كلمةٌ وجيزةٌ حولَ الإمام البُخاريّ-النَّبيل-، و«صحيحه»-الجليل-

كلمةٌ وجيزةٌ حولَ الإمام البُخاريّ-النَّبيل-، و«صحيحه»-الجليل-
244 زائر
27-04-2020 03:54
علي بن حسن الحلبي الأثري

كلمةٌ وجيزةٌ حولَ
الإمام البُخاريّ-النَّبيل-، و«صحيحه»-الجليل-

قد أنجبَت هذه الأُمّةُ المبارَكةُ-عبرَ تاريخِها المَجيد، وماضيها التَّليد-شخصياتٍ علميّةً جليلة-كثيرةً وكبيرة-؛ خدَمت دينَ الله-سبحانه وتعالى-بما هو مُتميِّزٌ-غايةَ التميُّز-.
ولو أنّنا أردنا مجرَّدَ سَرد أسماءِ هذه الشخصيّاتِ العلميّةِ العالية-مِن بين عُموم الناس-لَضاق بنا القِرطاس!
حتى قال أحدُ كبار المستشرقين-وهو الدكتور سبرنجر-في(مقدّمته) لتحقيق كتابِ«الإصابة في تمييز الصحابة»:
«يـَحِقُّ للمسلمين أن يفتخرُوا بـ(علم الرِّجال) كما شاؤوا؛ فلم تُوجَد أُمّةٌ-في الماضي ولا في الحاضر-دَوَّنت تراجمَ وسِيَر العلماءِ-َخلالِ اثنَي عشرَ قَرناً-كما فَعل المسلمون-.
فبإمكانِنا الحصولُ على تراجِمِ خمسِ مئةٍ عالمٍ من المشهورين-مِن كتُبِهم-».
والناظرُ في كتُب التاريخ والتراجم-كـ «تاريخ بغداد»، و«وَفَيَات الأعيان»، و«سِيَر أعلام النُّبلاء»-وغيرِها مِن قبلُ، ومِن بعدُ-: يرى هذا جليّاً للباحثين، وجميلاً للناظِرين.
ومِن بينِ تِلكم الشخصيات الكبيرة التي ترَكَت بَصمةً لا تُنسى في تاريخ العلوم الإنسانيّة-عامّة-، والإسلاميّة-خاصّة-:
الإمامُ محمّد بن إسماعيل البُخاريّ-رحمه الله-
الذي هو-بحقٍّ-رحمةُ الله عليه-: «عَلَمُ المحدِّثين، ورأسُ الحُفّاظ الـمُتْقِنين».
وقد وصفَه الإمامُ الحافظُ أبو بكرٍ الخطيبُ البغداديّ في كتابه«تاريخ مدينة السلام-بغداد-»(2/322)-بقولِه-:
«الإمامُ في عِلم الحديث، صاحبُ (الجامع الصحيح)..».
وقال فيه الإمامُ الحافظُ ابنُ حِبّانَ البُستيّ-رحمه الله-في كتابه الحافل «الثقات»(9/113-114):
«مِن خِيَار النَّاس: مِمَّن جمَع، وصنَّف، ورَحل، وَحفِظ، وذاكَرَ، وحَثَّ عَلَيْهِ.
وَكَثُرت عنايتُه بالأخبار، وَحِفظُه للآثار.
مَعَ علمِه بالتاريخ، وَمَعْرِفَة أَيَّام النَّاس، وَلُزُوم الْوَرَع الْخَفيّ، وَالْعِبَادَة الدائمة-إِلَى أَن مَاتَ-رَحمَه الله-».
..وأقوالُ كِبار العلماء-مِن شيوخ الإمام البُخاريّ-ومَن بَعدَهم-إلى هذه الساعة-بل إلى قيام الساعة-إن شاء الله-في مدحِه، والثناءِ عليه، وبيانِ عالي مكانتِه، وكبيرِ منزلتِه-: أَجَلُّ مِن أن تحويَها ورَقات؛ فضلاً عن كتُبٍ ومجلَّدات!
وإنَّني أَكتبُ هذه الكلماتِ الوجيزات؛ وأنا على دِرَايةٍ تامّةٍ أَنّي أكتبُها في زمانٍ صعبٍ عَسِرٍ؛ عَلَت فيه أصواتٌ نَشازٌ مِن أُناسٍ كثيرين! عددٌ منهم(!)مُنتسِبون إلى العلم الشرعيّ! وبعضٌ مِن هذا(العدد!)منسوبون إلى السُّنَّة والحديث النبويّ!!
ومعَ انتشار(وسائل التواصل الاجتماعي)-بل طُغيانِها!-في هذا الزمان-: رأينا غَثَّ كلماتِ الأكثريّةِ مِن هؤلاء-المتضمّنةِ قبيحَ انتقاداتِهم! وواهِنَ مقولاتِهم!-وهم يتسابقون-مِن خلالِها-إلى كشفِ مخبوءِ أنفسِهم! فـ..تنتشرُ ضلالاتُهم-سريعاً-بين العامّة والخاصّة، مِن غيرِ رقيبٍ ولا حسيبٍ!
وكلُّ ذلك-مِن أولئك الطاعنين، ومَن كافَح عنهم!-صادرٌ عن طرائقَ بعيدةٍ عن علوم الحديث، وقواعد النقد العلميّ المعتبَرةِ-فيه-، والتي تقومُ على أُسُسٍ راقيةٍ سليمة، وأُصولٍ راسخةٍ قويمة.
حتى إنّ بعضَ غيرِ المسلمين-مِن أهل الاختصاص العلميّ التاريخي-مِن الذين يحترمون أنفسَهم: باحترامِهم العلمَ، والتخصُّصَ فيه-أذعَنوا لتلك القواعدِ، ورَضَخوا أمامَ هذه المعارف:
فها هو ذا الدكتور النصراني اللبناني-المتخصّص في العلوم التاريخيّة-أسَد رُستُم، يقولُ في كتابه«مُصطلح التاريخ» (ص67-83/ المكتبة العصرية)-بعد أن بيّن وجوبَ التحقُّق مِن عدالةِ الراوي ، والأمانة ِفي خبَره-:
«ومماّ يُذكر-معَ فريدِ الإعجاب والتقدير-: ما توصَّل إليه علماءُ الحديثِ-منذُ مئات السنين-في هذا الباب-».
ثم قال:
«وإليكَ بعضَ ما جاء في مصنَّفاتهم؛ نُورِدُه بحرفِه وحذافيرِه-تنويهاً بتدقيقهم العلمي، واعترافاً بفضلِهم على التاريخ...»..
..ثم نَقل نصوصاً-عِدّةً-عن بعضٍ مِن علماء وأئمّة هذا العلمِ الفريد السديد.

وعليه:
فأن يأتيَ الطعنُ في أعظم هذه الكتب، وأدقّ هذه المصنَّفات، ألا وهو:
«الجامع المسنَد الصحيح المختصر مِن أُمور رسول الله-‘-، وسُننه، وأيامه»
...المشهورُ بين العامّة والخاصّة بِاسم: «صحيح الإمام البُخاريّ»-:
مِن أُناسٍ يَنتسِبون إلى إسلامِنا! ومِن أبناء جِلدِنا! ثم يزعُمون أنّهم مِن أهل السنّة! ويحملُ بعضٌ منهم ألقاباً! أو شهاداتٍ ذاتَ شأنٍ؛ فهي الطامّةُ الرامّةُ! والبلاءُ المُبين! والصَّنيعُ المستنكَرُ المَهين!!
وأيُّ طعنٍ هو؟!
...إنّه طعنٌ عقلانيٌّ سخيفٌ واهنٌ!
إنّه طعنٌ تافهٌ واهٍ! يَنقضُه العقلُ الصريح، المتوائمُ-طُرّاً-مع النقلِ الصحيح..
إنّه طعنٌ مبنيٌّ على محضِ التوهُّم البائس!
إنّه طعنٌ لم يَقُم على أيٍّ مِن أساسات العلوم الحديثيّة الراسخة-سنداً ومتناً-!
ومِن أسهلِ شيءٍ يكونُ-على أهل العلم-: قَلبُ جميعِ هذه الطُّعونِ على أربابِها-بِردِّ تلك الاعتراضات بأقوى حُجّة، ونقدِ هاتيك الانتقادات بأَبيَنِ دليل-..
وقد فعلوا-رحِم الله أمواتَهم، وحَفظ للأُمّة أحياءَهم-؛ صيانةً لهذا الكتاب العظيم، الذي«عَكَف الناسُ عليه، وساروا بسَيره؛ فلا يُحْصَى كم»شارِحٍ ومُختصِر له، ومُدافعٍ عنه، ومُدقّقٍ فيه، ومُعلِّقٍ عليه، ومُفهرِسٍ لنصوصه، ومُستخرِج عليه، ومُترجِمٍ لرواته، ومُبيِّن لكلماتِه-فضلاً عن آلاف مخطوطاتِه، ومئاتِ مطبوعاته-...
وقد كتَب الفاضلُ محمد عصام عَرَار الحسَنيّ-جزاه الله خيراً-قبل ثلُثِ قرنٍ مِن الزمان(1407هـ)-كتاباً مفيداً في هذا الشأن-، عنوانُه:
«إتحاف القاري بمعرفة جهود وأعمال العُلماء على(صحيح البُخاري) »: فَبلَغ عددُ ما ذكَره مِن هذا النوع مِن الكتب والتآليف قريباً مِن أربع مئة كتابٍ..
وكَتب الأستاذُ الدكتورُ محمد بن زين العابدين رستم-وفّقه الله-في هذا الموضوع-نفسِه-قريباً-حول الخِدمات العلميّة لـ«صحيح البُخاريّ»كتاباً ضخماً فريداً-في نحو ألف صفحةٍ-بعنوان:
«الجامع الصحيح-للإمام البُخاريّ-، وعِناية الأُمة الإسلاميّة به-شرقاً وغرباً-»
وإنّي على شِبه اليقين: أنّ ما طُبع مِن هذا النوع مِن التآليف-خِدمةً لهذا «الصحيح» الجليل المُبارَك-منذ ذلك الحينِ إلى هذا اليوم-قد يكونُ ضِعفَ هذا العددِ، أو أكثرَ-والله أعلمُ-.
فـ..ألا يستحي مِن نفسه؛ هذا الجريءُ على الباطل، المتكلِّمُ بغير علمِ، الطاعنُ في هذا الكتاب، أو أيٍّ مِن نصوصِه وأحاديثِه-قَلَّ أو كَثُر-وهو يعلمُ(!)-أو لا يعلمُ-عن هذه الجهود المُتراكمة عبرَ القرون-تمحيصاً، وتدقيقاً-؛ فضلاً عن أن يُكلِّفَ نفسَه مُراجعتَها! أو تقليبَ صفحاتٍ منها!؟
..فهل هكذا العلمُ؟!
ألم يَرَ هؤلاء-أو أولئك-ما رواه الخطيبُ البغداديُّ في«الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع»(1562)، والقاضي أبو يَعلى في«طبَقات الحنابلة»(1/276)-وغيرُهما-مِن قولِ الإمامِ البُخاريِّ-رحمه الله-عن نفسِه-:
«صَنَّفْتُ كِتَابِي(الصِّحَاح)بِسِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، خَرَّجْتُهُ مِنْ سِتِّ مِئَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ، وَجَعَلْتُهُ حُجَّةً فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللهِ-عَزَّ وَجَلَّ-».
وقد قال-رحمة الله عليه-أيضاً-:
«صنَفتُ كتابي(الْجَامِعَ)فِي الْـمَسْجِد الْحَرَام، وَمَا أدخلتُ فِيهِ حَدِيثاً حَتَّى استخرتُ اللهَ-تَعَالَى-، وَصلّيتُ رَكْعَتَيْنِ، وتيقَّنتُ صِحَّتَه».
مع التنبيهِ-لُزوماً-على أنّ عددَ أحاديثِ هذا«الصحيح»-المُبارَك-كلِّه-دون المُكرّرات-: (2761)، وبالمُكرّرات: (9082).
...فكان ماذا؟!
فذا زمنٌ كبيرٌ كثير على هذا الكَمِّ القليلِ اليسير!
فلا عجَبَ!
وما ذلك-كلُّه-كذلك-منه-؛ إلا لِمَا كان يَبذلُه-رحمه الله-مِن عميقِ النظَر، والتدقيق في مرويّاته التي ينتقيها، ويُمحّصُ في ظواهرها وخوافيها.

وأخيراً:
هذه نُبذةٌ..
ولو أردتُ التطويلَ والاستيعاب؛ لصار هذا المقالُ أضخمَ مِن كتاب!
فحياةُ هذا الإمامِ-الحَبر البَحر-حافلة، وجهودُه هائلة، وأعمالُه أقربُ إلى أن تكونَ كاملة..
...رحِم الله هذا الإمام الجليل، وجمعَنا، وإيّاكم، وإيّاه في جنّة الله-عزّ وجَلّ-، مع النبيِّين، والصِّدِّيقين، والشهداء، والصالحين... ﴿وحَسُن أُولِئك رفيقاً﴾..

وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالَمين.


وكَتَب
عليّ بن حسن الحلبيّ الأثريّ
-عفا الله عنه-
لأربعٍ مَضَين مِن شهر رمضانَ-1441هجرية
عمّان-الأُرْدُنّ


•┈┈┈┈•۩●۩•┈┈┈┈•

   طباعة 
0 صوت
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل

Powered by: MktbaGold 6.5