الرد على بعض الطعونات الموجهة للشيخ علي الحلبي

سئل فضيلة الشيخ علي الحلبي -حفظه الله-:

نريد منكم -من باب الغيرة على علمائِنا-وأنتَ منهم-إن شاء الله-: نريد منكم ردًّا قويًّا على مَن يُروِّجون -في هذه المدَّة- للقدحِ فيكم-ونحن ضدَّهم-إن شاء الله-؛ أنَّكم ذهبتُم إلى السُّودان، وقلتُم في مجلس أنَّ علماءَ السُّعوديَّة هم علماءُ سُلطان -والعياذ بالله أن يَصدرَ منكم هذا-.

بارك الله فيكم -شيخَنا- وجزاكم الله خيرًا.

فأجاب:

... مَن زعم أنِّي قلتُ عن علماءِ بلادِ الحرَمَين الشَّريفَين أنَّهم علماءُ سُلطان؛ فإنِّي أُباهلُه: أن يلعنهُ اللهُ إن كان كاذِبًا، وأن يلعنَنِي إن كان صادقًا.

فهل يَقبَل؟!

لا أظنُّها إلا كذبةً ككذباتِ كثيرين -بل الأكثرين!- مِمَّن يُخالفونَنا -بغير حقٍّ، ولا هُدًى، ولا يقين-.

وأسال اللهَ أن يثأرَ لي مِمَّن ظلمني -في هذه، وفي غيرِها-، وبِخاصَّة مَن كان مُعْتَدِيًا ومُتعدِّيًا ومُتعصِّبًا ومُتحزِّبًا.

أمَّا مَن كان يظنُّ الحقَّ، ويتطلَّبه، ويأخذ بأسبابِه، ويُمسك بِحُججِه -وإن أخطأ فيَّ-؛ فإنِّي أعفو عنه، وأسأل اللهَ أن يغفرَ له، ولكنِّي أطلبُ منه أن يَمشيَ في طريقِ الحقِّ، وأن يسلُكَ أقربَ الطُّرق إليه -وهو الصِّراط المُستقيم-.

والجميعُ يعرفُ هاتفي، ويعرف بَريدي الإلكتروني، ويعرف عنواني البريدي، ويعرفُ الطَّريق الأخصر الأقصرَ التي تَصِلُه بِي؛ حتى ينصحَنِي، أو يعرفَ ما نُقلَ عنِّي، أو نُسب إليَّ.

وهذا يذكِّرني بأمرٍ آخر -وهو امتدادٌ للسُّؤالِ الثَّاني-: وهو أن غيرَ واحدٍ سألني -في هذه الأيَّام- عمَّا نُسب في الإنترنت لِبعض المشايخ مِن قولِهم فيَّ -وقد سُئلوا عنِّي-؛ قال: (أنا أنصحكُم أن لا تسمعُوا لِهذا؛ فإنَّه قائدُ المرجِئة)!!

أنا الذي أعلمُه -مِن الكلامِ الباطل، والفِريةِ السَّابقة القديمة-التي مضى عليها-الآن- قريبٌ مِن خمسِ سنوات- أنِّي (من المرجئة)!

أمَّا أني (قائد للمُرجئة) فهذا التَّرفيع، وهذه الرُّتبة -إلى الآن- لم تَصِلنِي، ولا أعرفُ مَن رفَّعني بِها، ومَن أوصَلَ رُتبتِي إليها!!

ومع ذلك: فإنِّي أبرأُ إلى اللهِ من الإرجاءِ، والمُرجِئة، ومِن كلِّ ما يَصِل إليهِما، ومِن كلِّ ما يتَّصل بِهما -في قليلٍ، أو في كثيرٍ-، وقد كتبتُ كُتبًا عدَّة أُبيِّن فيها خطأَ المُخالِفين لِي -في بعضِ مسائلِ العلم-مِمَّن توهَّموا أنَّ هذا إرجاء، أو أنَّه مخالفةٌ للحقِّ في أهلِ السُّنة، أو لأقوالِهم العقائديَّة-؛ فعلى كلِّ مَن تعجَّل وقال بِمثل هذا القول، أو نَقلَه؛ أن يتَّقيَ اللهَ -تبارك وتَعالَى- في نفسِه.

وأُذكِّر الجميعَ بِقول النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «لا يُؤمِنُ أحدُكُم حتَّى يُحِبَّ لأخيهِ ما يُحِبُّ لِنفسِه».

وهذه -وللهِ الحمدُ- السَّنةُ الثَّالثة التي ألَّفتُ فيها كتابِي «التَّنبيهات المُتوائِمة» في الرَّدِّ على (رفعِ اللائمةِ) في مناقشتِه لِفتوى اللَّجنةِ الدَّائمة -في أكثر مِن (600 صفحة)-، وطُبع طبعتَين، والطَّبعةُ الثَّالثة -الآن-وللهِ الحمد- تُهيَّأ للطَّبع، ولم أجدْ أحدًا استطاع أن يَرُدَّ ردًّا عِلميًّا على أيِّ مسألةٍ طُرحت في هذا الكتابِ -بِفضلِ اللهِ العليِّ الوهَّاب-.

وهذا يُؤكِّد الحقَّ الذي هدانا اللهُ -تَعالَى- إليه، وسدَّدنا عليه، ونسأل اللهَ -عزَّ وجلَّ- المزيدَ مِن فضلِه، ونسأل اللهَ -تَعالَى- أن يَهديَ الجميع.

والشَّيءُ بالشَّيءِ يُذكَر -والحديثُ ذو شُجون!-، وأرى في نفسي -وأرجو أن يَعذُرني إخواني- أرى في نفسي انبِساطًا وانشراحًا أن أتكلَّم:

أمسِ: كان عندنا درسٌ في كتاب «فتح الباري» للحافظِ ابن رجبٍ الحنبليِّ -وهو غير كتاب «فتح الباري» للحافظِ ابنِ حجر العسقلانيِّ-، ودرسُنا مضى عليه أكثرُ مِن سبعين درسًا -وللهِ الحمد-أو نحو من ذلك-، في كتاب الإيمان -وهو الذي ينصر السُّنَّة وأهلها-، ليس هذا المقصود؛ ولكنَّ المقصود شيءٌ آخر:

وهو أنَّني لما كنتُ داخلًا إلى الدَّرس، رآني بعضُ الإخوة، فقدَّم لي أوراقًا -نقلها من الإنترنت- في ردِّ بعض جماعات التَّكفير والجهادِ وأدعياءِ الجهاد على شيخِنا الشَّيخ الألباني في مسألة الخُروجِ على الحُكَّام والانقلابات وأنَّ هذا مِن بدع العَصر الحاضر -كما يقولُ شيخُنا-رحمهُ الله-، وكما قاله في كتابه «العقيدة الطَّحاوية؛ شرح وتعليق»-قبل نحوٍ مِن ثلاثين عامًا-.

فردَّ على كلامِه بعضُ هؤلاء، وكان الرَّدُّ مكتوبًا عليه: (هذا الرَّدُّ بإشرافِ: أيمن الظَّواهري)! وهو معروف مَن هو -اليوم-، وماذا يفعل، وما موضعه في خارطة العالَم -في هذه الأيام-!

فرأيتُ أنَّ هذا الردَّ -وهو في بضعِ ورقات، وهو ردٌّ مُتهافتٌ-كسائرِ كلام هؤلاء، ولا وزن له!- أنَّهم بنَوهُ -في مسألة الانقلاباتِ والخروجِ على الحكَّام وقتل هؤلاء الحكَّام-بِدعوى أنَّهم مرتدون-؛ كلُّ ذلك قائم على مسألةِ تكفيرِ الحاكِم الذي يحكُم بِغيرِ ما أنزل الله.

فأرجو أن يتنبَّه -جيِّدًا- أولئك الذين يتَّهمونَنا بالإرجاءِ؛ لأنَّهم يَجعلون شُبهتَهم الأساس في هذه القضيَّة الخطيرة؛ أنَّهم يَجعلوننا مُرجئةً لِكونِنا لا نُكفِّر الحكَّامَ الذين يَحكُمون بغيرِ ما أنزل اللهُ: نحنُ نُبيِّن حُكمَ الله -تباركَ وتَعالى-، ونعتقد أنَّ الحقَّ أنَّ الكُفرَ كُفران -كُفرٌ أصغرُ، وكُفرٌ أكبر-، وأنَّه لا يَجوز إلصاقُ الكُفرِ الأكبر بأحدٍ مِن الحُكَّام أو المحكومين، والنصُّ في الآيةِ سواءٌ وعامٌّ يشملهما جميعًا؛ إلا إذا وُجد ما يُؤكِّد ذلك ويُثبِّته -عبرَ الحُجج والبراهين والأدلَّة، عبر انقطاع الشُّبهةِ وظُهور الحجَّة، لا بِمجرَّد الظنِّ والخرصِ والتَّخمينِ والقولِ على الله وعلى عبادِ الله بغيرِ علمٍ وبِغيرِ بيِّنة-.

أرجو مِن أولئك الذين يتَّهمُوننا بالباطل، ويتكلَّمون فينا بغيرِ حقٍّ: أن يَعُوا، وأن يَسمعُوا، وأن يفهموا، وأن يتَّقوا اللهَ، ولْيعلمُوا أن كثيرًا مما يَجري في بلاد المسلمين -اليوم -مِن فتن، ومِن مِحَن، ومِن تكفيرٍ، ومِن تفجير، ومن تدميرٍ، ومِن تقتيلٍ-؛ إنَّما هو ناشئٌ عن هذه الفُتيا في تكفيرِ الحاكم بِغيرِ ما أنزل الله؛ مما يُشتِّت أمنَ البلادِ وأمانَها وإيمانَها، ومِما يَجعلنا ضعفاءَ أكثرَ مِن ضعفِنا الذي جعلنا نُهبةً للدُّولِ الغربيَّة التي تتربَّص بنا وبِخيرات بلادِنا الدَّوائرَ.

ألا؛ فلْيتقُّوا الله! ولْيعلمُوا جَميعًا أنَّ ما يَطعنون هُم به في إخوانِهم في العقيدة -مِمَّا زيَّنه لهم الشيطان-؛ ليس من الحقِّ في شيءٍ، وليس من الهُدى في شيءٍ، ولْينظُروا ما كتبناهُ، وما بيَّناه مِن عقيدةٍ سُنِّية سَنِيَّة، بعيدةٍ عن كلِّ شُبهة وأدنى رِيبةٍ -فيها أدنى صِلةٍ بالإرجاء أو المُرجئة-، واللهُ يعلمُ أنَّنا مِن ذلك بُرآء، ومن أيةِ صِلةٍ فيه أبرياء.

والله الهادي إلى سواءِ السَّبيل.

وأرجو أن لا يَدفعني أفعالُ هؤلاء، وتسرُّعاتُهم الكثيرة -والتي نَصبِر عليها، ولا نزال نصبِرُ عليها، ونتصبَّر، بحقِّ ما يَجمعنا من صواب العقيدةِ في أمورٍ كثيرة -وإن خالفونا وطعنُوا فينا-؛ أرجو أن لا يدفعني كلامُهم إلى أن أتكلَّم بأكثرَ مِن ذلك، مُكتفِيًا بهذه الإشاراتِ -هُنا-، ومُذكِّرًا بما كتبتُه في كتاب «التَّنبيهاتِ» -هناك-.

فمَن أراد الحقَّ؛ فلْيتبنَّه بالعلم والبيِّنة، ومَن رأى شيئًا يظنُّه على خلاف الحق؛ فلْيُبدِه لي، فأنا أولى النَّاسِ به، وأنا عليه حريصٌ، وله قابل، فإنْ ظهرَ لي؛ خَضعتْ له رقبتِي، وإن ظهرَ لي خلافُه؛ لا أستحي مِن الحق، وأبيِّنه لكل الخلق.

واللهُ يهديني وإيَّاكم وإيَّاهم سواءَ السَّبيل.

المصدر: لقاء البالتوك بتاريخ: (23/5/2006)، (27:40). من هنـا لسماع اللقاء كاملًا.


طباعة
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل

Powered by: MktbaGold 6.5