جواب الشيخ المفصل حول قضية وحدة الأديان المدعاة في رسالة عمان

سُئل فضيلة الشَّيخ علي الحلبي -حفظه الله-:

السَّلام عليكم -يا فضيلة الشَّيخ-؛ ما جوابكم في القضيَّة التي انتشرت عن فضيلتك حول رسالةِ عمَّان في وحدةِ الأديان؟

الجواب:

جاوبتُ عنها عشراتِ المراتِ، وبيَّنتُ براءتي إلى اللهِ مِن هذا القولِ المُفترَى، القَولِ الكُفريِّ الذي لا يقولُهُ أدنى النَّاسِ إسلامًا، وأقلُّهم عِلمًا.

بل أقولُ: عِشنا دهرَنا -كلَّه- نُحاربُ الحزبيَّةَ والمذهبيَّة والفِرقَ والطَّائفيَّةَ، ونرفضُ -بشدَّةٍ- التَّقريبَ بين المذاهب الباطلةِ مع أهل السُّنَّة؛ فمَن رفضَ التَّقريبَ -مُجرَّد التَّقريب!- بين المذاهب الباطلةِ السُّنِّيَّة؛ هل ترونهُ يَقبَل بالوحدةِ بين الأديانِ؟!!

هذا كلامٌ لا يقولُه عاقل!

وهذا كلامٌ لا يجوزُ أن يتَّهمَ به غيرَه مِن أهلِ السُّنَّة عاقلٌ!

للأسف!!

لكن: بابُ الإلزام.. وجزى الله خيرًا الشَّيخَ محمودًا على تَنبيهِهِ الدَّائمِ على قضيَّةٍ -في الحقيقةِ- كثيرٌ من النَّاس عنها غافلون، وهي: قضيَّة الإلزام، على مذهب الشَّيخ الصُّوفي والحذاءَين؛ أم نسيتُم؟

هذا هو الإلزامُ الذي نحنُ -اليومَ- نُعاني منهُ الأمرَين والأَمَرَّين!

يا إخواني: أنا أثنيتُ على رسالةِ عَمَّان:

هل كلُّ ما في رسالة عمَّان باطل؟

الجواب: لا.

أنا أثنيتُ على رسالةِ عمَّان ثناءً لا يتجاوزُ السَّطرَيْن -في مُناسبةٍ معيَّنة-..

ويجب أن يُعلمَ أن رسالةَ عَمَّان: هي رسالةٌ كتبَها وليُّ أمرِ بلادِنا؛ وبالتَّالي: فإنَّها مِن كلامِ وليِّ الأمرِ، ولا نزالُ نسمعُ من عُلمائنا السَّلفيِّين، ومشايخِنا الأثريِّين؛ أنَّهم يقولون، ويُقرِّرون، ويُؤكِّدون: (لا يجوزُ الإنكارُ على وليِّ الأمرِ بالعَلن)؛ فـ:

لماذا على دَور (علي الحلبي) صار وُجوب الإنكار على وليِّ الأمر بالعَلن؟!!

لماذا ناقضُوا منهجَهم السَّلفيَّ -الذي يُعلِّمونه غيرَهم- في هذا الباب؟!!

هذه كلُّها واحدة.

الثَّانية: يقولُ شيخُ الإسلامِ: (لازِمُ القولِ ليس بِلازِمٍ إلا إذا التزمَه صاحبُه؛ وإلا: إن نفاهُ؛ فإن نِسبتَه إليه حرام).

لقد نفيتُ هذا -مرَّاتٍ ومرَّاتٍ!-، ولا يزالُ الأمرُ على مذهب: (عنزة ولو طارت)!! -للأسف الشَّديد!-.

تعرفون قصَّة (عنزة ولو طارت)؟ ذِكرُها يُغني عن سَردِها وسَوقها.

هل تعلَمون أن رسالةَ عَمَّان؛ مِن الموقِّعين عليها: خادمُ الحرَمَين الشَّريفَين الملِك عبد الله بن عبد العزيز -حفظهُ اللهُ-؟

هل تعرِفون أن رسالةَ عمَّان؛ مِن الموقِّعين عليها: الشَّيخُ عبدُ الله بن سُليمان المنيع -حفظهُ الله-؟

هل تعلمون أن مِن الموقِّعين على رسالةِ عَمَّان؛: مجلس وُزراء الأوقافِ العرب، والذي مِن ضمنِه الشَّيخُ صالح آل الشَّيخ -وزير الأوقاف والشُّؤون الإسلاميَّة-السعودي-، وهو مِن أجلِّ علماء هذا الزَّمان-؟

هل تعلمون أنَّ مِن الموقِّعين على رسالةِ عَمَّان: مجلس رابطة العالَم الإسلامي؟

إلى غير ذلك مِمَّا لا تتخيَّلون، وأظنُّ أنهُ مِمَّا كنتم تَجهلون!

أقول هذا لِمَن يسمعون، ولِمَن يُشاهدون..

لِمَن هم جالِسون -الآن-، ولِمن سيسمعون -بعد هذا الأوان-..

هل تعلمون أن رسالةَ عَمَّان -الآنَ- تُعقد لَها -في كلِّ سَنةٍ- ثلاث، أو أربع دوراتٍ في شرحِها في الأردن في أعلى المستويات، ويُجلب إليها الدارِسون من كلِّ أنحاء العالَم الإسلامي وغيرِ الإسلامي؟ وآخرُ ذلك: قبل أربعة أيَّام (الدَّورة التَّاسعةَ عشرة).

هل تعلمون أن رسالةَ عَمَّان: رسالةٌ مفروضةٌ -الآنَ- على الجامعاتِ، والمعاهدِ، والطُّلاب، والطَّالبات، والدَّوائرِ، والوزارات في الأردن وعلى مستوى البلدِ -كلِّها-؟

هل تعرفون أن رسالةَ عمَّان تُرجمت إلى اللُّغات الحيَّة -كاملةً-؟

أنا أقول -يا إخواني-: ما كان فيه مثلُ هذا الواقع -الذي ما له مِن دافع-، والكلامُ الذي دُعي وزُعم أنَّه وحدةُ أديانٍ هو كلامٌ مُجمَل؛ لأنَّ الرِّسالةَ -أصلًا- دُبلوماسيَّة؛ الرِّسالة ليست متنَ "كشف الشُّبهات"، ولا متنَ "القواعدِ الأربعة"، ولا متن "المنظومةِ البيقونيَّة"!

الرِّسالة: رسالةٌ ملَكيَّة، كتبها مَلِكُ البلادِح ليشرحَ الإسلامَ في واقعٍ الإسلامُ فيه ضعيف.

ماذا يستطيعُ الضَّعيفُ إلا أن يتكلَّم بعباراتٍ يُريد أن يُقرِّب فيها الأفهامَ، وأن يُبعد عنها الاتِّهام؟!

الموضعُ الذي ذكروا أنَّ فيه وحدةَ الأديان؛ أقول: فيه ما يَنقضُ هذه الدَّعوى، ويكشفُ هذه الفِريةَ -لا أقول هذا دفاعًا عن رسالة عمَّان؛ رسالة عمَّان يوجد دبلوماسيُّون ووُزراء ومسؤولون -و.. إلى آخره- مَن يُدافعون-؛ أنا إنَّما أُدافع عمَّا ظُلمتُ به، وقُوِّلتُه، وافتُري علي -ولا يزال!-!

إلى ساعةِ أمس: رأيتُ رسالةً مكتوبةً في هذا الباب، وأنا على يقينٍ أنَّ قائلَها لا يعرفُ مِن هذا الذي قلتُه شيئًا -لا في قليلٍ، ولا في كثيرٍ-؛ إنَّما هي العصبيَّة العمياء، والحميَّة الحمقاء -التي تجعلُ الناسَ في مثل هذا الباب كأسرابِ القَطا يُقلِّد بعضُهم بعضًا-!

أقول: هذا واقعُها -الواقع الذي ما له من دافع-، وهذه الصُّورة هي الصُّورةُ الشِّبهُ مُتكاملة؛ وإلا: هنالك أجزاء أخرى قد لا تظهر في الصُّورة؛ لأنِّي لَم أتوقَّع -حقيقةً- أن أُسأل مثل هذا السُّؤال؛ لأنِّي قد انتهيتُ منه -مِرارًا وتكرارًا-، ووضحناه، وكتبنا فيه عشرات الصَّفحاتِ.

ولكن: لا بأس؛ سأجيب عن كلِّ سؤال، وليس عندي تحرُّج إلا مِمَّا أُخالِف فيه شرعَ الله -كتابًا وسُنَّة-.

أقول -وأُكرِّر-: هذا الواقع -الذي ما له مِن دافع-، في إطارٍ الكلامُ فيه مُوهِمٌ ومُشتَبهٌ مع وجودِ عبارةٍ غَضُّوا عنها الطَّرفَ، ولم يَذكُروها، ولم يُورِدوها، وعندما ذَكَروها؛ قَلَبوا معناها، وحرَّفوا لفظَها!!

في نفس رسالةِ عَمَّان: عندما ذُكرت الشُّبهةُ، أو ذُكر الكلامُ الذي اشتَبهَ على المُدَّعي والمُفتري أنَّها تقولُ بوحدةِ الأديان، وبالتَّالي أنَّ دفاعي عنها، أو أنَّ ثنائي عليها يَلزم مِنهُ الثَّناء على وحدةِ الأديان -بِتلكمُ اللَّوازمِ الفاشِلة الباطلةِ -؛ خَرجوا بِتِلك النَّتيجةِ الفاسدة.

ما هي الكلمةُ التي غَضُّوا عنها طرفَهم، ولا أكاد -بل أكاد أن أقول-: ووضعوا عليها أيديَهم؟

(التَّميُّز العقدي)..

بعد أن ذكَروا هذا -كلَّه-؛ قال: (وهذا لا يَمسُّ التميُّزَ العقدي)؛ يعني: أن كلَّ أهل دِينٍ لَهم دينُهم، وكلَّ أهل عقيدةٍ [لَهم] عقيدتُهم، وهذه الرِّسالة كتبها إنسانٌ مسلم يَعتزُّ بإسلامِه، يعتزُّ بنَسَبِه الموصولِ بالرَّسولِ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام-على ما عندهُ مِن أخطاء، وعلى ما عندهُ من تقصير-؛ لكنَّ الكلامَ -الآن- في أن يُتَّهم تُهمةً فيها مثلُ هذا الأمر.

هذه أخرى..؛ أضيف إليها شيئًا آخر:

يقول شيخُ الإسلام ابنُ تيميَّةَ -رحمهُ الله-: (لا يكونُ التَّكفيرُ بِمُحتمَل).

لا أريد أن أقولَ (التَّكفير العَيني)؛ الآن (التَّكفير النَّوعي): هل موضوع الاحتِمال وتطرُّقه في بابِ التَّكفير له صِلة في موضوع النَّوعِ أو العَين؟

لا، لا تقول: هذا الشَّيءُ كُفر؛ إلا وقد استنفدتَ الوجوهَ التي من المُمكن أن لا تكونَ كذلك.

أيُّ احتمالاتٍ هذه أكثرُ مِن الاحتِمالاتِ الواردةِ على هذا الكلامِ الدُّبلوماسي، مع وُجود كلمة (التَّميُّز العقدي) التي تَنفي كلَّ تَخيُّل في موضوع وحدة الأديان؟

وللأسف.. وللأسف.. وللأسف!! أن بعضَ الذين يَحمِلون لواءَ الطَّعنِ بالعبدِ الضَّعيف في موضوع (رسالةِ عَمَّان) -وقد مضى-بالمناسبةِ-عليها ستُّ سنوات، ولَم يُنبش عليها إلا قبل سِتَّةِ شُهور!!-كأنَّ الأمرَ في الزَّمان الماضي كان مقبولًا، والآن صار غير مقبول!! لوجودِ المسوِّغات والمُبرِّرات ووو.. إلى آخرِ هذه الأمور-!

يقول: (أنا لَم أتَّهم الحلبيَّ بأنَّه يقولُ بوحدة الأديان، ولكنِّي قُلتُ إنَّه يُثني على رسالة عَمَّان التي تضمَّنت وحدة الأديان)!

أنا أقولُ: هذا -وحدَه- كافٍ لإسقاط كلامِه -من أصلِه-!

مع أنَّه يقول -في موضِعٍ آخر- يقول: (الحلبيُّ يُظهرُ دفاعَه، أو يُظهرُ إنكارَه وحدةَ الأديان مع أنَّه في الباطنِ يُدافعُ عن وحدةِ الأديان)!

إذا لَم يكنْ هذا هو التَّكفير المُبطَّن؛ فماذا يكون؟!!

لذلك: ذهب بعضُ المتعصِّبين المتحزِّبين إلى بعضِ المشايخ الأفاضلِ المُعتَبَرين -مِن علماء مكَّة-، قالوا له: يا شيخ! ماذا تقولُ بالحلبيِّ؟

فذكرَ ما يعرفهُ عنِّي أننَّي من أهلِ السُّنة -على الأقل-، فقيل: لِماذا لا تُبدِّعه؟

قال: أُبدِّعه؛ لماذا؟

قال: يقولُ بوحدةِ الأديان! قال: إذن: يجبُ أن أُكفِّره لا أن أُبدِّعَه!!

ففرُّوا على أعقابِهم نُفورًا!!

نسألُ اللهَ -سبحانَه-في عُلاه- أن يهديَهم -بقدرِ ما افترَوا علينا-، وأن يردَّهم إلى الحقِّ -بقدرِ ما هوَّشوا بالباطل نحوَنا-، وأن يجمعَنا وإيَّاكُم وإيَّاهم على كتابِ الله، وعلى سُنَّة رسولِ الله؛ ليكونَ تعظيمُنا للحقِّ بالحقِّ -لا للخَلقِ بغير الحق-.

والله المستعانُ.

==========

ثم علَّق فضليتُه بالتَّالي -في "منتديات كل السلفيين"-:

إخواني :

جوابي-هذا- لم يكن محضَّراً له..

وهو جواب مرتجل -والله المستعان-..

وقد فاتني -فيه- التنبيه على قضية مهمة -جدا -فيما أرى-وهي من الفقه الغائب-أوالمغيَّب!- عن إخواننا (الغلاة)هؤلاء!

ولو أدركوها -أو أدركوا بعضها-على الأقل!-لتراجعوا عن أكثر تشغيباتهم ! بل قل :افتراءاتهم!!

وهي:

ما تقرّر في قواعد الفقه وأصوله،وأسس فقه الفتوى-عند مَن أصولُه مستعدةٌ لقَبول هذا المنهج الحق - من : لزوم التفريق بين الحكم على الشيء -أيّ شي- "قبل وقوعه" ، والحكم عليه "بعد وقوعه" .

فالتعاملُ مع الأمر الواقع -الذي ما له من دافع- قد لا يستوفي -أحياناً-شروطَ بعض الأحكام النظرية -قبل أن تقع- ؛ مما يجعل الفقيه -بحقّ- ينظر إلى فقه المسألة من هذه الزاوية الدقيقة ، مع مراعاته ضبطَ الحكم -من هذه الجهة-بصورة ترجح المصالح على المفاسد-ضمن الأصول الشرعية-.

وهذا مما يعبّر عنه بعض الفقهاء بقولهم: (ليس المنهي عنه شرعا كالمعدوم حسّا)-لو كانوا يعلمون-!

فأقول:

رسالةٌ هذا شأنُها..وهذا حالُـها..هل من مصلحة الدين-أصالةً-،والدولة-تبعاً-وعموم المسلمين-نتيجةً-:أن نفتح المجال -بشأنها-للمتربّصين المنتظرين -من العلمانيين ، والشيوعيين ، والبعثيين ، والليبراليين -فضلا عن عموم النصارى وغير المسلمين-؛ لنقول لهم:

هذه الرسالة تدعو إلى وحدة الأديان؟!

أو -بعبارة أخرى-: هذه الرسالة تدعو إلى جعل المسلمين كالكافرين -سواءً-؟!

وذلك في دولة دينها الإسلام ، وحاكمها مسلمٌ هاشميُّ النسب ، شريف المحتد -زاده الله توفيقا في دينه ودنياه- لا يأنفُ أن يفتخر -ليل نهار-بإسلامه ودينه-على ما عنده من نقص، وتقصير ،و،و..-مما لا يخلو منه حاكم مسلم-في هذا الزمان-؟!!

وعليه ؛ فإني -أخيراً-لا أقول :

أين فقه هؤلاء؟!

ولكن أقول:

أين عقولهم!

وفي هذا التعليق -على وجازته وارتجاله-فضلا عن هذه الإضافة -ردٌّ على ذلك (العجيل!)، الذي توهّم نفسه -أو أُوهِـمَها! -أنه (أسعد!)بالصواب!! وهو-في جليّة أمره-مجهولٌ جهولٌ!! بعيدٌ عنه ذاك الصوابُ بعيد..بعيد..

إذ كتب رسالة فارغة في محتواها! خاوية في مضمونها!! سمّاها -أو سُمِّيت له!-:"غضب الديان على القائلين بوحدة الأديان"!

وهو عنوانٌ حقٌّ -جذّاب-بمحتوى ظالم كذّاب- لو كان المضمون-مما نسبه -بالباطل- إلى البرآء- حقا!!!

وهذا-ختاماً- تحذير..ونذير:

" يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَتَّبِعْ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعِ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ "..

فـ

صلوات ربي وسلامه على نبينا محمد ، القائل هذا الحقَّ ، والداعي إلى هذا الرشد...

فأين أولئك من (حقه)،و(رشده)-عليه الصلاة والسلام-؟!

والسلام...


طباعة
Powered by: MktbaGold 6.5