" هدي النبي صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان".

" هدي النبي صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان".
97 زائر
03-05-2020 07:03
علي بن حسن الحلبي
رسائل رمضانية.


رسالة رمضانية بعنوان:
" هدي النبي صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان".

لفضيلة الشيخ علي بن حسن الحلبي حفظه الله.

بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن واله، واتبع هداه إلى يوم نلقاه.
أما بعد.
فهذه أيام مباركة من أيام الله، إنها أيام شهر رمضان، شهر البر والإحسان، شهر الصبر والقرآن.
والكلام في شهر رمضان متشعب ذو نواحٍ شتى.
لو أننا أردنا استيعاب القول فيه لما وسعنا في ذلك مجالس كثيرة، بل كثيرة جداً.
فأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام في شهر رمضان ألفت فيها مؤلفات مفردة، ومما من كتاب من كُتب الحديث النبوي إلا وقد أُفرد فيه مصنفه كتاباً خاصاً فيه أحاديث الصيام، وهدي النبي صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان .
وبين يدي ذلك لا بد من ذكر آيات كريمة ًمن سورة البقرة، وهي الآيات التي تحدثت عن شيء من أحكام الصيام ، فالله تبارك وتعالى يقول:
(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)).سورة البقرة (183). هذا في النص الأول من سورة البقرة.
وفيما يليه من آيات يقول الله عز وجل:
(( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)) سورة البقرة)). سورة البقرة (185).
يلفت النظر في هذه الآيات ما ورد في ختامها، الآية الأولى فيها ((لعلكم تتقون))، والآيات الأخرى أخرها ((ولعلكم تشكرون))، وكل ذلك من توفيق الله وعظيم مننه ونعمه، فهو الذي يرزق التقوى وهو الذي يوفق للشكر سبحانه وتعالى، وهاتين الآيتين مجموعتين يذكراننا بقول الله تعالى: ((مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا)) سورة النساء (147)
فمن وفقه الله تعالى للتقوى حري به أن يؤدي حقها من الشكر قال تعالى ))وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)) سورة إبراهيم (7).
وهذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام هو الأسوة الكاملة، والقدوة الماثلة، وكيف لا يكون كذلك عليه صلوات الله وسلامه عليه والله سبحانه وتعالى يقول فيه : ((لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)) سورة الأحزاب (21)، ويقول الله تبارك وتعالى أيضًا في وصف هذا النبي عليه الصلاة والسلام : ((وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ)) سورة النجم (3-4).
وقد قال رسولنا عليه الصلاة والسلام عن نفسه كلمة كررها مرات ومرات، وكانت من أواخر كلماته الشريفات التي ذكرَ بها الصحابة ووعظهم فيها وحظهم وحثهم عليها ألا وهي قوله : (( وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم)) ، فبهداه نهتدي وبهديه نقتدي صلى الله عليه وسلم .
وكما قلنا سابقًا لا يمكن أن نحصي أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الواردة في شهر رمضان أو في صيامه أو في سائر أيامه وأحكامه، فذلك أمرٌ فوق القدرة والاستطاعة ، لكننا نتكلم عن نُبذٍ من هذا الهدي المحمدي وشذرات من هذا الإشراق النبوي:
أما أول ذلك أن نعرف روح الصيام وحقيقة الصيام في هذا الشهر الكريم.
روى الإمامان الجليلان البخاري ومسلم في صحيحهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشرة أمثالها إلا سبعمائة ضعف، قال الله عز وجل : إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه وشرابه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك.
هذه توطئة وتهيئة وتثبيتًا، ومن ثم يأتي البيان لروح الصيام وحقيقته.
ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام على أثر هذه الكلمات مباشرة؟
قال : ((والصيام جنة )).
أي وقاية وستر.
(( فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب)).
لا يرفث: لا يتكلم بالكلام السيء.
ولا يصخب: الضوضاء، والصخب والصوت العالي المزعج.
(( فإن سابه أحدا أو قاتله ، فليقل: إني امرؤ صائم)).
هذه روح الصيام وحقيقته أن يجاهد نفسه، ليس الصيام فقط صيامًا عن الطعام والشراب والشهوات بنوعيها شهوة البدن والفرج وإن كان هذا الامر مقصودًا مهمًا وعظيمًا من مقاصد الصيام ، لكن الأمر إنما يكون أيضًا من وراء ذلك في أن يكون صيامًا عن شهوة الغضب والانتقام والسخط والتذمر والتجبر وما شابه ذلك.
وفي صحيح الإمام البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)).
فهذا الحديث يتفق ويأتلف مع الحديث السابق ليبين لنا أن الطعام والشراب نعم من مقاصد الصيام، ومن المفطرات لكن أن لا تأكل ولا تشرب ثم تقول الزور وثم تعمل بالزور، ثم تكذب، ثم تفتري، ثم تقع في الغيبة والنميمة وسوء الظن، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه.
وفي سنن ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( رب قائم ليس له من قيامه إلا السهر، ورب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش)).
هذه الاحاديث التي تأتلف على هذا المعنى الرائق ، وعلى هذا التصور الشائق الذي يجب على القلوب أن تنعقد عليه، وأن تجتمع داعيةً إليه، تبين لنا حقيقة هذا الأمر، حقيقة هذا الصيام، حقيقة هذه الفريضة بمعناها البدني والأخلاقي والسلوكي والوجداني والتربوي، حتى يكون الصيام كما أراده الله لنا، وكما أرادنا له سواء بسواء.
وإذ كان ذلك كذلك فهدي النبي صلى الله عليه وسلم في يومه كان يصوم صلى الله عليه وسلم ، فشهر رمضان هو شهر الصوم ، قال تعالى: (( كتب عليك الصيام كما كتب على الذين من قبلكم )) ، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة : ((من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه)).
وقد جاءت الأحاديث في أبواب أخر تستثني الكبائر، فللكبائر ميزتها وخصوصيتها التي تختلف عن سائر الذنوب والمعاصي غفر الله لنا ولكم ولجميع المسلمين.
وننبه على زيادة في بعض الروايات للحديث السابق لا تثبت وهو ما ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم قوله: من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
الرسول عليه الصلاة والسلام كان يفطر إذا أنتهى يومه، وإن كان يواصل أحيانا، (( ويقول إني ابيت ويطعمني ربي ويسقيني، ويقول إني لست كهيئتكم)).
فالمواصلة في الصيام ليست سنة، بمعنى أنها ليست سنة تتبع، أما هي سنة فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنها خاصة به، وأذن النبي بالمواصلة إلى السحر لا غير، أما مواصلة اليومين والثلاثة كما كان يفعل عليه الصلاة والسلام فهذه خاصة به صلى الله عليه وسلم بنص الحديث.
كان الرسول صلى الله عليه وسلم كما روى الإمام أبو داوود والترمذي عن أنس كان إذا صام أفطر على رطبات قبل أن يصلي، يأكل الرطبات ثم يصلي، فإن لم يجد رطبات فعلى تمرات فإن لم يكن فيحسو حسوات من ماء، وهذا من باب تعجيل الفطر الذي حث وحظ عليه صلى الله عليه وسلم.
كثير من الناس وللأسف الشديد اليوم يأخذون هذا الحديث على غير وجهه، فيبدأون طعامهم وتمراتهم وموائدهم ومآدبهم قبل الصلاة، وإذا بنا ننظر الى الصلاة أوشك أن يذهب وقتها .
الفطر السُني: هو الفطر الذي يكون على رطبات أو تمرات أو حسوات من ماء ، ثم تذهب إلى الصلاة ، ثم إذا أردت أن تأكل ما شئت فلتأكل ولتفعل، مذكرين بقول النبي صلى الله عليه وسلم: بحسب ابن آدم لقيمان يقمنا بها صلبه، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ما ملأ ابن آدم وعاء شر من بطنه.
ومن هديه صلى الله عليه وسلم في رمضان قيام الليل، وقيام الليل في رمضان، التراويح ، التهجد، كلها أسماء متعددة لمسمى واحد، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه ، إيماناً بهذا العمل على اعتبار أنه أمر من أوامر الله، واحتسابًا لأجره عند الله تبارك وتعالى .
وفي الصحيحين من حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام في رمضان بإحدى عشر ركعة لا يزيد عليها ولا ينقص لا في رمضان ولا في غير رمضان كما في بعض الروايات، فخير الهدي هدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم .
وأيضاً كان من هديه صلى الله عليه وسلم قيام ليلة القدر ، أولاً صيام رمضان كله، ثم قيام العشر الأواخر، ثم قيام ليلة القدر كما في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه.
إيماناً بهذا العمل على اعتبار أنه أمر من أوامر الله، واحتسابًا لأجره عند الله تبارك وتعالى .
هذا الشهر شهر القرآن، قال تعالى : ((شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، ليلة القدر خير من ألف شهر)) ، لأنها الليلة التي تنزل فيها القران الكريم.
في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس مطلقاً لأنه صاحب الجود والعطاء ، وكان أجود ما يكون في رمضان ، هذا جود متفاوت في الفضل لا في أنه مفضول، في أنه فاضل وأفضل ، وكان أجود ما يكون في رمضان حينما يلقاه جبريل عليه السلام فيدارسه القران، وكان جبريل يلقاه كل ليلة من ليالي رمضان فيدارسه القران، وهذا هو اللائق بهذا الشهر الكريم ونفحاته العظيمة وبركاته الرائعة والرائقة، وهذا يلتقي تمامًا مع معنى العطاء والجود والصدقة.
فالرسول صلى الله عليه وسلم صاحب الجود عمومًا وصاحب الجود في رمضان خصوصًا، والجود من العطاء، ومن أجل العطاء الصدقة، فهذا حث للمسلمين على أن يؤدوا الصدقة على وجهها كما حظهم وحثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ومن هديه صلى الله عليه وسلم في رمضان الدعاء، والدعاء محضوض عليه في طيلة أيام السنة كما قال ربنا سبحانه وتعالى: ((وقال ربكم ادعوني استجب لكم)) ، لكن جاءت خصوصية بالنسبة للصيام ولشهر رمضان، ففي سنن البيهقي عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( ثلاث دعوات لا ترد: دعوة الوالد ودعوة الصائم، ودعوة المسافر))، فأنت ما دمت صائمًا فدعوتك أن شاء الله لا ترد، فأقبل على الدعاء واجعله قبلة قلبك وعظم به ربك، واجعله أُنسك حتى تنال هذا الأجر والمثوبة من الله بإتباعك للنبي صلى الله عليه وسلم وهو سبحانه المتفضل بالمن والعطاء والكرم والاستجابة .
وفي سنن ابن ماجه وهو حديث حسن اختلف فيه بعض أهل العلم لكن الراجح من ذلك أنه حديث حسن ، عن عبد الله ابن عمر ابن العاص قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن للصائم عند فطره لدعوة لا ترد ، وهذه خصوصية تختلف عن ذاك، بينما الحديث الأول جاء في بيان عموم الدعوة المستجابة وهنا جاء تخصيص في أنه عند فطره تكون الدعوة، وعند فطره من باب الفائدة الفقهية قد تكون قبل، قد تكون بعد، قد تكون مع، الأمر في ذلك واسع.
وكان من هديه صلى الله عليه وسلم إذا أفطر كما في حديث ابن عمر في سنن ابن داوود كان يقول: (( ذهب الظمأ ، وابتلت العروق ، وثبت الأجر ان شاء الله))، هذه الرواية الصحيحة والواردة عنه صلى الله عليه وسلم ، أما رواية اللهم لك صمت ، وعلى رزقك افطرت ، هذه الرواية أرجح الأقوال فيها أنها لا تصح و لا تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن السنة إذا دعيت عند أحد وفطرك في يوم رمضان خصوصاً أو أطعمك في أي يوم عموماً أن تقول: (( أكل طعامكم الأبرار، وافطر عندكم الصائمون، وصلت عليكم الملائكة)).
وهذا من باب الشكر منك للداعي لك لأن تفطر عنده، الرسول صلى الله عليه وسلم كما في سنن البيهقي من حديث زيد ابن خالد قال : من فطر صائماً فله مثل أجره.
ومن هديه صلى الله عليه وسلم العمرة في رمضان، ففي صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنه أن رسول صلى الله عليه وسلم قال : عمرة في رمضان تعدل حجة، وفي رواية تعدل حجة معي ، هذه الرواية في الصحيحين ، أما التي في البخاري من حديث عائشة فهو الحديث الذي يدل على الاعتكاف، فالرسول عليه الصلاة والسلام كما في حديث عائشة في الصحيحين كان يعتكف في كل رمضان عشرة أيام ، قالت : فلما كان العام الذي قبض فيه صلى الله عليه وسلم اعتكف عشرين يوماً.
وهنا فائدة تبين فضيلة الاعتكاف والقيام والعمرة في المسجد الحرام على غيره من المساجد كما في صحيح الإمام ابن حبان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه كان في الرباط ، يعني كان مرابطاً في الجهاد ، ففزعوا ، أصابهم باعتبارهم مرابطين ومجاهدين أصابهم ما يفزعهم من تحركات لبعض العدو أو ما اشبه فخرجوا إلى الساحل ، ابتعدوا قليلاً عن موضع الرباط ثم قيل : لا بأس ، يعني ذهب البأس وذهب ما افزعكم ، فانصرف الناس وأبو هريرة واقف ، فمر به إنسان وقال له : ما يوقفك يا أبا هريرة ؟ ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : موقف ساعة في سبيل الله خير من قيام ليلة القدر عند الحجر الأسود.
فهذه فضيلة قل من ينبه عليها أو يتنبه لها في مزية فضيلة القيام والاعتكاف والعمرة وغير ذلك من الأعمال في العشر الأواخر عموماً وفي ليلة القدر خصوصاً في المسجد الحرام.
وهذا كله كان من مزيد اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر ، ففي صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره ، لذلك جاء ذكر ليلة القدر والعشر الأواخر ، وكان إذا دخل العشر الأواخر أحيا ليله وأيقظ أهله وشد مئزره صلى الله عليه وسلم ، وكل ذلك لأن هذه الايام أيام مباركة إذا فاتتك فقد لا تدركها ، فكان الحظ والحث عليها والتركيز عليها ، لتعلم يا مسلم، يا عبد الله أن هذه الأسوة الكاملة والقدوة الماثلة محمد صلى الله عليه وسلم هو الذي قال عن نفسه : أنا اعلمكم بالله واتقاكم لله، فلا تبتدع في الدين وتظن انك ستفوق هدي خير المرسلين عليه الصلاة والسلام .
وهذه الاعمال كلها تورث في النفس معاني الصبر ومعاني الصبر تورث في النفس معاني الجهاد وهما أمران مترابطان ، ففي سنن النسائي من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن سمى شهر رمضان شهر الصبر، والله تعالى يقول : (( يا آيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون )).
قال الإمام الطبري في تفسيره : اصبروا على الجهاد وصابروا عدوكم ورابطوهم ، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول: من صام يوماً في سبيل الله باعد الله بينه وبين النار سبعين خريفاً.
إذا جاء الصوم أثناء الجهاد فهو الصبر المضاعف والمصابرة ، اصبروا وصابروا، وكما يقول أهل اللغة: كل زيادة في المبنى زيادة في المعنى.
وأخرج الإمام الطبري في تفسيره عن الحسن البصري رحمه الله في تفسير الآية أنه قال: اصبروا على طاعة الله، وصابروا اعداء الله في الجهاد، ورابطوا في سبيل الله .
رمضان شهر الصبر ومن أعظم الصبر كما في عموم الاية الجهاد في سبيل الله ، لذلك نقول الجهاد درجات :
1- جهاد الهوى .
2- جهاد الشيطان .
3- جهاد العلم والدعوة .
4- جهاد الأعداء .
وكان من أعظم فتوحات الاسلام ومعاركه العظام وغزواته الكبار فتح مكة، وغزوة بدر الكبرى، هذه وقعت في شهر رمضان والمسلمون صائمون ومتلبسون في عبادة ليحققوا فيها ركناً من أركان هذا الدين، لم يمنعهم الصيام من أن يؤدوا هذا الجهاد، لأن الصيام نفسه جهاد، قال تعالى: ((والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: المجاهد من جاهد هواه في ذات الله، أن تجاهد هواك هذه أول درجات الجهاد الحق ، أما أن تطالب بالجهاد وأنت لم تجاهد نفسك التي بين جنبيك ، لم تستطع أن تقيم السنة في نفسك، ولم تقدر أن تردع البدعة عن عملك ، فأي جهاد هذا، أعظم الجهاد جهاد نفسك، المجاهد من جاهد هواه في ذات الله، فإذا استطعت أن تجاهد النفس تستطيع أن تقوم بدرجات الجهاد كلها ، تستطيع أن تقوم بجهاد الشيطان ، وتستطيع أن تقوم بجهاد العلم والدعوة ، وتستطيع أن تقوم بجهاد الأعداء ، وعندما نتكلم عن جهاد الأعداء لا نتكلم عن عاطفة عاصفة وعن حماسات جارفة هي نزوات الشباب أو حركات بعض الأفكار التي ذهب بها الشيطان ولو بلبوس الشرع ذات الشمال وذات اليمين ، نتكلم عن الجهاد الشرعي المنضبط بأصوله وقواعده وأركانه وأسسه حتى نكون كما أرادنا الله وحتى نكون متبعين حقاً وصدقاً سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
هذه أيها الأخوة في الله مجمل وجيز جداً من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان.
هذه هي السنة فاتبعوها وامتثلوها وادعوا إليها، واجتمعوا عليها ، وإياكم ومحدثات الامور ، فإن كثير من الناس يتكلمون بجهل وينطقون بغير علم ، ويفعلون ما يفعلون إرضاء للعامة والدهماء والعادات والتقاليد وما ورثوه عن الأباء والأجداد بعيداً عن إدراك السنة واتباعها ، ففي الصحيحين من حديث السيدة عائشة رضي الله عنها الطاهرة المطهرة أم المؤمنين تقول ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ، أي مردود على صاحبه ولا يقبل منه.
أنظر يا عبد الله ، أنظر يا امة الله ، أنظر ايها الأخ المؤمن ، انظر أيتها الأخت المؤمنة ، أنظروا السنة فاتبعوها وأنظروا البدعة واجتنبوها ، وهكذا تكونون على وفق السنة وأنتم من أهل السنة حتى يوافق الخبر الخبر، لا أن تقولوا نحن من أهل السنة وإذا بنا أول ما نخالف السنة ونخالف سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام ، هذا يصح أن يقال في صاحبه ما قاله الشاعر قديماً :
والدعاوى ما لم تقيموا عليها بينات أبناءها أدعياء .
اسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يوفقنا وإياكم للعلم النافع والعمل الصالح، وأن يرزقنا التقوى والشكر والفلاح ، وما ذلك على الله بعزيز.
   طباعة 
0 صوت
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل

Powered by: MktbaGold 6.5