حكم صيام يوم السبت في غير الفرض ، وتوجيه تربوي

عرض الفتوى

هنا سؤال يتكرَّر كثيرًا -في مثل هذه المناسبات-، ونجيب عليه نحن وإخواننا كثيرًا -في مثل هذه المقامات-؛ وهو قولُه: هل يجوز صيام يوم عاشوراء إذا صادَف يوم سَبت؟

الجواب:

المسألةُ فيها خلافٌ بين أهل العلم؛ وبالتالي:

فلا يجوز -وأنا أبدأ بالنَّاحية التَّربويَّة المسلكيَّة قبل الناحية الفِقهيَّة-: فلا يجوز أن يُقام بسبب هذه المسألة، أو غيرها -من أمثالِها- مِن مسائل الفِقه الخلافيَّة بين أهل العلم وأهلِ السُّنَّة- أن يُقام عليها خلافاتٌ ومُناوشات ومُشاكَسات.. وللأسف؛ هذا يحصل! وإذا حصل هذا مِن جهل طرف؛ فلا يجهل الطَّرف الآخر؛ لأن جهل الطَّرف الآخر -في هذا المقام-؛ يكونُ مِن سُنَّة الجاهلية! حيث قال قائلُهم:

ألا لا يَجهَلَنْ أحدٌ عَلَينا .. فنَجْهَلَ فوقَ جَهْلِ [الجاهِلِينا]

هذا ليس مِن دأبنا؛ كما قال شيخُ الإسلام: "أهلُ السُّنَّة أعرف النَّاس بالحقِّ، وأرحمُهم بالخَلْق".

بيِّن ما عندك، وافعل ما تعتقدُه حقًّا، أما أن تُلزم الناس، أو تقهرهم، أو تُرغمهم، أو تجبُرهم، وأن تُبكِّت عليهم؛ هذا ليس لي، ولا لكَ، ولا لِغيرِنا، بيِّن ما عندكَ بالتي هي أحسن للتي هي أقْوَم.

هذا الجانب هو الجانب المسلَكيُّ التَّربويُّ الذي يجبُ أن نسلكَه في هذا الباب -فضلاً عن غيرِه مِن سائر الأبواب-.

أما الجوابُ المباشِر؛ فنقول:

قد صحَّ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قولُه: "لا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إلاَّ فِيما افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ، وَلَوْ أَنَّ يَجِدَ أَحَدُكُمْ عُودَ شَجَرٍ، أَوْ لِحاءَ عِنَبٍ؛ فَلْيَمْضَغْهُ"، وفي رواية: "فَلْيُفْطِرْ عَلَيْهِ".

فأي يوم مِن غير الفريضة صادفَ يوم سبتٍ؛ فنصُّ الحديث ظاهر، ولا نتألَّى، ولا نتعدَّى، ولا نتجاوز سُنَّة رسولِ الله -عليه أفضل الصلاةِ، وأتمُّ التَّسليم-.

قد يقولُ قائلٌ، أو يسألُ سائل: فهل يفوتنا هذا الأجر؛ في يوم عاشوراء -مثلاً- تكفير سَنَة ماضِية، أو يوم عرفة تكفير سَنة سابقة ولاحِقة؟

فنقول:

لن يفوتَكم -إن شاء الله-؛ هذا مِن باب حُسن الظنِّ بالله، والنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول -فيما يَرويهِ عن ربِّه-: "أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي؛ فَلْيَظُنَّ بِي خيرًا". فقد صحَّ في السُّنَّة أن رسول الله -عليه الصلاة والسلام- قال: "مَن تركَ شَيئًا للهِ؛ عَوَّضَهُ اللهُ خيرًا مِنْهُ".

فأنتَ عندما تركتَ هذا اليوم؛ هل تركتَه تساهُلاً، وتهاونًا؟ أم تركتَه لاعتقادِك أنَّ هذا التَّرك -بهذه الموافقة والمصادَفة- هو الأفضل؟ إذًا: تركتَه لله، لم تتركْه للهَوى، ولا للكَسَل، ولا للرَّاحة؛ وإنما تركتَه اعتقادًا أن ذلك أفضل؛ لله؛ اتباعًا لسُنَّة رسول الله -عليه الصلاة والسلام-.

لو أخذنا الأمر بهذه الجوانبِ الثلاثة: الجانب المسلَكي، والجانب الفِقهي المبني على الدَّليل، والجانب الذي نُحسِّن فيه الظَّنَّ بالله -عز وجل-؛ لرأينا أن المسألةَ أقل مِن أن نُقيم عليها مُناظرات، وأن نجعلَها من مسائل الفِتن في المساجد! حتى بلغني أن بعض المساجد -وللأسف!-ونرجو أن لا تكون مِن المساجد التي فيها إخوانُنا وأبناؤنا مِن طلبة العلم، دعاة السُّنَّة السَّنِيَّة- أنهم تَضاربوا بالأيدي!!

هذا ليس مِن الهُدى، وليس مِن الحق.

نُريد لمساجِدنا -في كلِّ مكان- أن تكونَ مَنارات هُدى، أن تكون أبواب تربِية، أن تكون مدارسَ أخلاق، أن تكونَ مفاتيح عِلم ومَعرفة. لا نريد لمساجدِنا أن تكونَ بُؤَر خلافات مَذهبيَّة، أو فِقهيَّة بعيدًا عن أنوار القرآن، والسُّنة النبويَّة؛ لتُفرِّخ -بعد ذلك- المنحرِفين، والبعيدين -الغالِين، أو المقصِّرين-.

والتَّربية التي يسلكها إخوانُنا، ومشايخُنا وأبناؤنا -في التَّواصي بالحق، والتَّواصي بالصَّبر مُرتبِطين، ومُتواصين، ومُتنادين بالكتاب والسُّنَّة وما عليه سلف الأمَّة؛ إن شاء الله؛ هي العِصمة مِن كل فِتنة، وهي النَّجاة مِن كل مِحنة، والله المُستعان.

وصلَّى اللهُ وسلَّم وبارَك على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آلِه، وصحبِه أجمعين.

[المصدر: محاضرة "عاشوراء: فضائله وأحكامه"].


طباعة
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة

الفتاوى المتشابهة الفتوى التالية

Powered by: MktbaGold 6.5
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع الشيخ علي بن حسن الحلبي الأثري
انت الزائر رقم : 3736928 يتصفح الموقع حاليا : 57