التفريغُ النَّصّي للشرح الصوتي لشيخنا الفاضل علي بن حسن الحلبي الأثري-حفظه الله- على أَلْفِيّةِ الحافظ السّيوطي-رحمه الله-. المجلس الأول(1)

التفريغُ النَّصّي للشرح الصوتي لشيخنا الفاضل علي بن حسن الحلبي الأثري-حفظه الله- على أَلْفِيّةِ الحافظ السّيوطي-رحمه الله-.


المجلس الأول(1)

إنّ الحمدَ لله؛ نحمدُه ونَستعينُه ونستغفُره، ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسِنا وسيئاتِ أعمالِنا، مَنْ يَهدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومن يُضْلِلْ فلا هادِيَ له، وأَشْهدُ أنْ لا إلهَ إلا الله؛ وَحْدَهُ لا شَريكَ له، وأشهدُ أنّ مُحَمّدًا عَبدُهُ ورسولُه..
أما بعد؛؛؛
فإنّ أَصْدَقَ الحديثِ كلامُ الله، وخَيْرَ الهدْيِ هَديُ محمّدٍ-صلى الله عليه وسلم-، وشَرّ الأُمورِ مُحْدثاتها، وكُلّ محْدَثَةٍ بِدْعة، وكلّ بدعةٍ ضَلالة، وكلّ ضلالةٍ في النّار، وبَعْد...
فَهَا نحْنُ ذا -أَيُّها الإخوةُ في الله- نَجْتمِعَ مِنْ جَديد -ثالثًا ورابِعًا وإلى أنْ يَشاءَ الله-، نَتدارَسُ العِلْمَ ونَتذاكَرُهُ بِكُلِّ أنواعِهِ وأصنافِهِ وأَلْوانِهِ وحَقائِقِه -سواءٌ أكان عقيدةً أوْ فِقْهًا أَوْ حَدِيثًا أو تفسيرًا أو لغةً أو غيرَ هذا وذاك-، فكَمَا قيلَ قديمًا: إحياءُ العِلْمِ مُذاكَرَتُه. ولا أُرِيدُ أنْ أُطِيلَ في الْمُقَدّماتِ -وإنْ كانَ لا بُدّ مِنْ بعضِها-.
فالعِلْمُ -كُلُّه- مَبْناهُ على الإخلاص، ومَنْ طَلَبَ العِلْمَ للتّكَثُّرِ فلَنْ يُبارِكَ اللهُ لَهُ فِيه، ومَنْ رُزِقَ الإخلاصَ دُونَ السُّنّةِ فَلَنْ يُبارِكَ اللهُ لَهُ في عِلْمِه.
فَلْنَجِدَّ جَمِيعًا ولْنَجْتَهِدْ جميعًا أَنْ نَسْتَعِينَ باللهِ -تبارك وتعالى-أَنْ نَكُونَ أَهْلًا للإِخْلاصِ وأهلًا للسّنّةِ واتّباعِها.

وأمّا أَهْلُ الحدِيثِ؛ فَهُمْ -كما قال الشاعر-:
أَهْلُ الحديثِ هُمُ أَهْلُ النّبِيِّ وَإِنْ.... لَمْ يَصْحَبُوا نَفْسَهُ أَنْفاسَهُ صَحِبُوا
وقَدْ قالَ الإمامُ ابنُ حِبّان -مُعَلِّقًا على قَولِ النبي-عليه الصلاة والسلام-:(أَكْثرُكُمْ عَلَيّ صَلاةً أَقْرَبُكُمْ مِنّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيامة)-: في هذا فَضِيلةٌ لأصحابِ الحديثِ، وأنهم أَقْرَبُ النَّاسِ إليه-صلى الله عليه وسلم-، فنَسْأَلُ اللهَ أنْ نَكونَ مِنْهُم ومَعَهُم.

مِمّا يَعْرِفُهُ الجميعُ كَلِماتُ كَثيرٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ-كالإمامِ أحمدَ وغيرِه- أنّ الطائِفَةَ المنْصُورَةَ هِيَ أهلُ الحديث، حتى قالَ الإمامُ أحمدُ: إنْ لَمْ يَكُنْ هُمْ-أي الطائفة المنصورة-أصحابَ الحديثِ فلا أدري مَنْ هُم!
وقَدْ ساقَ مِثْلَ هذهِ الأقوالِ -وكَثيرًا مِنْها- الإمامُ أبو بَكْرٍ الخَطِيبُ البَغْداديّ في كِتابِهِ الحافِلِ (شَرَفُ أَصْحابِ الحديث).
حَتّى قالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيْمِيَّةَ-رحمهُ الله-- كالْمُلَخِّصِ لهذه الأقوالِ والجامعِ لها وبينها-: أَحَقُّ النّاسِ بأنْ تَكونَ هيَ الفرقةَ الناجيةَ أهلُ الحديثِ والسنةِ الذين ليسَ لهمْ مَتْبوعٌ يَتَعَصّبُونَ له إلا رسولَ اللهِ-صلى الله عليه وسلم-.
هذا كلامُ شيخِ الإسلام.
ولكنْ هُنا لا بُدّ مِنْ فائِدةٍ زائدةٍ وهي:
عندما نَقُولُ (أهل الحديث)، هلْ نَقْصِدُ بهم -فقط- المشْتَغِلِينَ بالسنةِ والحديث، المشتغلينَ بالرّوايةِ والحِفظِ، المتخَصّصِينَ في أُصولِ الحديثِ وعلومِهِ ورِوايتِه؟
الجوابُ-من شيخِ الإسلامِ ابنِ تيميّة أيضًا-؛ حتى يُفْهَمَ أَنّ الدلائلَ والأصولَ إذا لم تُفْهَمْ على وفْقِ قَواعِدِها، قدْ تَكُونُ مَضَلّةً ومَضَرّةً ومُضِلَّةً..
يقول: ونحنُ لا نَعْني بِـ(أَهْلِ الحديثِ) -يعني إذا ذَكَرْنا أهلَ الحديثِ وأنهم الفرقةُ الناجيةُ والطائفةُ المنصورةُ-
الْمُقْتصِرِينَ على سَماعِهِ أو كِتابِتِهِ أو رِوايَتِه -مع أنّ المعنى الاصطلاحي لكلمةِ (أهل الحديث) هذا هو المقصودُ به-، بَلْ نَعْنِي بِهِمْ كُلّ مَنْ كانَ أَحَقَّ بِحِفْظِهِ ومَعْرِفَتِهِ وفَهْمِهِ ظاهِرًا وباطِنًا، واتباعِهِ ظاهِرًا وباطِنًا، في هذا نَوْعٌ مِنَ الشمولِ المستوعِبِ للصّفاتِ والسّماتِ والمعاني، بَعِيدًا عنْ التوْصِيفِ والتوظِيفِ العِلْمِيِّ الاصطلاحِي بأنْ يُقَال: هؤلاءِ أهلُ تفسير، هؤلاء أهلُ لُغَة، هؤلاء أهلُ حديث، هؤلاء أهل عقيدة... هذا تَوظِيفٌ غيرُ صحيحٍ -في إطارِ ما يُقَرِّرُ شيخُ الإسلام.
شيخُ الإسلامِ يُقَرِّرُ-رحمهُ الله- أنّنا عندما نقولُ (أهل الحديث) نُريدُ مَعْنى الاتباعِ والتّسنّنِ والتفُقُّهِ في السّنّةِ والتعظيمِ للسنةِ -سواءٌ أكانَ هذا القائمُ بهذا المعنى مِنْ أهلِ التفسيرِ أو من أهل اللغةِ أو من أهل الحديثِ أو من أهل العقيدةِ..، ومن لا فلا-.
فنحنُ نَرى في هذا العصرِ مَنْ يشتغلونَ بالحديثِ ويَرْوُوْنَهُ ويَحْفظونَهُ ويَتخصّصونَ فيه؛ ولَيْسُوا مِنْ أهلِ الحديثِ.
كيفَ يُقالُ ليسوا مِنْ أهلِ الحديث؟!
يعني مَنْهَجًا وفَهْمًا وسَمْتًا وسِمَةً -وإنْ كانوا مُشْتَغِلينَ بهِ على معنى التوصيفِ والتوظيفِ الذي أشرتُ إليه-.
فهذه نُقْطَةٌ أساسيّةٌ يجبُ أنْ نَقولَها وأنْ نَذْكُرَها وأنْ نَسْتَوْعِبَها.
أيّها الإخوة؛؛؛
كُلُّ عِلمٍ مِنَ العُلومِ لهُ -على اعتبارِ الْمَدخَلِ إليه- مبادئ عَشرَةٌ يَذْكُرُها أَهْلُ العِلمِ، وإنْ كانَ ذِكْرُها مشهورًا عن المتأخّرين، لكنها -حقيقة- فائدةٌ رائدةٌ تَضبِطُ العِلمَ ومسائِلَه. نحنُ نريدُ في هذه المجالسِ-إن شاء الله- أن نَتكلّم في علمِ أُصولِ الحديث، وهي المبادئ التي تُعَرِّفُنا بهذا العِلمِ، لتكونَ مَدْخَلًا إليهِ، حتى قال الناظِمُ:
إنّ مَبادِي كُلِّ فَنٍّ عَشَرَهْ... الحَدُّ والموضوعُ ثُمَّ الثَّمَرَهْ
ونِسْبَةٌ وفَضْلُهُ والواضِعْ... والاسمُ الاسْتِمْدادُ حُكْمُ الشارِعْ
مَسائِلٌ والبَعْضُ بالبَعْضِ اكْتَفَى... ومَنْ دَرَى الجَمِيعَ حازَ الشّرَفَا
هذهِ عَشرَةُ أُصُول، تَكُونُ بِمَثابَةِ المبادِئِ التي يُدْخَلُ فيها إلى كُلِّ عِلْمٍ منْ عُلومِ الإسلامِ والشَّريعةِ.
أَمّا (الحَدُّ)؛ فالمقصود به التعريفُ، كلمةُ (الْحَدّ): التعريف، كما قال البَيْقُوني في منظومته:
وَذِي مِنَ (اقْسامِ) الحديثِ عِدَّهْ... وَكُلُّ واحِدٍ أَتَى وَحَدَّهْ
(وَحَدَّهْ) أيْ: تَعْرِيْفه؛ فالحدُّ هو التعريفُ، والمقصودُ بالحدِّ- الذي هو التعريف- اسمُ هذا العِلمِ، وإذا نظرنا -أيها الإخوة- نَرَى أَنّ الاسمَ العِلْمِيَّ المتوارَثَ لهذا العِلْم -الذي نحنُ بين يدي دراستِه- ليسَ ما اشْتهرَ عَنْه؛ كثيرٌ منَ الطلبة الآن وفي كثير من المؤلفات يقال: (هذا درسُ مُصْطَلَحٍ)، (هذا درْسُ مُصْطَلَحِ حديث)، هذا اسمٌ مُتأخّرٌ ولم يُعْرَفْ في علماءِ الإسلامِ المتقدِّمين، وإنما الكلامُ السابقُ الذي تَداوَلَهُ أهلُ العِلم يقولون:(عُلوم الحديث)، (أُصولُ الحديث)، (عِلْم الحديث)، أو حتى (علم الرواية)؛ الإمامُ الخطيبُ البغدادي أَلّفَ كِتابَهُ (الكفايةُ في عِلم الرّواية)، الإمامُ الحاكِمُ أَلّفَ كتابَه (معرفةُ أنواعِ عُلومِ الحديث)، الإمام ابنُ الصّلاح؛ المقدّمةُ التي شهرتْ باسمِه لم يُسَمّها (مُقدمةً)، وإنما للكتابِ اسمانِ شَهِيران؛ العنوانُ الأوّلُ: (عُلومُ الحديث) والعنوان الثاني: (مَعْرِفَةُ أَنواعِ عِلْمِ الحديث)، وهكذا..
بَلْ لَعَلَّ أَوّلَ كَلِمَةٍ ذُكِرَ فِيها مِثْلُ هذا المعنى هيَ ما أَلَّفَهُ الإمامُ ابن دَقِيق العِيْد بعنوان: (الاقتراحُ في مَعرفةِ الاصطلاح)، وهذا ليس دليلًا على أنهُ أرادَ اسمَ العِلْمِ، وإنما أرادَ تبيينَ المصطلحاتِ التي يحتويها هذا العلمُ؛ لأنّ كلمةَ (المصطلح) هي الألفاظُ الدالة على معنى-هذا معنى كلمة (المصطلح)-، لذلك قال أهلُ العلم: لا مُشاحَّةَ في الاصطلاح، يعني: إذا اتفقَ الناسُ على معنى لكلمةٍ أو على كلمةٍ لمعنى، فلا بأسَ من ذلك ولا ضَيْر.
ومِنَ الطرائفِ أنّ بعضَ العلماءِ المتخصصينَ بالأدبِ-عالم من علماء الأندلس- ألّفَ كتابًا في الأدب سمّاه: (التعريفُ في فضلِ المصطلحِ الشريف)، ما رأيتُ مكتبةً -بالكاد- تضعُ هذا الكتابَ إلا في كتبِ الحديثِ، وهو ليس له علاقةٌ بالحديثِ مُطْلَقًا! مجرَّد كلمةِ (المصطلح) جَعَلَتْهم يذهبون بعيدًا إلى علوم الحديث وأصولِه ومصطلحِه -على المعنى السائد-، بينما الحقيقةُ غيرُ ذلك! هذا كتابٌ في علومِ الأدبِ وبعضِ مصطلحاتِه.
أَمْرٌ آخر؛؛؛
مما يُذْكَرُ عن علمِ الحديثِ أنه عِلْمُ روايةٍ ودِراية، وهذا مقبولٌ، لكنّ كثيرًا منَ الذين يُفَسِّرونَ الدرايةَ -وأوّلُ من ذَكَرَ ذلك ابنُ الأكْفانِي في بعضِ كتاباتِهِ ومؤلفاتِه- يُعَرِّفُهُ بتعريفٍ يرجع إلى علوم الرواية، أنه علومٌ يُعْرَفُ بها الحديثُ وسَنَدُهُ ورُواتُهُ ورِجالُه، وهذا غيرُ صحيح؛ علومُ الدّرايةِ يُعْرَفُ بها فقهُ الحديث، واشتقاق الكلمةِ - الدراية- يَدُلّ على هذا المعنى، نقولُ: دَرَيْتُ هذا الأمْرَ، وأنا على درايةٍ بهذا الأمر- يعني بالعلم والفقه-.
بينما الرّوِايةُ هي النقلُ.
فهما شيئانِ مختلِفانِ، وليسا يَدُلُّ أحدُهُما على الآخَرِ أو يُوْصِلُ أحدُهما إلى الآخرِ بنفْسِ العِلْمِ وإطارِه.
وهذا -كما قلتُ- مما ذُكِرَ في تسعةِ أعشارِ كتبِ (المصطلحِ) المتأخِّرةِ من عَهْدِ السّيوطي-رحمه الله-في كتابه (تَدْريبِ الراوي) إلى هذه الأيامِ، ولا يزالُ يتَوارَثُ ويَتَوارَدُ هذا الأمْر.

مُؤلِّفُنا الكبيرُ جلالُ الدين السيوطي-رحمه الله- -والذي سنتكلّمُ عنه- لم يَذْكُرْ في أَلْفِيَّتِهِ المبارَكَةِ -التي نحنُ في صَدَدِ البدءِ بِشَرْحِها إذا أعاننا الله- إلا ثلاثةً مِنْ تِلْكُم المبادئ العشرة فقال:
عِلْمُ الحَدِيثِ ذُوْ قَوَانِيْنَ تُحَدّْ... يُدْرَى بها أَحْوالُ مَتْنٍ وَسَنَدْ
فَذانِكَ الموضوعُ والْمَقْصُودُ... أَنْ يُعْرَفَ الْمَقْبُوْلُ وَالْمَرْدُوْدُ
ذَكَرَ الحَدَّ وذكرَ الموضوعَ وذكرَ المقصودَ- وهو الثّمَرَة-.
قَوْلُه (فَذَانِكَ) اخْتَلَفَ أَهْلُ اللغةِ في (ذانِك)؛ هلْ هيَ مُثَنّى (ذا) أَمْ مُثنى (ذاك)؟ وبَعْضُهُم يقولُ مُثَنّى (ذلك)، وإذا حُذِفَتْ (اللام) يُقالُ (ذانِّك) ولا يقال (ذانِك).
حتى في النصّ القُرْآني:(فذانِك بُرْهانان من ربّك)، بعضُ القراءاتِ المتواتِرة:(فذانِّك برهانان من ربك) إشارة إلى أنه إذا حُذِفَتْ (اللام) يُعَوّضُ عنها (النون)، إلى آخِر ما نَذْكُرُه...
و(ذا) أَصْلُها (هذا)، ولكن حَرْف الهاءِ للتنبيه -كما يقولُ علماءُ اللغة-، وهي اسمُ إشارةٍ.
أمّا (الحَدُّ) -كما قلنا- فعندما نَقُولُ (أصول الحديث) -مُضَافٌ ومُضافٌ إليه- المقصودُ بذلك:
الأصولُ مِنَ الشيء هي قواعِدُهُ وأُسُسُه، وأمّا الحديثُ فهو السُّنَّةُ -وإنْ كان بعضُ أهلِ العلمِ يقول: الحديثُ شيء والسنة شيء، لكنّ العُمومَ هو الأشملُ، فالحديثُ هو السنة-، والسنةُ: ما وَرَدَ عن النبي-عليه الصلاةُ والسّلام-من قولٍ أو فِعْلٍ أو تَقْرِيْرٍ.
أمّا مَوْضُوعُه فهو يَدورُ حوْلَ السّنَدِ والْمَتْنِ، والرّاوِي والْمَرْوِي -وإنْ كانَ أيضًا يدورُ حولَ فقهِ الحديثِ، ودورانُه حول فقهِ الحديثِ لا يخرجُ عن معنى المتن، فنحنُ عندما نَدْرُسُ المتنَ لا ندرسُهُ -فقط- لإدراكِ خُلُوِّهِ مِنَ العِلَل، وإنما ندرسهُ للتفَقّهِ فيهِ والنَّظَرِ في ألفاظِهِ ومدلولاتِهِ وما أشْبهَ ذاك-.
أمّا فائِدَتُهُ وثَمَرَتُه؛ فهو كما قال السيوطي-رحمه الله-:
والْمَقْصُودُ أَنْ يُعْرَفَ الْمَقْبُوْلُ وَالْمَرْدُوْدُ
هذه هي ثمرةُ علمِ الحديث.
والنبيُّ-عليه الصلاة والسلام- قال: (إيّاكُمْ وكَثْرَةَ الحديثِ عَنّي إلا ما عَلِمْتُموهُ صِدْقًا وعَدْلا).
وهذا الحديثُ شاهِدٌ للحديثِ الذي رواهُ التِّرْمِذِيُّ وضَعَّفَهُ شُيْخُنا. وقدْ ذَكَرْتُ لشيخِنا -في حياتِه في بعض المجالس- هذا الشاهِدَ لهذا الحديثِ الذي كانَ يُضَعّفُهُ، فقَبِلَ أَنْ يَكونَ لهُ شاهدًا وهو قولُهُ -عليه الصلاة والسلام-: (اتّقُوا الحديثَ عنّي إلا ما عَلِمْتُم)، وهو حديثٌ حَسّنَهُ الترمذي وضَعّفَهُ شيخُنا، لكن الرواية الأخرى عند الإمام أحمدَ -في مُسْنَدِهِ- تَشْهَدُ لهُ وتَدُلُّ عليه.
أمّا نِسْبَتُهُ فهو نِسْبَةٌ في الذُّرْوَةِ- وكلمةُ الذُّرْوَة مُثَلَّثَةُ الذّالِ، يَجُوزُ ذِرْوَة وذَرْوَة وذُرْوَة-، فهو في القِمّةِ مِنَ العُلُوّ، لأنه يتكلّمُ عن النبي-صلى الله عليه وسلم-وأحاديثِهِ وهَدْيِهِ وصِفاتِهِ-عليهِ الصلاة والسلام-.وأمّا الواضِعُ؛ فواضعُ علمِ الحديثِ -يعني هذه عبارةٌ يجبُ أنْ نَقِفَ عندها، لأنّ أُصولَ التبيينِ والتثبّتِ والاستدلالِ وارِدَةٌ في الكتابِ والسنةِ، لكنّ العلماءَ عندما يتكلّمون لا يتكلّمون عن هذا المعنى الشُّمولي، يتكلّمون عن المعنى الاصطلاحي الأضْيَق-، أَوّلُ واضِعٍ لهذا العلمِ -من حيث الحقيقةُ من حيث التصنيفُ والتأليف- أَرجحُ الأقوالِ أنّ الإمامَ الشّافِعِيّ-رحمه الله-في كتاب (الرسالة) هو مِنَ الأوائلِ الذين أَلّفُوا في هذا العلمِ -وإنْ لم يَكُنْ ذلك على سبيلِ الإفرادِ-، والإمام مُسْلِم في مقدمة صحيحِهِ أيضا- وهي مقدمةٌ اصطلاحيةٌ حديثيةٌ أُصوليةٌ رائعةٌ ورائدة-. والإمامُ الذي يُذْكَرُ أنّه أَوّلُ إمامٍ ألّف في هذا البابِ هو الإمامُ الرّامَهُرْمُزِيُّ في كتابِه (الْمُحَدِّث الفاصِل).
وأما اسمُهُ فكما قُلْنا هُوَ (علومُ الحديثِ)، (أُصُوْلُ الحديث)، بعضُهُم يقول (قَواعِدُ الحديث).
ولو قُلْنا (مُصْطَلَح الحديث) -باعتبارِهِ الاسمَ السائِدَ المشهورَ- فأنا لا أُحَرِّجُ على ذلك، ولا أَتَحَرَّجُ مِنْ ذلك، لكنْ أَحْبَبْتُ البيانَ والإيضاحَ. وقد ألّف شيخُنا الشيخُ عبدُ المحسن العبّاد رسالةً سمّاها: (أَطْيَبُ الْمِنَح في عِلْمِ الْمُصْطَلَح)، وألّفَ في ذلك كثيرٌ من أهلِ العلمِ.
أمّا استمدادُه -يعني مَآخِذه، ومِنْ أينَ يَسْتَمِدُّ هذا العلمُ أصوله وقواعده- فلا شَكّ أنه من كلامِ أئمةِ الحديثِ، وقبل ذلك -كما أشرنا- من النّصوصِ الواردةِ في الكتابِ والسنةِ التي تحثُّ على التبيُّنِ والتوثّقِ والتثبّتِ وتحقيقِ المسائلِ وعدمِ قبولِ الدعاوى، إلى آخِرِ هذه الأصولِ التي جعلَها أهلُ العِلْمِ القواعِدَ العامّةَ والأصولَ الهامّةَ لهذا العلمِ الشريف.
أمّا مِنْ حيثُ الواقعُ؛ فكلامُ أئمةِ العلمِ، ابتداءً من الصحابةِ إلى أئمةِ العلمِ في هذا الزمانِ الذين لا يَزالون يَبْنُونَ ويُؤَصِّلونَ ويُقَعِّدُون، مما يُبْطِلُ قولَ القائلِ بأنّ (علمَ الحديثِ نَضَجَ واحترق)!
هذا غيرُ صحيح، علمُ الحديثِ تَأَصَّلَ وتأسّسَ وثَبَتَ وتَرَسّخَ، أمّا أنْ يقال: (نضجَ واحترقَ) بمعنى أنه لا مزيدَ عليه؛ فهذا غيرُ صحيح، لا يزال هنالك بابٌ للاجتهادِ يَدْخُلُهُ أهلُهُ ويمارِسُهُ المختصّون فيه، وليسَ الأمْرُ فيه مجالَ تجاربٍ وبِدَعٍ ومُحْدَثات -كما أَلّف بعضُ المعاصِرين كتابًا سماه: (نظراتٌ جديدةٌ في علمِ المصطلح)، هذه النظراتُ الجديدةُ غيرُ مقبولةٍ. وألّف بعضُهم كتاب (المقترَح في علم المصطلح)، هذا (المقترحُ) مرفوضٌ؛ لأنّ أصولَ هذا العلمِ ثابتةٌ، وقواعدَه راسِخَةٌ.
قد يكونُ الاختلافُ والاجتهادُ في جزئيات، في مسائلَ مبناها على الحُجّةِ والدّليلِ والبرهانِ، وهذا لا مانِعَ منه، ولا حُجَّة لمنْ رَدّه.
فكلامُ أئمةِ العلمِ مثل الإمام البخاري، مثل الإمام مُسْلم، مثل الإمام علي بن الْمَدِينِي، مثل الإمام أحمد، مثل الإمام يحيى بن مَعِين، مثل الإمام أبي حاتم الرازي، أبي زُرْعَة الرّازي، الإمام ابن أبي حاتِم، وغيرهم من أهل العلم...
هؤلاء الذين ألّفوا الكتبَ وصنّفوها في أَدَقّ أنواعِ هذا العلمِ- بل العلوم جميعًا-.
أمّا حُكْمُ تَعَلّمِهِ وتعليمِه فهو فرضُ كِفايَةٍ وليس فَرْضَ عَيْن، وليس مجرَّدَ استحبابٍ أو جَوازٍ، هو فَرْضُ كفايةٍ، إذا قامَتْ به فئةٌ من الأمّةِ يكونُ فيها الكفايةُ في تعريفِ الناسِ دينَهم الحقّ وسُنةَ نبيهم-عليه الصلاة والسلام- ليميزوا المردودَ من المقبولِ، فحينئذٍ يكونُ الإثمُ قد سقطَ عن الأُمّةِ بوجودِ هذه الفئةِ واستمرارِها.
والنبي-عليه الصلاة والسلام-يقولُ -وهذه إشارةٌ إلى ما ذكرَهُ الإمامُ أحمد وذكرناه قبل قليل: (لا تزالُ طائفةٌ منْ أُمّتي ظاهرينَ على الحقّ).
هذه الطائفةُ أهلُ الحديث؛ لأنهم هُمُ الحُرّاسُ، كما قال الإمام أحمدُ -نفْسُه-: لولا حَمَلَةُ الْمَحابِرِ، وأصحابُ الدّفاتِرِ-يَقْصِدُ أَهْلَ الحديث-لَخَطَبَتِ الزّنادِقَةُ على المنابِر.
فَهُمُ الذينَ مَيّزوا ومَحّصوا وكَشَفوا-رحمهم الله تعالى-.
وقوله: (لا تزال طائفة)؛ (الطائفةُ) أَقَلُّها واحِد- وإنْ كان المعنى قد يشيرُ إلى الجماعةِ، لكن أقلّ الطائفةِ واحد-، وهذا الحديثُ يشيرُ إلى استمرارِ وجودِ هذه الطائفةِ، واستمرارِ بقائِها وثباتِها منذ العصرِ النّبَوي وإلى أنْ يَرِثَ الله الأرضَ ومَنْ عليها.
أمّا مسائِلُه وأنواعُه فهي الجزئياتُ والمفرَداتُ التي يَنْبَنِي عليها هذا العلمُ، وقد أَوْصَلها بعضُ أهلِ العلمِ إلى أكثر مِن مِئَةِ نَوْعٍ -كالإمام الحازِمِي-.
وكانَ للشيخِ بكر أبو زيد-رحمه الله-مشروعٌ عِلْمِي بعنوان: (مَدُّ عُلومِ الحديث)، لم يَقْتَصِرْ على البِضْعِ والستين نَوْعًا أو السبعين نوعًا المشهورة عند ابنِ الصلاح ومَنْ بَعْدَه، وإنما زادَ عليهِ أنواعًا كثيرةً أُخِذَتْ مِن كلامِ أهلِ العلمِ ومنْ مؤلفاتِهِم.

لا بُدّ في هذه المقدمةِ الْمُوْعِبَةِ من الإشارةِ إلى أمْرٍ مُهِم؛ وهو ما يُثِيرُهُ كثيرون في هذه الأيّامِ عبرَ الكتاباتِ ومن خلالِ بعض المنتدياتِ في (الإنترنت) وما أشبه، مما سَمَّوْهُ واصطَلَحوا عليه: (التفريق بين منهج المتقدمين ومنهج المتأخرين). أمّا التفريقُ بينَ المتقدّمين والمتأخرين من حيث هم؛ فهذا تفريقٌ لا يُنْكَر، كُلُّ مَنْ تَقَدّمَكَ فهو متقدِّم، وكُلّ من تأخّرَ عنك فهو متأخِّر؛ فنحنُ متأخِّرون بالنسبة للشيخ الألباني والشيخ الألباني متقدِّمٌ بالنسبة لنا، وهو متأخِّرٌ بالنسبة -مثلا- للشوكاني، والشوكاني متأخِّرٌ بالنسبة لابن تيمية، وابنُ تيمية متقدِّمٌ بالنسبة لنا...
القضيةُ نسبيةٌ.
لذلك لم يستطع دعاة التفريق بين المتقدمين والمتأخرين أن يجعلوا حدًّا فاصلا مضبوطًا يقولون هذا هو حدُّ المتقدمين وهذا حدُّ المتأخرين-وإن حاولَ بعضُهم ذلك-.
وقد جالستُ بعضًا من رؤساءِ هذا الفِكْرِ وهذا التفكير، فماذا كان قولُهُ فِرارًا مِنْ هذا التفريقِ المحْدَثْ الذي ما أنزلَ الله به من سلطان؟
قال: التفريقُ بين المتقدّمينَ والمتأخّرين تفريقٌ منهجِي وليس تفريقًا تاريخيًّا!
ومُؤَدّى هذا المعنى، أنّ ما حَكَمُوا عليه بأذهانهم واجتهاداتهم أنه منَ المتقدّمين فهو من المتقدمين -ولو كان في السنّ متأخرا-! ومَن حَكموا عليه -نتيجة هذا التفكير- أنه من المتأخرين فهو من المتأخرين منهجًا -وإنْ كان من المتقدمين زمانا-!
وهذا خَلْطٌ وخَبْطٌ ما بعده خلط وخبط!
وقد قلتُ كلمةً -وأقولها وسأظلّ أقولها-:
إنّ هذا المنهجَ في التفريقِ بين المتقدمين والمتأخرين -منهجيا وليس مجرد فترة زمانية- هذا منهجٌ فيه هدمٌ للسنة.
وقلتُ كلمةً -وأقولها وسأظل أقولها-:
وافرحةَ الشيعة الروافض والمستشرقين والمستغربين والليبراليين والحَدَاثيين الذين جاء هؤلاء القوم لهم بمنهجٍ يهدِم السنةَ ليكونَ توطئةً لأفكارِهِم وأفعالِهم وشنائعهم، حيثُ لم يستطيعوا عبرَ عشراتِ السنين ومئاتِ السنين أنْ يهدِموا السنةَ من حيثُ هي، قد حاولوا أنْ يَطْعَنوا في هذا الكتابِ.. في هذا الحديث..
أمّا أنْ يؤتَى لهم بمنهجٍ متكامِلٍ يقال: الحديثُ من حيثُ منهج المتقدمين هو المقبولُ، ومن حيث منهج المتأخرين هو المردودُ، فهذا إسقاطٌ لمنهجِ أكثر من ثمانية قرونٍ أو تسعة قرون سارَ عليها أهلُ العلم من أهل السنة.
بل أنا أقول:
لم يصلْنا كلامُ المتقدمين إلا من خلال هؤلاء المتأخرين، ولم نفهمْ كلامَهُم إلا من خلالهم، ولم تصلْنا دلائلُهُم إلا عبْرَهم، فأيّ خلطٍ هذا؟!
وأيُّ كلامٍ هذا؟!
ولا أريدُ أن أطيل..
ولشيخنا الشيخ الألباني مجلسٌ من ساعتين بعنوان: (مِنْ بِدَعِ الْمُحْدَثِين على الْمُحَدِّثين)، ناقش فيها هذه القضية نقاشًا جيّدا-رحمه الله تعالى-.

إخواني -في هذا المجلس- لا بُدَّ مِن كلمةٍ؛ لأنني سمعتُ بعضًا مِنَ الإخوةِ الطيبين -ولا نُشَكِّكُ بنِيّاتِهِم- قالوا:
كم مِنْ مَجْلِسٍ سينتهي هذا الكتاب؟
أنا أقول:
مَنْ يَقولُ هذا الكلامَ، ويُفَكِّرُ فيه، أو يَرِدُ على خيالِه، لا أريدُ أن أقولَ هذا ليس طالبَ علم، ولكن أقول:
هذا مُنْتَقِصُ العِلْم!
لأننا تَوارثْنَا عن علمائِنا ومشايخِنا مَنْهَجَ أنْ نَدْرُسَ لنتفقّه، فنحنُ لسنا ممن يريدون أن يَقْرؤوا لِيَنْتَهُوا، ولكنْ نريدُ أن نكونَ ممن يقرؤون ليفقهوا لا لينتهوا!
سواءٌ أخذَ هذا المجلسُ شهرًا.. سنةً.. أقَلّ أو أكثَر..
كما قال الإمامُ أحمد-رحمه الله-: العلمُ من الْمَحْبَرَةِ إلى المقبرة.
والعلمُ -يا إخواني- هكذا؛ العلمُ يُحَرِّكُنا، لا نحنُ الذين نُحَرِّكُ العلمَ.
نعم؛ قد يكونُ هنالك تطويلٌ أو تقصيرٌ أو تلخيصٌ أو توسُّطٌ، لكنْ حتى هذا لسنا نحن الذين نُقَدِّرُه.

وهنا -وقد ذَكَرْنا مَبْدأَ أو طريقةَ الذين يريدون أن يقرؤوا لينتهوا- لا بُدّ مِنَ الإشارةِ إلى مسألةِ (الإجازاتِ) -وقد انتشرتْ في هذا الزمان-، وأنا قَدَّمْتُ أربعةَ مجالس بعنوان: (كَشْف المجازَفاتِ الواقِعَةِ في مَجالِسِ الإقراءِ والإسماعِ والإجازات)(2)، نَقَلْتُ فيها عن أئمةِ العلمِ.
مما أَذْكُرُهُ اليوم -زيادةً على ذلك- ما ذكَرَه الإمامُ ابنُ عبد البَرّ في (جامع بيان العلم وفضله) عن الإمام مالك بن أنس-رحمه الله- أنه سئل عن الرجل يقول له العالمُ: هذا كتابي فاحْمِلْهُ عني، وحَدِّث بما فيه عني- هذا يُسَمّى عند العلماء المناولة أو الإجازة بالمناولة-، قال: لا أرى هذا يَجُوز، ولا يُعْجِبُني، لأنّ هؤلاء إنما يريدون الحَمْلَ الكثير بالإقامةِ اليسيرةِ!
هذا مَبْدَأ (يريدون أن يقرؤوا لينتهوا)!
ليس هكذا العِلم، العلمُ لا يُعْطيكَ بعضَه حتى تُعْطِيَهُ كُلَّك، لا يُسْتطاعُ العلمُ براحةِ الجسَد، هكذا العلمُ وهكذا أهْلُه وهكذا طَلَبُه.
والسيوطي-رحمه الله-في هذه الألفيةِ المبارَكة التي نحن في صدد قراءتها ومطالعتِها والاستفادةِ منها يقولُ عندما ذَكَر الإجازة:
واسْتُحْسِنَتْ مِنْ عالِمٍ لماهِرِ... وشَرْطُهُ يُعْزَى إلى أَكابِرِ
(واسْتُحْسِنَتْ مِنْ عالِمٍ لماهِرِ) الآن لا أريدُ أنْ أتكلّمَ في المجيزِين، كُلٌّ أدْرَى بنفْسِه، ونسألُ الله أنْ يرزقَنا وإياكم العلمَ والعملَ والتعلّمَ والتعليمَ على الحقّ وبالحقّ.
لكنْ أكثَرُ منْ يجازون ليسوا مَهَرةً، بل ليسوا طلبةً! وَجَدُوا جَمْعًا فكانوا مِنْ ضِمْنِ الجمْع! لا يتميّزُ الواحِدُ عن الآخَر، لا يتميزُ الذكِي عن البليد، ولا يتميزُ المتفقِّه عن الجاهِل، المهم أنْ يجتمعَ الناسُ ليقالَ في الختام: أُجِيزَ عددُ كذا وكذا، واستجازَنَا عددُ كذا وكذا.
وأمّا ابنُ الصلاحِ فيقولُ في كتابِهِ المشهور (معرفة أنواع علم الحديث):
إنما تُسْتَحْسَنُ الإجازةُ إذا كان المجيزُ عالِمًا بما يُجِيز...
القراءةُ ليستْ عِلْمًا، والسّرْدُ ليس عِلْمًا، هذا إذا كانت القراءةُ وكان السردُ على وجهِهِ المنضبِطِ.
واللهِ سمعتُ بعضًا من المجالسِ -التي يقالُ عنها مجالس قراءةٍ وسَمَاع-، واللهِ لمْ أَكَدْ أَفْقَه منها كلمةً!
وناقَشَني بعضُ الأفاضِلِ فيها قلتُ: أسألُكُم بالله؛ هل تستطيعون -فقط- أن تُتابِعوا الصلاةَ على النبي-صلى الله عليه وسلم-كما هي؟
قالوا: لا والله!
هذا هو الحدُّ الأدنى من القراءةِ والسماعِ والتَبَرُّكِ بالسنةِ الشريفةِ، هذا الحَدُّ الأدنى غيرُ موجود!
يقول ابن الصلاح: إنما تُسْتَحْسَنُ الإجازةُ إذا كان المجيزُ عالِمًا بما يُجِيز، والمجازُ لهُ منْ أهلِ العلم، لأنها تَوَسُّعٌ
-يعني الإجازة أصلًا فيها تَوُسّع- وترخيصٌ يتأهّلُ له أهلُ العلمِ لمسيسِ حاجتِهِم إليها. وبالغَ بَعْضُهُم في ذلك؛ فجَعَلَهُ شرْطًا فيها -يعني لا تُعْطَى الإجازةُ إلا لأهلِ العِلْم-. السّخاوي-رحمه الله- في (فتح الْمُغِيث بشرح ألفية العراقي) -ولنا وقفةٌ ما بين ألفيةِ العراقي وألفيةِ السيوطي، لأنّ كلتا الألفيتين في عالَمِ العلومِ الحديثية، كُلٌّ منهما له منزلتُه وله مكانتُه- يقول-نقلًا عن الوليد بن بكر أبي العباس المالكي-:
ولمالِك شرْطٌ في الإجازةِ وهو أنْ يكونَ المجيزُ عالِمًا بما يجيزُ، ثقةً في دينِهِ وروايتِه، معروفًا بالعِلم.
الآن -وللأسف- أكثرُ المجيزينَ والمجازِين والمحبين لهذا وذاك من أهلِ التصوّفِ والخرافاتِ والبدعِ، ولو نَظَرْتَ في أسانيدِ هؤلاء وأثباتِهم ومروياتهم لرأيتَ أكثرَها تَدُورُ في فَلَكِ أهلِ البدعِ وأهلِ التصوفِ والخرافاتِ.
قال (السخاوي-ناقلا-): والمجازُ بِهِ مُعارَضًا بالأصلِ حتى كأنه هو.
الآن الذي يقرأُ يقرأُ بسرعة، والذي يسمعُ ليسَ معه كتابٌ، وإذا كان معه كتاب بالكاد أنْ يَتَتَبّعَه، وبالكادِ أنْ يُتابِعَه، وإذا تابَعَهُ بالكادِ أنْ يفهمَ عنه، وإذا فهمَ عنهُ بالكاد أنْ يكونَ فَهْمُهُ صحيحًا..
عَثَراتٌ وثَغَراتٌ بعضُها وراءَ بعضٍ -وللأسف-.
قال: والْمُجازُ له مِنْ أَهْلِ العِلمِ أوْ مُتَّسِمًا بِسِمَتِه حتى لا يوضعَ العلمُ إلا عند أهلِه.
وهذا هو الأصلُ؛ كما قال الإمامُ الشافعي وغيره: مُعَلِّمُ العلمِ لغيرِ أهلِهِ كالْمُقَلِّدِ الخنازيرَ الذّهب!-نسأل الله العافية-.
أما الشيخُ أحمد محمد شاكر -وله تعليقٌ على هذه الألفية السيوطية- فيقول:
واستحسنَ العلماءُ الإجازةَ من العالِمِ لمن كان أهْلًا للرواية، و مشتغِلًا بالعِلم، لا للجُهّالِ ونحوِهِم.
هذا كلامُ الشيخِ أحمد محمد شاكر.
ثمّ نَقَل-نقله باختصار أنا أنقله بتمامه- قولَ الإمامِ ابن عبد الَبّر أنّ: الإجازةَ لا تجوزُ إلا لماهِرٍ بالصناعةِ -الصناعة المقصود بها الصناعة الحديثية وعلوم الإسناد وعلوم الرواية، وليس لفظ الصناعة المقصود به أهل الصناعة يعني العصرية! إنما هذا مصطلح الصناعة الحديثية أي: علوم الحديث وأصول الرواية- حاذِقٍ بها، يعرفُ كيف يتناولها، وتكون في شيء معروفٍ مُعَيّنٍ لا يُشْكِلُ إسنادُهُ ، فهذا هو الصحيحُ من القول في ذلك. -هذا يقوله الإمام ابن عبد البر-.
أمّا أحمد شاكر فيُعَلِّقُ ويقولُ ويختِم: وهذا قد يكونُ أقربَ إلى الصوابِ منْ كُلِّ الأقوال.
لا نمنعُ الإجازةَ أمامَ أيّ أحَد، ولكنْ لا نُعْطِيها لكلّ أَحَد! حتى لوْ زَعَمْنا أنها لاستغلالِ الوقت، حتى لو زعمنا أنها لتحبيبِ الناسِ بالعلمِ.
حَبِّبِ الناسَ بالعلمِ في إطارِ العلم، حبّبِ الناسَ بالحديث في نِطاقِ أهلِ الحديث.
أمّا أنْ يكونَ الأمرُ على غيرِ ما كانوا عليه، وعلى غير ما صاروا إليه؛ فلا.

يا إخْواني؛ قَبْلَ أنْ نَتكلّم في هذا الكتابِ الذي نحن في صدده أَذْكُرُ شيئًا حتى لا يَأْخُذَنا الوقتُ -وقد أخذَنَا-: نُريدُ أنْ يكونَ هنالكَ قارئٌ للألفيةِ، يَقرأُ ونحن نُعَلِّق. وهذا القارئ يجبُ أن يكونَ فيه شرطان:
الشرط الأول- أنْ يكونَ على دِرايةٍ بحُسْنِ اللغةِ العربيةِ.
والشرط الثاني- أنْ يكونَ ذا نَفْسِيّةٍ طَيّبةٍ تَقْبَلُ النّقدَ والتصحيحَ -إذا أخطأ-؛ لأننا لنْ نَسْكُتَ على خَطَئِهِ.
هذه لا نقولها تثبيطًا ولكننا نقولها تثبيتًا.
فحتى لا نُحْرِجَ الإخوةَ بَعضهم ببعض، أنا أقول: مَنْ يجِد عنده الاستعداد يكتب اسمه ورقمه، ونحن نتخَيّرُ-إن شاء الله- الأَرْجى والأفضلَ في هذا الباب، ومن لم نقبلْهُ أو لم يكن عليه الاختيار، فهذا لا يعني أنه دون ذلك؛ نحنُ نريدُ واحِدًا، قد يتقدّم اثنان، قد يتقدّم عشرة، نحن نريدُ واحدًا، والله الموفّق.

أمّا الإمامُ السيوطي فأقول -في كلماتٍ مختصراتٍ من بابِ التعريفِ الخفيفِ، وإلا فالسيوطي أَلَّف ترجمةً لنفسه في حياتِهِ في مجلّد سمّاها-وهي مطبوعة- (التَّحَدّثُ بنعمةِ الله). وأُلِّفَتْ في حياةِ السيوطي عشراتُ الكتبِ -بغيرِ مبالَغَة-.
أمّا كُتُبُهُ المطبوعةُ -بغير مبالغة- فمِئات؛ لأنّ السيوطي --قيل- أَلَّفَ ستمِئةِ مؤلَّف.
السيوطي-رحمه الله-هو عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد الأسيوطي، ولكن يقولون السيوطي، هو نسبة إلى أسيوط المشهورة في مصر، يقولون سيوط أو أسيوط.
وُلِدَ-رحمه الله-في شهر رجب من سنة تسع وأربعين وثمانمئة (849هـ) وابتدأ طلبَ العلم في سنة أربع وستين وثمانمئة (864هـ)، وأخذَ عِلمَ الحديثِ -لا نريد أنْ نتكلمَ عن العلومِ الأخرى، والإمام السيوطي-رحمه الله-ادّعى الاجتهادَ المطلَق، لأنه عرَفَ العلوم، ألّفَ ودرس العلومَ كلَّها؛ قال: قد درستُ وكتبتُ واجتهدتُ في العلومِ كلِّها إلا عِلْمًا واحِدًا وهو علم الحِساب، فيقولُ عن نفْسِه في ترجمته من (حُسْنِ المحاضَرَةِ في أخبارِ مِصْرَ والقاهرة):
كُنْتُ إذا عالجْتُ مسألةً في الحساب كأني أَصْعَدُ جَبَلا!-
وجَلَسَ للإفْتاءِ-رحمه الله-سنةَ إحدى وسبعين وثمانمئة (871هـ)- يعني كان عمره ثنتين وعشرين سنة حين جلس للإفتاء-.
وعاصَرَ-رحمه الله--مع أنه لم يُعَمّر، لكن تلك الفترة كانت يعني فيها أحداث سياسية متلاحقة- ثلاثة عشر سلطانًا من سلاطينِ المماليك، وألّف -من هذه السنوات الثلاث والستين- أَلّفَ أَوْ مارَسَ التأليفَ في خمسٍ وأربعين سنة منها- يعني وهو دون العشرين وقد بدأ التأليف-رحمه الله- حيث كان عمره سبعة عشر عاما-.
وانقَطَعَ للتأليفِ -حتى مع هذه الفترة- ثنتين وعشرين سنة لم يَخْرُج إلى الناس وهو يؤلفُ ويكتبُ.
و-حقيقةً- كانت مؤلفاتُهُ غُرَّةً ودُرَّةً؛ أنا أقول:
هنالك كتابان للسيوطي لو وُضِعَتْ لهذينِ الكتابينِ اليوم لجانٌ عِلمية، ووُضِعَت لها الملايين من الدنانير والأموال، لا يستطيعون أنْ يتابِعوه فيما أَلَّفَه؛ كتابُ (الدُّرُّ المنثورُ في التفسيرِ بالمأثور) وكتاب (جَمْعِ الجوامِع) أو (الجامِع الكبير) -وكلاهما واحد، كتاب له اسمان- أرادَ فيه أنْ يَستوْعِبَ السّنّةَ كلَّها، وهي أوّلُ محاولةٍ في التاريخِ العلمي الإسلامي لاستيعابِ السنةِ موسوعيًّا، و كان كتابه قد زاد فيه-وهو فرد- عن جمع خمسين ألف حديث-رحمه الله تعالى-.
وأمّا مؤلفاتُه فاختلفَ أهلُ العلمِ في حَدِّها وإحصائِها؛ بعضُهُم قال ثلاثمائة وبعضهم قال أربعمائة.
حاجي خليفة في (كشْف الظُّنون) أوصلهم إلى ما يقارب الستمئة، وبعض المعاصرين له -ابن إياس- قال: ألّفَ ستمئة مؤلَّف-رحمه الله-.
وتُوفي في منزلِه في الروضةِ بجانبِ النِّيل سنة إحدى عشرة وتسعمئة -نسألُ الله أن يرحمَهُ وأن يغفرَ له-.

أمّا هذا الكتابُ -أيها الإخوة- وهو (نَظْمُ الدُّرَر)
(الدُّرَرَ) جَمْعُ دُرَّة، الدُّرَّةُ شيء، والدِّرَّةُ شيء-، والدَّرَّةُ شيء.
من الأسماء التي أرادَ السيوطي أَن يُسَميَ شَرْحَهُ لنظمِ الدُّرَر بها: (قَطْرُ الدِّرَر)؛ الدِّرَر جَمْعُ دَرَّة، وهي ما يَنْزِلُ من السماءِ من الماء (دِرَر).
الدُّرَرُ شيء، والدِّرَرُ شيءٌ آخَر.
هذه الألفيةُ أسلوبُها سهلٌ جدًّا ويسير، ولسهولتِها كان ذلك سببًا من أسبابِ تقديمِها على ألفيةِ الإمامِ العراقي-رحمه الله-؛ حتى قال السيوطي -نفسُه- في مقدمتِها:
وهذِهِ أَلْفِيَّةٌ تَحْكِي الدُّرَرْ -(تحكي) يعني تُشابِه وتُماثِل- مَنْظُومَةٌ ضَمَّنْتُها عِلْمَ الأَثَرْ
(علم الأثر) هو علمُ السنة وعلمُ الحديث.
وكلمة (الأثَر) في الاصطلاح المتأخّر صارتْ لا تَدُلُّ على معناها الأوسعِ؛ اليوم إذا قلنا: هذا أثر، لا نَفْهَم إلا أنه عن غيرِ الرسول-عليه الصلاة والسلام-، لكنْ في القديم عندما كانوا يقولون: هذا أثر، قد يكونُ عن النبي-عليه الصلاة والسلام- وقد يكون عن غيره.
لذلِك ألّفَ الإمامُ الطحاوي كتابًا سماه (مُشْكِل الآثار)، وكتابًا آخر سماه (شرح معاني الآثار)، وكُلُّه في حديث النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-، لكنْ المصطلحُ له تَأَثُّر، وقد يَتَغَيّر عبرَ التاريخ، فنحن نَقْبَلُ هذا التغيرَ بشرط ألا يمسّ الأصلَ العِلمي، أو أنْ يُغِيِّرَ قواعِدَ العِلم.
وحتى كلمة (خَبَر)؛ اليوم إذا قلنا (هذا خبر) أو (وفي الخبر) نَفْهمُ أنّ الأمرَ مُتَعلِّقٌ بما دون حديث النبي-عليه الصلاة والسلام-أو بالأخبارِ التاريخيةِ المحضةِ، وهذا غيرُ صحيح؛ كانوا يستعملون لفظَ الخبرِ أي: ما أُخْبِرُوا به عن النبي-صلى الله عليه وسلم-.
يقول (السيوطي)-رحمه الله-في مقدمة شرحه عليها: احْتَوتْ -أيْ هذه المنظومة واسمها (نَظْمُ الدُّرَر) على جميعِ علومِ ابنِ الصلاح -يعني كتابَه وأنواع علم الحديث التي فيه-، وزوائد ألفيةِ العراقي، وزادتْ بضعفِ ذلك!
هذا من أسبابِ ترجيحِ ألفيةِ السيوطي على ألفية العراقي.
لذلك أَذْكُرُ كلمةً -إخواني- قلتُها من قديم -وقد سئلتُ أيهما أفضل- وسيأتي تفصيلٌ مُطَوَّلٌ في المفاضلةِ والمقارَنَةِ بين هاتينِ الألفيتين المبارَكتين-؟ قلت:
ألفيةُ العراقي آصَلُ -أكثرُ أصالةً وأجْوَد-، وأمّا ألفية السيوطي فأسهلُ وأوسَع أو وأوْعَب.
هكذا؛ لكُلٍّ منهما من الفائدةِ ومن المزيةِ ما لا يكاد يوجَد عند الآخر، لكنْ -بالجُملة- النصيحةُ للطلبةِ أنْ يقرؤوا وأن يحفظوا وأن يفقهوا ألفيةَ السيوطي لِما سيأتي بيانه-إن شاء الله-.
حتى يقول هو في مقدمتِها-رحمه الله-واصِفًا عملَه في هذه الألفية-:
فائِقَةً أَلْفِيَّةَ العِراقِي... فِي الْجَمْعِ والإيجازِ واتِّساقِ
يعني التنسيقَ والضبطَ والحُسْنَ والجَمال- وإنْ كان قدْ يُنازَعُ في بعضِ ذلك-.
والعجيبُ أنّ هذه الألفيةَ يقولُ في آخِرِها مؤلفُها عنها وعن عملِهِ فيها:
نَظَمْتُها في خَمْسَةِ الأَيّامِ... بِقُدْرَةِ الْمُهَيْمِنِ العَلَّامِ
رَحِمَ الله أئمتَنا، وجمعَنا وإياكُم معهم مع النبي-عليه الصلاة والسلام- على خَيْر.
هذه الألفيةُ لها شروحٌ كثيرةٌ؛ أهمّها وأجلّها (البَحْرُ الذي زَخَرْ في شرحِ منظومةِ علمِ الأَثَر) للإمام السيوطي نفسه-رحمه الله-، وهو الشارحُ لها، وقد شرحَ منها سبعةَ عشر نوعًا من أنواعِ علمِ الحديث:
الصحيح، الحَسَن، الضعيف، الْمُسْنَد، المرفوع، الموقوف، المقطوع، الموصول، المنقَطِع، الْمُعْضَل، المرْسَل، المعَلَّق، الْمُعَنْعَن، الإخوة، الألقاب، المؤتلِف والمختلِف، المنسوب إلى خلاف الظاهر.
لكن نحن ذَكَرْنا هذه الأنواع حتى نُشيرَ إلى أنَّ المطبوعَ من هذا الشرحِ غيرُ كامِل، المؤلِّفُ ماتَ -دونَ أنْ يُكَمِّلَ الشرحَ- شارحًا هذه الأنواعَ فقط، والشرحُ المطبوع لم يستوعبْ فيه إلا نوعين أو ثلاثة أنواع من المقدمة، والكتاب مضى عليه الآن أكثرُ من عشرِ سنوات أو خمسة عشر عاما، ومؤلفُه رجلٌ فاضِلٌ من إخوانِنا الطيبين الأفاضل -ولا نزكيهم على الله- وهو فضيلة الشيخ الدكتور أنيس طاهر الأندونيسي -أصلُه أندونيسي وهو الآن سعودي- من مشايخ الحديث في الجامعة الإسلامية، وهو من أهلِ الحديثِ على المعنيين؛ المعنى الاصطلاحي والمعنى المنهجي الشامل.
في هذا المطبوع فقط مئة وثمانية عشر بيتًا، شُرِح منها في مئة وثمانية عشر بيتًا، وهي لا تكاد تستوعِب -كما قلنا- الأنواعَ الأولى فقط.
هنالك شرحٌ آخر لمحمد حِجازي القَلْقَشَنْدي بعنوان (استقصاء الأثر بمنظومة علم الأثر)، وهذا مخطوط ليس مطبوعًا.
ومنها كتاب (منهج ذوي النَّظَر بشرح ألفية الأثَر) لمحمد محفوظ التِّرْمِسِي، وهو في نحو ثلاثمئة صفحة، وهو مطبوع.
ومنها (شرحُ ألفية السيوطي) للشيخ أحمد شاكر، وهو شرحٌ وجيزٌ وتعليقاتٌ يسيرة، لكنّ فيه فوائدَ زوائد.
والغريب أنّ المطبوعةَ بين أيدي الناس -والنسخة التي عندي هي من هذه النسخ- لا توجد فيها مقدمة للشيخ أحمد محمد شاكر! وأنا أَظُنّ أنّ الطابعينَ لها، المُصَوِّرينَ لها عن الطبعة الأولى أو عن الطبعات الأولى قد حَذَفُوا هذه المقدمة إما جَهْلًا وإمّا سَهْوًا.
فأنا أقول -من هذا المكان-:
مَنْ كانتْ عنده، أو مَن استطاع الوقوفَ على مُقدمةِ الشيخ أحمد شاكر فليُغِثْنا بها.
وهنالك شرح في مجلدين للشيخ محمد محيي الدين عبدالحميد -وهو من علماء مصر في النصف الأول من القرن الماضي، والحقيقة أنه رجلٌ موسوعي، ألّفَ في الحديث وفي اللغةِ وفي التفسيرِ وفي الأصولِ وفي سائر أنواع العلم، رحمه الله تعالى-، وأيضًا شرحُهُ مطبوع.
وشرَحها أيضًا الشيخ أبو محمد عبد الحق الهاشمي بشرحٍ سماه (ظَفَرُ الأَماني بشرح الأُرجوزةِ المسمّاةِ بالفتحِ الرباني). أصل أرجوزَتِهِ أَخَذَها مِن ألفيةِ السيوطي ثم شرحها-رحمه الله تعالى-.
والشيخ صالحُ الفُلّاني له شرح سمّاه (الطُّرَّة على الألفية).
وهنالك شرح للشيخ محمد علي آدم الأثيوبي -وهو من العلماء المعاصرين ومن المدرسين في المسجد الحرام- بعنوان (إسعافُ ذَوي الوَطَر بشرحِ نَظْمِ الدُّرَر في عِلم الأَثَر) في مجلدين، وهو شَرْحٌ جَيِّد، وأشارَ في مُقَدّمَةِ هذا الشرح أنّ له (الشرح الكبير)، ولا أعْلَمُ عن هذا (الشرح الكبير) إلا هذه الإشارة، هل انتهى منه؟
أما أنه مطبوع فلا أظنه مطبوعًا، لأني بحثتُ واجتهدتُ، لم أجد ذلك كذلك.
وهنالك أيضا من الشروح المطبوعة (الشرح الوسيط على ألفية السيوطي) لنُوري حَسَن حامِد الْمَسْلاتي، ومع أنه مطبوع؛ لكني لم أقِفْ عليه، وأوصيتُ عليه، ويأتينا-إن شاء الله-عمّا قريب.
وهنالك كتابٌ لأحد علماء الشناقِطة اسمُه محمد الحسن اليعقوبي سمّاه (الجامِعُ المحرَّر على نظم الدرر) مطبوع في شنقيط، ولم أقِفْ عليهِ أيضا، وإنما وقفتُ على خَبَرِه.
وهنالك كتبٌ أخرى ذُكِرَتْ أسماؤها ولم نَعْرِفْ عنها شيئًا؛ منها (شرح نظم الدّرر في مصطلح أهل الأثر) للأهدل اليماني، ومنها (شرح ألفية السيوطي) لمحمد الطيب بن كيران، ومنها (التعليق على ألفية السيوطي) لمحمد الحافظ العلوي، ومنها (فرائد المِنَح على ألفية السيوطي في الحديث) لأحمد دهّاق العلوي، ومنها (شرح ألفية السيوطي) لعمر عبد الوهاب العَرَضِي، و(شرح ألفية العراقي) لمحمد بن عبد الرسول البَرَزَنْجِي -طبعًا لا يجوز أن يقال (عبد الرسول) وإنما نقول (عبد ربّ الرسول)، الرسول-عليه الصلاة والسلام-عَبْدٌ (قُلْ إنما أنا بَشَرٌ مثلكم) وربُّنا يقول:(سبحان الذي أسرى بعبده)، لكن هذا من غُلُوّ الصّوفِيّة والتَّصوفِ وأهلِه-.
وأيضًا هنالك (جوهرة الدُّرَر على ألفية الأثر) للشيخ محمد الأمين الهرري -وهو طبعًا غير عبدالله الحبشي الهرري، هذا من أهل السنة وذاك من أهل البدع-، والشيخ محمد الأمين الهرري هو من المعاصرين، ولا يزال في عالم الأحياء، وهو من مُدَرِّسِي دارِ الحديثِ الخيريةِ في مكة، وهو الآن فوقَ التسعين من العُمر. وقد أخبرَني مَنْ له به صِلَة أنه يبتدئ يومَه بعدَ صلاةِ الفجرِ مِنْ كُلِّ يومٍ -منذ سنين- بالطواف، يبتدئ يومَه بالطواف في هذه السن، وفي هذا الضَّعْف من الجَسَد، ثم يذهبُ ليمارسَ يومَه عِلْمًا وتعليمًا وتَعَلُّما.
وأيضًا هنالك شروحٌ صوتيةٌ متعددةٌ شَرَحَها عددٌ من أهل العلم الأفاضل؛ مِنْ أَجَلِّها وأَجْمَعِها شَرْحُ شَيْخِنا الشيخ عبد المحسن العبّاد-حفظه الله تعالى، وأطال في عمره-، وشرح الشيخ محمد علي آدم أيضًا هنالك شرحٌ صوتي له في بضعةٍ وستين شريطا، وهنالك شرح الشيخ أبي إسحق الحويني، وعدد من الشروح لبعض المعاصرين.

هذا ما أَرَدْنا أنْ نَذْكُرَهُ في هذه الأمْسيةِ الطيبةِ المبارَكةِ.
بقيَ مَبْحَثٌ واحِدٌ وهو مبحث المقارنة بين الألفيتين-ألفية العراقي وألفية السيوطي-، يكونُ هو فاتحةَ المجلسِ القادمِ-إن شاء الله- لنُباشِرَ -مستعينين بالمولى سبحانه وتعالى- هذا المجلسَ الذي نرجو أن يكونَ فيه إحياءٌ للسنة، وإحياءٌ للعلم وإحياءٌ لمدارسةِ العلم، إنه-سبحانه-سميعٌ مجيب، وآخر دعوانا أن الحمدُ لله ربّ العالمين وصلى الله وسلَّم وبارَك على نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبِه أجمعين.

--------------


(1) وكان في مسجد (مهيدي خلف) في عمان عاصمة الأردن، يوم الأربعاء 11-5-1435 الموافق 12-3-2014. وقام بهذا العمل الطالب فادي أبو سعده-النابلسي
جامعة آل البيت-كلية الشريعة-قسم أصول الدين-.
(2) http://alhalaby.com/catplay.php?catsmktba=294

طباعة
Powered by: MktbaGold 6.5