رد الشيخ علي الحلبي على يوسف القرضاوي في احتجاجاته على مسألة المظاهرات

رد الشيخ علي الحلبي على يوسف القرضاوي في احتجاجاته على مسألة المظاهرات

قال -حفظه الله-:

سمعت -أمسِ- بأذنيَّ مِن يوسف القرضاوي يُضعِّف حديثًا في "صحيح مُسلم" -وهو حديث حُذيفة-(1)، أثناء مُناقشته لمسألةِ المظاهرات، والتي نرى ونعتقد أنَّها لا تجوز -تحت أيِّ اسم، وبأي دافع؛ لِما يترتَّب عليها مِن مفاسِدَ لا يَعلمُها بها إلا الله-.

ولسنا مِن القائلين بالتَّجارب؛ نقول: نجحت المظاهرات في تونس! وها هيَ ذي نجحت في مصر!! فلعلَّها تنجح هناك أو هنالك!!!

التَّجارب المُخالفة لشرعِ الله، والمُناقضة لأحاديثِ رسول الله -صلَّى الله عليهِ وسلَّم- لا وزنَ لها.

الحديثُ الذي ضعَّفه في "صحيح مُسلم" مِن طريق أبي سَلام عن حذيفة..

وأنا أعلم -جيِّدًا- أنَّ القرضاوي ليس مِن أهل الحديث، ولا يُحسِن الحديث، ولا عِلمَ الحديث! فضعَّفه بحُجةِ: أن في سندِه انقطاعًا.

وقد أصاب في هذه؛ لكنَّه: أخطأ مرَّتين -في غفلة عِلميَّة شديدة-.

المرَّة الأولى: أن للحديثِ مُتابعاتٍ وطرقًا؛ مُتابعات لأبي سَلَّام، مِن سُبَيْع بن خالد ومِن اليَشكُريِّ، وغيرِهِما مِن الرُّواة؛ بحيث يَجزم الواقف مِن أهل الحديث على ثُبوتِه -فضلًا عن الشَّواهد-.

أنا سأفترض أنَّه لا يوجد مُتابعات وطرق؛ وإنَّما يوجد -فقط- رواية مسلم المُنقطعة؛ الشَّواهد الأخرى -وهي كثيرة-؛ لماذا التَّغافل عنها؟ -ولا أقول الغفلة عنها!-.

إذا غفلتَ عن الطُّرق والمُتابعات في رواية مُسلم؛ فكيف تكون الغفلةُ عن أحاديث في "الصَّحيحَين" -فضلًا عن "السُّنن"، و"مُسند الإمام أحمد"- مُتعدِّدة، فيها المعنى نفسُه، وما هو الحديث الحَسَنُ إلا هذا.

فالجُرأة على "الصَّحيحَين" -أو أحدهما- بمُجرد مخالفة الأهواء؛ لا تجوز.

ومِن أعجب استدلالِه -الذي أراد أن يضعِّف فيه الحديثَ-؛ أنه قال: (هذا حديثٌ يُخالفُ القرآن؛ لماذا؟ لأنَّ القرآنَ نَهَى عن الظُّلم، وهذا الحديث يقول: "اسمَع وأطِعْ وإن أخَذَ مالَك وجلَد ظهرَك"؛ فهذا إقرار للظُّلم الذي نَهى عنه القرآن)!!

هذه طريقةٌ تَضحك لها ومنها الثَّكالَى!!

طريقةٌ نابيةٌ بعيدةٌ عن العلم، بعيدةٌ عن المعرفة، بعيدة عن الحق، بعيدة عن الهُدى، وفيها خَلطٌ بين الأحكام!

الطاعة للحاكِم الجائر -أو الظالِم- شيء، والطاعة له في ظُلمه شيءٌ آخر.. المُوافقة له على ظُلمِه شيءٌ آخر.

ألا يرى أن درجات تَغييرِ المُنكر وإنكاره ثلاث؟

ما أدراه أنَّ هذا الإنسانَ أنكَرَ بِقلبهِ -وإن لم يُنكِر بِلسانِه أو بِيَدِه-؟ أليست هذه مِن درجات إنكارِ المُنكَر؟! فكيف نخلطُ بين تحريمِ القرآن والسُّنَّة للظلم، وهذا لا يُنكَر ولا يُستنكر، ولا يُشكَّك فيه؛ الحُجج والأدلة فيه ظاهرة وباهرة.

والأمر الثَّاني: عدم الخُروج على الحاكِم، وطاعتُه بالمعروف -دون مُوافقته على ظُلمِه، وعلى فسادِه-.

والنَّاس عندما يفعلون مثلَ هذه الأفاعيل يَغيب عنهم أن اللهَ -تَعالَى- قال عن نفسِه: {وَهُوَ القَاهِرُ فَوقَ عِبادِهِ} [الأنعام/18]، فتراهُم يَغترُّون بِجُموعهم، يَغترُّون بنتائجِهم، يَغترُّون بفعائِلهم وصنائعهم، في الوقت الذي تَغيب عنهم -بل أقول: عن أكثرهم!- المُسلمات العقائديَّة، والأصول الدينيَّة.

ضعَّف حديثًا في "صحيح مسلم"، واستدل بحديثٍ مِن أحاديث السِّيرة ضعيف بالاتفاق!! وهو حديث: أن عمر -رَضيَ اللهُ عنه- في أوَّل الإسلام خرجَ صفَّين مع بعضِ الصَّحابة، قال: (هذه مُظاهرة)!!

والحديث ضعيفٌ باتِّفاق المُحدِّثين.

وهذا منهجٌ سيئٌ جدًّا قد تلقَّاه القرضاويُّ مِن شيخِه محمَّد الغزالي؛ حيث يقول في مقدمة كتاب "فقهِ السِّيرة"، يقول - معنى كلامِه-: (الحديث إذا وافق القواعدَ العامَّة، وفهمي للإسلامِ وقواعد الشَّريعة؛ فأَقْبَلُه وأستدلُّ به -ولو كان ضعيفًا!-، والحديث إذا خالفَ القواعد العامَّة ومقاصدَ الشَّريعة وفهمي للإسلام؛ فإنَّه ضعيف ولا أستدلُّ به ولا أقبَلُه)!!!

رحم اللهُ قواعدَ عِلم الحديث، وأصول المُصطلح، وأُسُسَ السُّنَّة -رِوايةً ودِرايةً ورِعايةً-!

وهل عقلك -يا هذا! ويا ذاك!- هو المِعيار؟!!

ما لم تفهمهُ؛ قد يفهمه غيرُك -ممَّن هو أفقهُ منك، وأعلم منك، وأدرى منك-.

وكم مِن مرَّة ومرَّة استدللنا مُبيِّنين، وبيَّنَّا مُستدلِّين بكلام الإمام أبي بكر ابنِ خُزيمة -المُلقَّب بـ(إمام الأئمَّة)-؛ حيث كان يقولُ: (إيتوني بأي حديثين تظنُّون فيهما التَّنناقض؛ حتى أكشفَه لكم)! هذه عزَّة السُّنَّة، وعزَّة أهل السُّنَّة، وعزَّة العِلم وأهلِ العلم، ومكانتهم، ومنزلتُهم، وثِقتُهم بالدِّين والعلماء الربَّانيِّين العاملين؛ بِخلاف هؤلاء الذين يَكادون يكونون كمَن يَعبد الله على حرف!! نسأل الله العافية.

لذلك: هذا منهج فاسِد، ورأي كاسد، مَورُوث عن المُعتزلة القدماء، والعقلانيِّين الخُبثاء، بِاسمِ السُّنة، وبِاسم الفِقه، وبِاسم الدِّين، وبِاسم السِّياسة، وكل سياسةٍ تُخالِف الشَّرع؛ فهي مردودة.

النَّبي -عليه الصَّلاة والسَّلام- يقول: "إنَّ بني إسرائيل كانت تسُوسُهم الأَنبياءُ"؛ أي: تقودُهم وترعاهُم؛ بِماذا؟ هل كان ذلك بِحسب الأهواء والعواطف؟ أم كان ذلك بحسب (قال الله)، (قال رسول الله)-صلواتُ الله وسلامُه عليه-.

ومن أعجب العجب: أن هذه الفئةَ عندما ضعَّفت حديث البُخاري -أيضًا-(2) بالطَّريقة العرجاء العوجاء! هذا ضعَّف حديث مسلم بحجةِ مُخالفته للقرآن -ولا مخالفة-! هذا يفقهُه صغار الطَّلبة، وأقلُّهم علمًا، وأصغرهم سنًّا!

وأؤلئك ماذا صنَعوا؟ قالوا: (هذا الحديث غير صحيح)؛ لِماذا غير صحيح؟ قال: (لأن مارجريت تاتشر حكمتْ بريطانيا، ولأن أنديرا غاندي حكمت الهِند، ولأن كليوبترا حكمتْ مصر)!!! إلى آخر هذه الفَلسفات! الفارِغات! الباردات! الخاويات! وهل هؤلاء أفلَحُوا حتى نقول إن الحديث مَردود بِدليلِ أحوال هؤلاء أو أحوال أولئك؟!

هذا غير صحيح.

ثم سنفرض أنَّه قد وقع مِن هؤلاء بعض الفلاح -ولم يكن!-؛ فالحُكم -دائمًا- في الغالب، والنَّادر لا حُكم له، هذا على فرض وقوع مثل هذا الشَّيء، فكيف وهو لم يكن؟!

[من "شرح الإبانة"، من السنة في العبادات والعادات /10، من الدقيقة (12:18)].

________________

(1) حديث حذيفة بن اليمان -رضيَ الله عنه- في الفتن، وفيه: " تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهركَ، وأخذ مالكَ؛ فاسمعْ وأطِع "، رواه مسلم (1847).

(2) حديث: " لن يفلح قومٌ ولَّوا أمرَهم امرأة " رواه البخاري (4425).


طباعة
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل

Powered by: MktbaGold 6.5