كلمةُ إحسان في(المواقيت)، و(الأذان):*

كلمةُ إحسان في(المواقيت)، و(الأذان):*
178 زائر
09-06-2020 04:10
عليّ بن حسَن الحلبيّ الأثَريّ
كلمةُ إحسان في(المواقيت)، و(الأذان):*

...كثرُت الأقوال، وتنوَّعَ القيلُ والقال-منذ أزمان، وعظُم في هذه الأيام-حول قضية مواقيت الصلوات الخمس-أذاناً وإقامةً-مِن حيث صحّةُ ذلك، أو خطؤه-!

وقد كتَب بعضُ الباحثين-جزاه الله خيراً-رسالةً بعنوان«معجم ما أُلّف عن الأذان»، فبلَغ عددُ ذلكم أكثرَ من مئة وخمسين كتاباً-بين صغير وكبير-في مواضيعَ متعدّدة حولَ الأذان الشرعيّ-ممّا يدلُّ على أهمّية هذا الموضوع، ومكانته في الفقه الإسلامي-.

وحتى في أنساب العلماء-عبرَ القُرون-: تجدُ مَن نسبتُه: (المواقيتيّ)، و(الميقاتيّ)، و(الموقّت)-نسبةً إلى مواقيت العبادات الشرعية، وأهمّيتها، والتخصّص فيها-..

والذي أُريدُ أن أُنبّه عليه-في هذه الكلمةِ الوجيزة-: التعليقُ على حديثٍ نبويٍّ هو مِن أهمّ الأصول الفقهية في هذا الباب.
وذلك لأمرينِ اثنينِ مهمّينِ:

الأول-تذكيرُ الجهات الرسمية المسؤولة عن الأذان وما يتصلُ به-في كلّ بلدٍ فيه مسلمون-بعظمة هذا الأمر، وجليل شـأنه، وكبير خطره وأثره.

وأنّ الواجبَ عليهم الحرصُ الشديد على تحرّي ذلك، وضبطه، والتحقُّق منه؛ بما يكونُ فيه تمامُ المحافظةِ على عبادات أهل الإسلام في المجتمعات التي أُنيطت بهم.

فعباداتُ ملايين المسلمين-في بلادهم-في أعناق هؤلاء المسؤولين-وأهمُّها: الصلاة والصيام-؛ إمّا ثواباً كريماً-وهو المرجوُّ-إن شاء الله-، وإمّا إثماً مُبيناً-عافانا الله وإيّاكم وعمومَ المسلمين-.

وقد أكّد بعضُ العلماء على أهمّية ضبط المواقيت، والأثر السلبيّ للخلَل الواقع فيها-قديماً-؛ كما قال الإمام محمد بن إدريسَ الشافعيّ-تغمّده الله برحمته-في كتابه«الأُمّ»(1/ 186):

(..فَإِذَا أَخَّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا، أَوْ لَمْ يَأْتُوا فِيهَا بِمَا تَكُونُ بِهِ مُجْزِئَةً عَنْ الْمُصَلِّي؛ فَهَذَا مِنْ عَظِيمِ مَعَاصِي الله-الَّذِي أَمَرَ الله-عَزَّ وَجَلَّ-أَنْ تُرَدَّ إلَى الله وَالرَّسُولِ-صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-...)-...إلى آخر كلامه-رحمه الله-.

ونبّه على بعض ذلك: الحافظُ ابنُ حجَر العسقلانيّ الشافعيّ-رحمه الله-في موسوعته المبارَكة«فتح الباري شرح(صحيح البُخاري)»(4/199)-بقوله-:

(تَنْبِيهٌ:
مِنَ الْبِدَعِ الْـمُنْكَرَةِ: مَا أُحْدِثَ-فِي هَذَا الزَّمَانِ-مِنْ إِيقَاعِ الْأَذَانِ الثَّانِي قَبْلَ الْفَجْرِ بِنَحْوِ ثُلُثِ سَاعَةٍ-فِي رَمَضَانَ-، وَإِطْفَاءِ الْـمَصَابِيحِ الَّتِي جُعِلَتْ عَلَامَةً لِتَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ عَلَى مَنْ يُرِيدُ الصِّيَامَ! زَعْمًا-مِمَّنْ أَحْدَثَهُ-: أَنَّهُ لِلِاحْتِيَاطِ فِي الْعِبَادَةِ!
وَلَا يَعْلَمُ بِذَلِكَ إِلَّا آحَادُ النَّاسِ!
وَقَدْ جَرَّهُمْ ذَلِكَ إِلَى أَنْ صَارُوا لَا يُؤَذِّنُونَ إِلَّا بَعْدَ الْغُرُوبِ بِدَرَجَةٍ! ‌لِتَمْكِينِ ‌الْوَقْتِ-زَعَمُوا-؛ فَأَخَّرُوا الْفِطْرَ، وَعَجَّلُوا السُّحُورَ؛ وَخَالَفُوا السُّنَّةَ!
فَلِذَلِكَ؛ قَلَّ عَنْهُمُ الْخَيْر، وَكثُر فِيهِمُ الشَّرُّ-واللهُ الْـمُسْتَعَانُ-).

..وهو-منهما-رحمةُ الله عليهما-كلامُ العالِـم الخبير..صيحةَ نذير، ونداءَ تحذير.

* الثاني-تنبيهُ عامّة المسلمين: على أنّ أمرَ الأذان والمواقيت ليس لهم! ولا هو مِن شأنهم!

وأنّ الواجبَ عليهم عدمُ الافتئات على وليّ الأمر-أو تجاوزِه-في ذلك؛ فهو المسؤولُ أمامَ الله—تعالى-عن ذلك-كلِّه-كثيرِه وقليلِه-.

وأنّ مخالفتَهم في ذلك خروجٌ عن الأصل الشرعيّ والواقع الرسميّ؛ الذي هو بابٌ للتشويش! وسبيلٌ لإثارة الخلاف والاختلاف؛ الذي قد يَؤُولُ إلى تربُّص أُناسٍ مِن أهل الإسلام بعضِهم بعضاً-!

وهو شأنٌ لا يُرتضى-قَطُّ-.

ولم أتجاوزْ في هذه الكتابةِ اليسيرةِ نَصَّ الحديث النبويّ الشريف، ونقلَ كلام عددٍ من العلماء والأئمة مِن شرّاح الحديث، وفقهاء الملّة-وعلى وجه الاختصار-؛ فأقولُ:

روى الإمام أحمد في «المسند»(٨٩٠٩)-وغيرُه-بسند صحيح-عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ-رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:

«الْـمُؤَذِّنُ ‌مُؤْتَمَنٌ، وَالْإِمَامُ ضَامِنٌ؛ اللهُمَّ، أَرْشِدِ الْأَئِمَّةَ، وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ».

وفي الباب عن عددٍ من الصحابة-رضي الله عنهم-.

قال ابن الأثير في«النهاية»(1/71): (مُؤْتَمَنُ الْقَوْمِ: الَّذِي يَثِقون إِلَيْهِ، ويَتَّخِذُونه أمِيناً حَافِظًا.
يُقال: اؤْتُمِنَ الرجُل؛ فَهُوَ مُؤْتَمَنٌ.
يَعْنِي: أَنَّ المؤذِّن أَمِين النَّاسِ عَلَى صَلاتهم وصِيَامهم).

وقال-أيضاً-في«الشافي شرح(مسند الشافعي)»(1/448) :
(وإنّما كان المؤذّن أمينًا للمسلمين على صلاتهم؛ لأنهم بأذانه يصلّون، فهم يتّبعونه، ويعتمدون على شهادته وأذانه، فهو يُعينُهم على وقت صلاتهم.
والذي ذهب إليه الشافعيُّ: أن المؤذّن ينبغي أن يكون عدلًا، ثقةً، عارفاً بأوقات الصلاة).

وعلّل ابنُ الرِّفعة الشافعيّ في كتابه«كفاية النبيه»(2/399)وصفَ المؤذّن بالأمانة: (للاعتمادِ عليه في المواقيت).

وقال ابنُ رسلان الشافعي في«شرح سنن أبي داود»(3/460)-شارحاً-:
(..أمينٌ في مُراعاة أوقات الصلوات؛ لأنّ الناس يصلّون بأذانه، ويعتمدون عليه في أذانه، ويُفطرون بأذانه.
وإنّما قال-صلى الله عليه وسلم-هذا؛ ليعلم... المؤذنون[أنّهم]يجتهدون في محافظة الأوقات؛ لئلّا يُبطِلوا صلاةَ الذين اعتمدوا عليهم-وصومَهم-بالأذان في غير وقته).

وقال ابنُ المَلَك الرومي في«شرح(مصابيح السنّة)»(1/405)-شارحاً الدعاء النبويّ: «واغفر اللهمّ للمؤذنين»-:

(أي: ما عسى يكونُ منهم فيه تفريطٌ في الأمانة التي حمَلوها مِن جهة تقديم الأذان على الوقت، أو تأخيره-سهوًا-).

قلتُ:
وإنّما قال: (سهواً)؛ لأنّ تعمُّد ذلك-بما قد يؤدّي إلى إفساد عبادات المسلمين، المعتمِدة على الأذان!-كالصلاة والصيام-: أمرٌ غيرُ متصوَّر وقوعُه مِن مسلمٍ-أيِّ مسلمٍ-في العادة-.
...فكيف إذا كان ذلك موكولاً إلى جهات مختصّة، ولِجان متخصّصة، وهيئات ذات شأن؟!

واللهُ يهدي إلى الحقّ بإذنه.

وهو-وحدَه-سبحانه-وليُّ التوفيق.


الثلاثاء : 17 شوال 1441هــ
الموافق : 09 يونيو 2020 مــ

   طباعة 
0 صوت
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل

Powered by: MktbaGold 6.5