اقتضاء العلم العمل

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله

أما بعد فإن أصدق الحديث كلام الله تعالى وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وبعد فهذا لقاء بالخير يتجدد أيها الإخوة في الله لقاء فيه المذاكرة بالعلم والتذكير به لقاء يجدد في القلوب حيويتها بما فيه من أي الله وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قدر ما نستطيع ووفق ما ووفق ما يهدينا إليه ربنا جل في علاه وعظم في عالي سماه إن موضوع العلم موضوع متعدد الجوانب ومتنوع الأنحاء ذلكم أن الحياة كلها لا تقوم إلا على العلم سواء ما كان منها من حياة الدين أو حياة الدنيا فإن العلم هو المحرك لذلك كله ولا يستطيع أهل الدنيا أن يقوموا بما يقومون به من غير علم وكذلك لا يستطيع أهل الدين أن يقوموا بما كلفهم إياه رب العالمين إلا بالعلم لأن العلم كالأساس للبناء لا يقوم للبناء مقام ولا يتم له قيام إلا بالعلم ولكن هذا العلم له جذوره كما له ثمراته جذوره أن يكون مبنيا على قال الله قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يكون مبنيا على الوحيين الشريفين الذين أوتيهما نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم جذوره مبنية على الهداية التي يسأل العبد ربه إياها آناء الليل وأطراف النهار بصورة لا تتم له صلاة دونها بسورة سرها وجهرها هو طلب الهداية وذلك في قولنا اهدنا الصراط المستقيم فهذه الهداية لا تتم لصاحبها إلا بطاعة النبي صلى الله عليه وسلم الذي طاعته طاعة لله (ومن يطع الرسول فقد أطاع الله) طاعته هي مفتاح الهداية (وإن تطيعوه تهتدوا) لكن هذه الطاعة لا تكون طاعة حقة من غير علم فإن العلم هو المطلوب الأول لكل عمل وقبل كل عمل وبه بوب الإمام البخاري في صحيحه بقوله باب العلم قبل القول والعمل ثم ذكر قوله تبارك وتعالى فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك ولكن هذا العلم وهذه الطاعة يجب أن يكون مقرونا بطريقة إيمان علمية مستقيمة وهي طريقة إيمان الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين الصحابة الذين شهدوا الوحي وعايشوا التنزيل الجليل وعرفوا أحكام الله على مراد الله وآمنوا بهدي رسلو الله صلى الله عليه وسلم على مراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكانوا أصدق الناس قلوبا وأبرهم أفئدة وأنقاهم عقولا وأصدقهم رجاء رضي الله تعالى عنهم أجمعين كما قال الله تبارك وتعالى ممتنا على الأمة بعد الصحابة أن يكونوا مثلهم وأن يكون إيمانهم كإيمانهم وأن يكون تصورهم كتصورهم (فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا ) فإذا بسلسلة الهداية تبتدأ من الفاتحة لتصل إلى طاعة الله الموصلة إلى اتباع النبي صلى الله عليه وسلم المرتبطة بالإيمان الأتم الأكمل الذي هو كإيمان الصحابة بل الذي لا يمكن له أن يكون إلا كإيمان الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين وفي ذلك يقول الله تبارك وتعالى (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) فأي سبيل للمؤمنين الأولين هذا إن لم يكن هو سبيل الصحابة الأكرمين رضي الله تعالى عنهم الذين هاجروا مع النبي صلى الله عليه وسلم وآووه ونصروه وبذلوا الغالي والنفيس في سبيل نصرته وتحقيق محبته التي لاتكون إلا بامتثال أمره وعلى وفق سنته المشرفة المطهرة صلى الله عليه وسلم كما قال الله تعالى (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) هذه هي القاييس الحقة وهذا هو معيار الصدق الذي لا يقاس للمؤمن فيه حب لا ولاء ولا تبعية لا حب ولا عاطفة إلا بنطاقه ووفق معياره دونما هوى يعكره ولا شهوة تكدره وإنما يكون ثمة استسلام خالص لله تعالى ومتبع فيه النبي صلى الله عليه وسلم وكل ذلك على أساس العلم ورونقه وبهاءه ونسقه هذ جذوره أما ثمرته فالعمل به ثمرة العلم العمل به كما قال الله تبارك وتعلى في آية صدرها بالخطاب للفئة المؤمنة (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) والخطاب للمؤمنين بيا أيها الذين آمنوا له في القرآن نمط خاص ومعنى مميز كما قال الصحابي الجليل أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال (إذا سمعت الله يقول في كتابه (يا أيها الذين آمنوا) فأرعه سمعك فإنما هو أمر يأمرك الله به أو نهي ينهاك الله عنه) فإذا كان هذا الأمر أمرا تنضوي تحت لواءه أوامر كثيرة وأمور وفيرة قد يكون كل منها مستقلا بحكم مستقلا بأمر مستقلا بنهي فالأمر حينئذ يكون أشد في أن تستوعبه القلوب وأن تعيه وتدركه العقول (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون) بدأ الأمر بالإستفهام على وجه الإنكار ليس إستفهاما إقراريا أو تقريريا وإنما هو إستفهام إنكاري لفئة تقول شيئا ثم لا تفعل ولا تعمل بما تقول لفئة حالها اللساني شأن وحالها الواقعي شأن آخر وهذه الفئة ليست فئة نفاق وليست فئة ردة وليست فئة كفر بل قد تكون ليست فئة فجور وفسق وإنما هي فئة إيمان وفئة إسلام واستسلام لله تباك وتعالى (لم تقولون ما لا تفعلون) تقولون القول ثم تفعلون بما يضاد تذكرون الحكم ثم تتخلفون عن أنواره وبهائه فهذا أمر يستحق الإنكار ويستحق الرد ويستحق الزجر ويستحق الكبت لصاحبه فيما تخلف به عن أمر الله وأمر رسوله الأكرم صلى الله عليه وسلم (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا ) أي كان هذا الأمر ممقوتا أشد المقت وأعظمه واكثره وأكبره من جهة الله تبارك وتعالى والمقت صفة نثبتها لله كما أثبتها لنفسه وكما أثبتها له رسوله عليه الصلاة و السلام على وفق الأساس القرآني المتين الذي لا ينخرم ولا ينقدح قوله تبارك وتعالى (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) (كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) وكأن النص القرآني فيه معاتبة وفيه بعض معاقبة كيف تكون المعاتبة لأنهم مؤمنون وكيف تكون المعاقبة لأنهم لهذا الإيمان مخالفون وليست هذه المخالفة من هؤلاء المؤمنين بالشيئ العسر إثباته أو بالأمر الصعب وجوده كيف يكون ذلك وهم من بني آدم وهم بشر كالبشر كما قال النبي عليه الصلاة و السلام (كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون) وكما قال صلى الله عليه وآله وسلم (إن العبد المؤمن خلق مفتنا توابا إذا ذكر ذكر) فهذه إشارة إلى أن الفئة المؤمنة الصالحة وإن كانت على قدر من الإيمان لكنها لكونها بشرا فإن إيمانها هذا يزيد تارة وينقص تارة حتى يكون ذلك في أعلاه واصلا بأصحابه إلى درجة الصديقين وحتى يكون ذلك في أدناه واصلا بأصحابه إلى دركات البعيدين عن أمر رب العالمين ممن قد يخلو قلبهم أو تخلوا قلوبهم من تلكم الذرة الدنيا من درجات الإيمان وهذا معقد من معاقد فصول أصول إعتقاد أهل السنة التي خالفوا فيها وفارقوا فيها عددا من أهل الأهواء وعددا من الفرق الضالة المنحرفة سواء منها تلكم الفرقة التي غلت وأفرطت أو هاتيك الفرقة التي قصرت وفرطت ولقد جعل الله تعالى الحق في أجمل صوره وأبهى درجاته في أهل السنة السنية الذين امتدحهم الله تبارك وتعالى في كتابه (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) فالوسط ههنا هو العدل البعيد عن الجور والبعيد عن الظلم والبعيد عن الغدر والبعيد عن كل ما يخالف به أصحابه وأهله كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكأن هذه المعاتبة وتلكم المعاقبة خطاب ينبغي أن تهتز له القلوب والعقول وأن تصطك له الركب وأن تتحرك له الأبدان لأنه من الله تبارك وتعالى وكأنه تذكير بأبجديات الشرع وأوامره لا بلأمرو التي تخفى على الناس أو على الخاصة منهم أن يعرفوها دون البقية منهم وإلا فمن منا نحن المسلمين الذين آمنا حق الإيمان قدر ما نستطيع وقدر ما يوفقنا إليه ربنا الرحمن فرضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وآله وسلم نبيا ورسولا فمن منا لا يعرف أن الكذب من المحرمات وأن الغيبة من المحرمات وأن النميمة من المحرمات وأن ظن السوء من المحرمات وأن قالة الباطل من المحرمات وإن المشي بالباطل من المحرمات هذه أبجديات وبدهيات ينبغي أن لا تخفى على الصغير منا فضلا عن الكبير فينا ولكن من الذي يطبقها ومن الذي يستحضر معانيها ومن الذي يتجنب سوادها وظلمها وظلامها من أجل هذا جاء هذا النهر وجاء هذا الزجر وجاءت تلكم المعاقبة بصورة المعاتبة لهذه الفئة التي تقول ما لا تفعل وكأن العلم لا يكمل لصاحبه بل إن العلم لا يكمل لصاحبه إلا بالعمل كما قال الله تبارك وتعالى (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ) فلا يرتفع للعبد كلم طيب يقوله أو يستظهره أو يحكمه أو يعلمه أو يدريه ويعرفه إلا بعمل صالح يرتفع بهذا الكلم عملا صالحا وفعلا راجحا إلى رب العالمين تبارك وتعالى يرتفع إليه لأن الله تبارك وتعالى فوق خلقه كما قال (وهو القاهر فوق عباده) وكما قال إيه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ) وهكذا في نصوص كثيرة من كتاب الله تعالى ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تثبت علو الله تبارك وتعالى على خلقه امتنانا لعباده وإعظاما لنفسه تبارك وتعالى في نفوسهم وفي تصوراتهم ولنتأمل أيها الإخوة في الله ذلكم الحديث النبوي الصحيح الذي يحثنا فيه نبينا صلوات الله وسلامه فيه على اغتنام الأوقات وعلى ؟؟؟؟؟؟ اللحظات فيقول عليه الصلاة والسلام (اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وفراغك قبل شغلك وغناك قبل فقرك وحياتك قبل موتك) هذه الخمس بتلكم الخمس كلها استغلال للحظات إذا ذهبت لم ترجع ولأوقات إذا فاتت لم تعود كالأنفاس التي تخرج من بين جنبيك يا عبد الله أين أنت منها إن لم تستغلها في طاعة الرحمن إن لم تستغلها في الدعوة إلى توحيده وعبادته إن لم تستغلها في الإستجابة لأمره والإتباع لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم اغتنم خمسا قبل خمس هذه الخمس بين أيديك وأمام أعينك ومع ذلك أنت تتهاون فيها وتتوانى بشأنها فإذا تيقظت أو تذكرت إذا بالقطار قد فاتك وإذا بالركب قد ابتعد عنك وإذا بك تحاول اللحوق واللحاق ولات حين مناص فلماذا لا يكون منا مثل هذا الإتباع ومثل هذا الإغتنام الذي يكون التخلف عنه ومنه الخسارة كل الخسارة والنبي عليه الصلاة والسلام يقول (إن لربكم في أيام دهركم نفحات فتعرضوا لها) وهذا أيضا لا يكون إلا بالعمل الصالح المبني على العلم النافع لا يكون بعلم دونما عمل ولا يكون بعمل من غير علم إذ العلم والعمل كأنهما اللب والقشر للثمرة الناضجة الجيدة الحسنة فإن فائدة هذا لا تكمل إلا بأثر تلك وإن أثر هذا لا يكون إلا بفائدة تلك وتخلف أحد الشيئين عن الآخر سبب من أسباب الفساد والإفساد وكذلك أيها الإخوة في الله عن أبي برزة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (لا تزول أو لا تزال قدما عبد يوم القيامة حتىيسأل عن أربع عن عمره وعن ماله وعن بدنه وعن وقته كيف أنفقه عن عمره وعن ماله وعن بدنه وعن علمه أربعة أمور يسأل عنها العبد يوم القيامة وكلها مرتبطة بالعلم النافع المقتضي للعمل الصالح ولا بد لذلك يقول علي رضي الله تعالى عنه (هتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل) ويا ليته أنه يرتحل دونما أثر سوء يخلفه ومن غير ما بالء يورثهلكان الأمر هينا لا لنا ولا علينا ولكن العلم الذي يتخلف عنه ركب العمل يخلف وراءه مقت الله بل أعظم مقت الله تبارك وتعالى وفي هذا أعظم دليل وأكبر أثر خطير يجب أن يحي في نفوسنا حب العلم من جهة ولزوم العمل به من جهة أخرى وكذلك أيها الأخوة في الله لنتذكر ذلكم الأثر الصحيح المروي عن إبن مسعود رضي الله تعالى عنه قال (كان الواحد منا (أي من الصحابة رضي الله عنهم) لا يتجاوز العشر آيات حتى يعرف معانيها ويعمل بها حتى يعرف معانيها ويعمل بها ) لم يكونوا يتكثرون ولم يكونوا من الأمور التي يتنافسون عنها من بعدهم عليها يتنافسون وإنما كانوا يعلمون أن سر العبودية هو الإخلاص لله وأن المخلص لله بالإتباع الصادق في قليل العمل بقليل العلم خير ألف مرة ومرة من كثير العمل بلا إخلاص ولا علم أو من كثير العلم من غير سنة ولا عمل فهذه كلها منغصات وأي منغصات تخرج العبد عن عبوديته وتخرجه عن ذله بين يدي ربه تبارك وتعالى وكذلك أيها الأخوة في الله لنتذكر أثر أبي هريرة رضي الله تعالى عنه حيث قال (مثل العلم الذي لا يعمل به كمثل الكنز لا ينفق في سبيل الله تبارك وتعالى) فمثل هذا الصنف تكوى بعلومهم أو بتخلفهم عن العمل بعلمهم جباههم وجنمبهم والعياذ بالله بما كانوا يكنزون من العلم الذي صار حجة عليهم بعد أن كانوا يتمنون ويتمنون أن يكون حجة لهم فالعلم لا يراد به التنافس ولا يراد به بز الأقران ولا يراد به الإشارة بالأصابع فهذه كلها حالات دنيا ترجع إلى الدنيا كما ابتدأت من الدنيا ولنتذكر جميعا أيها الإخوة في الله قول النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم (من تعلم العلم ليماري به السفهاء أو يجاري به العلماء أو يلفت أنظار الناس أو يتصدر به المجالس فالنار النار ) فالأمر جد خطير ليس الأمر متعلقا بنزهة نذهب إليها أو برحلة نطير نحوها وإنما الأمر متعلق بعلم نافع مبني على الإخلاص والمتابعة وبعمل صالح مبني بالقرب من الله ومنه تبارك وتعالى فمن سعد بهذا العلم وكذلك العمل كان من السعداء في الدنيا والناجين عند رب العالمين يوم القيامة ومن تعس به شيطانه وتلعب به هواه يخرجه عن حد الإعتدال الشرعي البعيد عن قال الله قال رسول الله النائي بنفسه عن الإخلاص لله والعمل بأمر الله فإن هذا الصنف سيكون له الحسرة كل الحسرة والندامة كل الندامة يوم العرض في القيامة نسأل الله تبارك وتعالى أن يعصمنا وإياكم أيها الإخوة في الله إن مما ينبغي أن نذكر به في هذا المقام أعني مقام العمل الواجب اقترانه بالعلم أمور أما أولها هو أن نعلم أن صفاء المنهج التصوري والذي هو علمي يوجب أن يكون هنالك تصورا علميا عمليا عقائديا تطبيقيا فهذا من ذاك فتلكم القسمة الضيزى التي نسمعها من بعض المخالفين من أن عقيدتهم عقيدة أهل السنة لكن منهجهم منهج منهج حزب كذا وطريقة كذا وخيالات كذا فهذا مثل ذاك سواء بسواء فالمتخلف المتناقض بين منهجه واعتقاده كذلك المتخلف المتناقض بين علمه وعمله فماذا ينفعه عمله أو علمه إن لم يكن مبنيا عليه العمل الصالح الذي يتقرب به إلى الله تبارك وتعالى ومثل هذا بالسوء والويل والثبور مثل مثل آخر جعلوا العمل هو الغاية دونما علم يبنى عليه ومن غير فهم يسببه وينميه فهذا كذلك كما مر أو كما ورد عن سعيد بن المسيب رحمه الله أنه رأى رجلا يصلي ويكثر الصلاة فقال لا تفعل ونهاه فقال يا إمام أتنهاني عن الصلاة قال بل أنهاك عن مخالفة السنة فاتباع السنة في قليل العمل بالمتابعة والإخلاص خير من كثير العمل بعيدا عن الإخلاص وبعيدا عن المتابعة لذلك قال أبو الدرداء عمير العجلاني رضي الله تعالى عنه قال إني لأخاف أن يسألني الله أول ما يسألني عن علمي ماذا علمت وماذا عملت بما علمت كانوا أكثر الناس خشية لأنهم يعلمون بأن الخشية مبنية على العلم الصحيح وأنه بقدر تخلف العلم الصحيح يوجد بدلا منه العلم الفاسد والعلم الفاسد لايورث القلوب خشية لذلك قال ربنا عز وجل ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) فالعلماء بالله هم أكثر الناس خشية من الله وبقدر ما يعلم العبد عن ربه من صفاته وأسمائه وأفعاله وأوامره ونواهيه بقدر ما يخشى الله ويتقيه بقدر ما يفعل من العمل ما ينجيه بقدر ما يسعده ولا يطغيه لذلك قال سفيان الثوري رحمه الله تعالى (ليس العلم بكثرة المسائل إنما العلم الخشية ) لا يقول سفيان مثل هذه الكلمة تزهيدا بالعلم الصحيح وإنما يقولها تعظيما للخشية التي لا تكون مبنية إلا على العلم الصحيح لأن العلم إذا لم يورثك الخشية من الله ففيه نظر وعليه ملاحظة ومنه الحذر وبقدر ما تخشى ربك بقدر ما يكون علمك صحيحا وقائما على الجادة أيها الإخوة في الله هذا كله يجب أن يثبتنا لا أن يثبطنا يجب أن يثبتنا على الحق الذي نحن فيه لأننا نعلم من أنفسنا ضعفا ووهنا ووهانا فيجب أن يزيدنا هذا من صلتنا بربنا ومن علمنا بإلهنا ومن عملنا بما يرضي عنا مليكنا سبحانه في علاه وعظم في عالي سماه وبقدر تخلفنا وبقدر ما نتثبط ونتثبت بقدر ما نبتعد ونيأس ونزل فنضل والعياذ بالله وهذا ليس مرادا لنا من ربنا ألا يقول الله عز وجل في كتابه لنا (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) ألا يقول الله تبارك وتعالى في كتابه (ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما) أليس هذا تمننا من الله تبارك وتعالى علينا بستره ونحن الذين ينبغي أن نشكره وبعلمه ونحن الذين يجب علينا أن نعلم صفاته وأسماءه حتى نخشاه ونتقيه تبارك وتعالى فتلكم التقوى الجوهرة المنشودة والدرة المفقودة التي يسعى إليها الساعون ويلهث وراءها المسارعون والمسابقون (وسابقوا إلى مغفرة ) (وسارعوا إلى مغفرة ) هذه التقوى إنما تكون أيضا مبنية على العلم لذلك جعلها الله تعالى قرينة للعلم وإن لم يجعلها سببا له فقال (واتقوا الله ويعلمكم الله ) تقوى الله يجب أن تكون مصونة بالعلم والعلم يجب أن يكون مجللا بتقوى الله تبارك وتعالى أيها الإخوة في الله للإمام الخطيب البغدادي كتاب سماه اقتضاء العلم العمل وللإمام أبي القاسم إبن عساكر جزء حديثي سماه ذم من لا يعمل بعلمه ولبعض أهل العلم في القرون المتأخرة كتاب سماه المنقذ من الزلل في الحمع بين العلم والعمل اخترت لإخواني في الله أن يكون ختام مجلسنا لهذا اليوم تلكم الكلمات التي ابتدأ بها الإمام أبو بكر الخطيب البغدادي كتابه مفتتحا به مقصوده ومرامه ومن لا يعرف الخطيب البغدادي فليعرفه إنه الذي قال عنه الإمام أبو بكر بن نقطه إن أهل الحديث عيال فيه على أبي بكر الخطيب فإن له منة على أهل الحديث قاطبة وممما يعلم أن الخطيب البغدادي له مؤلف في كل أصناف علوم الحديث قاطبة وهذا مالم يتوفر لغيره من أهل العلم لا ممن بعده ولا ممن قبله فرحمه الله تعالى رحمة واسعة يقول بعد أن وحد الله وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم قال (ثم إني أوصي يا طالب العلم بإخلاص النية في طلبه وإجهاد النفس على العمل بموجبه فإن العلم شجرة والعمل ثمرة وليس يعد عالما من لم يكن بعلمه عاملا وقيل العلم والد والعمل مولود والعلم مع العمل والرواية مع الدراية فلا تأنس من العمل مادمت مستوحشا من العلم ولا تأنس بالعلم ماكنت مقصرا في العمل ولكن اجمع بينهما وإن قل نصيبك منهما علم قليل بعمل يناسبه خير من علم كثير بعمل يتخلف عنه أو خير من عمل كثير بجهل ودونما علم ولكن إجمع بينهما وإن قل نصيبك منهما وما شيئ أضعف من عالم ترك الناس علمه لفساد طريقته وجاهل أخذ الناس يجهله لنظرهم إلى عبادته وهاتان طريقتان فاسدتان أيها الإخوة في الله عالم يبتعد الناس عنه لأنهم رأوا في سلوكه أغلاطا وخطيئات وجاهل يقبل الناس عليه ويجتمعون إليه ويتهافتون على مجالسه لا لشيئ إلا لطلاوة في لسانه أو لعبادة في بدنه قد لا يكون أحسنها على وجهها قال والقليل من هذا أي العلم مع القليل من هذا أي العمل أنجى في العاقبة إذا تفضل الله بالرحمة وتمم على عبده النعمة اسمعوا ماذا يقول نبيكم عليه الصلاة والسلام (إنه لن يدخل أحدا منكم الجنة عمله قالوا ولا أنت يالرسول الله قال ولا أنا حتى يتغمدني الله برحمته ) فالعبد كالطائر لا يطير الطائر إلا بجناحين والعبد جناحاه العمل لله وحسن الظن بالله إذا تخلف أحدهما كان ذلك نذيرا على أن هذا الطائر لن يتم له طيران ولن ينتفع به إنسان قال فأما المدافعة والإهمال وحب الهوينى والإستسهال وإيثار الخصب والدعة والميل مع الراحة والسعة فإن خواتم هذه الخصال ذميمة وعقباها كرية وخيمة والعلم يراد للعمل كما العمل يراد للنجاة فإذا كان العمل قاصرا عن العلم كان العلم كلا على العمل أي مصيبة وعبئا ثقيلا ونعوذ بالله من علم عاد كلا و أورث ذلا وصار في رقبة صاحبه غلا الغل هو الحقد والغل هو القيد قال بعض الحكماء العلم خادم العمل والعمل غاية العلم فلولا العمل لم يطلب العلم ولولا العلم لم يطلب عمل ولو أن أدع الحق جهلا به أحب إلي أن أدعه زهدا فيه الجاهل معذرته أقل من العالم كما قال إبو الدرداء (ويل لمن لا يعلم مرة وويل لمن يعلم ولا يعمل سبع مرات) لكن هذا لا يجوز أن يزهدنا بالعلم ولكن الواجب أن يزهدنا في زهدنا عن العمل فنقبل على العمل كما نقبل على العلم لأن الله تبارك وتعالى جعل لأهل العلم مرتبة علية في الدنيا وفي الآخرة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين وكما قال الله تبارك وتعالى يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات قال سهل بن مزاحم الأمر أضيق على العالم من عقد التسعين أي إذا بلغ الإنسان تسعين سنة لا يبقى عنده فرصة للعيش ولا سعة في بحبوحة الأمل وكذلك العالم فإن أمره في عمله بالعلم يوجب عليه المبادرة إلى العمل به كما يوجب عقد التسعين على صاحبه أن يضيق النظر فيه وأن يضيق الأمر عليه قال مع أن الجاهل لا يعذر بجهالته لكن العالم أشد عذابا إذا ترك ما علم فلم يعمل به قوله مع أن الجاهل لا يعذر بجهالته فيه تفصيل فقهي عند أهل العلم لكن هناك جهالة حقا لا يعذر صاحبها وهي الجهالة التي يكون أصحابها قريبين من العلم واصلين إلى أبوابه بجنب أسبابه ثم إذا بهم يتكأكأون وعنه يتكبكبون و يبتعدون وينحرفون فهؤلاء لا شك أنهم غير معذورين قال وهل أدرك من السلف الماضين الدرجات العلى إلا بإخلاص المعتقد والعمل الصالح والزهد الغالب في كل ما راق من الدنيا وهل وصل الحكماء إلى السعادة العظمى إلا بالتشمير في السعي والرضى بالميسور وبذل ما فضل أي ما زاد عن الحاجة للسائل والمحروم وهل جامع كتب العلم إلا كجامع الفضة والذهب وهل المنهوم بها إلا كالحريص الجشع عليهما وهل المغرم بحبها إلا ككانزهما وهذا يذكر أيها الإخوة في الله بقول النبي صلى الله عليه وسلم (منهومان لا يشبعان طالب علم و طالب دنيا) انظروا هذه الموائمة لكنها موائمة من جانب هو جانب النهم والحرص لكن الثمرة بينهما لكلا الصنفين بعيدة بينهما بعد المشرقين فهذا له نهمة علم تقربه إلى علام الغيوب وذلك له نهمة دنيا تبعده عن أقرب محبوب قال وكما لا تنفع الأموال إلا بإنفاقها كذلك لا تنفع العلوم إلا لمن عمل بها وراعى واجباتها فلينظر إمرؤ لنفسه وليغتنم وقته فإن الثواء قليل الثواء المكث واللبث والرحيل قريب والطريق مخو؟؟؟ والإغترار غالب والخطر عظيم والناقد بصير والله تعالى بالمرصاد وإليه المرجع والمعاد (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) وكذلك في آخر جزئه هذا الجزء الراقي أنشد لبعض العلماء شعرا أقرأه على إخواني أيضا لما فيه من معاني تذكر بأخلاق الإسلام التي روحها في هذا المقام العمل بالعلم قال

إعمل بعلمك تغنم أيها الرجل لا يتفع العلم إن لم يحسن العمل

والعلم زين وتقوى الله زينته والمتقون لهم في علمهم شغل

وحجة الله يا ذا العلم بالغة لا المكر ينفع فيها لا ولا الحيل

تعلم العلم واعمل ما استطعت به لا يلهينك عنه اللهو والجدل

وعلم الناس واقصد نفعهم أبدا إياك إياك أن يعتادك الملل

وعظ أخاك برفق عند زلته فالعلم يعطف من يعتاده الزلل

وإن تكن بين قوم لا خلاق لهم فأمر عليهم بمعروف إذا جهلوا

فإن عصوك فراجعهم بلا ضجر واصبر وصابر ولا يحزنك ما فعلوا

فكل شاة برجليها معلقة عليك نفسك إن جاروا وإن عدلوا

أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يرزقنا وإياكم العلم بالكتاب والسنة والعمل بما كان عليه سلف الأمة وأن يرزقنا عملا صالحا يقربنا إليه زاده الإخلاص ومزاده المتابعة وأن يكرمنا جل في علاه بخاتمة حسنة طيبة مباركة يرضى فيها عنا ربنا والنبي عليه الصلاة والسلام يقول إنما الأعمال بالخواتيم وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين


طباعة
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل

Powered by: MktbaGold 6.5