شكاية حول التهاجر والتدابر في واقع بعض السلفيين

يقول السَّائل: لا يَخفى عليكم -شَيخَنا- ما صار يُعدُّ سِمةً في واقعِنا -نحن السَّلفيِّين-بعضًا ببعض-، واقعٌ [تدمى] له القُلوب، وتدمعُ له الأعين، وتتفطرُ له الأكباد؛ حيث التَّقاطُع والتَّدابُر والتَّهاجُر والإغلاظُ في القَول بدون سببٍ، وإن كان هناك مِن سببٍ فيكون سببًا تافهًا!!

وهذا أثَّر على استجابةِ النَّاس لنا؛ فيقول القائلُ منهم: انظُر إليهم كيف يتقاطَعون ويَتدابَرون ويَتناوَشون؟!!

شيخَنا: إذا لَم نَستطِع أن نسبلَ ثوبَ الرَّحمةِ والرَّأفةِ والمودَّةِ بيننا -نحنُ السَّلفيِّين أتباع المنهج الواحد-؛ فهل نستطيعُ أن نتواصلَ بالدَّعوة والإرشادِ والنُّصح والتَّوجيه مع مَن خالفنا في العقيدةِ والمنهَجِ؟!

وهذا ما تنبَّهَ له شيخُكم وشَيخُ مشايخنا العلامةُ الإمام محمَّد ناصر الدِّين الألباني -في آخرِ حياتِه-، وأثبتَه في وصيَّته للأمَّة.

فهل الحرصُ -شيخَنا- على سلامةِ المُعتقد وسلامةِ المنهج يُسوِّغُ الاستهانةَ بالأدبِ والأخلاقِ التي قال فيها النَّبيُّ -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «إنَّما بُعثتُ لأُتَمِّمَّ مكارمَ الأخلاقِ»، وقال فيها: «إنَّكم لن تَسَعُوا النَّاسَ بِأموالِكُم، فسَعُوهُم بِأخلاقِكم»؟

شيء من التَّفصيل -شيخَنا-حفظكم الله وسدَّدكم ورعاكم-.

الجواب:

الحقيقة: أن كلامَ أخينا أبي إسحاق هو شكايةُ حالٍ أكثرُ منه سُؤالًا، وأنا معهُ في كلِّ ما قال -حرفًا بحرفٍ-، وأضمُّ صوتي إلى صوتِه، وأدعو اللهَ -عزَّ وجلَّ- أن يؤلِّف بين قلوبِ السَّلفيِّين في كل مكان، وأن يُرِيَ النَّاسَ منهم أجملَ وأحسنَ ما فيهم، وأن تكونَ أخلاقُهم -كما هي عقائدُهم ومناهجُهم- سبيلًا راشدًا، وطريقًا مَسلوكًا لقلوبِ النَّاس حتى يَسَعوهم، ويشمَلوهم برحمتِهم، ويُؤنِسوهم بأخلاقِهم.

أمَّا أن يُظنَّ أن العقيدةَ والمنهج لا تأتِي إلا بالعُنف والغِلظة تحت اسمِ الهجر، وتحت اسم الولاءِ والبراء؛ فهذا خلافُ ما عليه أهلُ العلم؛ فإنَّ الولاءَ والبراء له ضوابطُه، والهجرَ الشَّرعيَّ له ضوابطُه، فلا يجوزُ أن نَخلطَ بين هذه الأمور خلطًا قبيحًا، مُتصوِّرين أنَّ مَعَنا ما ليس مَع غيرِنا، وأنَّ هذا الذي معنا هو سَبيلُ السَّيطرةِ على قلوبِ العِباد؛ نقول: نعم؛ لكنْ: لنتذكَّر جميعًا قولَ اللهِ -عزَّ وجلَّ-في كتابِه- لنبيِّه -حول أصحابِه-: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} هذا رسول الله -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-، وهؤلاء أصحابُه، وهذا كلامُ الله في كتابِه، والحقُّ الكاملُ بين يدَيه، ومع ذلك قال: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}.

فنحنُ أَولَى وأَولَى أن نأخذَ بهذا التَّوجيه الرَّبَّاني لنبيِّنا -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- الذي هو توجيهٌ للأمَّة-؛ حتى نشملَ النَّاس بِمحبَّتِنا وأُلفتِنا وأُنسِنا وأخلاقِنا -كما رغِبنا منهم ولَهم أن يكونُوا مشمولِين بِعقيدتِنا ومَنهجِنا وحقِّنا -الذي امتنَّ اللهُ-تَعالى-به علينا-.

واللهُ المستعان.

المصدر: لقاء البالتوك (16/1/2007) -من لقاءات البالتوك القديمة، في غرفة مركز الإمام الألباني-، (55:55). من هنـا لسماع اللقاء كاملًا.


طباعة
Powered by: MktbaGold 6.5