ضوابط الخروج على الحاكم وعدم ثبوت ما نقل عن الإمام مالك

سئل فضيلة الشيخ علي الحلبي -حفظه الله-: عن ضوابط الخروج على الحاكِم الكافر؟

فأجاب:

أوَّلًا: أُنبِّه على نُقطةٍ هي أهمُّ مِن هذِه؛ لأنَّها أكثرُ إشكالًا، وقد سألني بعضُ السَّائِلين هذا السُّؤالَ عبرَ الإِيميل، ولم يتيسَّر لي -وقتَها- الجوابُ عليه.

لكنْ: أمسِ -بِتقديرِ المَولى- أقرأُ للإمامِ النَّوويِّ في شرح «صَحيحِ مُسلمٍ»؛ فإذا بهِ يُؤصِّل مسألةَ الخُروجِ على الحاكِم الفاسِق، فنَقَل إجماعَ أهلِ العِلم على عدمِ جوازِ الخُروج على الحاكِم الفاسِقِ إذا ظهر فِسقُه.

ثم قال -وهُنا الشَّاهِد-: وما نُقل عن بعضِ أصحابِنا مِن جوازِ ذلك؛ فمَردودٌ؛ لأنَّه يُخالف الإجماعَ ونُصوصَ أهلِ العِلم.

إذن: قولُ العالِم يُحتجُّ لهُ، ولا يُحتجُّ به.

لا يجوزُ أن تأتيَ وتقولَ لي: (هذا قولُ عالِم في مسألةِ كذا)! والمسألةُ فيها نصٌّ، والمسألةُ فيها دليلٌ، والمسألةُ فيها حُجَّة مِن كتاب الله، أو مِن سُنَّة رسولِ الله -صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِه وصحبِه أجمعين-.

أمَّا الحاكِم (الكافِر)؛ فضابطُه ثلاثةُ أصول:

أمَّا الأصلُ الأوَّل؛ فهو: الجزمُ بِكُفرِه.

فقد يتوهَّم مُتوهِّم، أو يَظنُّ ظانٌّ، أو يَتعالَمُ جاهِلٌ؛ أنَّ هذا الحاكمَ كافِر؛ لكنَّه -في الحقيقةِ- لا يكونُ كافرًا.

فالنُّقطة الأُولى -وقد كرَّرناها مِرارًا وتكرارًا-: أن الحُكم بالتَّكفيرِ لا يكونُ إلا مِن أهلِ العِلمِ الرَّبَّانيِّين الرَّاسِخين، والقُضاةِ المُتنفِّذين، مع إدراكِ قضيَّةٍ -أخرى- مُهمَّة: أنَّه إذا وَرد للإنسانِ -أيِّ إنسانٍ- تِسعةٌ وتِسعون قولًا يُكفِّرُه وقولٌ واحدٌ لا يُكفِّره؛ فإنَّ أهل العلمِ المُتثبِّتين المُتحوِّطِين المُدرِكين؛ يَقولون: نأخذُ بالقَولِ الذي لا يُكفِّرُه؛ احتِياطًا لدِينِنا.

ليس الأمر -فقط- احتياطًا لدِينِه؛ ولكنَّه احتياطٌ لِدينِكَ -أنتَ-أيها المُكفِّر! أو: أيُّها المُتصدِّي لِباب التَّكفير-وهو البابُ الخطيرُ، العَظيمُ التَّأثير-.

هذِه النُّقطةُ الأولى.

النُّقطةُ الثَّانيةُ: أن يكونَ ذلك بِفُتيا أهلِ العلم.

وعندما نَذكُر فُتيا أهلِ العِلم؛ لا نَقصِد بذلك -فقط- أهلَ العِلم الشَّرعيِّ؛ بل نَذكُر أهلَ العلمِ كُلًّا بِحَسبِ تخصُّصِه.

أهل العلمِ بالشَّرع في إطارِ شرعِهم..

وأهلِ العِلم بالسِّياسةِ في إطارِ سِياستِهم..

وأهل العِلم في الجُندِ والعَسكر، والعَدد والعُدد في إطارِ تخصُّصِهم..

..فإذا اجتمعتْ كلمةُ هؤلاءِ النَّفر الثَّلاثة؛ حينئذٍ: يكون الشَّرطُ الثَّاني قد حصَل.

الشَّرط الثَّالث: أن يَغلبَ على الظَّنِّ أن المصلحةَ المُترتِّبة على هذا الفِعل؛ هي الرَّاجِحة..

يَغلب على الظنِّ -بالنَّظرِ العَميق، والتَّأنِّي الدَّقيق-بعد الاستِرشاد للنُّقطتَين الأُولَيَيْن وما فيهما مِن أهميَّة كُبرى، ومنزلةٍ عُظمى-؛ أن يَغلِب على الظَّنِّ -بعدَ الدِّراسةِ والتَّأنِّي-: أنَّ ما يترتَّبُ على هذا الخُروجِ مِن الخَيرِ غالِبٌ لِما قد يَترتَّب عليهِ مِن الشَّر، أو مِن الوَيل.

وها هُنا مقامٌ حَسَن أن نَذكُر شيئًا مُهمًّا: وهو ما نُقل في بعضِ كُتبِ الفِقه المالِكيَّة، عن الإمامِ مالِكٍ -فيما يُنقَل-وليس بِصحيحٍ!-؛ أنَّه قال: (لو خرجَ أُناسٌ على الحاكِم الجائِر، وفَنِيَ منهم الثُّلثُ، وبَقِي الثُّلثان؛ فإنَّ هذا جائزٌ، ولا مَنْعَ منه)!

هذا كلامٌ لم يَثبتْ عن مالِك -أَصلًا-، وليس عليهِ دَليلٌ مِن الشَّرعِ -أساسًا-؛ بل لا يَزالُ أهلُ العلم يَنتقِدونه، وقد انتقدَه غيرُ واحدٍ مِن أئمَّة المالِكيَّة -أنفسِهم-.

على أنَّني أقولُ -ها هُنا-: إنَّ إجماعَ الأئمَّة الأربعة -رحمهُم الله-إلا بعض ما يُروى عن أبي حنيفة-: أنَّه لا يجوزُ الخُروجُ على الحُكَّام حتى وإن جارُوا، وإن فَسَقوا؛ لكن: «لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الخالِق»؛ باعتِبار هذا حُكمًا شَرعيًّا عامًّا وتامًّا، تَنبني عليه سائرُ الأحكامُ من بعدُ.

واللهُ -تعالَى- أعلم.

من لقاء مفتوح بتاريخ: 10 جمادى الآخرة 1432هـ - 13 مايو(آيار) 2011م، من الدقيقة: (14:58).


طباعة
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل

Powered by: MktbaGold 6.5