أحكام العيد

أحكام العيد
5694 زائر
01-01-1970 01:00

أحكام العِيد

من المجالس الرمضانيَّة

يوم الجمعة: 28 رمضان 1430 هـ

بسم الله الرَّحمن الرحيم

إِنَّ الحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بَاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالنَّا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحمَّدا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

أمَا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كَلَامُ اللهِ، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُها، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

وَبَعْدُ:

فبالأمس كان أوَّل رمضان، وفي الغدِ القريبِ سيكونُ آخرَه، وبين هذا وذاكَ؛ كان امتِحانًا يسيرًا على مَن يسَّرَهُ اللهُ عليه، وعسِرًا على مَن ضيَّع نفسَه وأوقاتَه.

إنَّه شهرُ رمضانَ، شهر القُرآنُ، شهرُ الصِّيام والقِيام، شهرُ البِرِّ والجُودِ والإحسانِ.

ابتدأنا في أوَّل الشَّهر بِذِكر أحكامِ الصِّيام، واليوم سنختِمُه بذِكر أحكامِ الإفطارِ؛ فكما أنَّ للصِّيام أحكامًا في رمضان؛ فإنَّ لما بعدَ رمضانَ -أيضًا- أحكامًا.

* أوَّل ذلك: أن نَعلمَ أنَّ أوَّل يومٍ بعد رمضان؛ هو الأوَّل من شوَّال، والأوَّل من شوَّال هو عيدُ المسلمين؛ فلِلمسلِمين عيدانِ: عيدُ الفِطر، وعيدُ الأضحى.

(عيدُ الفِطر)، و(عيدُ الأضحى): عيدانِ جعلهما اللهُ -عزَّ وجلَّ- فسحةً للأمَّة -ضمنَ طاعةِ الله-، يفرحونَ فيهما، ويسعَدون بهما، وينتعشون بأنوارِهما.

عندما جاء النَّبيُّ الكريم -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وجد أهلَ الجاهليَّة يحتفلونَ بأعيادٍ ما أنزلَ اللهُ بِها مِن سُلطان، أعيادٍ مُتوارَثةٍ عن المجوسِ، فجاء النَّبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُبشِّر أصحابَه الكِرامَ؛ يقول: «لقَدْ أَبْدَلَكُم اللهُ خيرًا مِن هذهِ الأيَّام بِيَومَين: عيدِ الفِطرِ، وعيدِ الأضْحَى».

كلمةُ (العِيد) -في اللغةِ-: من العَود، أو العادةِ، أو الاعتيادِ؛ فلِكونِه يتكرَّر كلَّ عامٍ، ويعودُ كلَّ سَنَةٍ؛ سُمِّي (العِيدُ) عيدًا.

وقال بعضُ أَهل العِلمِ: سُمِّي (العيدُ) عيدًا؛ لأنَّ فيه عوائد السُّرور على الأمَّة، وعوائد الفَرح على أهلِ المِلَّة.

* ومما وسَّع اللهُ -تَعَالَى- فيه للأمَّة في يومَي العِيد: سماعُ الدُّفِّ من الجُوَيرِيات، و(الجُوَيرِيات): هنَّ الفَتياتُ الصَّغيرات؛ فيجوز للرَّجل أن يَستمع إلى ضربِ الدُّفِّ من الجاريةِ الصغيرةِ التي لم تبلُغ؛ أمَّا التوسُّع -في ذلك- بأن تفعلَه النِّساء، فضلًا عن أن يكونَ فيه أكثر مِن الدُّف -مِن المعازف والموسيقا-؛ فهذا لا يجوز.

دخل أبو بكرٍ -رَضيَ اللهُ-تَعَالَى-عنهُ- على نبيِّ الله مُحمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وهو مُتغشٍّ بثوبِه -يستُر رأسَه بثوبٍ-، وبجنبِه -صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهِ- جاريتانِ تُدفِّفان -أي: تضربان بالدُّف-، وتُغنِّيان بغِناء (بُعاث) -يومٌ مِن أيَّام العرب يَفتخرون فيه-؛ وهذه إشارة إلى أنَّ تلكمُ الأغاني لم تكن إلا أغاني فرحٍ وعزٍّ وفخرٍ، ليست أغاني مُجونٍ وفجورٍ وغير هذا وذاك..

فانتهر أبو بكرٍ -رَضيَ اللهُ-تَعَالَى-عنهُ- الجاريتَين، وغضبَ عليهما -قائلًا-: «أمِزْمارُ الشَّيطان في بيت رَسول اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟!»؛ فانتبَه النَّبيُّ -عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ-وهو المتغشِّي بثوبِه-، فقال: «دَعْهُما يا أبَا بَكْرٍ؛ فإنَّ لِكُلِّ قومٍ عِيدًا، وهذا عيدُنا أهلَ الإسلامِ».

إذن: هذا بيانٌ أنَّ يومَي العِيد يجوزُ فيهما التَّوسُّع في هذا الباب.

ومِن باب ذِكر الشَّيء بمِثالِه؛ نقول: أيضًا يومُ النِّكاح والفَرح؛ يجوز ضَربُ الدُّفِّ فيه؛ فقد دخل رجلٌ من التَّابعين -كما في «سُنن النَّسائي»، والحديث الأوَّل في «الصحيحين» (البُخاري ومُسلم)-، ورأى عندهم جاريةً تضربُ بالدُّف؛ فعجبَ وغضبَ، وقال: «أتُقرُّون هذا وأنتم أصحابُ رَسول اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟!»، فقال ذاك الصَّحابي -رَضيَ اللهُ-تَعَالَى-عنهُ-: «إنَّه رخصَ لنا في العُرُسات» العُرُسات: جمعُ عُرْس؛ يقال: عُرس وأعراسٌ وعُرُسات.

* أيضًا مما ينبغي أن يُذكر -في بابِ أحكامِ العِيد-: سُنِّيةِ التَّجمُّل باللِّباس.

وهذه -ولله الحمدُ-وإن كان النَّاس يفعلونَها عادةً- لكنَّها سُنَّة نبويَّة عن رَسول اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

رأى عُمرُ -رَضيَ اللهُ عنهُ- حُلَّةَ إستبرق (حرير) في السُّوق، فجاء إلى رَسول اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يقول له: (يا رَسول اللهِ! ابتَعْ هذه -اشترها-؛ تتجمَّل بها للوُفود ولِلعِيد)، فقال النَّبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إنَّها لِباسُ مَن لا خلاقَ له».

إذن: أقرَّه على التجمُّل للوفود، و التجمُّل للأعياد؛ لكنَّه أَنكر عليه أنَّ هذه حرير، والحريرُ والذَّهب حلالٌ على نسائِنا -كما قال النَّبيُّ-عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- حرامٌ على ذُكورِنا، ومَن لبس الحريرَ والذَّهب في الدُّنيا لا يَلبسهما في الآخرة.

* أيضًا مما ينبغي أن يُذكر: زكاةُ الفِطر.

وإن كان النَّاس -بل أكثرُ النَّاس- يُقدِّمون زكاةَ الفِطر في أوَّل الشَّهر أو بعد نِصفه، وكلُّ هذا مُخالِفٌ للسُّنَّة.

السُّنَّة في زكاةِ الفِطر أن تُؤدَّى بعد الفجرِ إلى صلاةِ العِيد، فإذا صلَّى النَّاس العيدَ لا تعودُ هذه صدقةَ فِطرٍ؛ وإنَّما تُصبح صدقةً مِن مُجمَل الصَّدقات.

والحقيقة: أن لأحكام زكاةِ الفِطر مسائلَ متعدِّدةً -وكنَّا في الأسبوع الماضي في بعضِ مساجد عمَّان تكلَّمنا-قريبًا مِن ساعة-في أحكام زكاةِ الفِطر وما يتعلَّق بِها [من هنا(يوضع رابط التفريغ)]-، واليوم ليس كلامُنا عن زكاةِ الفِطر -بالخُصوص-؛ وإنَّما بحسب ما ورد ذِكرُها لكونِها من أعمالِ العيد -وإن كانت حُكمًا مُستقلًّا-.

* السُّنَّة في يوم العيد -بالنِّسبة لصلاةِ العِيد-: الخُروج إلى المصلَّى.

والخروج إلى المصلَّى -اليومَ- سُنَّة مُنتشرة، واللهِ الذي لا إله إلا هو؛ أذكُر في هذا البلد -ليس في الزَّرقاء-فقط-؛ بل في الأردن كلِّها- أنَّه لم تكن تُقام صلاة العيد إلا في موقعٍ أو موقعَين، حتى كان بعضُ النَّاس يتكلَّمون بغيرِ علم، ويُرهِّبون النَّاس من السُّنَّة، ويُنفِّرونَهم من أهلِ السُّنة؛ يقولون: (هذا المكان كمسجد الضِّرار)! مع أنَّه السُّنَّة النَّبويَّة، والطَّريقةُ المُحمَّدية التي كان عليه رسولُ الإسلام -عليهِ أفضلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ-.

والحمد لله؛ أنَّ سُنَّة (صلاةِ العيدِ في المصلَّى) قد اشتهرت وانتشرت.

وإن كان -وللأسف!-وأعني ما أقول- بعضٌ من هذه المصلَّيات صار له شيءٌ من الأهدافِ الحِزبيَّة، أو السِّياسيَّة -وللأسف الشَّديدِ!-؛ لكن: مع ذلك نحن نفرح بإحياء هذه السُّنة، ونُوجِّه النُّفوس -من جهةٍ أخرى- أن تكون على طاعة الله المَرجوَّة، وعلى سُنَّة رسولِ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- المرضيَّة، أمَّا ما هُنا وها هُنا -مما يُخالفُ هذا الأصلَ الرَّضيَّ، وهذا الأساسَ النَّبويَّ-؛ فلا نُقيمُ له وزنًا، والأمرُ -كما قيل-:

فهذا الحقُّ ليس بهِ خفاءُ ... فدَعْني مِن بُنيَّاتِ الطريقِ

* والسُّنة -لمن خرج إلى المصلَّى-: أن يرجعَ مِن طريقٍ آخر.

وقد ورد ذِكر هذا المعنى في الحديث بلفظ أنَّ الرَّسول -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «كان يُخالف في طريقِه إلى المصلَّى»؛ بِمعنى: أنه يذهب مِن طريق، ويرجعُ من طريقٍ آخر.

وللعلماء -في ذلك- توجيهان -والحقيقة أن التَّوجيهَين لا أرتضي واحدًا منها! لكني أذكرُ ذلك؛ بيانًا للعلم، وأداءً لأمانةِ العلم-:

أما التَّوجيه الأوَّل: حتى يرى غيرُ المسلمين كثرةَ المسلمين.

هذه الحُجَّة في بلادِ المسلمين التي يغلبُ أهلُها -كبلادِنا-ولله الحمدُ-؛ إذن السُّنة تموت؛ بدليل أن المسلمين همُ الأكثرون! وفي مكَّة -أيضًا- لا يفعل ذلك المسلمون؛ لأن كلَّ مكَّة -بل كل بلاد الحرمَين- أهل إسلام!!

فهذا جوابٌ غيرُ مرضيٍّ!

الجواب الآخر؛ قالوا: بأن الأرضَ تشهدُ.

والحقيقة أنَّه لا يوجدُ دليلٌ صريحٌ على ذلك، والأحكامُ الغَيبيَّة لا بُدَّ لها مِن دليلٍ وبَيِّنة وحُجَّة مِن كتاب الله، أو مِن سُنَّة رَسول اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

* أيضًا: مِن السُّنة للذَّاهبِ للمصلَّى أن يُكبِّر من صلاةِ الفجر إلى قيامِ الإمامِ لصلاتِه؛ وهذا مِصداقٌ وتطبيقٌ لقولِه -تَبارَكَ وتَعالَى-: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}؛ فتَكبير الله -سُبحانه وتَعالى- مِن باب تعظيمِه في ذِكرِه -عزَّ وجلَّ-، وذِكرُ الله له أجرٌ عظيمٌ؛ {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ}، {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} .. نصوصٌ كثيرةٌ -مِن كتاب الله، ومن سُنة رَسول اللهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في مدح الذِّكر وأهلِ الذِّكر.

أصحُّ صيغةٍ في الذِّكر: هي الصِّيغة المرويَّة عن عبدِ الله بن مسعود -رَضيَ اللهُ عنهُ-، كان يقول: «اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ لا إلهَ إلا اللهُ، اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ وللهِ الحمدُ».

هذه هي أصحُّ صيغةٍ وأثبتُها عن الصحابة -رضيَ اللهُ عنهُم-.

أمَّا اليوم نسمعُ مِن الصِّيغ والأدعيةِ والابتهالاتِ والكلماتِ والتَّضرُّعات ما أنزلَ الله به من سلطان! يقولون: (اللهمَّ صل على مُحمَّد، وعلى آلِ محمَّد، وعلى أزواج مُحمَّد، وعلى أصهارِ مُحمَّد، وعلى ذريَّة محمَّد، وعلى..؛ هذا -كلُّه- لا أصل له في السُّنة!!

السُّنَّة الشرعيَّة: هي التأسِّي برَسول الإسلامِ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}، الأسوةُ بالفِعلِ كما هي بالقَولِ، الأسوةُ بالعَملِ كما هي بالتَّركِ والكفِّ، الأسوةُ بالائتِمار بالأمر كما هي بالانتِهاءِ عن النَّهي؛ هكذا يكونُ حُسنُ التَّأسِّي برَسول اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

* ومن السُّنة في عيد الفِطر -وهي سُنَّة تختصُّ به دون عِيد الأضحى-: أن لا يذهب الذاهبُ إلى مصلَّاه إلا وقد أكلَ تَمراتٍ؛ بينما في عِيد الأضحى السُّنة مختلفة؛ السُّنة في صلاةِ عِيد الأضحى أن تنتظر حتى تذبحَ أضحيتَك فتأكلَ منها.

انظروا -يا إخواني- الرحمة الإلهيَّة التي أكرمنا اللهُ بِها على لسان رسولِه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وهو القائل عن نفسِه: «إنَّما أنَا رحمةٌ مُهداة» والذي يقول عنه ربُّه -جلَّ في عُلاه-: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}.

وردَ عن بعضِ الصَّحابة -رَضيَ اللهُ عنهم- (ابن عُمر) -وكان مِن أشدِّ الصَّحابةِ اتِّباعًا وتسنُّنًا والتِزامًا بالهديِ النَّبوي-: أنَّه كان يغتسل قبل صلاةِ العِيد.

لَم يرِد هذا عن النَّبيُّ؛ وإنَّما عن الصَّحابي الجليل ابن عمرَ -رَضيَ اللهُ عنهُما-.

* هل يُصلَّى قبل صلاةِ العِيد أو بعدها -وبخاصَّة إذا ذهب النَّاس إلى المصلَّى-؟

كثير من النَّاس يعامِلون المصلَّى معاملةَ المسجد، فتراهم يصلُّون ركعتين؛ هذا لا أصلَ له في السنَّة؛ لكنْ ورد عن الرَّسول -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- أنَّه كان يصلِّي ركعتَين إذا رجع إلى بيتِه؛ أمَّا صلاة ركعتين قبل ذلك -سواء في البيت، سواء في المصلَّى-؛ فلا أصل لهذا في السُّنة.

* أمَّا حُكم صلاةِ العيدَين: فقد اختلف فيها أهلُ العلم، وأرجحُ الأقوال أنَّها واجبةٌ؛ لما سيأتينا مِن أنَّه إذا اجتمعت صلاةُ العيد وصلاةُ الجمُعة؛ أجزأَ مُصلِّيَ العيد أن لا يُصليَ الجمُعةِ، قال أَهل العِلمِ: ولا يُسقِطُ غيرُ واجبٍ واجبًا؛ وإنَّما الواجبُ هو الذي يُسقط مثلَه.

إذن: صلاةُ العيدَين حُكمُهما أنَّهما واجبتان -صلاةُ عيد الفِطر، وصلاةُ عيد الأضحى-، وسيأتينا تنبيهٌ أنَّ كلتا الصلاتَين صفتُهما واحدة، لا فرق بين صلاةِ عِيد الفِطر، أو صلاة عيد الأضحى.

* أمَّا وقتُها: فبَعدَ ارتِفاع الشَّمس قِيد رُمح.

كثير من النَّاس يقول: (قَيد) هذا خطأ لغوي شائع؛ نقول (قِيد رُمح)؛ يعني: بمقدار رمح.. إذا ارتفعت الشَّمس بمقدار رمح.

* ولا يُسنُّ لصلاةِ العيد وُجودُ أذانٍ ولا إقامة، ولا أن يُقال: (الصَّلاةُ جامعة)، النَّاس يكونون جالسين ينتظرون الإمام، يأتي الإمام: (استووا.. اعتدلوا.. لا تختلفوا فتختلف قلوبُكم..)؛ للأسف هذه سُنن أصبحت في حالةِ العدم، قلَّ أن تجدَ إمامًا يُسوِّي الصُّفوفَ كما كان رَسول اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يفعلُ؛ بل أنا رأيتُ عددًا من الأئمَّة وجهُه في القِبلة ويقول للنَّاس: (استوُوا) ولا ينظر إليهم! والرَّسول -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام- كان ينظر إليهم، ويقول لهذا (تقدَّم)، ولهذا (تأخَّر) -حتى لو وُجِد هذه السَّجاجيد العصريَّة التي فيها خُطوط، أو فيها مواضع الصَّلاةُ؛ كثير من النَّاس لا ينتبهون إليها؛ قد يتقدَّم صدرُ هذا، أو تتأخَّر رِجل هذا أو ذاك-.

فالنَّبيُّ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- آتاهُ الله مُعجزةً خاصَّة مِن أجلِ تسويةِ الصُّفوف، قال -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «إِنِّي أراكُمْ مِن وَراءِ ظَهرِي».

الإنسان يشوف من عينيه، و[عيناه] في الأمامِ، الرَّسول -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «إِنِّي أراكُمْ مِن وَراءِ ظَهرِي»؛ بعض أَهل العِلمِ قال: هذا مِن عموم معجزات رَسول اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنَّه يرى من وراء ظهرِه.

والقولُ الأرجح: أن هذا خاصٌّ في الصَّلاةِ، وفي تسوية صُفوفِها، أمَّا: كيف يَرى؟! كيف يُبصِر؟! كيف يُعاين؟! فليس لنا -مِن ذلك- شيءٌ إلا التَّسليم: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.

الرَّسول -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- كان يقف: «لَتُسوُّنَّ صفوفَكم أو ليُخالِفَنَّ اللهُ بين قُلوبِكم»، وكان يقول الرَّسول -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- : «مَن وَصلَ صفًّا وصلَه اللهُ، ومَن قطع صفًّا قطعهُ اللهُ».

فإذن: الإمامُ في صلاةِ العيد يقول: (استوُوا.. اعتدِلوا)، لا يقول: (الصَّلاةُ جامعة)، لا يؤذِّن، لا يُقيم، لا يفعل أي فعلٍ من هذه الأفعال.

* بالنِّسبة لصِفة صَلاة العيد: هي ركعتان، الرَّكعةُ الأولى يُكبِّر فيها للإحرام، ثم يكبِّر بعدَها سبعَ تكبيرات، ثم يقرأ الفاتِحةَ، ويقرأ الأعلى، أو سورة (ق)، وفي الرَّكعةِ الثَّانية يُكبِّر تكبيرة الانتقال (الرَّفع من السُّجود إلى القيام)، ثم يكبِّر بعدها خَمس تكبيرات، ثم يقرأ الفاتحة، ثم يقرأ الغاشية، أو سورة {اقْتَرَبَتِ السَّاعةُ وانْشَقَّ القَمَرُ}؛ هذا ما ورد عن النَّبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

* أنبِّه على تنبيهَين -ها هُنا- مُهِمَّين، متعلقين بِصلاة العيد، وهما مُتعلِّقان أحدهما بالإمامِ والمأموم، والثَّاني: بالمأموم -دون الإمام-.

أما المتعلِّق بالإمام والمأموم: فالسُّنة في التَّكبيرات أن لا يُرفعَ فيها الصَّوت إلا مِن الإمامِ -كسائر الصَّلوات-، أمَّا الآن في صلاة العِيد -حتى في صلاة الجنازة- معظم النَّاس يَرفعون أصواتَهم في التَّكبير؛ هذا لا أصلَ له في السنَّة، الإمامُ -فقط- هو الذي يَرفعُ صوتَه؛ حتى يعلم النَّاس صلاتَه.

الأمرُ الثاني: لا رفعَ لليدَين إلا في تكبيرةِ الإحرام، ولم يصحَّ في ذلك حديثٌ، ولا أثَرٌ، والمرويُّ عن ابنِ عمر، أو عُمر -أبيه-رضيَ اللهُ عنهُما- لا يصحُّ ولا يَثبت؛ بخلاف ما ورد عن ابن عُمر مِن رفعِ اليدَين في صلاةِ الجنازة؛ فهذا ثابت.

إذن: ثبتَ عن ابنِ عمر رفع اليدَين في صلاةِ الجنازة، ولم يثبُت عنه ولا عن أبيه رفع اليدَين في صلاة العِيد.

لكن: نحن عندما نتكلَّم عن الرَّفع؛ نتكلَّم عن الرَّفع المتعلِّقِ بالتَّكبيرات الإضافيَّة الزَّائدة؛ أمَّا تكبيرةُ الإحرام فتُرفع فيها الأيدي، تكبيرة الرُّكوع تُرفع فيها الأيدي، تكبيرة الرَّفع من الرُّكوع تُرفع فيها الأيدي، تكبيرة الصَّلاةِ الرُّباعية بعد التَّشهُّد الأوسط؛ أيضًا تُرفع فيها الأيدي؛ هذه سُنَّة.. نتكلَّم -نحن- عن السُّنَّة وعدمِها فيما ورد في تكبيراتِ صلاةِ العيد.

* أمَّا الخُطبة: فهي خطبةٌ واحدة، وأخطأ مَن قال إنَّها خطبتان، وأما أن النَّبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كن يخلطُها بالتَّكبير؛ فلا يصحُّ ولا يثبتُ ذلك عن النَّبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.....

   طباعة 
0 صوت
روابط ذات صلة

الدروس المتشابهة الدرس التالية
Powered by: MktbaGold 6.5