مسألة(التباعُد في صفوف الصلاة)-جماعةً-في المسجد-:

مسألة(التباعُد في صفوف الصلاة)-جماعةً-في المسجد-:
131 زائر
18-08-2020 03:54
عليّ بن حسَن الحلبيّ الأثَريّ
مسألة(التباعُد في صفوف الصلاة)-جماعةً-في المسجد-:

وهي مسألةٌ واقعيةٌ-مهمّةٌ-تكلّمتُ عنها في أكثرَ مِن تغريدةٍ سابقة، بما خلاصتُه:
أنّ ما يُعانيه العالَمُ-أجمعُ-اليومَ-ومنه: بلدُنا الأردنّي المبارَك-مِن انتشار وباء(الكورونا)، وآثارِه الصعبة على الدولة، والفرْد، والمجتمع-: كان سبَباً في قيام الجهات الرسمية-مشكورةً مأجورةً-إن شاء الله-بكثيرٍ مِن الجهود الدائبة، والمحاولات الحاسِمة لمحاصَرة الوباء، والتضييقِ عليه؛ حتى وصل الأمرُ-كما هو معلومٌ للجميع-إلى فرض أوامرَ دفاعٍ عسكرية، وانتشار القوات المسلّحة في أنحاء البلاد، حتى..الحظر العامّ الشامل، وإغلاق المساجد، وتوقيف صلوات الجمُعة-العامّة-..
..إلى أنْ فرّج الله-تعالى-وله الحمدُ والـمِنّة-فخفّت أعراضُ الوباء، وأُلغي الحظرُ الشامل، وفُتحت المساجد-وما إلى ذلك ممّا هو مِن فضل المولى-سبحانه وتعالى-وحدَه-..
وقد وَضَعتِ الجهاتُ الرسميّةُ-باختصاصاتِها كافّةً-الصحّية والدينيّة والإدارية-شروطاً مُتعدّدةً لهذا الإلغاء، ولفتح المساجد، وإقامة الجُمَع والجماعات، ولعودة الحياة الاجتماعيّة العامّة إلى صورتها الطبيعية؛ منها-ممّا يتعلّقُ بما نحن فيه-بل أهمُّها، وهو موضوعُ مقالي-: الإلزامُ بـ(التباعُد في صفوف الصلاة)-جماعةً-في المساجد-!
وأُضيفُ-الآنَ-:
ومِن أجلِ الـمُحافظة على الوضع الصحّي الاجتماعي الإيجابيِّ الملائم: شدّدت الجهاتُ الرسميةُ المختصّةُ-هذه الأيّامَ-الرَّقابةَ-أكثرَ وأكثرَ-على موضوع(الإلزام بالتباعد)؛ بل نبّهَتْ أئمّةَ المساجد-مُحذّرَةً-مِن أن تتّخذَ إجراءاتٍ شديدةً بحقّ المخالِف لهذا الإلزام-أَعني: من الأئمّة-.
فهذا الفِعلُ-(التباعُد في صفوف الصلاة)-ابتداءً-إذَن-: هو أمرُ اضطِرار، لا أمرُ اختيار.
ومِن ناحيةٍ فقهيّةٍ محضةٍ؛ فإنّ حُكمَ(التراصّ في صفوف الصلاة)ما قاله الإمام أبو العبّاس القُرطُبي في"المفهِم"-شرح"صحيح مسلم"-: (هو مِن سُنن الصلاة-بلا خلافٍ-).
ويُوضّحُه:
قولُ الحافظِ زَينِ الدين العِراقيّ في"طَرح التثريب": (مستحبٌّ..وهذا مذهبُ جمهور العلماء مِن السلَف والخلَف، وهو قولُ الأئمّة الأربعة، وذهَب ابنُ حزم الظاهريّ إلى وجوبِه).
قلتُ:
وهو-كذلك-قولُ عدَدٍ مِن مُحقّقي أهل العلم-قديماً وحديثاً-؛ كالبُخاريّ في"صحيحِه"، وهو ظاهرُ كلامِ ابنِ تيميّةَ، وابنِ حجَرٍ العسقلانيّ، والصَّنْعانيّ، وابنِ عُثيمين، والألبانيّ-رحمهم الله-أجمعين-.
وهو ما يَنشرحُ له صَدْرُ كاتبِ هذه السُّطورِ-عفا الله عنه، وغفَر له-.
وإنْ كان حُكمُ(مسألة التراصّ)-هنا-ليس مِن أُسس بحثِنا-هذا-؛ لأنّ الإلزامَ بـ(التباعُد)-كما قلنا-أمرُ اضطِرار، لا أمرُ اختيار.
لكنْ؛ تقريرُ النظَرِ الفِقهيّ، ومعرفةُ الخِلاف بينَ العُلماء مُهِمٌّ-غايةً-في البحث العلميّ، وفُروعه.
ومعَ ذلك؛ فها هو ذا شيخُ الإسلام ابنُ تيميّة-وهو يبحثُ حُكمَ(مسألة الصلاة خلفَ الصفّ)-وبعضِ تفريعاتِه-يُقرّر-كما في"مجموع الفتاوى"-: (أنّ الواجباتِ تَسقُطُ للحاجة).
ثمّ يُفرِّعُ-رحمه الله-البحثَ والبيانَ، إلى أن قال:
(فليست الـمُصافّةُ أوجبَ مِن غيرها؛ فإذا سقُط غيرُها-للعُذْر-في الجماعة-؛ فهي أَولى بالسقوط.
ومِن الأُصول الكلّية: أنَّ المعجوزَ عنه-في الشرعِ-ساقطُ الوجوب، وأنَّ المضطَرَّ إليه-بلا معصيةٍ-غيرُ محظورٍ؛ فلم يُوجِبِ الله ما يَعْجَز عنه العبدُ، ولم يُـحَرِّم ما يَضطرُّ إليه العبدُ).
وقال-رحمه الله-في موضعٍ آخَرَ-":
(وَإِذَا كَانَ الْقِيَامُ، وَالْقِرَاءَةُ، وَإِتْمَامُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَالطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ-وَغَيْرُ ذَلِكَ-يَسْقُطُ بِالْعَجْزِ؛ فَكَذَلِكَ: الِاصْطِفَافُ، وَتَرْكُ التَّقَدُّمِ.
وَطَرْدُ هَذَا: بَقِيَّةُ مَسَائِلِ الصُّفُوفِ..).
قلتُ: ومِن المسلَّماتِ الأُصوليّة الفقهيّة بين العلماءِ: (الحاجاتُ تُنَزَّل ‌منزلةَ ‌الضروراتِ).
فما نراه في بعض المساجد-مِن بعض الشباب المسلم الحريص على تطبيق السنّة-جزاهم الله خيراً-مِن التلبُّس(!)بما يُخالف الإلزامَ الرسميّ بـ(التباعد)ليس حسناً-بالمَرّةِ-لوجوهٍ-:
الأول-الغفلةُ-أو التغافل!-عن أنّ هذا الحُكم اضطراريّ، وليس اختيارياً!
الثاني-أنّ فيه نوعاً مِن التشويه لصورة أَتْباع السنّة، واتِّباعها-أمامَ العامّة، وبعض الخاصّة-بما يُخالفون فيه جماهيرَ الناس-بغير حقّ-.
الثالث: أنّه قد يُسبّب حرَجاً لإمام المسجد، ويُوقعُه تحت طائلة المسؤوليّة والمساءلة-وقد حصَل-!
الرابع: أنّه قد يكونُ في مثلِ هذه المخالفةِ لإلزام رسميّ-حازم-نوعٌ مِن مخالَفة وليّ الأمر.
وهو ما لا يُرتضى تَديُّناً واعتقاداً.
ولا يُقال-هنا-: (لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصية الخالق!)؛ لتعلُّق الحكم بالضرورة، و(للضرورة أحكامٌ).
الخامس: أنّه قد يؤدّي إلى إغلاقِ المسجد-إذا ظهَرت حالةُ/حالاتُ=وباء-لا قَدّر اللهُ-، أو كثُرَ شأْنُ مخالَفاتِ الإلزام بـ(التباعُد)-في مسجدٍ-ما-أو مساجدَ-بصورةٍ تسترعي الأنظارَ، وتدفعُ إلى الشكاوي والاعتراضات-وكُلٌّ موجودٌ-.
..وقد بلَغني أنّ بعضَ الحريصين على أداء الصلوات-جماعةً-في المساجد-جزاهم الله خيراً-: تَرَكَ ذلك مِن أجل موضوع(التباعُد)-هذا-!
وبلَغني-أيضاً-أنّ آخَرَ قال-وفقه الله-: (إغلاق المسجد خيرٌ مِن التفريق بين المصلّين)!
وكِلا هذين-قولاً وفعلاً-مخطئان، وبيانُ ذلك-باختصار شديد-:
1-لم يقُل أحدٌ من العلماء-قَطُّ-أنّ(التراصّ في صفوف صلاةِ الجماعة)شرطٌ! أو رُكنٌ! بمعنى: أنّ ترْكَه مُبْطِلٌ للصلاة!
وغايةُ ما قيل في حُكمِه: ما تقدّم شرحُه-بين الاستحباب-وهو قولُ الجمهور-، والإيجاب-وهو قولُ بعضٍ من أهل العلم-!
2-تَرْكُ(جماعة المسجد)-فيما نحن فيه-ليس مِن الاضطرار في شيءٍ، بينما(تَرْكُ التراصّ)اضطرارٌ؛ فكيف نترك ما نحن غيرُ مضطرّين عليه، مِن أجل ما نحن مضطرّين إليه؟!
والعكسُ هو الأصلُ!!
3-قال علماؤنا: (لَيْسَ الْعَاقِلُ الَّذِي يَعْلَمُ الْخَيْرَ مِنْ الشَّرِّ؛ وَإِنَّمَا الْعَاقِلُ: الَّذِي يَعْلَمُ خَيْرَ الْخَيْرَيْنِ، وَشَرَّ الشَّرَّيْنِ).
ومنه: قولُ الشاعر الحكيم:
إنَّ اللَّبِيبَ إذَا بَدَا مِنْ جِسْمِهِ**مَرَضَانِ مُخْتَلِفَانِ دَاوَى الْأَخْطَرَا
...نعم؛ نُقدِّرُ للسنّة الشريفةِ المطهَّرة عاليَ مكانتِها، ورفيعَ منزلتِها، ولأَتْباعِها ومُتَّبِعيها حِرصَهم ورَغبتَهم، ولكنْ{قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا}، و"كلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيّتِه"..
4-كنتُ قد كتبتُ-قبل نحو شهرين-جواباً على رفض بعض هؤلاء المصلين-وفقهم الله- الإلزامَ بـ(التباعد في صلوات الجماعة)بشُبهة: أنّ الأسواق(!)ليس فيها تباعد!
فممّا قلتُه-يومَئذٍ-وأُكرّرُه-الآنَ-:
سُبحان الله! وهل يُقاس الصوابُ على الغلَط؟!
وهل وَضْعُ الأسواق-مِن حيثُ الواقعُ! أو الحُكمُ-يُشبه وضعَ المساجد؟!
بمعنى: أنّ مَن تصادفُه في الأسواق مرةً في الأسبوع! أو مرةّ في الشهر-أو مرّتين!-، هل هو كحال مَن تصادفُه-في اليوم والليلة-خمسَ مرات؟!
وحُكماً: يكفينا قولُ نبيِّنا الكريم-صلى الله عليه وسلّم-فيما صَحّ عنه-: "خيرُ البقاعِ المساجدُ، وشرُّ البقاعِ الأسواق".
..ولا أَزيدُ.

فـ..اللهمّ فقِّهنا في دينِنا، وألِّف بين قلوبِنا، وتقبّلْنا، وتقبّلْ منّا، وارزُقنا حُسْنَ اتِّباع سنّةِ نبيِّك-صلوات الله وسلامه عليه-.
وأَذهِب-اللهمّ-عنّا، وعن المسلمين-أجمعين-البلاء، والوباء، وكُلَّ داء-بمنِّك وكرَمِك-يا ربَّ العالَمين-.


الثُّلاثاء 18 أغسطس 2020 ميلادى - 28 ذو الحجة 1441 هجرى
   طباعة 
0 صوت
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل

Powered by: MktbaGold 6.5