كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار

قال فضيلةُ الشَّيخ علي بن حسن الحلبي -حفظهُ اللهُ-:

عندما نقول: «وكل ضلالةٍ في النَّار»؛ أي: صاحب الضَّلالة في النار.

وعندما نقول: في النار؛ لا يلزم أنه من الكفار.

بعض الناس إذا سمِعَنا نقول: (هذه بدعة)؛ توهَّم مباشرة أنَّه في النَّار؛ لأن الرَّسول -عليه الصلاةُ والسلام- يقول: «وكلَّ بدعة ضلالة، وكل ضلالةٍ في النَّار»!

هذا من الوعيد.. هذا من التَّهديد:

مَن أقيمت عليه الحُجة، وكابرها، واستكبر عنها، ولم يَقبَلها، ولم يَرضخ لها، ولم تذلَّ عُنقُه لِهديِها ونُورِها؛ فهذا تحتَ الوعيد.

والله -تعالَى- يقول: {إنَّ اللهَ لا يَغفِرُ أن يُشرَك بهِ ويَغفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لمَن يَشاءُ}.

ومع ذلك: فيكفي -يا عبدَ الله!- أن تكون تحت هذا الوعيد.

يكفي -يا عبد الله!- أن توصَف بأنك وقعتَ في بدعة، ثم أقيمتْ عليكَ الحُجَّة، ثم أصرَرتَ على مضادَّتها ومقاومتِها وعدم الرُّضوخ لها -أعني: الحجة-؛ لتظل مُعانِقًا للبدعة، ظانًّا أنَّ فيها خيرًا، وليست من الخير في شيء!

روى الإمامُ أبو داود في «السُّنن»: عن عبد الله بن عمر -رضيَ الله عنه-: أنه دَخل مسجدًا فسمعَ رجلًا -بعد إقامةِ الصَّلاة- يقول: (الصلاةَ الصلاة)! فقال ابنُ عمر لصاحبِه: «هيا بنا نخرجُ من هذا المسجد! لا نصلِّي في مسجد فيه بِدع»!

لو كان في كلمة: (الصلاةَ الصلاةَ) -في هذا المقام- خيرًا؛ لسبقَنا إليها رسول الله -عليهِ الصَّلاة والسَّلام-، وهو القائلُ عن نفسِه: «إنَّ أعلمَكم بالله: أنا، وإنَّ أتقاكم لله: أنا».

وكما قال حذيفةُ -رضيَ اللهُ عنه-: «كلُّ عبادةٍ لم يتعبَّدها أصحابُ محمَّد -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-؛ فلا تتعبَّدوها؛ فإنَّ الأوَّل ما ترك للآخِرِ مقالًا».

«فإنَّ الأوَّل ما ترك للآخِرِ مقالًا»؛ الدِّين كامل..

جاء رجلٌ إلى الإمام مالِك؛ قال: يا إمام! أريد أن أُحرِم للحجِّ؛ فمِن أين أُحرِم؟ قال: تُحرِمُ من حيث أحرَم رسول الله -صلَّى اللهُ عليه وسلم-، قال: يا إمام! أريد أن أُحرِم من دُويرةِ أهلي. قال: أخشَى عليكَ الفِتنة! قال: يا إمام! وأيُّ فتنةٍ في أميالٍ قليلةٍ أَزيدها؟ قال: وأي فتنة في أن تَخصَّ نفسَك بخيرٍ لم يفعلْه رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم-؟!!

انظروا هذا الإدراك؛ ما أعظمَه!

وهذا الحسَّ؛ ما أجملَه، وأوفاهُ، وأهداهُ، وأتقاه، وأنقاه!

أين هي القلوب المؤمنة الصَّافية التي تتجاوبُ مع الشَّرع الحكيم؛ استجابةً لأمرِ الله العظيم، واتِّباعًا لسُنة النَّبي الكريم-صلى اللهُ عليه وسلَّم-، الذي يقولُ في مثل ذلك ربُّنا -جلَّ وعلا-: {فَلَا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.

قال الإمامُ مالِك -رحمهُ اللهُ-وهو إمامُ دارِ الهجرة، إمام مدينة النبي-عليهِ الصَّلاةُ والسلام-، وتلميذُ تلاميذ الصَّحابة-؛ كان يقول: «مَن ابتدعَ بدعةً ورآها حسَنةً؛ فقد زعمَ أنَّ محمَّدًا -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- قد خان الرِّسالة، اقرؤوا قولَ اللهِ: {اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}»، قال: «فمَا لم يكُنْ يومئذٍ دِينًا؛ فلن يكون اليومَ دِينًا، ولا يصلُحُ آخرُ هذه الأمَّة إلا بما صَلَح به أوَّلها».

واللهِ؛ لا صلاحَ للأمَّة بالمال والدِّرهم والدِّينار..

واللهِ؛ لا صلاحَ للأمَّة بالنِّفط والبترول والاقتصاد..

واللهِ؛ لا صلاحَ للأمَّة بالأحزابِ والحَرَكات والمُنظَّمات..

والله؛ لا صلاحَ للأمَّة بالكثرةِ والتكثُّر والتَّكاثر..

لا صلاحَ للأمَّة إلا على الكتابِ والسنَّة؛ اتِّباعًا صادقًا، وحذرًا واثِقًا:

اتِّباعًا صادقًا؛ لكتاب الله، ولسُنَّة رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-.

وحذرًا واثِقًا؛ من الابتداع، أو قَبول الأمر فيه -ولو قلَّ- ونحن نحسبُ أنَّنا من المُحسِنين صُنعًا..

[من محاضرة بعنوان: «الاتباع خير من الابتداع» في: 28جمادى الآخرة1432هـ-31مايو(آيار)2011م، من الدقيقة: (28:27). من هنا لتحميل المحاضرة].


طباعة
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل

Powered by: MktbaGold 6.5