فضل معاوية بن أبي سفيان

فضل معاوية بن أبي سفيان
5853 زائر
01-01-1970 01:00

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمدَ لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفسِنا ومِن سيئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يضللْ فلا هاديَ له.

وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شَريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه.

أمَّا بعد: فإنَّ أصدقَ الحديثِ كلامُ الله، وخيرَ الهَدْي هديُ محمد -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكلَّ محدَثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار.

وبعد:

... مجلسُنا -في هذا اليومِ المُبارك- فلا يزالُ في فضائلِ أصحابِ رسول الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، وفي بيانِ مكارِمهم، وعظيم منزلتِهم، وكبيرِ مكانتِهم -رضي اللهُ-تعالَى-عنهُم-، وهُم الذين يكونُ حبُّهم فَيصلًا بين السُّنَّة والبدعةِ، وبرزخًا بين الحقِّ والباطِل، وطريقًا يفصلُ أهلَ الهُدى مِن أهلِ الضلال.

فمَن أحبَّهم على الطَّريقةِ السَّنِيَّة السُّنِّيَّة، جامعًا لأصول أهلِ السُّنَّة والجماعة -والتي على رأسِها تقديرُ الصَّحابة وتعظيمهم-؛ فهو السُّنِّيُّ السَّنِي، ذو المَورِد الهَنِي.

وأمَّا مَن كان مُبغِضًا لهم، ساخطًا عليهم، مُضلِّلًا إيَّاهم -فضلًا عن أن يكونُ مُكفِّرًا لهم-؛ فهذا لا رحمَ اللهُ فيه مغرِزَ إبرة؛ فهو مِن أهل الضَّلال المُبين، ومِن أهل الكُفران المُستبين.

أعاذنا الله -تبارك وتَعالى- وإيَّاكم...

ولا يزال الشِّيعةُ الشَّنيعة إلى هذه السَّاعةِ، ولحقهم على هذا الطَّريقِ الخرِب بعضُ الصوفيَّة، وبعضُ الأشعريَّة -وللأسفِ الشَّديد!-مِمَّن ينتسبون إلى السُّنَّة، وإلى أهل السُّنَّة-والسُّنَّة منهم على هذا النَّحو براء-؛ أقول:

لا زالون يطعنون في مُعاويةَ -رضيَ اللهُ عنهُ-، وفي أبيهِ -رضيَ اللهُ عنهُ-، وفيهما مِن الفضائل السُّنِّيَّة، ومِن المكارم السَّنيَّة الشَّيءُ الكثير الكثير.

ومَجلسنا عن معاويةَ وحدَه -رضيَ اللهُ عنهُ-، وإن كان أبوه -أيضًا-أبو سُفيانَ- قد نال شرفَ الصُّحبةِ؛ ففي «صحيح مُسلم»: أن النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- قال: «مَن دَخَلَ دارَ أبي سُفيانَ فهوَ آمِن»؛ في إشارةٍ إلى مكانتهِ في قومِه، ومنزلتِه في الصَّحابةِ بعد إسلامِه -رضيَ اللهُ-تعالى-عنهُ وأرضاهُ-.

قال المؤلف -رحمهُ اللهُ-:

((وتترحَّمُ على أبي عبد الرَّحمنِ مُعاويةَ بنِ أبي سُفيانَ)):

ذكر الترحُّم وهو أقلُّ درجةً من الترضِّي، وهو أشملُ اصطلاحًا منه؛ لأن الشِّيعةَ الشَّنيعةَ لا تترضَّى عنه -فضلًا عن أن تترحَّم عنه-، ولا تترحمُ عليه -فضلًا عن أن تترضَّى عنه-رضيَ اللهُ-تعالى-عنهُ وأرضاهُ-.

لذلك: ذكرَ التَّرحُّمَ إشارةً إلى منزلتِه في جنَّة اللهِ وفي رحمةِ الله -تباركَ وتَعالى-، وأنَّ مَن شكَّ في مسألةِ التَّرضِّي فلا أقلَّ مِن أن يترحَّم عليه؛ بينما نرى الشِّيعةَ الشَّنيعةَ لا ترضى هذا ولا تَقبَل ذاك! فهي تُكفِّره!!

وعلى هذا النَّسق -وللأسفِ الشَّديد!-كما قلتُ- بعضُ الصُّوفيَّة والأشعريَّة -في هذا الزَّمان-مِمَّن اتَّهموا هذا الصَّحابيَّ الجليلَ -رضيَ اللهُ-تعالى-عنهُ وأرضاهُ-.

قال:

((أخي أمِّ حبيبةَ زوجةِ رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-)):

فهو شقيقُ أمِّ حبيبة بنتِ أبي سُفيان -رضيَ اللهُ-تعالَى-عنهُا وعن أبيها-؛ فالنَّبيُّ -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- تزوَّج عدَّة نساء، مِنهنَّ هذه الصحابيَّةُ الجليلةُ أختُ معاويةَ -رضيَ اللهُ عنهُا-.

قال:

((خالِ المؤمنين أجمعين)):

طالما أنَّه شقيقُ أمِّ حبيبةَ، وأمُّ حبيبة مِن أمَّهات المؤمنين؛ إذن: يكونُ هو بِمنزلةِ خالِ المؤمنين.

نبَّه أهلُ العلمِ -ها هُنا- إلى أنَّ هذا الوصفَ -وإن كان وصفَ مدحٍ وثناءٍ وتكريمٍ وإطراءٍ- إلا أنَّه لا يختصُّ به معاوية -رضيَ اللهُ-تعالَى-عنهُ-؛ وإنما هذا الوصفُ يوصَف به كلُّ مَن كان حالُه حالَه؛ كابنِ عُمر -رضيَ اللهُ-تعالَى-عنهُ-؛ فأُختُه حفصة، وكأبناء أبي بكرٍ -رضيَ اللهُ-تعالَى-عنهُ-؛ فأختُهم عائشةُ، وهكذا.

إذن: الوصفُ بِكونِه خال المؤمنين ليس وصفًا خاصًّا به، وإن كان هو الأشهرَ، وهو الذي ذكرَه امتِداحًا له، وثناءً عليه، وإطراءً له- أئمةُ السُّنَّة كالآجرِّي في «الشَّريعة»، وابن قدامة في «لُمعةِ الاعتقاد»، حتى الإمام أحمد -رحمهُ اللهُ- تعالى في كتاب «السُّنَّة» للخلاَّل نُقل عنه ذِكرُ معاوية -رضيَ اللهُ عنهُ- بالثَّناءِ عليه بوصفِه (خالَ المؤمنين).

قال:

((وكاتِبِ الوَحي)):

وهذا مِن المعروف والمشهور عنه -رضيَ اللهُ عنهُ-؛ بل في «صحيحِ مُسلم» ما يُشير إلى هذا المعنى.

وهنا نقطةٌ مهمَّة -يخطئ فيها كثيرٌ من النَّاس-: بعضُ النَّاس لا يُفرِّقون بين كُتَّاب النَّبيِّ وكُتَّاب الوحي.

فكُتَّاب النَّبي مأمونونَ -لا شكَّ، ولا ريب-، ولولا كونُهم مأمونين؛ لما اختارهم الرَّسول الكريم -صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلَّم-.

لكنَّ كُتَّاب الوحيِ هم الأكثرُ ائتِمانًا وأمانةً وثِقةً؛ لأنَّهم -والحالةُ هذه- مُؤتَمنون على كلامِ الله؛ بينَّما كُتَّاب النَّبي -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- هم الذين كانوا يَكتُبون رسائلَه النَّبويَّة.

لكنْ هؤلاء يكتُبون الوحيَ.

فكانت كتابةُ الوحيِ مَحدودةً في أفرادٍ مِن الصَّحابة، ائتَمنَهم رسولُ الله -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-؛ لِما كانوا عنده مِن كونِهم يَعرفون الكتابةَ -أولًا-وهذا قليلٌ في العرب-يومئذٍ-؛ لأنهم أمَّةٌ أميَّة؛ {هُو الذي بَعَثَ في الأميِّين رسولًا منهم}-.

والأمر الثَّاني: لأنَّهم موضعُ ثِقته وأمانتِه -صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلَّم-.

قال:

((وتذكُر فضائلَه، وتَروي ما رُوي فيه عن رسولِ الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-)):

وهذا ليس خاصًّا به -أي: بِمعاويةَ -رضيَ اللهُ عنهُ-؛ وإنما هو عامٌّ بسائر الصَّحابة -رضيَ اللهُ عنهُم-.

لكن لماذا يُخصِّص أهل السُّنَّة -مثلًا- معاوية؟

مثلًا معاوية: كتبَ في فضائِله كثيرٌ مِن أهل السُّنَّة:

الإمامُ ابن أبي عاصم له جزءٌ حديثيٌّ: «فضائل مُعاوية بن أبي سُفيانَ».

السَّقَطي له «فضائل مُعاوية بن أبي سُفيانَ».

غلام ثعلب له «فضائل مُعاوية بن أبي سُفيانَ».

العلامة ابن الهيتَمي... له كتاب لطيف سماهُ: «النَّاهية عن الطَّعن بأميرِ المؤمنين معاويةَ -رضيَ اللهُ-تعالى-عنهُ وأرضاهُ-».

وهكذا لا يزال أهلُ السُّنَّة -مِن أهل العلم- يُؤلِّفون في فضائل معاويةَ، ويَروُون فضائلَه، ويفتخِرون بها، لماذا؟

لأن الشِّيعة الشَّنيعةَ ضادَّتْ مُضادَّةً -رأسًا لقدمٍ، وعكسًا بعكسٍ- أهلَ السُّنَّة في فضل معاوية، فكلُّ فضيلةٍ لِمعاوية قَلَبوها وجعلوها سببَ طعنٍ، وطريقَ إفكٍ يَطعنون به -رضيَ اللهُ-تعالى-عنهُ وأرضاهُ-!

أمَّا أهل السُّنَّة فهم يفتَخِرون بِهذه الفضائل، لكن أهل السُّنَّة السَّنيَّة الذين هُم على حقٍّ وعلى صوابٍ هم الذين يَروون الفضائلَ الثابتةَ الصَّحيحةَ، ولا يَفعلون كما يفعلُ كثير من النَّاس في روايةِ أيِّ فضيلة -حتى ولو لم تصحَّ عن رسول الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-.

ومن باب الأمانة العلميَّة: ذكر أهلُ العلم، أو (بعضُ) أهل العلمِ -حتى أكونَ دقيقًا- أنَّه لم يصحَّ في فضلِ معاويةَ -رضيَ الله عنهُ- فضيلةٌ (خاصَّة).

لكنْ: كونُه مِن الصَّحابةِ؛ هذه أعظمُ فضيلة.

كلُّ فضيلةٍ تندرجُ تحت هذه الفضيلةِ، وهذه الفضيلةُ لا تندرجُ تحت أيِّ فضيلةٍ أخرى.

فكونُه نال شرفَ الصُّحبة وفضلَها؛ أكرِم بها مِن نعمة! وأعظِم بِها مِن فضيلة!

... صحح شيخُنا الشَّيخ الألباني -رحمهُ اللهُ-تبعًا لجماعةٍ من أهل العلم- عدَّة أحاديث في فضلِ معاوية -رضيَ اللهُ-تعالَى-عنهُ-؛ منها: ما في «المسند» أن النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلَّم- قال -داعيًا له-رضيَ اللهُ عنهُ-أي لِمعاوية-: «اللهمَّ علِّمهُ الكتابَ والحِسابَ، وَقِهِ العذابَ»، هذا من دعاء النَّبيِّ -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- الذي صحَّ عنه -صلواتُ الله وسلامُه عليهِ- في فضل معاوية -رضيَ اللهُ عنهُ-.

وكذلك صحَّ من فضائله -أيضًا-كما في «سنن الترمذي»-:

أن النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- قال: «اللهمَ اجعلهُ هاديًا مهديًّا، واهدِهِ، واهدِ بهِ» -رضيَ اللهُ-تعالى-عنهُ وأرضاهُ-.

فهذه نُبذٌ من فضائل معاويةَ -رضيَ اللهُ-تعالى-عنهُ وأرضاهُ-.

أيضًا: قد ارتضى معاويةَ الشَّيخانِ الجليلان، سيِّدا شُيوخِ أهل الجنَّة، والمُقتدَى بِهما بعد رسول الله -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- القائل: «اقتدُوا باللَّذَين مِن بَعدِي أبِي بكرٍ وعُمرَ»، لقد ارتضاه الشَّيخان على ولاية الشَّام، فوليَّاه: ولاه أبو بكرٍ في عصره، وكذلك ولَّاه عُمرُ في عصره، فلولا مكانتُه، ولولا منزلتُه، ولولا فضلُه؛ لَما كان منهما -رضيَ اللهُ عنهُما- مثلُ هذه التَّوليةِ له -رضيَ اللهُ-تعالَى-عنهُ-.

قد يقول قائل، أو يسألُ سائل:

وما جرى بينه وبين عليٍّ -رضيَ اللهُ عنهُ-مِن فتنة-؟

نقول: كلٌّ منهما مجتهدٌ -وإن كان أحدُهما مُخطئًا-ولا شكَّ-، وإن كان الأقربَ إلى الحقِّ عليٌّ -رضيَ اللهُ-تعالَى-عنهُ-؛ لكنَّنا لا ندخل في التَّفاصيل، ولا ندخلُ في المُجرَيات والأحداث؛ لأن النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- يقول: «إذا ذُكرَ أَصحابِي فأمسِكُوا»، والمقصودُ بالإمساكِ هُنا: الإمساك عن مواضع الفِتنة، وعن أسبابِها، وليس المقصود: «إذا ذُكرَ أَصحابِي فأمسِكُوا» عن ذِكر فضائلهم! ليس هذا هو المقصود -طبعًا وبداهة-؛ وليس هذا هو المراد!

وإنما المُرادُ -كما قال المُناوي وغيرُه-: أي: أمسِكوا عما جرى بينهم من الفِتنة والمحنة -رضيَ اللهُ-تَعالى-عنهُم-؛ لِتبقَى القلوبُ مُفعمةً بالمحبَّة لهم، والتَّرضِّي عنهم، والتَّقدير لَهم، والتَّعظيم لِمكانتهم.

ونبرأ إلى اللهِ مِن كلِّ مَن طعن فيهم، أو في واحدٍ منهم، أو مَن غمزَ فيهم، أو غَمز في واحدٍ منهم، ولا نَظنُّ سُنِّيًّا -ينتسبُ إلى السُّنَّة، ويتشرَّفُ بِها- أن يقولَ شيئًا فيه الطَّعنُ بِهم؛ إلا أن يكونَ قولُه فيما لا يَقصِد، وفيما لا يُريد، {رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينَا أَو أَخْطأنا}.

أمَّا أن يتعمَّد سياقَ ألفاظٍ فيها إهانةٌ، أو فيها طَعنٌ، أو فيها غمزٌ، أو فيها تبكيتٌ، أو تنكيلٌ لَهم أو بهم -رضيَ اللهُ عنهُم-؛ فهذا لا يُمكنُ أن يكونَ سُنِّيًّا -مَن قصد ذلك وتعمَّده وأرادهُ-كما قلتُ-؛ إلا أن يَسبقَ على لسانِه لفظٌٌ خطأٌ يَسوقُه في غيرِ مَساقِه، يجبُ عليه أن يرجعَ عنه، وأن يتبرَّأ منه، وأن يتوبَ إلى الله -تباركَ وتَعالَى-حتى لو كان ذلك مِمَّا سبق به لسانُه، ومِمَّا لَم يقصدهُ جَنانه-.

فمَنزلةُ الصَّحابة عاليةٌ عليَّة، ومكانتُهم مُرتفعةٌ سَنيَّة، لا يَصلُ أيُّ أحدٍ مِن بعدِهم إلى مَرتبتِهم -مهما فَعل، ومهما عمِل-؛ كما قال النَّبيُّ -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «فوالذي نفسي بِيدِه: لو أنفقَ أحدُكُم مثلَ جبلِ أحُدٍ ذهبًا؛ ما بلغ مُدَّ أحدِهِمْ ولا نَصيفَه»؛ إشارةً إلى الاستحالةِ في أن يَصلَ أحدٌ مِمَّن بعدهم إلى درجتِهم، إلى فضلِهم، إلى مكانتِهم، إلى منزلتِهم -رضيَ اللهُ-تعالَى-عنهُم أجمعين-.

قال:

((فتعلمُ أنَّ هذا موضعُه ومنزلتُه)):

نعم -والله-؛ إنَّنا لنعلمُ ونُعلِّم ونتعلَّم أنَّ هذه منزلتُه ومكانتُه -رضيَ اللهُ-تعالَى-عنهُ-؛ فقد ثبتَ له شرفُ الصُّحبة وفضلُها بالعُموم-، وثبتَ فيه شيءٌ من الفضائلِ -عند مَن ثبَّتها مِن أهل العلم-...

   طباعة 
31 صوت
Powered by: MktbaGold 6.5