الفوضى الخلاقة ودورها في فتن الشعوب الإسلامية

الفوضى الخلاقة ودورها في فتن الشعوب الإسلامية
4519 زائر
01-01-1970 01:00

بسم الله الرحمن الرحيم

الفوضى الخلَّاقة

ودَورُها في فِتن الشُّعوبِ الإسلاميَّةِ

إِنَّ الحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

أمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كَلَامُ اللهِ، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُها، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

وبَعْدُ...

...كثيرةٌ هي المصطَلحاتُ التي قد تَفهمُ حُروفَها، وتُدرِكُ ألفاظَها؛ لكنْ: ليس مِن السُّهولةِ بمكانٍ إدراكُ حقيقةِ معناها، وإدراكُ تَمامِ المُرادِ بها؛ إلا مِن خلالِ صورةٍ واقعيَّةٍ، أو تمثيلٍ حيٍّ لها؛ حينئذٍ: نفهمُ المقصودَ من ذاك المصطلح، أو مِن هذا الاصطِلاح.

إنَّه: مُصطلح «الفَوضَى الخلَّاقة»! هل سمعتُم به قبل هذه السَّاعة؟!

مُصطلح «الفوضى الخلاقة»!

وهو مصطلحٌ تنازَع إشهارَه وتعريفَه وإطلاقَه كثيرٌ مِن المُفكِّرين الغربيِّين، وبخاصَّةٍ منهم: مَن كان ماسونيًّا.

و«الماسونيَّة»: منظَّمة خطيرةٌ، ظاهرُها فيه إظهارُ الرَّحمة، وباطنُها فيه العذابُ، والبُعد عن الحقِّ والهدى والصَّواب، حتى اغترَّ بها بعضُ أهلِ العلم في أوائلِ القَرن الماضي؛ فانضمُّوا إليها؛ لأنَّها تَدعو إلى عَناوين كُبرى؛ كالحريَّة، والإخاء، والمواساواة، والعمل الاجتِماعي، والانفِتاح.. وغير ذلك؛ فكان هذا المصطلح: «الفَوضَى الخلَّاقة».

ويُفسِّرون هذا المصطلحَ؛ بأنَّه: إحداثُ فوضَى مُتعمَّدة، في مجتمعٍ أو مجتمعات، يكونُ بعدَها ظُروفٌ أُخرى مُتغيِّرة، فيها راحةُ هذه المجتَمعات وسعادتُها!

هكذا يقولون! وهكذا يزعمون!

ويكأنَّ جَدولَهم قد ابتدأ تَنفيذُه، ومخطَّطهم قد باشَروا باعتِمادِه في هذه السَّنَة التي شهِدت في شهرِها الأوَّل ما الكلُّ يعلمُه مِن أحداث تونُس، ثم في شهرِها الثَّاني ما الكلُّ يعلمُه مِن أحداث مصر! والآن: الأمور تتسارع جدًّا، وتتسابقُ فيما بينها جدًّا؛ فتكادُ هذه الفَوضى الخلَّاقة -كما يَزعُمون- تنتشرُ في العالَم العربيِّ الإسلاميِّ كلِّه -مِن شرقِه إلى غربِه، ومِن مُحيطه إلى خَليجِه-، وما ليس ظاهرًا منها؛ فإنَّه يُهيَّأ أمرُه، وتُحضَّر شؤونُه؛ على حدِّ قولِ الشَّاعر:

أرى خلَل الرَّمادِ وميضَ نارٍ ... ويوشِك أن يكونَ لها ضِرامُ

الأمرُ ليس سهلًا ...

الكثيرُ من الشُّعوب -للأسف!- لم تستوِ على قاعدةِ الشَّرع، ولم تستقر على ما يَضبطُها مِن كتاب الله ومِن سُنن رسول الله -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-؛ فتضطربُ في الأولويَّات، ولا تنضبط في الأساسيَّات؛ فإذا بها تَخرجُ مِن غير وعيٍ، وتتجمَّع مِن غيرِ إدراك؛ على حدِّ ذلك المثل العربي: «النَّاسُ كَأسرابِ القَطا يُقلِّد بعضُهم بعضًا».

نعم؛ نحنُ لا نَرضى الفَسادَ، ولا نَقبلُ الظُّلم، ونرفُض الاستِئثار، ونَأبَى الضَّيمَ، ولا نَقبَل القليلَ مِن ذلك ولا الكثيرَ؛ لكن النَّبيَّ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-، وهو الذي لا يَنطقُ عن الهوى، وهو القائلُ: «ما تَركتُ مِن أمْرٍ يُقَرِّبُكُمْ إلى اللهِ؛ إلا وأمَرتُكُم بِه وبيَّنتُه لكم، وما تركتُ مِن أمرٍ يُبعدُكم عن اللهِ؛ إلا نَهَيتُكم عنهُ وبيَّنتُه لكم» -أو كما قال-صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-.

فما بالُنا: نأنَسُ بهذه الثَّقافة الغرِيبةِ الغربيَّة، ونَقبَلُها ظانِّينَ أنَّ فيها الفَلاح، وأنَّ فيها النَّجاةَ، وفيها الخُروج مِن مآزِقِنا؟! غافِلين -بل مُتغافِلين- عن قولِ سيِّد النَّبيِّين -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام- في حديثِ أنسٍ في «صحيحِ البُخاري»: عندما جاءَهُ أحدُ أصحابِه يشكوهُ ظُلمَ الحَجَّاجِ؛ فقال: «ما مِن عامٍ إلا والَّذي بعدَه شرٌّ مِنه حتَّى تَلقَوا ربَّكم. سمعتُ هذا مِن نبيِّكم -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-»، وكان يشتكيهِ مَن؟ الحجَّاج!

وفي بعضِ آثارِ السَّلف: أنَّهم جاؤوا يشتكون -أيضًا- الحجَّاج إلى بعضِ أهلِ العلم؛ فمَهَّلهم؛ قائلًا: «إنَّ ثمَّةَ حجَّاجين كثيرين»!!

وإذْ يُخبِر نبيُّنا -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- أنَّ الأعوام والأزمان القادمة شرٌّ مِن الحاليَّة -بعُمومِها، وبجُملتِها-؛ فإنَّ هذا يجبُ أن يجعلنا نتأنَّى أكثر، وأن لا ننساقَ وراء الشِّعارات البرَّاقة، ووراء العناوينِ الرَّنَّانة؛ حتى لا نكونَ ولا تكونَ شُعوبُنا والنَّاس الذين نحنُ بينهم وهم بيننا؛ أن لا نكونَ همجًا رَعاعًا أتباعَ كلِّ ناعقٍ، وبخاصَّة: أنَّ الجامعَ لهذا الذي جَرَى في تونُس ومِصرَ، ويجري اليومَ في ليبيا، وفي العِراق، وفي المغربِ، وفي الجزائرِ، وفي موريتانيا، وفي جيبوتي.. وهنا وهناك وهنالك.. وقد أستثني البَحرَين؛ لأنَّ ما يجري في البحرين؛ إنَّما هو مُخطَّط شيعيٌّ خبيثٌ يُراد لهُ وبه ومِن ورائِه أن يكونَ لهم قدمٌ تُطل على بلادِ الحرَمَين، ولا أقربَ مِن البحرَين إليها؛ فأمرُهم أمرُ اعتِقادٍ فاسدٍ، يُريدون مِن ورائِه تصديرَ الثَّورة -كما يقولون-، ثم نَقْلَها إلى حيثُ يُريدون ويَشاؤون، مُغترِّين بالدَّعم الإعلاميِّ والإعلانيِّ المتدفِّق من الفضائيَّات -أو بعضِ الفضائيَّات- المُسيَّرة وفق أجندةٍ خاصَّةٍ، وكذلك مِن دول العالَمِ الغربيَّة التي تدَّعي الدِّيمقراطيَّة والحُريَّة، والتي صارتْ كأنَّها اللِّسان النَّاطق لبعضِ شُعوبِنا الإسلاميَّة.

الأمرُ أخطرُ مِن أن يكونَ مجرَّد مُظاهرةٍ أو مظاهرات، الأمرُ أخطرُ مِن أن يكونَ مجرَّد مُطالبةٍ بحقوقٍ دُنيويَّة؛ لاستِردادِها والمطالبة بها.

الأمرُ إنَّما هو تطبيقٌ لتلكمُ الفَوضى الخلَّاقة المزعومة في مجتمعاتِ العربِ والمسلمين، والتي يَخشَون منها أن تَرجعَ في يومٍ ما إلى ربِّها، وأن تُطبِّقَ إسلامَها، وأن تَفهمَ دِينَها، وأن تعملَ بِحقِّها.

وواللهِ؛ لو أنَّ هذا اليومَ جاء؛ لكانَ في ذلك خيرٌ للبشريَّة -كلِّها-، وصلاحٌ للإنسانيَّة -جميعِها-، وإن كان الذي يُصوَّر اليوم -في وسائل الإعلام المُشار إليها-: أن الإسلامَ دينُ الإرهاب، وأنَّ المسلمين مصَّاصون للدِّماء؛ وذلك بناءً على نماذجَ وصُوَرٍ تُمثِّل -في نفسِها، وفي مواقِفِها- الإسلام؛ وإن هي إلا حِزبيَّةٌ، وعصَبيَّة، أو قبَليَّة، أو عشائريَّة، دون أن يكونَ من ذلك كلِّه أدنى صِلة بالإسلام الحقِّ الذي أنزلهُ الله الحقُّ على نبيِّه محمَّد -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- بالحقِّ.

مَن رأى العبرةَ بأخيه؛ فلْيعتبر، و«السعيدُ من وُعظ بغيرِه» -كما قال ابنُ مسعودٍ-، والنَّبي -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- يقول: «لا يُلدَغُ مؤمنٌ مِن جُحرٍ واحدٍ مرَّتَين».

ليست أمَّتنا وشعوبُنا حقلَ تجاربٍ، تُجرَّب فيها النَّظريَّات، وتُمارَس عليها أشنعُ الممارَسات، ويُوعَد فيها هؤلاء الشُّعوب بِوُعودٍ أنكَى وأكذب مِن وُعودٍ عُرقوب! ويعيشون ويحلمون بأحلامٍ ورديَّة! يظنُّون أنَّهم -بذلك- سينالون الحُريَّة، وسينالون الدِّيمقراطيَّة، وسيتنعَّمون بالأموال، ويعيشونَ رغدَ الحياةِ!! ولن يكونَ شيءٌ من ذلك؛ لأن الأمرَ أكبرُ مِن ذلك، وأعظم مِن ذلك، والفِتنةُ أشدُّ من ذلك، والآتي أعظمُ من الواقعِ المُعاش!

والعجبُ -الذي لا يَكادُ ينقضي-: مِن أناسٍ يُظنُّ أنَّهم أهلُ علمٍ، ويُظنُّ أنَّهم أهلُ دِينٍ، فإذا بِحزبيَّتِهم تَغلبُ علمَهم، وإذا بِعصبيَّتِهم تُغالِب دينَهم -نسأل الله-تَعالى-العافيةَ-؛ فيتكلَّمون بالكلامِ الأهوج الذي لا وجهَ له، ولا حقَّ له، وينظُرون إلى الأمور نظرةً ضيِّقةً ليس فيها تطلُّعٌ إلى مصلحةِ الأمَّة، وليس فيها نظرٌ إلى الفائدةِ المَوصُولةِ بمجموعِها؛ وإنَّما فوائدُها -إن وُجدتْ- لا تعدو مَحدوديَّتها، ولا تَعدو إطارَها، ولا تَعدُو مِضمارَها الذي هم يُريدونه -لا غيرَ-.

آنَ للأمَّة أن تعتبرَ بنفسِها في نفسِها عن نفسِها، وأن لا تكونَ خفيفةً يحرِّكها أصحابُ الحناجِر، أو حملةِ الخناجِر الذين يُريدون للأمَّة وبها سُوءًا مع كونِهم يعِدونها بغيرِ ذلك.

وكما قيل -في أخبارِ بني إسرائيل التي قال فيها النَّبي -عليهِ الصَّلاة والسَّلام-: «حَدِّثوا عن بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا حَرَجَ»-: أن حواريِّي عيسى -عليهِ السَّلام- سمِعوهُ يقولُ: «إنَّه سيكونُ بَعدي أنبياءُ كذَبَة»، فقالوا: كيف نَعرِفُهم؟ قال: «مِن ثِمارِهم تَعرِفُونَهم».

وأنا أقول: هؤلاء الأدعياء، وأولئكَ الجُهلاء الذين تصدَّروا الصُّورةَ، وفُتحت لهم الفضائيَّات، وتوسَّعوا؛ فصار هذا الزَّمان كأنَّه زمانهم؛ «مِن ثمارِهم تعرفونَهم»!

وانظُروا تاريخَهم: منذ سبعين أو ثمانين سنةً وهم على ما هم عليه مِن: تقسيمِ الأمَّة وتحزيبِها وتخريبِها، وإيقاعِها بألوانٍ مِن الشُّرور، وبأصنافٍ مِن الوَيل والثُّبور!!

فلا يجوزُ أن نكونَ أداةً بِيَد أعدائِنا؛ لِنُنفِّذَ خُطَطَهم باسم «الحريَّة»؛ وهي الأفعى التي ستلتفُّ على أعناقِنا إن لم نتنبَّه ونَحذَر، ليكونَ -بعدُ- مقتلُنا بأيدينا، ونحن نحسب أنَّنا مِن المُحسِنين صُنعًا!

ورحمَ اللهُ مَن قال -من أئمَّة العلم-: «فلانٌ كحاطبِ الليل؛ يَظنُّ نفسَه قد التَقَطَ العصا؛ فإذا به يأخذُ الأفعى؛ فتلدغُه؛ فيموت»!

نسأل الله العظيمَ ربَّ العرشِ العظيم: أن يحفظَ أمَّة الإسلام، وأن يُجنبَها الفِتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يُبصِّرها بِعُيوبِها، وأن يَردَّ وُلاةَ أُمورِها إلى ما فيه الهُدى والرَّشد، وإلى ما فيه العملُ بكتاب الله وبِسُنَّة رسول الله -صلَّى اللهُ عليه وسلم-؛ فإنَّ ذلك خيرٌ محضٌ كلُّه، للفَرد والمجتمع، والحاكِم والمحكوم؛ بل للأمَّة -كلِّها-طولًا وعرضًا، شرقًا وغربًا-..

وليس لها من دونِ الله كاشِفة..

وصلَّى الله وسلَّم وبارَك على نبيِّنا محمَّد، وعلى آلِه وصحبِه أجمعين.

وآخرُ دعوانا: أن الحمدُ للهِ ربِّ العالَمين.

لسماع المادة

   طباعة 
0 صوت
Powered by: MktbaGold 6.5