نصيحة ذهبية : مشكلتنا أخلاقية !

عرض الفتوى

بسم الله الرحمن الرحيم

إِنَّ الحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

أمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كَلَامُ اللهِ، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم-، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُها، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

وبَعْدُ:

أما بعدُ: فحيَّهلا بمشايخِنا وإخوانِنا وأبنائِنا جميعًا، الذين هيَّأ الله -تَعالى- لهم هذا اللقاء، الذي نتمنَّى أن يتكرَّر بين حينٍ وآخر؛ لِما في ذلك مِن تجديدِ المحبَّة والأُخوَّة والأُلفة، وتعميقِ الهمِّ الدَّعويِّ الذي ينبغي أن يكونَ مُشتركًا بين العقول -كلِّها-، والقلوب -جَميعِها-.

وهذه فرصةٌ نتذكَّر فيها مشايخَنا والتَّواصُلَ العلميَّ الدَّعويَّ العظيمَ الذي كان بينهم وربَطهُم بأعظمِ رباطٍ وأَقْوَم وثاقٍ؛ حيث كانوا -جميعًا- إنَّما يَرتبِطون بالدَّعوةِ إلى العقيدةِ الصَّحيحة والمنهجِ الحقِّ، لا يُقرِّب الواحدَ منهم عندَ الآخَرِ إلا مِقدارُ التِزامِه وثباتِه واستقامتِه، ولا يُؤخِّرُ الواحدَ منهم إلا مِقدارُ تَخَلُّفه عن ذلك، وابتعادُه مما هنالك.

لذلك -أيُّها الإخوة- إن كان لي مِن وصيَّةٍ -وأنا أفتئتُ على مَن هو أكبرُ مني وأعلمُ منِّي-من المشايخِ الأفاضل-: أن أُوصي إخوانَنا بأن يَعرفوا مواقعَ أقدامِهم في الخارطة الدعويَّة -إن جاز التَّعبير- في الوقتِ الحاضر.

شِئنا، أم أَبَينا؛ قد أكرمنا الله -عزَّ وجلَّ- بمنهجٍ علميٍّ عقائديٍّ متميِّز لا يكادُ يوجدُ عند غَيرِنا؛ لكنْ -في الوقتِ نفسِه-شِئنا أم أَبَينا- نحن لا نزال مُتخلِّفين، ولا نزالُ في ذَيلِ القائمة بعد أن كُنَّا -أيَّام شيوخِنا وأئِمَّتنا- المقدَّمين فيها، والمتقدِّمين مِن خلالها.

لذلك: أن نعرفَ مقدارَ ما نحن فيه، وما نحنُ عليه -مِن خيرٍ، ومِن علمٍ، ومِن سُنَّةٍ، ومِن منهجٍ-، ثم أن نستثمرَ ذلك بالدَّعوةِ، والتَّواصي بالحقِّ، والتَّواصي بالصَّبر، والتَّواصي بالمرحمة، والتَّواصلِ الأَخَويِّ الذي يجبُ أن يكونَ بعيدًا عن الأهواءِ والأدواء، بعيدًا عن الأذواقِ والمواجيدِ التي قد تتقاذَفُنا -شِئنا، أم أَبَينا، علِمنا، أو جَهِلنا-.

فرحِم الله شيخَنا الذي ما انفكَّ في أُخْرَيات سنواتِ حياتِه أن يقولَ: (مُشكلتُنا أخلاقيَّةٌ).

وإنِّي لأخشَى ما أخشى -{وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ}- أن يكونَ جزءٌ مِن أسبابِ هذا التَّخلُّف الذي نعيشُه، وهذا التَّأخُّرِ الذي نسعَى إليه بأقدامِنا -وللأسفِ!- إلا نتيجةً مِن نتائجِ هذه المُشكلةِ التي أشار إليها شيخُنا -رحمهُ اللهُ- وذكَّرنا بها، ولم تكن إشارتُه وتذكيرُه لمعرفةِ الدَّاء -فقط-؛ لكنْ: معرفةُ الدَّاء بِدايةٌ لإدراكِ الدَّواء، ومُفتتحٌ لمعرفةِ أسبابِ الشِّفاءِ.

أمَّا أن نَرضَى بمعرفةِ الدَّاء دونَ أن نُحاولَ استِشرافَ المستَقبَلِ، واستِشرافَ الأملِ الذي يَحدُونا إلى معرفةِ الدَّواءِ ومُباشَرتِه والقِيامِ بما يَجبُ علينا تُجاهَه؛ حينئذٍ: تكون القضيَّةُ مزيدًا من السُّوء، ومزيدًا من البلاءِ، ومزيدًا مِن الويلِ والثُّبور.

ولا حولَ ولا قوَّة إلا باللهِ العليِّ العظيم.

لا أريد أن أطيلَ -أيُّها الإخوة-..

أحببتُ أن أشكرَ الجميعَ على هذا الوقتِ المقتطعِ مِن جهودِكم وأعمالِكم وراحَتِكم وديارِكم -كلٌّ بِحَسبِه-، وكذلك أن تكونَ لنا كلمةٌ نشكرُ فيها إخوانَنا، ونُذكِّرُهم بما أوجبهُ اللهُ -تَعالى- علينا -جميعًا- مِن أن نُذكِّر بعضَنا بعضًا..

ورحم الله شيخَ الإسلامِ ابنَ تيميَّة الذي كان يقولُ: (المؤمنُ للمُؤمنِ كاليَدَينِ؛ تَغسلُ إحداهُما الأُخرَى).

بارك اللهُ فيكم، وشكر اللهُ لكم، وسدَّدنا وإيَّاكم بالحقِّ إلى الحق؛ إنه سميع مجيب.

وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين.

[ألقاها فضيلتُه في مركز الإمام الألباني -رحمهُ اللهُ-، في: 26/11/2011م]


طباعة
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل
روابط ذات صلة

Powered by: MktbaGold 6.5
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع الشيخ علي بن حسن الحلبي الأثري
انت الزائر رقم : 3736908 يتصفح الموقع حاليا : 52