحتاج إلى نظر!

شيخنا الشيخ الألباني -في "السلسلة الضعيفة"- أورد قصَّة مروية عن عمر -رضيَ اللهُ عنهُ-مِن مرويَّات السِّيرة-، قال: " وقد استدل بهذه القصَّة بعضُ (إخواننا) في تجويز المُظاهَرات "؛ فهل الشيخ يقصد بـ(إخواننا) أي: إخواننا الخوارج يعني؟! هل يحكم على هذا المُستدِل بأنه من الخوارج -الشيخ الألباني-؟!!

الشيخ الألباني معروف كم هو مُحارِبٌ لهذه الأفكار الغالِية، والمُنحرفة، والمُتطرِّفة، والبعيدة عن الحق.

أنا أقول: تنزيل بعضِ الأفكار، وبعض الآراء على كل صُورة؛ هذا خطأ، ونَفيُها عن كل صورة خطأ.

أنا أقول هذا وأنا أُنكِر ولا أرغب بما جرى في مِصر؛ لِما حصل مِن تأثيرات سلبيَّة كثيرة -وكثيرة جدًّا-.

وبالتالي: أنا لا أوافق -أبدًا- ما صدر -للأسف!- من بعضِ النَّاس الذين كُنا نوَد أنهم حفِظوا ألسنتَهم، وحفظوا مكانتَهم بأن لا يتدخَّلوا في هذه الأمور؛ لأن بالأمس القريب -أول أمس-: أكَّد مُوافقة هذه المُظاهرات!! هذا واحد.

تكلَّم في مسألة الخروج على الحُكام، ثم لم يَضبِط القضيَّة بضابِطها الشرعي، وإن قال: (لها ضوابط)؛ لكن: لم يذكُر ضابطَها الأهم؛ وهو: مسألة كُفر الحاكِم؛ وإنما رَبَط القضيَّة بما يتعلَّق فيها من مصلحةٍ ومفسدة -فقط-! وهذا خطأ!

والقضيَّة الثالثة -للأسف!!-: أنه أجاز المُظاهرات النِّسائيَّة! يعني: نزول المرأة إلى المُظاهرة، ومشاركتها فيها، وما أشبه ذلك!

فهذه -الحقيقة- ثلاث غلطات؛ أنا أعتقد أنها أخطاء كُبرى، وكان ينبغي لمَن كان يعرِف مواقع الأقدام أن لا يَدخُل هذا المَقام، وأن لا يُجاريَ الرَّعاع والعوامَّ فيما فعلوه وفيما صنعوه.

لكن: نحن -كمثل ما سمعتهم عن شيخِنا الشَّيخ الألباني، وشيخنا الشيخ العبَّاد-، نحن وإن أنكرنا هذه الأمور، لا نؤمن بها، ولا نرفع بها رأسًا، ونُنكر على مَن يوافقُها، ولا نرتضي له مثل هذه الموافقة؛ لكن: نُعطي الأمور حجمَها، ولا نتوسَّع بصورةٍ تؤدِّي إلى إحداث شرخٍ أكبر..

الشرخ موجود في الدولة؛ فيصبح الشَّرخ موجودًا بين الدُّعاة إلى الله -سبحانَه وتعالى-، والمقام لا يحتمل مثل هذه الأمور.

وأنا أكرِّر وأقول: ما الفرق بين كلام الشيخ اللحيدان -حفظه الله-، وبين كلام غيره ممَّن لم يقل قولَه؟

يعني: بعض مَن أنكرنا عليه -الآن-وقد دافعنا عنه في جُزئيَّة-مع تخطئتِنا له مِن قبل-؛ لم يَقل، لم يأمر الرَّئيس بالتنحِّي، لم يصدر منه هذا القول بهذه الصَّراحة؛ إلا بدقَّة، وبتحفُّظ، وعبارات مُنتقاة، وما أشبه.

لماذا يُنكر على هذا، ويُسكَت عن ذاك؟

هذا الذي نحن نحذِّر منه! نريد أن تكون المواقف واضحة..

التمستَ العذر لفلان مع تخطئته؛ التمس العُذر لآخر مع تخطئتِه؛ أمَّا: فلان تُخطِّئه مئة وخمسة بالمئة، وفلان تسكت عن تخطئته، ولا أقول: تُخطِّئه خمسة في المئة؟!!

هذا عبث!

ونسأل الله أن يعفوَ عنا وعنهم، وأن يستر بالدعوة السلفيَّة من هذه الأفكار التي فيها الغُلو، ونسأل الله أن يحفظَ بلاد المسلمين أجمعين. وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد.


طباعة
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل

Powered by: MktbaGold 6.5