كلمة حول حادثة قتل أحد الطلبة السلفيين في (حمص)


إِنَّ الحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالنَّا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

أمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كَلَامُ اللهِ، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُها، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أما بعد:

فما أعظم -في هذا المقامِ- قولَ الشَّاعر:

لِمثلِ هذا يَموتُ القلبُ مِن كمدٍ .. إن كان في القلبِ إسلامٌ وإيمانُ

فقبلَ سُويعاتٍ يسيرةٍ وردنِي خبرٌ أزعجَ قلبي وأرَّق عقلي -على كثرةِ الأخبارِ المُزعجةِ للقلبِ والمُؤرِّقةِ للعقلِ هذِهِ الأيام؛ لكن بعضُها قد يكونُ أكبرَ مِن بعضٍ، وبعضُها قد يكونُ أشدَّ إيلامًا من بعضٍ-.

فالكلُّ يعلمُ ويَدري ما هُو جارٍ -اليومَ-على بُعدِ عشرات الكيلومترات مِن بلدنا الطيِّب هذا في الجارة سُوريَّة- مِن تقتيلٍ، وتشريدٍ، واعتقالٍ، وذبحٍ، وتَهجيرٍ، وغير هذا وذاك.

وتأتينا الأخبارُ -كلَّ يومٍ- بِقتلِ خَمسين أو سبعين أو مائة مِمَّا قد تكون نفوسُنا -وللأسفِ الشَّديد!- تعوَّدت على هذِهِ الأرقام، واعتادت أن تسمعَها فلا تتأثر بِها!

وهذِهِ -بِحدِّ ذاتِها مصيبة -وأيُّ مصيبة!-!

لكنْ: قد يكونُ مِن الناسِ مَن هو مُتميِّز؛ فيكونُ التَّأثُّر بخبرِ موتِه، أو قتلِه، أو -حتَّى- اعتقالِه، أو تَهجيرِه أشدَّ أثرًا في النفسِ، وأعظم إيلامًا في القلبِ والعقل!

وهذا هُو بيتُ القصيد مِمَّا سمعتُه -قُبيل سُويعات- فلم تُطاوعْني نفسي أن أتكلَّم فيما نحنُ بصددِه من مسائلِ العلمِ في هذا اليوم؛ لقُرب الأثر، وشدَّة التَّأثير!

ولا حولَ ولا قُوَّة إلا بالله.

فقد قُتل أحدُ إخوانِنا مِن أهل السُّنَّةِ وطُلاب العلم في حِمص، ليس هُو وحده؛ بل هُو وزوجتُه وأولادُه وأختُه وزوجُها، وكان قتلُهم ذبحًا بالسَّكاكين!! مِما يَجعل الصُّورةَ جليَّةً، والأمرَ واضحًا في أنَّ الجاري اليوم في سوريَّة ليس مُجرَّد مُطالباتٍ سياسيَّة، أو مُناكفاتٍ اقتصاديَّة، ولكن الأمرَ يكادُ يُصبح وجودًا أو لا وجود!

وجود النُّصَيريَّة ومَن لفَّ لفَّهم، وسار مَسيرَهم، ووجود أهلِ السُّنَّةِ..

وأنا أعلم -يقينًا- أن في سوريَّة غير أهل السُّنَّةِ مِن أهل المذاهبِ والملل؛ لكنَّ العيونَ -كلَّها-، والسَّكاكينَ -جميعَها- إنَّما تُوجَّه على البلدات والمُدُن التي تزخُر بأهلِ السُّنَّةِ مِمَّا يجعلُ القضيَّةَ أشبه ما تكونُ -كما أشرتُ- إلى ما يُشبه التَّطهيرَ العِرقيَّ أو الطَّائفيَّ!

نسأل اللهَ العافية..

وفي هذا إشارةٌ أخرى إلى أمرٍ تواتر عِندَنا بالأخبار الصَّادقةِ: أنَّ هنالك عشراتٍ -بل مئات!- من الشيعة -القادِمين من المناطق الحدوديَّة مع سوريَّة من العراق- يدخلون بغير ختم حدوديٍّ، ولا جواز دَولي؛ ليقوموا بالقتل والتَّقتيل؛ لِما يَحملونه من حقدٍ دفين.

نسأل اللهَ العافية..

ولقد سألني سائلٌ -قبل فترة مِن الزَّمن-أعني: فترةً قليلة-، قال: هنالكَ في الجيش السُّوريِّ النِّظامي أهلُ سُنَّة، ناس من عامَّة المسلمين، مِن أهل السُّنَّةِ، قد لا يكونون أصحابَ دِينٍ؛ لكنْ هُم مِن أهل الإسلام، وليسوا نُصَيريِّين، وليسوا دُروزًا، ولا شيعة، إلى غير ذلك..

قال: ما حُكم مَن يُقتل مِن هؤلاء؟ هل حُكمُه أنَّه شهيد؟

فأنا قلتُ وبيَّنتُ: أنَّ أصلَ وجودِهم إلى هذِهِ السَّاعة -مع هذا الجيش الظَّالم المُجرم بهذِهِ القيادة الكافرةِ الفاجرة- أنه لا يجوز.

ولكن: لو أنَّ أحدًا منهم قُتل -كما يُقتل الآن بعضٌ من أمثالِهم- مِمَّن يُسمَّون بالمنشقِّين؛ يَنشَقُّون لِما يرون من الدماء لما يَرون من المذابح لِما يرون من الطُّغيان؛ فإذا بهم يُقتَلون لهذا السَّبب، ومِن أجل هذا الصنيع؛ فأحتبسهم عِندَ الله شهداء، ولا أزكِّيهم على الله.

وسأل -أيضًا- قائلًا: هؤلاء مضطرُّون، لا يستطيعون إلا أن يكونوا مع الجيش؟

فأنا أقول -أيُّها الإخوة-: قتلُ الآخَرين ليس فيه اضطرار؛ يعني: إذا لم تقتلْ فُلانًا؛ قتلتك.

هذا -باتِّفاقِ أهلِ العلم-: ليس فيه اضطرار، لماذا؟ لأنَّ رُوحَ فلانٍ ليست بأقلَّ من رُوحك، وروحَك ليست أكبرَ مِن رُوح فلان، فحتَّى تنجوَ بِنفسك؛ تقتل غيرَك؟! هذا لا يجوز.

فلا اضطرار في قتل الآخرين، والله -تَعالى- يقول: {ومَن يتَّق اللهَ يجل له مَخرجًا}.

فلئن قُتلتَ؛ فأنت تُقتل دفاعًا عن دينِك وعقيدتِك وبقائِك ووُجودِك، أمَّا بِدَعوى أن تُحافظَ على نفسِك؛ أن تَقتلَ الآخَرين؟! فهذا لا يجوز، هذا مِن أكبر الكبائر، النَّبيُّ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام-: «لَزوالُ الدُّنيا أهونُ عِندَ الله مِن قتلِ رجلٍ مُسلمٍ»، فكيف بِهذا الوضع المأساويِّ الأليم، الذي لم تَكدْ تُنكأ جراحُه! نسأل الله العافية.

وللأسف؛ أنَّنا نرى أكثرَ الدُّول -إلى هذِهِ السَّاعة-وها هي ذي سَنَة كاملة قد مرَّت، سَنة كاملة.. ما جرى في سوريَّة مِما تفاقم وكَبُر وعَظُم واشتدَّ وتحوَّل حتَّى صار على ما عليه اليومَ؛ مضى عليه اثنا عشر شهرًا كاملة وزيادة-، ولا تزال أكثرُ الدُّول العربيَّة، فضلًا عن الإسلامية فضلا عما يُسمى بالمجتمع الدولي، ويراهنون،وكأنها خطة يُراد من ورائها تأديب كل من يخالف هؤلاء أو يكون على مثل هذا الوضع.

أنا أقول هذا -وقد كررتُ مرارًا وتكرارًا- أنَّنا -مِن النَّاحية الفِقهيَّة المَحضةِ الصِّرفة- لا نُؤيِّد المظاهرات، ولا نؤيِّدُ الثَّوارت؛ لكنَّ الذي يجري -الآنَ- في سوريَّة أكبر من ذلك، وأعظمُ مِما هنالك، وهو أمرٌ واقعٌ ما له مِن دافع.

والواجبُ على المسلم -كما قال ابن القيِّم في «الطُّرق الحُكميَّة»، وفي «إعلامِ الموقِّعين»-: الواجبُ على الفقيهِ والمُفتي أن ينظرَ إلى المسألة بإحاطةٍ لفِقهِ واقعِها، وهذا ما قاله أهلُ العلمِ -من قبلُ ومِن بعد- فيما يُسمُّونه، أو يُؤصِّلون له بقاعدة: (الحُكم على الشَّيءِ فَرعٌ عن تصوُّرِه)، وكذلك القاعدة الأُخرى: (ليس المَنهيُّ عنه شَرعًا كالمعدومِ حِسًّا)؛ فكَونُنا نُخالفُ هذه الصُّورةَ لا يعني أنَّنا نُلغيها عن الوُجود، ولا يعني أنَّنا نعاملها كالمفقود ليس دِينًا، وليس فقهًا، وليس علمًا!

الدِّينُ يأمرُنا ويحضُّنا، والفقهُ يُرشدُنا ويُسدِّدنا، والعلم يَدفعُنا ويَحثُّنا على أن نتعامل مع الأمور تعاملًا واقعيًّا -ضمن ضوابطِ الشَّرع-، أمَّا أن نُسوِّي بين الظَّالم والمظلوم، أو بين الجلَّاد والضَّحيَّة، أو بين القاتِل والمقتولِ؟ بين القاتلِ للمَقتول لكونِه مسلمًا، وبين هذا المقتول الذي يريد أن يُدافعَ عن إسلامِه وعن دينهِ وعن أرضِه وعن عِرضه..؛ فالأمرُ خطيرٌ جدًّا!!

فواجبٌ شرعيٌّ على كلِّ مَن يستطيع أن يُقدِّمَ شيئًا ينفعُ إخوانَه المسلمين؛ مِن قُنوت في المسجد، أو دعاءٍ في جوفِ اللَّيل، أو تضرُّعٍ إلى اللهِ في السُّجود، فضلًا عن مدِّ يدِ العون لإخوانِنا لا أقول: المهجَّرين؛ ولكن أقول: المهاجِرين الذين هاجَروا مِن بلادِهم وأوطانِهم إمَّا حفاظًا على دِينهم، أو مُحافظة على أنفسِهم، وكل هذا من مقاصد الشَّرع العظيمة..

المُحافظة على النَّفس والدِّين مِن مقاصد الشَّرع الكُبرى التي قام عليها الدِّينُ -كلُّه-؛ فلا يجوزُ أن نتهاونَ بها، أو أن نُسهِّل مِن شأنِها، أو أن نُقلِّلَ مِن قَدرِها.

والنَّبيُّ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- يقولُ: «لا يُؤمِنُ أحَدُكُم حتَّى يُحِبَّ لِأخِيهِ مَا يُحِبُّ لنَفْسِه».

الأمرُ -أيُّها الإخوةُ- مؤلِمٌ جدًّا، وجليلٌ جدًّا!

و{لَيسَ لَها مِن دُونِ اللهِ كَاشِفَةٌ}..

فالأمرُ لا نُريد أن يتعدَّى طورَه، أو أن يتجاوزَ قَدرَه، ونحن نَرى ونسمعُ ما يَجري؛ لكنْ -مِن حيث الواقع- الكثيرون قد لا يَستطيعون المباشرةَ بأنفسِهم فيما نحنُ فيه؛ لأسبابٍ شتَّى؛ لكنْ: لا أقلَّ مِن أن تَدعوَ لَهم، أن تَمُدَّهم، أن تُناصرَهم، أن تُعينَهم.. والنَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- يقولُ: «العِبادةُ في الهرجِ كَهِجرةٍ إِلَيَّ».

ومِمَّا لا بُد مِن بيانِه:

أنَّ هذا الأخَ -الذي نَحسبُه-عند اللهِ-شهيدًا-الذي ذُبح هُو وأسرتُه -كلُّها-..

نسألُ الله العافيةَ لنا ولكُم وللمُسلمين أجمعين، ونَسألُ اللهَ -تعالى- أن يَجمَعَنا وإيَّاكم وإيَّاهُ في جنَّات النَّعيم..

أقولُ:

هذا الأخ ليس عِندَه أيُّ مُشاركاتٍ بِالمظاهراتِ، أو حتَّى مع الجيشِ الحُر، أو ما أشبه ذلك.

لكنَّه طالب علمٍ، يُعلِّم النَّاسَ الدِّينَ، ويُرشدُهم إلى ما فيه توحيدُ ربِّ العالَمين، ويُعلِّمهم السُّنَّة؛ مِمَّا يدلُّ أنَّ الأمرَ الذي وقعَ معه -مِن قِبل هؤلاء-؛ إنَّما هُو انتقامٌ، وغَيظٌ، وحَنَقٌ، وحِقدٌ دفين -نحو كلِّ أهلِ هذا الدِّين-! ليس -فقط- مَن يُناوِئُهم بالسِّياسةِ، أو الحربِ، أو المُواجهة؛ حتَّى مَن كان في قريةٍ بعيدةٍ -كهذا الأخِ-، حتَّى مَن كان لا يُواجِهُهم، ولا يُجابِهُهم-لأنَّه لا يَقدر-!

النَّاسُ قدرات -أيها الإخوة-، ليس النَّاس -جميعًا- على صورةٍ واحدة، وعلى نسقٍ واحد، وعلى قُدرةٍ واحدة؛ قد تستطيع ما لا أستطيع، وقد يستطيعُ ما لا تستطيعُ، و{لا يكلِّف الله نفسًا إلا وُسْعَها}، {لا يُكلِّف الله نفسًا إلا ما آتاها}..

.. حتَّى هذا الذي قد لا يكون عِندَه القُدرة -بِسببِ الظُّروف، والحيثيَّات المُحيطة- على المواجهةِ والصَّدِّ بالنَّفسِ والبدن؛ فإنَّه لَم يسلمْ من ضَلالِهم، لَم يَسلم مِن كُفرِهم، لَم يَسلمْ مِن قَتلِهم -بِصورةٍ بَشِعةٍ-!

عِندَما يُذبحُ الإنسان المُكرَّم عِندَ الله -تباركَ وتَعالَى- ذبحًا مِن الوريدِ إلى الوريد -كما تُذبحُ الدَّجاجةُ! كما تُذبحُ الشِّياهُ-نسألُ اللهَ العافية-؛ فأيُّ حقدٍ أشدُّ! وأيُّ عقيدةٍ باطلة أنكَى-التي تدفعُ مثلَ هؤلاء النَّاسِ إلى مثلِ هذا الصَّنيع الشَّنيع-!

أسأل اللهَ العظيمَ ربَّ العرش العظيم أن يُعجِّلَ بالظَّفَر والفَرجِ والنَّصرِ لإخوانِنا المُستضعَفين في كلِّ مكانٍ -عُمومًا-، وفي سوريَّة -خُصوصًا-، وأن ينتقمَ اللهُ -تَباركَ وتَعالى- مِن هذا النُّصَيريِّ الكافرِ المُجرم الذي لَم يَرقُب في مسلمٍ إِلاًّ ولا ذِمَّة، مُتبجِّحًا بكلماتٍ يَكذِبُ فيها على الإعلام، ويُدلِّس فيها على النَّاس -بِما يُسمِّيه: إصلاحات، وقوانين، ودستور، وانتخابات!!-مِمَّا لا يُقدِّم، ولا يُؤخِّر -فيما هُو قائمٌ به مِن هذا القَتلِ والتَّقتيل-!

و{لَيسَ لَهَا مِن دُونِ اللهِ كَاشِفَةٌ}..

ولا حولَ ولا قوة إلا بالله.

وصلَّى اللهُ وسلَّم وبارَك على نبيِّنا محمَّد، وعلى آلهِ وصحبهِ أجمعين.

وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين.


طباعة
Powered by: MktbaGold 6.5