الجواب المفصل في حكم صيام يوم السبت

الجواب المفصل في حكم صيام يوم السبت
7729 زائر
22-11-2012 03:35

بسم الله الرحمن الرحيم

قال فضيلة الشيخ علي الحلبي -حفظه الله-جوابًا على سؤال وُجِّه إليه عن حكم صيام السبت-:

صيامُ يومِ السَّبت مسألةٌ تطرَّقنا إليها كثيرًا -وكثيرًا جدًّا-، وكتبتُ فيها كتابًا بعنوان: «زَهر الرَّوضِ في حُكمِ صيامِ يوم السَّبت في غيرِ الفَرضِ» -قبل عشرين سنةً-، كتابي كتبتُه -والحمدُ لله- في هذه المسألة سَنة 1991م، ثمَّ طُبع -بعد ذلك- غيرَ مرَّة.

مسألةُ صيامِ السَّبتِ -أيضًا- مسألةٌ الخلافُ فيها قائم، وهو خلافٌ عِلميٌّ، وخِلاف فِقهيٌّ، وكتبتُ في مقدِّمة هذا الكتاب -منذ ذلك الزَّمان- أنَّ هذه المسألةَ لا يجوزُ أن نُخرِجَها عن حدِّها؛ فهي مسألةٌ كسائرِ المسائل.

لو أنَّ أحدًا لا يريدُ أن يصومَ النَّوافلَ بالكُليَّة؛ هل تستطيع أن تُنكرَ عليه؟

لا تستطيعُ أن تُنكرَ عليه، ليس لكَ معهُ إلا أن تُنشِّطَه، وأن تُرغِّبه، وأن تُبيِّن له الفضائلَ -وما أشبه ذلك-.

بالمُقابل: فالذي يبحثُ هذه المسألةَ بحثًا عِلميًّا، وارتاحَ لهذا القولِ أو ذاك القَول؛ فنقولُ: ليس بيننا معهُ، وليس معنا وإيَّاه؛ إلا التَّواصي بالحقِّ والتَّواصي بالصَّبر.

قد نُخطِّئُه كما قد يُخَطِّئُنا؛ لكنْ: لا نُؤثِّمه، ولا نُبدِّعُه، ولا نُضلِّله.

وأنا في الطَّريق -قادمٌ إلى هذا المسجدِ- اتَّصلَ بي مُتَّصلٌ مِن ليبيا، يقولُ لي: ما حُكمُ صِيامِ يوم السَّبت؟ -طبعًا يقصدُ في غيرِ الفريضة-بداهة-؛ فأجبتُه بِمُلخَّص ما ذكرتُ.

ثم قال لي: لو أنَّ أحدًا صام يومَ السَّبتِ جاهلًا الحُكمَ، ثمَّ في العصرِ عَرَف الحُكم؛ ماذا يفعلُ؟

مع أنَّ مذهبي عدمُ جوازِ صيامِ يومِ السَّبت في غيرِ الفريضة؛ قُلتُ:

مَن كان على مثلِ هذه الصُّورةِ -حقيقةً- لا أجرُؤ أن أُفطِّره؛ لأنَّ له حيثيَّةً معيَّنة -الوقت في آخرِه، هو فعل ذلك عن جَهلٍ، طامِعٌ للأجرِ-؛ يعني: هناك حيثيَّات لها -إنْ جاز التَّعبير-كما يقولُ بعضُ الفُقهاء- لها حُكمٌ عَينِيٌّ.

النَّبيُّ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- عندما جاءتِ الجاريةُ تقول: يا رسولَ الله! إنِّي نذرتُ إنْ ردَّكَ اللهُ سالِـمًا -مِن إحدى الغزوات- أن أَضربَ على رأسِكَ بالدُّفِّ!

تخيَّل هذه المرأةَ كلُّها فرحٌ، وكلُّها حُبور، وكلُّها سُرور أن رَدَّ اللهُ -تَعالَى- النَّبيَّ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- للأمَّة، ثم إذا به يقولُ لها: لا تفعلي! إن جاز التَّعبير: هذا له أثرٌ نفسيٌّ سَلبيٌّ.

فالنَّبيُّ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- تلطَّف معها في الجواب؛ ماذا قال؟ قال: «إنْ نذرتِ فافعلي؛ وإلا فَلا»، لم يَقل لها: (لا) -ابتداءً-، مع أنَّ النَّبيَّ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- يقول: «لا نَذْرَ في مَعصيةٍ».

إذا قال لها: «إنْ نذرتِ فافعلي؛ وإلا فَلا»؛ لماذا قال: «وإلا فَلا»؟

لو كان مُباحًا هل يقولُ لها: «وإلا فَلا»؟ لا يقول لها.

لماذا قال لها: «إن كُنتِ نذرتِ؛ فافعَلي» و«لا نَذْرَ في مَعصيةٍ»؟

قال العُلماءُ: هذا يُسمَّى في لُغة أُصولِ الفِقهِ: (حادثة عَينٍ لا عُمومَ لها).

طبعًا؛ نحن لسنا في مَورِد التَّشريعِ، وحاشا وكلَّا؛ أن يَجرؤ مسلمٌ على أن يُشرِّع من دون الله؛ {إنِ الحُكمُ إلا لله}؛ لكنْ -كما قُلنا- هذه مسألةٌ اجتهاديَّة؛ يعني تقبلُ الرَّأيَ والرَّأي الآخَر، وبخاصَّة وجُمهور أهلِ العلم على تجويزِ صيام السَّبت في غيرِ الفريضة.

نرجعُ إلى الحديثِ الأصلِ في هذه المسألة، ولا بأسَ مِن زيادة التَّفصيل؛ لأنَّني لما كنتُ في الحج لا أبالغُ إذا قلتُ جاءتني أكثرُ مِن ثلاثمِئةِ رسالةٍ تسأل عن صيامِ يومِ السَّبت في غير الفرضِ -مِن كلِّ أنحاءِ الدُّنيا-، والإنسان في سفرِه.. في العادة أنا إذا سافرتُ لا أجيبُ على الرسائلِ، وإن كان هذا يؤثِّر في نفوس بعضِ النَّاس؛ لكنْ -أيضًا- الأصلُ أن يكونَ هامشُ المعذرة بين المسلمين قائمًا بحسب الضَّوابط الشرعيَّة.

أقول: النَّبيُّ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- يقول: «لا تَصُومُوا يومَ السَّبتِ إلا فيما افتُرضَ عَلَيكُم، ولو أن يَجِدَ أحدُكُم عُودَ عِنَبٍ أو لحاءَ شجرٍ فلْيُفطر عليه» وفي رواية: «فلْيمضَغْهُ».

هذا الحديث اختلف أهلُ العلم في صحَّتِه -أصلًا-، واختلفوا في فِقهِه -فرعًا-: فهنالك من ضعَّف الحديثَ، وهنالك مَن صحَّحه لكنْ حَكَم عليه بأنَّه منسوخٌ.

ومَن ضعَّفه اختلفتْ عباراتُ أهلِ العلم في التَّضعيف: بعضُهم قال: هذا حديثٌ مضطرب، وبعضهم قال: هذا حديثٌ مكذوب، وهذا -كلُّه-عند الإنصافِ والبحثِ العِلميِّ- غير صحيح.

أمَّا أنه مكذوبٌ؛ فهذه عبارةٌ نُقلتْ عن الإمام مالِك بغيرِ سندٍ -أصلًا-؛ وبالتالي: فلا خِطامَ لها ولا زِمام، والحديثُ أسانيدُه موجودة ومعروفة، وسأتينا مزيدٌ من البيان.

أما أنه مضطربٌ؛ فليس كلُّ اضطرابٍ يَردُّ الحديثَ؛ إنَّما الاضطرابُ الذي يردُّ الحديثَ هو الاضطرابُ الذي تساوتْ فيه وُجوهُ القوَّةِ، أو وُجوهُ الضَّعفِ؛ بحيثُ يصعبُ ترجيحُ بعضِها على بعضٍ.

وهذا الحديثُ ليس مِن هذا النوعِ ولا مِن ذاك؛ لأنَّ الاضطرابَ المزعومَ إنَّما هو في اسمِ الصَّحابيِّ.

فالحديثُ رُوي عن بُسرِ بن أبي بُسرٍ المازِني، وعن الصَّمَّاء بنت بُسْر، وعن عبدِ الله بن بُسر، عن والدٍ وولَدَيه -ذكرًا وأنثى- مِن ثلاثةِ طُرق، وهنالك رواية مُفصَّلة -أظنُّها عند الإمامِ الطَّبرانيِّ- تُبيِّن أن الثلاثةَ سمِع كلٌّ منهم الحديثَ بنفسِه؛ فهذه تنفي وُجودَ الاضطراب -حتى لو تُوُهِّم-، فكيف والاضطرابُ في تحديدِ اسمِ الصَّحابي لا يضرُّ بالكليَّة.

اختلف أهلُ العلم في اسمِ أبي هُريرة، وقد اتَّفقوا على كُنيته، اختلفوا في تحديدِ اسمِه على أسماء كثيرة؛ هل اختلافُهم في تحديدِ هذه الأسماءِ ينفي وجودَ شخصيَّة أبي هُريرةَ -رضيَ اللهُ عنهُ-؟

لا؛ هذا الاختلافُ لا يَضُر.

وكذلك الحال هنالك: الاختلاف في تحديدِ هذا الصَّحابيِّ -الرَّاوي لهذا الحديثِ- لا يضرُّ.

فكيف إذا عرفنا أنَّ للحديثِ سَندًا حسنًا لذاتِه مِن حديثِ أبي أُمامةَ صُديِّ بن عَجلان -رضيَ اللهُ عنهُ- في مُسندِ الإمامِ الرُّوياني، حديثٌ حسنٌ لذاتِه.

لو أنَّ حديثَ آل بُسر -أنا أُسمِّيه حديثَ آل بُسر؛ بُسر وولده وابنته- غيرُ موجود بالمرَّة؛ لكفانا حديثُ أبي أمامة صُديِّ بن عَجلان -رضيَ اللهُ-تَعالى-عنهُ-.

هذا مِن حيثُ الصِّحَّة.

الآن الذين صحَّحوا الحديثَ لكن قالوا: منسوخٌ؛ ما حُجَّتهم؟

ليس عندهم مِن حجَّةٍ إلا حديث: «أنَّ النَّبيَّ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- كان يصومُ أكثرَ ما يصومُ السَّبتَ والأحدَ»، فقالوا هذا يدلُّ على أنَّ هذا الحديثَ مَنسوخٌ.

الحقيقة أوَّلًا: هذا -لو ثبتَ- لا يدلُّ على النَّسخِ؛ لأنَّ النَّسخَ لا يُصار إليه إلا بِحُجَّة ظاهرة.

ومع ذلك: فالحديثُ لا يصحُّ، وقد كان شيخُنا الإمامُ الألبانيُّ -رحمهُ اللهُ- يُحسِّنه في بادئِ الأمر، ثم رجَّح -ببحثٍ مُطوَّلٍ- أنَّه لا يصحُّ، وأنه لا يَثبتُ عن النَّبيِّ -صلَّى الله عليهِ وآلهِ وسلَّم-.

قالوا: ليس بِمنسوخٍ لكنَّه المنهيُّ عنه فيهِ التَّفرُّد، لكنْ إذا صام يومًا قبلَه، أو يومًا بعده؛ يَجوز.

قال العُلماء: ما الحجَّة في ذلك؟ قال: الحجَّة صيامُ يومُ الجمعةِ، والحُجَّة هذا الحديث: «كان يَصومُ السَّبتَ والأحدَ».

قُلنا: هذا الحديثُ ضعيفٌ، لا يَسلَمُ حجَّةً في هذا الباب.

بَقِي حديثُ الجمعة: عندما دخل النَّبيُّ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- على جُويريةَ -رضيَ اللهُ-تَعالَى-عنها-، وكانت صائمةً يومَ جُمعةٍ، فسألها: «أَصُمتِ أمسِ؟»، قالت: لا، قال: «أَتصومِين غدًا؟»، قالت: لا، قال: «إذن؛ فأفطري».

جواباها على سُؤالَيِ النَّبيِّ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- هل يَدلَّان على معرفتِها بالحُكم، وإدراكِها له؟ أم يَدلَّان على عكسِ ذلك من عدمِ معرفتِها بهذا الحُكم؟

الصوابُ الواضح جدًّا: أنَّها لا تعرف، لو كانت تعرفُ؛ لأجابتْ: (نعم) -إذا لم يكنْ في السُّؤال الأوَّل؛ في السَّؤال الثَّاني-.

فماذا كان جوابُ النَّبيِّ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «إذن؛ فأفطري»؛ فالفِطر بحقِّها -والحالةُ هذه- واجبٌ، وصَومُ السَّبت لمن هو في مثلِ ظرفِها؛ أيضًا واجبٌ.

واجب؛ لماذا؟ حتى تخرجَ من إثمِ الجمعةِ.

فأمامها واجبان: واجبُ صومِ السَّبت خُروجًا من الانفراد بالجمُعة، أو واجبُ فِطرِ الجمعة بُعدًا عن صِيام السَّبت والوقوعِ في النَّهي.

هذا وجهٌ آخر.

وجهٌ ثانٍ: ... بعضُ أهل العلمِ ماذا قال؟

قال: هذا الحديثُ يدلُّ -فقط- على كراهيةِ التَّفرُّدِ؛ بمعنى: لو أنَّه صام يومًا قبلَه، أو يومًا بعده؛ لجازَ.

فالجوابُ: أنَّ هذا غيرُ صحيح، وأنَّ الحديثَ يدلُّ على ذلك؛ وإلا: ما فائدةُ الاستثناءِ بالفريضةِ إذا كان الأمرُ جائزًا بصيامِ يومٍ قبلَه ويومٍ بعده؛ حينئذٍ: لا فائدةَ مِن ذِكر الفريضةِ، لكان قال -كما قال في يوم الجمعة-: (إلا يومًا قبله ويومًا بعدَه).

حينئذٍ: شيخُ الإسلام ابنُ تيميَّة في كتاب «اقتِضاء الصِّراط المستقيم»، وابنُ القيِّم في «تهذيبِ سُنن أبي داود»، عندما بحثُوا المسألةَ، وقد رجَّحوا أنَّ الحديثَ -كما قلتُ- لا يَصحُّ؛ لكن مِن حيثُ الفِقهُ كان مُجمَلُ كلامِهم: أنَّ الحديثَ لو صحَّ؛ لكان قاضيًا على سِواهُ مِن الأحاديث التي يُخالف ظاهرُها ظاهرَه، والتَّعليل بهذا الضَّابطِ اللُّغوي الأُصولي؛ قالوا: (لأنَّ الاستثناءَ دليلُ التَّناوُل)؛ إيش يعني (دليلُ التناوُل)؟ أي: أنَّه يتناولُ الصُّوَر المستثناة جميعًا إلا ما استُثني في حدِّها.

وهذا آخرُ البحثِ، وقد يكونُ أدقَّه، وقد وصلنا إلى مسألةِ الاستثناء:

رأيتُ بحثًا كتبه بعضُ إخوانِنا الأفاضل -ولا نُزكِّيهم على الله- في هذه المسألةِ، انتصرَ فيه للقولِ بجوازِ صيام يوم السَّبت.

ولا نكيرَ عليه في ذلك؛ إذ المسألة خلافيَّة، وكما قُلنا ونُكرِّر: لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا، وهكذا العِلم؛ أكثر العلمِ مسائلُ خلافٍ -يا إخواني!-.

وكم مرَّةٍ ذكرنا لكم -مِن هذا المكان- أنَّ الإمامَ ابنَ المُنذر له كتابُ «الأوسطِ» وكتابُ «الإشرافِ» في الخلافِ، كلُّ كتابٍ [عشرون مجلدًا]، وفي الإجماع له في مجيليدٍ صغير! ليس في مجلَّد، ولا مُجيلِد؛ (مُجيلِيد)، وإن كان بعض اللغويِّين يقولون: (المُصغَّر لا يُصغَّر)، لكن -حقيقة- رأيتُ عبارة (مُجيليد) يستعملها أهلُ العلم في قديم الزَّمان، والإمامُ الذَّهبي عندما كان يَذكُر بعضَ مؤلَّفات العلماء يقول: (في مُجيليد) وهكذا.

فنقلَ عن بعضِ أهلِ العلمِ سَطرًا يُفيد أنَّ ذِكر المستثنى بعد الاستثناء يُفيد الإباحة.

نقلَهُ -فقط- نقلًا مجرَّدًا دون ربطِه بالمسألةِ المُرتبِطة به، ثم بَنَى على هذا الاستدلالِ فِقهَ حديثِ آلِ بُسْر؛ فقال: (إذَن: «لا تَصُوموا يَومَ السَّبتِ إِلا فِيما افتُرِضَ عَلَيكُم»؛ هذا دليلُ إباحةِ صيام يومِ السَّبت)!

طبعًا؛ أنا -إلى الآن- أعصرُ ذِهني، وأذهب به ذاتَ الشِّمال وذات اليمين، أحيانًا طولًا، وأحيانًا عرضًا؛ أن أجدَ كيف استُنبط هذا مِن ذاك؛ حقيقة -إلى الآن- لم أجِد! وأرجو لِـمَن يَجد أن يُساعدني وأن يأخذَ بيدي.

ثم دفَعَني البحثُ لأَنْ أبحثَ في كتبِ اللُّغة والأُصول في معاني الاستِثناء.

هل الاستِثناء دائمًا يُفيدُ الحَصْر؟ الجواب: لا.

هل المُستثنى دائمًا يُفيد الإباحة؟ الجواب: لا.

هل الاستِثناء كلُّه بِمَعنًى واحد؟ الجواب: لا.

بل ذكر اللُّغويُّون والأُصوليُّون أنَّ للاستِثناءِ أكثرَ مِن عَشرة وُجوهٍ في القُرآن، وألَّف بعضُ أهلِ العلم المُعاصِرين رسالةً عاليةً -الدكتوراه، أو الماجستير- بعنوان: «الاستِثناء في القُرآنِ الكَريم»، أوردَ فيها الآياتِ التي وردَ فيها الاستِثناءُ، ثم بيَّن أنَّ لكلٍّ مِن وُجوه الاستِثناء هذه -بِالمُجمَل- معنًى يُخالف غيرَه من المعاني.

والإمامُ شِهابُ الدِّين القَرافي، مِن أحد أكبر أئمَّة العلم -أظنُّه توفي سَنة 687 -على شكٍّ-أظنه كذلك-، ألَّف كتابًا -طُبع في ثمانِمِئة صفحةٍ- اسمُه: «الاستِغناءُ في أحكامِ الاستِثناء» -مِن النَّاحيةِ اللُّغويَّة، والنَّاحية الأُصوليَّة-.

لذلكَ يا إخواني -معذرةً-.. أنا أتكلَّم بكلامٍ عامٍّ؛ وإلا: أُكرِّرُ وأكرِّر وأكرِّر: هذه مسألةٌ خِلافيَّة، القَولُ فيها سهل، والخلافُ فيها يسيرٌ ومقبولٌ، وأهلُ العلم يقولون -ولا نزالُ نُكرِّر هذا الكلامَ، ونَذكُره، ونُذكِّر به-:

وليس كلُّ خلافٍ جاءَ مُعتَبَرَا ... إلا خِلافٌ لَهُ حظٌّ مِن النَّظرِ

هذه المسألةُ تتنزَّلُ على هذا التَّقعيدِ الفِقهيِّ أو الأُصوليِّ تنزُّلًا تامًّا؛ فهي -فِعلًا- مِن المسائلِ الكُبرى التي لها حظٌّ كبيرٌ مِن النَّظر؛ لاختلاف مداركِ النَّظر عندَ أهلِ العلم في هذه المسألةِ.

بعضُ النَّاسِ ماذا يقولُ؟ يقول: يا شيخ! واللهِ كلامك مُقنع؛ بس فيه شغلة: يوم عَرفة: تكفير سَنة ماضية، وسَنة لاحقة؛ يعني عشان مسألة خلافيَّة، والحديثُ فيه قولان، وحتَّى في الصِّحَّة فيه قولان، وحتى في القَولَين فيه قولان؛ يُتركُ هذا الأجر مِن أجل هذا الحديث؟!!

نقول: هذا يختلف.

إذا كنتَ طالبَ عِلم مُحقِّقًا ومتَّبعًا؛ فما أدَّاه إليكَ اجتهادُك فافعله.

إذا كنتَ مقلدًا؛ فاسكتْ، وصُم أو أفطِر كما تُريد.

لكن: مقلِّد ومجتهدٍ في آنٍ؛ فلا!

أنا بلغني عن بعضِ طلبة العلمِ المُحبِّين الصالِحين الخيِّرين لكنَّهم مُبتدئون، أنَّه كان يطوفُ في النَّاس: (صومُوا)! هذا لو قاله أحدٌ غيرُه مثلُه وقال: (يا ناسُ؛ أفطِروا)! هل يُرضِينا هذا؟ لا يُرضينا!!

لماذا؟! لأنَّ هذا -كما يُقال- أقرب إلى العاميَّة.

لو نوقِش في الاستِثناء، أو في صحَّة الحديث، أو في معنى (المضطرب)، أو في معنى (دليلِ التَّناول)، أو.. أو.. أو.. إلى آخرِ ما ذكرنا؛ أنا على يقينٍ -أو شِبهِ اليقين- أنَّه لن يجدَ أدنى جوابٍ.

إذن: أنتَ مُقلِّد؛ تُقلِّد هذا العالم أو ذاك، هذا الشَّيخ أو ذاك، افعَل ما يراهُ مُقلَّدُك...

أمَّا مقلِّد ومجتهد!؟ ما شاء الله؛ منشورات.. وكِتابات، ومناقشات..

وفاقد الشَّيء لا يُعطيه!

هذا لا يجوزُ..

لا يجوزُ في أدبِ العلم، ولا يجوز في حقيقةِ العلم.

وهذا يُذكِّرني -وإن كنَّا في بابٍ آخر- بحال كثيرٍ من العوامِّ الذين نراهُم يَسهَرون ويُنفِقون في توزيعِ بعضِ الأحاديث الضَّعيفة والموضوعةِ!

يقول لك: هذا حديث -ما شاء الله!- إيش: (يا عبدي إذا كنتَ في بطنِ أمِّك جَعلتُ لك الكبدَ فِراشًا والطحالَ غطاء...)!! هذا حديثٌ كذبٌ وافتراءٌ ما أنزلَ اللهُ به مِن سُلطان.

واللهِ؛ لو قلتَ لك: هذا حديثٌ في "البخاري صوِّر لي مائة نُسخة ووزِّعه..

يا شيخ! كل النَّاس عارفين البخاري!

فيَجتهدون فيما لا يَعلمون، ويكِعُّون عما يَعلَمون، وعما ينبغي أنْ يكونَ الأصلُ بين النَّاس.

هذه تُشبه تلكَ -ولو مِن جهةٍ أخرى-.

إذن: هذه قضيَّة؛ صيامُ يوم عرفةَ صِيامُ يومٍ عظيم؛ كيف نُضيِّعه؟!!

عندي جَوابانِ على هذا الإشكالِ: جوابٌ بالمِثال، وجوابٌ بالاستدلال.

نبدأ بالجوابِ بالمثال:

صحَّح الإمامُ الذَّهبي -وغيرُه مِن أهل العلم- حديثَ: (أن النَّبيَّ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- نهى عن صيامِ يومِ عرفةَ في عرفة).

وأنا أعلمُ -جيِّدًا- أنَّ الحديثَ قد ضعَّفه شيخُنا الإمامُ الألبانيُّ؛ لكنَّنا: لم نكنْ، ولن نكونَ يومًا ألبانيِّين -على تعظِيمِنا لشيخِنا واحترامِنا له، وانصياعِنا لعِلمِه، وإنصافِنا لـمَرتبتِه ومَنزلتِه-.

لكنْ: هذا ما تعلَّمناه منه؛ أن الحجَّة فوق الجميع، وأنَّ أدبَ العِلمِ يوجِب -أوَّلَ ما يوجِب- تعظيمَ الدَّليلِ، وتَعظيمَ البَيِّنةِ -قبلَ أن يُعظَّم الشَّيخُ أو الشَّخص-.

ماذا قال العلماءُ في فِقه الحديث؟

قالوا: إنَّما نهى النَّبيُّ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- عن صيامِ يومِ عَرفة في عرفة حتى يتقوَّى أهلُ عرفةَ على العبادةِ والذِّكرِ والدُّعاء في يومِ عَرَفة.

ابتداءً: هذا تعليلٌ اجتِهاديٌّ، ولا يدلُّ عليه الدَّليلُ.

ثمَّ لو أنَّ أحدًا قال -اتِّكاءً على هذا التَّعليلِ، أو اجتِهادًا في فهمِ النَّصِّ-عُمومًا-؛ قال: (واللهِ نحن اليوم في عرفة؛ المكيِّفات، والفراش الوَثِير، والخيَم، وخاصَّة الأيَّام [هذه] الجو ما فيه حرارة، وما فيه تعب؛ يعني لو صُمنا طمَعًا في أجر السَّنتَين؛ مش أحسن مِن أن نفطر؟)، ماذا سيكون الجوابُ؟ لا؛ لماذا؟ لأنَّ النَّبيَّ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- نهى عن صِيامِ يومِ عَرفةَ في عرفةَ.

أأنتُم أعلمُ أمِ الله؟

ورسولُ الله -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- يقول عن نفسِه: «ألا إنَّ ما حرَّم رسولُ الله كمِثلِ ما حرَّم الله».

فلا نعلمُ من الفُقهاء الذين صحَّحوا هذا الحديث مَن قال: يجوزُ صيامُ عرفة في عَرفة مِن بابِ الطَّمع في الأجرِ مخالفةً للنَّهي!

هذا -كما يقول المناطقةُ-: (ناقضٌ ومنقوضٌ)، ولا يجتمعان.

واجتماعُ ضدَّين معًا في حال .. مِن أقبح ما يأتي مِن المحال

فإن قيل: الآن صادفَ السَّبتُ هذه السَّنَة يومَ عرفة؛ سيكون الجوابُ هو الجواب؛ لا فرق.

إذا كان النَّهي مُتعلقًا بالمكان: يومُ عَرَفة في عَرَفة؛ وبالتَّالي: يَومُ عَرَفة في غيرِ عَرَفة؛ يَجوزُ، يومُ عرفة في عَرفة؛ لا يجوز.

إذن النَّهي تعلَّق بالمكان.

أو النَّهي تعلَّق بالزَّمان؛ ما الفَرق؟ ما الذي يقدَّم؟ النَّهي.

هذه -أيضًا- ينبغي أن تكونَ مُسلَّمة.

هذا الجوابُ بالمِثال.

الجوابُ بالاستِدلال:

هل يستويانِ مثلًا: إنسانٌ تركَ صيامَ يومِ عرفةَ زُهدًا وتساهُلًا وتَهاوُنًا مع إنسانٍ آخرَ تركَهُ اتِّباعًا للنَّهي النَّبويِّ الذي وردَ عن رسول اللهِ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام- قال: «لا تَصومُوا يومَ السَّبتِ إلا فيما افتُرض عليكم»، وبإجماعِ الأمَّة أن يومَ عرفةَ، أو عاشوراء، أو يومَ الاثنين، أو يومَ الخميس؛ هذه كلُّها ليستْ مفروضةً.

أقول: هل يستويانِ مثلًا: الأوَّل الذي تَرَك الصِّيامَ تهاوُنًا وتساهُلًا وعدمَ إعطاء قيمةٍ وقَدرٍ لهذا الفَضْل، وبين آخرَ فعلَ ذلك تعظيمًا للنَّهي واتِّباعًا للنَّبيِّ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام- فيما أمرَ ونَهى؟!

اسمعوا ماذا يقولُ النَّبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام-في الحديثِ الصَّحيح الذي يرويه الإمامُ أحمدُ-: «إنَّه مَن تركَ شيئًا للهِ؛ فإنَّ اللهَ يُعوِّضُه خيرًا منهُ» -أو كما قال -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام-.

هناك رواية فيها زيادة: «في دينِه ودُنياه»؛ هذه الزِّيادةُ لا تصحُّ، والحديثُ صحيح: «مَن تركَ شيئًا للهِ؛ عوَّضُه اللهُ خيرًا منهُ».

إذن: يا مَن تركتَ صِيامَ هذا اليومِ لله، واتِّباعًا لسُنَّة رسول الله، وتعظيمًا لحُكم الله، وحُكم رسولِ الله -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام-؛ فلْتكن ذا أملٍ بربِّك أن اللهَ سيُعطيكَ أجرًا أكثرَ مِن أجرِ مَن صامَ تتبُّعًا للعاطفةِ، أو اتِّباعًا لعامَّة النَّاس.

... الشَّرعُ فوق الجميع، والحُجة فوق الجميع، والدَّليل فوق الجميع، إمَّا أن تكونَ متَّبعًا أو مقلِّدًا، والأمرُ ذكرناه وبيَّناه بالتَّفصيل.

طبعًا تأتي إشكالاتٌ أُخرى تُلحقُ بكلِّ ما ذكرنا مِن الأدلة؛ مثلًا: «أفضلُ الصِّيامِ صِيامُ دَاودَ: كان يُفطرُ يومًا ويصومُ يومًا»، يقول لكَ: يا أخي! لا يمكنُ إلا أنْ يأتي يومُ سبت؟

على العين والرأس؛ سيأتيك الجوابُ.

الرَّسولُ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام- كان يصومُ في كلِّ شهرٍ الثَّالثَ عشر والرَّابع عشر والخامسَ عشرَ؛ لا بُد يأتي يومُ سَبت؟

على العين والرأس!

أسألكَ سؤالًا: لو أنَّ إفطارَ يومٍ وصيامَ يومٍ جاء الصِّيامُ في يومِ عيدٍ... هل تصومُ؟

[قال البعضُ: لا]

ليش؟

[قال البعضُ: لأن حرام الصِّيام..].

وهذا كهذا؛ ما الفَرق؟

لذلك نحن نقول: مَن أرادَ اتِّباع السُّنَّة؛ فليتَّبِعها بعد إدراكِه لمجموعِ النُّصوصِ وفهمِه لها، لا أن يأخذَ شيئًا ويدعَ أشياء.

مَن أراد أن يصومَ صيامَ داود؛ فلْيَصُمْهُ على وفق التَّوجيه النَّبويِّ الذي بيَّنه لنا وفصَّله لنا رسولُ الإسلام -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام- الذي وصفَ اللهُ -تعالَى- دينَه بأنَّه؛ قال: {ومُهَيمِنًا عليهِ}؛ فالإقرارُ لصيامِ داود ليس إقرارًا بالمُطابقة؛ وإنَّما هو إقرارٌ بالجملة، ثم تأتي التَّفاصيل في سُنَّة النَّبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام- مما لم يكنْ -قطعًا- في صيامِ داود.

هذا آخرُ ما أعانني اللهُ عليه -في هذه اللحظات-.

[جواب على سؤال، في لقاء مفتوح بتاريخ 18/11/2011م، (16:16)، مع حذف بعض العبارات -من عاميَّة أو جانبيَّة-. من هنـا لسماع اللقاء].

   طباعة 
0 صوت
روابط ذات صلة

الدروس المتشابهة الدرس التالية
Powered by: MktbaGold 6.5