جمع القلوب بحلم وعلم أولى من جمع الصلاة مع سوء الفهم

يقول السَّائل: شيخنا -جزاكَ اللهُ خيرًا-: في مثل هذه المواسِم، تختلفُ أنظارُ النَّاسِ مِن حيثُ الجَمْع، فمنهم مَن هو مطمئنٌّ للجَمع، ومنهم غيرُ مُطمئِن.

فنرجو توضيح ذلك -بارك الله فيكم-.

الجواب:

قضيَّةُ الجمعِ -أيُّها الإخوةُ- مُرتبطةٌ بالإمام؛ فالرَّسولُ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- يقولُ: «الإمامُ ضامنٌ، والمؤذِّنُ مُؤتَمنٌ».

فالإمامُ هو الذي يعرفُ المأمومينَ، ويعرفُ أهلَ الحيِّ -مِن المصلِّين-، يعرفُ الطريقَ إلى المسجِد، يعرفُ الأحكامَ المُحيطةَ، والأوضاعَ المُحْتفَّة بالصَّلاةِ وأوضاعِها؛ فهو يُقرِّر أنَّ المجالَ مجالُ جَمعٍ، أم ليس مجالَ جمع.

وعليه: فإنَّ ما يحدثُ في بعضِ المساجدِ مِن -أحيانًا- حثٍّ للإمامِ على الجَمع والإمامُ لا يرضَى، أو -أحيانًا- مِن إنكارٍ على الإمامِ للجَمع لمَّا يَجمع..

كلُّ هذا ليس مِن الحقِّ في شيء!

مع التَّبيه على أصلٍ مهمٍّ؛ وهو: أنَّ الجمعَ أصلًا ليس بواجبٍ؛ إنَّما هو رُخصة، والرَّسولُ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- يقول: «إنَّ اللهَ يُحبُّ أن تؤتَى رخَصُهُ، كما يُحبُّ أن تُؤتَى عزائمُه».

فإذا لم يكن المُصلِّي مُقتنِعًا بصلاةِ إمامِه إذا جَمع؛ له أن ينسحبَ -دون إشكالٍ-، وإذا أرادَ أن ينصحَ الإمامَ إذا كان عنده وجهةُ نظرٍ مُعيَّنة -أنَّ الإمامَ مُتساهل، أو أنَّه مُتشدِّد-؛ لأنَّنا رأينا -بِمُقابل الأئمَّةِ المُتساهِلين- أئمَّةً مُتشدِّدين، لا يجمَعون! ويا ليت أنَّهم لا يَجمعون -فقط-؛ بل يُنكرون على مَن يَجمع؛ بل بعضُهم يُبطلُ صلاةَ مَن يجمعُ بين الصَّلاتَين!!

ومِن الطَّريف أنَّ بعض النَّاس يَستدلُّ بالأثرِ المَرويِّ عن سيِّدِنا عمرَ بنِ الخطَّاب -رضيَ اللهُ عنهُ-في «مُصنَّف عبد الرزَّاق»-بالسَّندِ الصَّحيح- أنَّه قال: «مَن جمعَ بين الصَّلاتَين مِن غيرِ عُذر؛ فقد أتى بابًا من أبوابِ الكبائرِ»؛ يستدلُّ بهذا الأثرِ على الإنكارِ على مَن يجمَعون، وهذا الإنكارُ لا يستقيم دائمًا؛ وإنَّما يستقيمُ -حقيقةً- فيمَن جمَع بغيرِ عُذر..

مع التَّنبيه إلى أنَّ العُذرَ قد تختلفُ فيه الأنظار: العُذرُ عند المريض غيرُ العُذرِ عن الصَّحيحِ، العُذرُ عند الكبيرِ غيرُ العُذرِ عند الصَّغير، العذرُ عند النَّشيطِ غيرُ العُذر عند الكسلانِ أو التَّعبان أو المُرهَق.

فالقضيَّة -كما قُلنا- إنَّما يُرجِّحها الإمامُ؛ هو الذي يَنظر.

أنا أقولُ: أثرُ عُمرَ بنِ الخطَّاب -رضي اللهُ-تَعالى-عنهُ-هذا- دليلٌ على جوازِ الجَمع، ودليلٌ على سُنِّيَّةِ الجُمع؛ لكنْ: ضِمن ضابطِه الشَّرعيِّ، وضِمن العُذرِ الذي يُقدِّرهُ الإمامُ، ويرى أنَّه صوابٌ في الأحكام.

وما أجملَ -أيُّها الإخوةُ- أن تُبنَى مساجدُنا على التَّناصُح، وعلى التَّواصي بالحقِّ والتَّواصي بالصَّبر، وعلى المحبَّةِ في اللهِ، وعلى العِلم، لا مانعَ أنْ أُخَطِّئك، ولا مانعَ أن تُخطِّئني؛ لكنْ أن يكونَ ذلك -كلُّه- بالعِلمِ -أوَّلًا-، وبالحبِّ في اللهِ -ثانيًا-.

بعضُ النَّاس يُنكرُ بغير عِلمٍ، وبعضُ النَّاس إذا أنكرَ يُنكرُ بِعُنفٍ وغِلظةٍ وشِدَّة!!

لا هذا صواب، ولا هذا صواب..

والحقُّ بينهما: أن تُنكرَ بعلمٍ، وأن تُنكرَ بِحلمٍ؛ حينئذٍ: يتقبَّلُ قولَك حتى مَن لا يوافقك.

لذلك ربُّنا ماذا يقولُ في كتابِه: {وَالعَصرِ - إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ - إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَواصَوا بِالحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}، والآية الأخرى: {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالمَرْحَمَةِ}؛ فهي ثلاثيَّة يجب أن تكونَ مزروعةً في قلوبِنا وفي مساجدِنا، لا أن تكونَ منزوعةً منَّا ومِن مساجدِنا: الحقُّ والصَّبرُ والرحمةُ، إذا وُجد ذلك فينا، مُطبِّقينَه في ضوءِ قَول النَّبيِّ الكريم -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «والذي نفسي بيدِه؛ لا يؤمنُ أحدُكم حتَّى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسِه».

أقولُ: لو أنَّنا نفعل ذلك؛ لكان فينا خيرٌ لا يعلمه إلا اللهُ -سُبحانه وتَعالى-، وبِقدرِ تَخلُّفِنا عن هذه المعاني الرَّفيعةِ العالية بِقدرِ ما ننزعُ الخيرَ مِن أنفُسِنا، ويحلُّ مكانَه الشَّرُّ والخطأ؛ بل الخطر!

نسأل الله لنا ولكم العافية.

[من لقاء مفتوح حول الجمع بين الصلوات في الشتاء وأحكام أخرى، بتاريخ 28/1/2012م]


طباعة
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل
روابط ذات صلة

الفتاوى المتشابهة الفتوى التالية

Powered by: MktbaGold 6.5