اتصال القناة الليبية بالشيخ علي الحلبي ونصيحته للشعب الليبي

اتِّصال القناة الليبيَّة بالشَّيخ علي الحلبي -كاملًا- والذي كان يوم الاثنين بتاريخ 25 ربيع الأول 1432هـ / 28 فبراير(شباط) 2011م:

[ سائل ] ... تمر البلاد -شيخنا الفاضل- بفتنة تحاول أن تُهدد أمنَ ومُستقبل هذا البلد ... يخرج علينا بعض المشايخ من الخارج يزيدون هذه الفتنة إثارة ...

كيف نستطيع -سيدي الفاضل- لهذه الفتاوى التي تأتينا من الخارج التي تزيد النَّار نارًا، والألم ألمًا، واللهب لهبًا؟

[ الشيخ ] أقول -أولًا-: الحمدُ لله، والصَّلاةُ والسَّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبِه ومن والاه؛ أما بعدُ:

فابتداءً: أشكر لهذه القناة الطيِّبة حِرصَها وسؤالَها واستفسارَها في هذه اللحظاتِ العصيبةِ، وفي هذه الظُّروف العَسِرة.

ونبتدئُ بالتَّرحُّم على سائرِ المَوتَى مِن هذا البلدِ الطيِّب، والذي كان ذلك بسببِ هذه الفِتنة، وبسببِ هذه المِحنةِ التي نَسألُ اللهَ -عزَّ وجلَّ- الخُروجَ مِنها، وأن يَحقِنَ دِماءَ شعبِها الطيِّب المُبارَك.

ونقولُ: إنَّ ما يجري فيها يُدمي القُلوب -ليس-فقط-يُبكي العيون-؛ إنَّه يُدمِي القُلوب..

[ سائل ] ... ما هو الرَّد -سيدي الفاضل- على كل تلك الفتاوى التي تأتينا من الخارج؟

[ الشيخ ] أوَّلا: يجب أن نُذكِّر -ونؤكِّد- بالنُّقطةِ السَّابقة: أن ما يجري؛ يُدمي القُلوب، ويُبكي العيون، وقد لا يَصلح فيه التَّنظير والخطابة والقَول؛ بِقَدْر ما ينبغي أن يصلحَ فيه التَّضرُّع إلى الله، والدُّعاء إلى الله، والعبادةُ لله.

والنَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- يقولُ: «العبادةُ في الهَرْجِ؛ كَهِجْرَةٍ إليَّ».

فالشَّعبُ الليبيُّ شعبٌ عربيٌّ إسلاميٌّ أصيل، معروفٌ تاريخُه، معروفةٌ حضارَتُه، ومعروف فِداؤُه وجهادُه ضدَّ المستعمِر بما أزعجَهم، وأقلقَهم، وأرَّقهم، في تاريخٍ حافِل سُطِّر بدِماء مِن نورٍ، وبكلماتٍ مِن دمٍ مبرور.

فالواجبُ -الذي ينبغي أن يكونَ عليه كلُّ ذي شأنٍ؛ من أهل العِلم، وأهل السِّياسة، وأهل الصَّحافة، والرَّاعي والرَّعيَّة: أن يُعمَل على حقنِ الدِّماء، وأن لا تكونَ هنالك الفتاوى الشَّوهاء -التي تصدُر مِن هُنا وهُناك-؛ للتَّثوير والتَّحريض! -إمَّا إلى هذه الفِئة، أو تلك الفِئة-؛ مما لا يكون فيه الخَسارة إلا لشَعبنا الليبيِّ المسلم الأبيِّ الطيِّب الذي نَرجو له الاستقرارَ والأمنَ والأمانَ والإيمان.

هذه الفتاوى التَّحريضيَّة والتَّثويريَّة لن تزيدَ البلاءَ إلا بلاءً، ولن تزيد الدِّماء إلا دِماءً!!

لست -الآن- في معرض سِياق الآيات والأحاديث التي تُبيِّن خُطورة القتل؛ فكيف إذا كان هذا القتلُ قتلًا أعمى! قتلًا لا يُفرِّق بين الأخ وأخيه -في لحظةٍ من اللحظات-!!

عندما نقول: الجيشُ، والشَّعب، والحاكِم، والمحكوم.. ؛ كلُّهم من طينةٍ واحدة، كلُّهم من بِذرةٍ واحدة، كلُّهم مِن أرضٍ واحدة.

فهذا التَّثوير -ولو كان له عناوين برَّاقة، ولو كان له عناوين أخَّاذة-؛ فإنَّ الثَّمرة النِّهائيَّة؛ تكون ثمرةً فِجَّةً، لا فائدةَ منها؛ بل سيكون منها السُّوءُ والبَلاءُ واللأواء والدِّماء.

والنَّبي -عليه الصَّلاة والسَّلام- أخبرَنا كما رَوى الإمامُ أحمدُ في «مُسندِه»، من حديث أبي موسى الأشعريِّ -رضيَ الله-تعالى-عنهُ- قال: قال رسول اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «إنَّ بَينَ يَدَيِ السَّاعةِ الهَرْجُ»؛ قالوا: وما الهرجُ -يا رسول الله-؟! قال -عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «القَتْل»، قالوا: إنَّنا لَنَقتُلُ من المشرِكين كلَّ عامٍ كذا وكذا! فقال -عليهِ الصَّلاة والسَّلام-: «إنَّه لَيسَ بِقَتلِكمُ المُشرِكين؛ إنَّه قتلُ بعضِكُم بعضًا»! فقال أبو موسَى الأشعريُّ: أوَلنا عُقولٌ يومئذٍ يا رسول الله؟ فقال -عليه الصلاة والسلام-: «إنَّه تُنزَع عقولُ أهلِ ذلك الزَّمان، ثم يُخلَّف أقوامٌ عُقولُهم هَباء»!! قال أبو موسى الأشعري -معلِّقًا على هذا الحديث النَّبويِّ، وعلى هذا الإرشادِ المحمَّدي-، قال: «إني لا أري -لي ولكم- إذا أدركتنا هذه الفِتنة؛ إلا أن نَخرُجَ منها كما دخلْنا فيها: لم نُصِب دمًا، ولا مالاً».

فيجبُ أن نتَّقيَ الله، ويجبُ أن يتَّقي اللهَ كلُّ مسلمٍ دبَّت أقدامُه هذه الأرضَ المبارَكة؛ ليكونَ مانِعًا مِن مزيدٍ من البلاء، مانعًا مِن مزيدٍ من الدِّماء.

أمَّا الفتاوى التي تَصدُر -ولو صَدرتْ من أيِّ إنسانٍ كان!-؛ فلْننظُر إلى مآلاتِها، فلننظرْ إلى آثارِها؛ فإنَّ فقهَ المآلات فقهٌ يغيبُ عن كثيرٍ من النَّاس، الذين يَحفظون كثيرًا مِن النُّصوص، والذين يتصدَّرون كثيرًا ممن الأماكن والمواقع والمناصب؛ لكنَّهم لا يُدرِكون: أنَّ الكلامَ في الفتنة كالسِّلاح قد يَقتُل، ويُعمي، ويُصم!!

لذلك -لا أريد أن أتكلَّم طويلًا-؛ لكنَّها نصحيةٌ لكلِّ مسلمٍ على هذه الأرض، على هذا المكان، في هذه الفِتنةِ: أن يُمسِك يدَهُ، وأن يُمسِكَ لِسانَه؛ فالفتنةُ مَن استشرَفَها؛ تَستَشْرِفهُ؛ كما قال -عليهِ الصَّلاة والسَّلام-: «والقاعِد فيها خيرٌ مِن القائم، [والقائم فيها خيرٌ من الماشي]، مَن استشرَفَها؛ تَستَشْرِفهُ».

فلْنتَّق اللهَ -جميعًا-..

وليتَّقِ اللهَ -تَعالى- مَن بوَّأه اللهُ مَنصبًا في الدِّين أو في الدُّنيا:

أن يكونَ حريصًا على هذا البلد؛ لا أن ينظرَ إلى نفسِه..

لا أن ينظرَ إلى شعبيَّتِه..

لا أن يَنظُر إلى موقعِه..

.. وإنَّما ينظرُ إلى المصلحةِ الكُبرى لهذا البلد.

وبالتَّالي: فعلينا أن نكونَ إيجابيِّين في هذا التَّعامُل؛ لا أن نكونَ سَلبيِّين؛ نتكلَّم عبرَ الهاتِف، ونتكلَّم عبرَ الفضائيَّات، ونتكلَّم عبر التِّليفونات الجوَّالات؛ ولكن: لا نَعلَم، ولا نَشعُر، ولا نَدري بما وراء ذلك مِن أمورٍ عظيمة!!

لو أنَّها وقعتْ في بيتِك، أو ولدِك، أو بَلدِك؛ فإنَّك لتَأبَى ذلك وتَرفضه، وتُنكِرُه وتَستنكِره!!

فما بالك تزيد النَّار نارًا؟!!

وما بالُك تزيدُ البلاءَ بلاءً والدِّماءَ دِماءً؟!!

ولقد أخبرنا النَّبيُّ -صلى اللهُ عليه وسلَّم- وحضَّنا قائلًا: «أمسِك عليكَ لسانَك، ولْيَسَعكَ بيتُك، وابكِ على خطيئَتِك»..

لو أنَّنا عرَفنا ما عندنا مِن أخطاءٍ وآثامٍ وذنوبٍ ومعاصٍ عند الله؛ لأمسَكنا عن كثيرٍ مما نَطلُب، وأمسكنا عن كثيرٍ مِمَّا ندَّعي، وأمسَكْنا عن كثيرٍ مما نَزعُم؛ لكنَّنا لم نَعرِف أقدارَ أنفُسِنا، وغاب عنَّا قولُ ربِّنا في كتابِه العزيزِ -مُبيِّنًا حقيقةَ هذا الأمر-بدءًا وانتهاءً-: {قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُم}.

[ سائل ] ما رأيكم في القنوات الفضائية التي تثير الفتنة و و....؟

[ الشَّيخ ] نصيحتي للجميع: أن يكون عندهم الصِّدق في الكلمة، والصِّدق مع النَّفس، والصِّدق مع الآخَرين.

أمَّا إطلاقُ الإشاعات -سواء أكانت «مع» و«ضد»- في البلد الواحد، والوَطن الواحد، والشَّعب الواحد، كأنَّها حربٌ بين كُفار ومسلمين، كأنها حربٌ بين الشَّرق والغرب؛ فلْيتَّق اللهَ هؤلاء الذين لا يَرعَوُون، ولا يَرقُبون في هذا البَلد إلًّا ولا ذِمَّة؛ فيُطلِقون الكَذبة، وتتلوها الكذبةُ؛ كأنَّهم يُصدِّقون ما يَكذِبون، والبلاءُ قد يزدادُ ويَعظُم ويتعاظَم عندما يُصدِّقهم ويَقف على منابرِهم -سواءٌ هُنا، أو هُناك، أو هُنالك- بعضُ مَن له أسماءٌ لامِعة، أو مَواقع كُبرى؛ ليَزيد هذه الفِتنَ، وهذا البلاء، وهذه الدِّماء!

نصيحتي لهم -كما أمر النَّبي -عليه الصَّلاة والسَّلام- بالصَّمت: «مَن كان مِنكم يُؤمِنُ بِاللهِ واليومِ الآخِرِ؛ فَلْيَقُل خيرًا، أو لِيصمتْ».

[ سائل ] ... شيخنا علي: (الأزهر) يستغيث بالمجتمع الغربي ومسؤولياته الأخلاقيَّة بأن يكونوا إمامه بأن الدماء التي تسيل بين الشُّعوب مطالبًا إيَّاها بالحريَّة أكثر، واهتمامهم بحقوق البترول، وكيفيَّة تأمين الإمدادات... هو الآن يطلب من الغرب أن يضرب بلدَنا الحبيب، وأن يقتل المسلمين بعضهم بعضًا...

[ الشيخ ] أنا أرى هذه الفتوى في نقطتين:

النُّقطة الأولى -مُهمَّة وأساسيَّة-: أننا ضدَّ الظُّلم، وضد الفَساد، وضد الاستِئثار الباغي بغيرِ حقٍّ؛ لكنَّ هذا الظُّلم والفساد إذا كان موجودًا في أي بلدٍ من البِلاد؛ فإنَّ مُعالجتَه يجب أن تكونَ ضمنَ الشَّرع -ليس ضمن الشَّارع-!!

النَّاس -الآنَ- توجَّهوا إلى الشَّارع! ونسُوا الشَّرع!!

مَن كان بِمِثل مَنزلةِ شَيخ الأزهر ومَوقِعِه؛ يجبُ أن يتكلَّم الكلامَ المُنضبِط الذي تجتمعُ عليه قُلوبِ الشَّعب الواحِد، والبَلد الواحِد، والوَطَن الواحِد؛ بما يكونُ فيه حَقنٌ للدِّماء، وبما يكونُ فيه قطعٌ لهذا البَلاء؛ لا أنْ يتكلَّم كلمةً لِيزدادَ بها الفَسادُ والدِّماءُ والبلادُ شرًّا فوق شرٍّ!

تبلغُنا الأخبارُ: أنَّ بعض البلاد، أو المدن، أو المواقع في ليبيا قد لا يَأمَنون على أنفسِهم، ولا يَجدون لُقمةَ طعامِهم، ولا يَنامُون ليلَهم!

فهل استِمرارُ هذه الفتنة يكونُ بتغذيَتِها، ومدِّها، والتَّحريضِ فيها، والتَّثوير بها -من هنا، وهنالك-؟

أم يجب أن تتكاتف القُلوب والعُقول والسَّواعد والأفكار والقَرارات -مِن كل ذي مسؤوليَّة-: أن تُحقَن الدِّماء؟!!

وليس لها من دون الله كاشِفة.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

من هنا لسماع المادة


طباعة
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل

Powered by: MktbaGold 6.5