الحكم على الأشخاص بين التساهل والتشدد وأثره في الدعوة

عرض الفتوى

سئل فضيلة الشَّيخ علي بن حسن الحلبي -حفظهُ الله-:

يتكلَّم بعضُ طلبةِ العلم في بعضِ المشايخ، ويَطعنونَ بِهم، وأنَّهم مِن أهلِ البدعِ الَّذين لا يُؤخذُ عنهمُ العِلمُ؛ كالشَّيخ فلان لأنَّه قال كذا، والشَّيخ فلان لأنَّه قال كذا.. وذكرَ أسماءً متعدِّدةً؛ فيقولُ: أريد أن تُبيِّن لنا هذا الكلامَ؟

فأجاب:

أخي الكريم؛ هذه مسألةٌ أتعَبَتْنا وأتعبتْ غيرَنا؛ ذلكم: أنَّ الغفلةَ فيها عن تأصيلِ العُلماءِ توقِعُ بالوَيلِ والثُّبورِ، وعظائمِ الأمورِ!

والغفلةُ فيها لَها جانبان:

- الجانبُ الأوَّلُ: جانبُ التَّشدُّد.

- والجانبُ الآخَرُ: جانبُ التَّساهُلِ.

وإن كان كِلا الجانبَين باطلًا؛ لكنِّي أعتقدُ: أنَّ جانبَ التَّساهُلِ أقلُّ خطرًا، وأهونُ ضَررًا مِن جانبِ التَّشدُّد؛ لأنَّ الذي تساهَلَ أخذَ جانبَ السَّلامةِ، والخطأُ في العَفوِ خيرٌ مِن الخطأِ في العقوبةِ؛ بينما الذي تَشدَّدَ أخذَ منحَى التَّضليلِ والتَّبديعِ والإسقاطِ، واحتمالُ خَطئِه قائم، والخطأُ في [العقوبةِ] أشدُّ مِن الخطأِ في [العفوِ].

أقولُ هذا؛ مقرِّرًا ومكرِّرًا: أنَّ كِلا الأمرَين خطأ، والصَّوابُ الانضباطُ والتَّأصيلُ.

يا إخواني؛ ليس كلُّ مَن أثنَى على مُبتدِعٍ فهو مُبتدعٌ..

وليس كلُّ مَن أخطأَ خَطأً فهو مُنحرِفٌ..

وليس كلُّ مَن غَلط غلطًا فهو ضالٌّ..

إنَّما يَضلُّ مَن ضلَّ، وينحرفُ مَن انحرفَ بِمُخالفةِ أصلٍ مِن أُصولِ أهلِ السُّنَّةِ في عيونِ عقائدِهم، أو فيما تكرَّرَ مِن أفرادِ المسائلِ التي إذا اجتمعتْ تدلُّ على انحرافٍ في أصلٍ منهجيٍّ.

هذا جوابٌ عامٌّ.

يَلِي هذا الجوابَ العامَّ إشاراتٌ أخرى، وهي: اختلافُ المعاييرِ في الأحكامِ لاختلافِ الأعيانِ والزَّمانِ والمكانِ.

كثيرٌ مِن النَّاسِ يُريدُ أن يُطبِّقَ ما يَسمَعُهُ في هذا المجلِسِ في كلِّ مكانٍ، على كلِّ أحدٍ، فِي كلِّ زمانٍ!

هذا صوابٌ؟!

واللهِ؛ ليس مِن الصَّواب في شيءٍ!

هذا مَجلسٌ مضَى عليه خمسةَ عشرَ عامًا..

هذا مَجلسٌ قَضَينا فيهِ مِئاتِ السَّاعاتِ..

هذا مَجلسٌ طَرَحنا فيه مئاتِ المسائلِ، وآلافِ الآياتِ والأحاديثِ..

..هل مِن السُّهولةِ -إذا رأيتَ [واحدًا] على بابِ المسجدِ- هذا التُّراث -كلُّه-؛ أن تُلقِّنَه إيَّاهُ، أو أن تُلْقِمَه إيَّاه في لحظة؟!

الجواب: لا؛ لا يَليق، ولا يحسُن!

أنا أضربُ المثلَ بِمثالٍ؛ أقولُ:

إبَر (البنسَلِين) تُعتبر -في العصرِ الحديثِ- أهمَّ اكتشافٍ طبِّيٍّ، وبِها يُعافِي اللهُ كثيرًا مِن المَرضَى؛ لكنَّها قد تكونُ قاتِلةً لبعضِهم!

إذن: إذا لَم يكنِ العِلاجُ النَّافعُ في المحلِّ الأمثلِ؛ فإنَّه يكونُ ضرَرُهُ أكبَرَ.

وهكذا الكلمةُ..

الكلمةُ حقٌّ؛ لكنْ: هذا الحقُّ لا يُلقَى في أيِّ مكان، ولا يُعطَى لأيِّ إنسانٍ، ولا يُقالُ في أيِّ زمانٍ؛ هنالك ضوابطُ، ورَوابطُ، وأصولٌ، وأسُسٌ.

هذا فِقهُ الدَّعوةِ وفِقهُ التَّربيةِ -الذي يجبُ أن نَفهمَهُ، وأن نُفهِّمه غيرَنا-.

نحنُ نقولُ للمُخطئ: (مُخطئ)؛ لكنْ هل مِن الشَّرط أن نقولَ لهذا المخطئ: (أنتَ مُنحرفٌ، ضالٌّ، مُضلٌّ، أخطرُ مِن اليهودِ والنَّصارى، ولو خرجَ المسيحُ الدَّجالُ لاتَّبعكَ)!!؟

اللهُ أكبر!

واللهِ؛ إنَّه لَلتَّألِّي على اللهِ، وعلى غَيبِ الله، وعلى دِينِ الله!!

إذن: القضيَّةُ -كما قُلنا-: الغُلوُّ شرٌّ، والتَّقصيرُ شرٌّ..

الإفراطُ شرٌّ، والتَّفريطُ شرٌّ..

لكن: أهونُ الشَّرَّينِ الشَّرُّ الواقعُ في صاحبِه، اللازمُ له غيرُ المتعدِّي سِواهُ.

بينما الذي يُبدِّع غيرَه، ثم يُبدِّع مِن لَم يُبدِّعْهُ، ثم يُبدِّعُ السَّاكتَ عمَّن لَم يُبدِّعه.. في سلسلةٍ مِن أسوأ السلاسلِ! وفي مسألةٍ من أشنعِ المسائلِ!!

فهذا -واللهِ- هو السُّوءُ والبلاءُ!!

لذلك: أنصحُ السَّائلَ أن لا ينشغلَ بِهؤلاءِ.

واللهِ -يا إخواني!- لو عشتَ عُمرَك -كلَّه- لا تعرفُ إلا القُرآنَ الكريم، والبُخاريَّ و[مسلمًا]، والأئمَّةَ الأربعةَ، وابنَ تيميَّةَ، وابنَ بازٍ، وابنَ عُثيمين، وأئمَّةَ أهلِ السُّنَّة الكبار -هؤلاء-دون عليٍّ وعليَّان، وأحَمد وحمدان، ورَبيعٍ ورُبيعان-، واللهِ؛ إنَّك في نجاةٍ، واللهِ؛ إنَّك في نجاةٍ!

لأنَّ أُصولَ الإسلامِ -كلَّها- أخذناها مِن هؤلاءِ، وعرفناها عنهُم، وتوارثَتْهُ الأمَّةُ -جيلًا فجيلًا- منهم.

بينما فلانٌ وفلانٌ، وأحمد وحمدان -هؤلاءِ- قد يَفتِنون الأمَّةَ بأنفسِهم!

الأمَّةُ ليست بِحاجةٍ إلى هذه الفِتنِ!

الأمَّةُ يَكفيها ما فيها مِن فِتنٍ..

يَكفيها ما فيها مِن بلاءٍ ومِحَنٍ!

{وَلَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللهِ كَاشِفَةٌ}.

وصلَّى اللهُ وسلَّم وبارَك على نبيِّنا محمَّد، وعلى آله وصحبِه أجمعين.

وآخر دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالَمين.

[كان هذا السُّؤالُ والجوابُ بعد درس «شرحِ الإقناع»، كتاب الأطعمة/5، (41:36)].


طباعة
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة

الفتاوى المتشابهة الفتوى التالية

Powered by: MktbaGold 6.5
جميع الحقوق محفوظة لـ موقع الشيخ علي بن حسن الحلبي الأثري
انت الزائر رقم : 3736908 يتصفح الموقع حاليا : 51