أصول في المنهج - 1 -

أصول في المنهج - 1 -
8380 زائر
01-01-1970 01:00

(1)
أُصُول في المَنْهَجِ



إنَّ الحمْدَ للهِ، نَحمدُهُ، ونَستعينُه، ونَستغفِرُه، ونَعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفُسِنا، وسيِّئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِلْ فلا هادِي له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا الله، وحدهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، أما بعدُ:
فإنَّ أصدقَ الحديثِ كلامُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها،وكلَّ مُحدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضَلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النَّارِ، أمَّا بعدُ:
فهذا -إخواني!- مجلسنا الأول -في هذه الدورةِ العلميَّة المباركة-، في مادةٍ حيويَّة عملية تطبيقيَّة، تشحَذُ الأذهان، وتضبِطُ الإيمان؛ وهي مادةُ »أُصولِ المنهجِ«، أو »أصُولٌ في المنهج«. ودائمًا -في مثلِ هذا المَقام- يُعرَّف العنوانُ المركَّب بِجُزأيْه: »أُصول المنهَج« -مُضاف ومُضاف إليه-، أو »أُصولٌ في المنهج«. فما الأُصول؟ وما المنهَج؟ قبل أن ندخلَ هذا البابَ -بِتفصيلاتِه-؛ لا بُدَّ أن نتطرقَ إلى المعنى الحرفيِّ لهذا الذي نريدُ، أو نتكلَّمُ فيه.
وإني على مثلِ اليَقين؛ أنَّه قد يكونُ عددٌ -لا بَأسَ به- مِن النَّاس يُكرِّر كلمةَ (المنهجِ) ولا يَعرفُ حقيقةَ مَعناها! أو قد يكونُ عدمُ إدراكِه لِحقيقةِ معناها سَببًا في أن يَضعَ الأمورَ في غيرِ مَواضِعِها، أو أن يُعطيَها أكبرَ مِن حَجمِها؛ وكلُّ ذلك خَلَل، وكلُّ ذلك نَقصٌ وزَغَل! فإذا ضُبطت البِداياتُ؛ صحَّت النِّهايات, أمَّا إذا لم تَكن البداياتُ مُنضبِطةً؛ فما بُني على فاسِد فلا بُدَّ أن يكونَ أمرُه -مِن بعدُ- فاسِدًا.
عندما نقول (أُصول): أُصولٌ؛ جمعٌ، مُفردُه (أصْلٌ)، و(الأصلُ): هو الأساسُ التي تُبنَى عليه الأشياءُ، ومِنه قولُه -تعالى-: {أصْلُهَا ثَابِتٌ}؛ أصلُها: أي أساسُها وركيزتُها الأصليَّة التي يُبنَى عليها ما بعدَها؛ لتكونَ هي الأسَاس، وتكونَ هي الأصْل.
وحقيقةً: أنَّ كلمةَ (الأصل) حتى في معناها العُرفيِّ؛ ليس بالمعنى الدَّقيق، حتى في معناها العُرفي إذا أُطلقتْ؛ فإنها لا تحتاجُ إلى تَفسير. نعم؛ هنالك كلماتٌ -في اللغةِ- إذا أُطلقت؛ فإنَّ مجردَ سِياق إطلاقِها دالٌّ على معناها، ومُبيِّن لحقيقتِها والُمرادِ منها، ومِن ذلك: كلمة (أصْل) التي جمعُها (أصول).
ومِن تمام البيانِ: أن نشيرَ إلى ما يُقابل كلمةَ (الأُصولِ) وهو كلمة (الفُروعِ)، واستعمالُ لفظِ (الأُصُول) و(الفُروع) -في كتبِ الفُقهاء والعُلماء- مشهورٌ ومُتداوَل؛ لكنَّ لشيخِ الإسلام ابنِ تيمية -رحمه اللهُ- إنكارًا -في بعضِ الأمرِ، وفي بعضِ القَول- لهذا التفريقِ وتقسيمِ الشريعةِ إلى أصولٍ وفُروع. ولِهذا بحثُه -مما سنذكُرُه-.
وأشير إلى أنَّ هذه الجزئيَّةَ المتعلقةَ بقولِنا: (أُصول وفُروع)؛ قد كُتبت فيها رسالةٌ عِلمية في مُجلدَيْن بعنوان: »الأُصُول والفُرُوع«؛ لأنَّ فيها كثيرًا -وأنا أعْني مَا أقولُ- مِن التأصيلاتِ والتَّفريعاتِ؛ في هذه الرسالةِ كثيرٌ مِن التأصيلاتِ العِلمية والتفرِيعات العِلمية التي تَضبِط المسألةَ مِن كلِّ الوُجوه -أو مِن كثيرٍ مِن الوُجوه، أو أكثرِ الوُجوه-.
شيخُ الإسلام ابن تيميةَ -رَحمه اللهُ- وإن كان مِنه نكيرٌ على تقسيمِ الدِّين إلى أصولٍ وفُروعٍ-؛ لكنَّه ورَد مِنه استعمالُ لفظِ (الأصُولِ) و(الفُروع)؛ حينَئِذٍ نقولُ: لا مُشاحَّةَ في الاصطلاحِ؛ إذا كان هذا الاصطلاحُ مُستعمَلًا على وجهٍ ينضبطُ فيه استعمالُه؛ أما إذا استُعمِل اصطلاحٌ ما على وجهٍ لا ينضبطُ استعمالُه؛ فالواجبُ رَدُّه، والواجبُ نقدُه؛ بل الواجبُ نقضُه.
فشيخُ الإسلام ابنُ تيميةَ -رحمهُ الله- عندما تكلَّم عن مصطلحِ (الأُصول) و(الفُروع) -على وجهِ الإنكارِ-؛ أراد الردَّ على طوائف: على طائفةٍ عظَّمت الأصولَ على حِساب إهمالِ الفُروع! وقد يكون -هنالك- طائفةٌ تعكس؛ أنها جعلتْ لِلفُروع منزلةً كالأُصول! أو رَدًّا -أيضًا- على طائفةٍ أُخرى جعلتْ أدلةَ الشـريعةِ مُقسَّمةً على حَسبِ الأصول والفُروع؛ لتُجوِّزَ هذا وتمنعَ ذاك! كما يقولُ مَن قال -مِن أهلِ الأهواء-: بأنَّ الحديثَ الصحيح يُستدلُّ به في الأحكامِ والآدابِ؛ بينما لا يُستدلُّ به في العقائد!! وعبَّروا عن ذلك بطريقةٍ أخرى قائِلين: يُستدلُّ به في الفُروع، ولا يُستدلُّ به في الأصُول!! حِينئذٍ نقولُ: ما الدليلُ -أصلًا- على هذا التقسيمِ الذي جعلنا فيه الأدلةَ الشـرعيَّة قِسمَيْن؟ ولا شَكَّ أن الأدلةَ الشـرعية تُسْتَقَى منها مسائلُ العلمِ التفصيليَّة -سواءٌ منها ما كان عقيدةً، أو أحكامًا، أو سلوكًا، أو معامَلاتٍ، . . أو غيرَ هذا وذاك-. فمِن ها هُنا كان الإنكارُ على هذا الأصلِ.
لكن؛ مَن انضطبت عنده قضيةُ تقديرِ الأُصول قدرَها، وتقديرِ الفُروع قدْرَها، وأنَّ النصوصَ الشـرعيَّةَ الثابتةَ من الكتابِ -بداهةً-، ومِن السُّنَّة -تحقيقًا- أنها يُستدلُّ بها على الفُروع والأُصول، مِن غيرِ تفريقٍ بين ما يُسمَّى عقائدَ أو أحكامًا. . وغير هذا وذاك.
حينئذٍ: إذا قلنا: (الأُصول) هي العقائد، و(الفُروع) هي الأحكامُ والمَسائِل، والنَّص الشّـَرعي يَستوعب هذا ويستوعِبُ ذاك، والنَّص الشـرعيُّ يُستدلُّ به على هذا ويُستدلُّ به على ذاك -دونَ هذا التفريق؛ بل دون هذا التمزِيق-؛ فحينئذٍ: لا إِشكال. فمِن ها هنا جاء قبولُ شيخِ الإسلامِ لمصطَلَحِ (الفُروع والأُصولِ) واستعمالُه لها. ووجهُ الإنكارِ هو عَلى الصورةِ التي أشرنا إليها: أن تُمزَّق الأحكام، أو أنْ لا تُضبَط، وأن تؤخذَ على وفقِ الأهواءِ والآراءِ دون البيِّنات والحُجَج.
هذا ما يتعلَّق بكلمة (الأصْل) أو (الأصُول) وما يتَّصل حولَها.
الآن: عندما نقول: (أصولُ المنهج)، أو (أصولٌ في الَمنهجِ)؛ وأنا أعتقد أنَّ كلمة (أصولٌ في المنهج) أضبط؛ لماذا؟ لأننا لو قُلنا (أصولٌ في الَمنهجِ)؛ فجَعلْنا ما يُفهِمُ الحصـرَ أنَّ هذه الأصولَ، وليس سِواها غَيرُها، وهذا -في الحقيقة- صعبٌ ومُتعذِّر؛ بل مُتعسِّـر! لماذا؟ لأنَّ ضبط الأُصول يَشملُ العقائد، ويَشملُ السُّنَن، ويَشملُ أركانَ الإيمان، إذا قُلنا: (أصولُ المنهج)؛ فهذا شامِل كامِل مُتكامل؛ بينما إذا قُلنا: (أصولٌ في المنهج) نعنِي أشياءَ نراها لازِمةَ التَّنبيهِ، وواجبةَ التنبُّه، وأرَى -لِزامًا- أن يُذكَّر بها الإخوة وطلبةُ العلم؛ لِما لها مِن أهمية.
وأنا على مثلِ اليقين أنَّ مثلَ هذا المسائلِ المنهجيَّة المُنتقاة تختلف مقاديرُ قِيَمِها ومكانتِها في الزمانِ والمكان. فقد يكونُ في بِلادنا وفي هذا الزَّمان التقريرُ والتوكيدُ والتركيزُ على مسألة كذا وكذا؛ بينما هذه المسألة -في بلادٍ أُخرى- مسألة مُقرَّرة، لا خلاف فيها، ولا شُبهةَ تَعتريها؛ وبالتالي: فلا يَحتاج أهلُ العلم -هنالِك- إلى التركيزِ عليها، أو التذكيرِ بها، أو إلى جعلِها فتنةً مما يُفتَن به الناس.
وإذ قد ذكَرْنا هذا -ولعلَّ هذا مما يَنبغي أن يكونَ فَصلًا هامًّا-: موضوع امتِحانِ النَّاس. وألَّف بعضُ أهلِ العلم كتابًا سمَّاه: »امتِحان السُّنِّي مِن البِدعِيِّ«. إذا رأيتُم ما يُمتحَن به في ذلك الزمان؛ تَرَوا أمورًا لا توجَد -أو لا تَكادُ تُذكَر- في هذا الزمانِ! وهذا أصلُ ما أشرنا إليه مِن أنَّ اختيارَ مَسائل المنهجِ قد تَختلف قيمتُها، وقد تختلفُ مقاديرُها باختلاف الزمان والمكان؛ بل والأعيان.
كلمة (المنهج) تُقابِلُها كلمةٌ مِثلُها وهي: (المِنهَاج)، فالمنهج والمنهاج سَواء، ووَرَد استعمالُ كلمةِ (المنهَج) في السُّنة؛ كما ورد استعمالُ كلمة (المِنهاج) في كتاب الله -تباركَ وتعالَى-؛ لكن: الكلمة واحدة، والمعنى واحد، وهذا مما يُسمَّى في اللغةِ: (الُمترادِف)؛ أي الذي يكونُ فيه كلامٌ مختلِفٌ لفظُه؛ لكنْ حقيقتُه واحدة.
وأنا لا أريد أن أدخلَ في جُزئيةِ الترادف، وأن الترادفَ في اللغة قليل -كما قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ-، وأنَّ هذا الترادفَ -إذا وُجِد- لا بُدَّ أن يحملَ معنًى ولو إضافيًّا -زائدًا قليلًا-؛ هذا ليس بحثَنا. لكن؛ إذا رأينا بنيةَ الكلمة، وأصلها اللُّغوي؛ نراهُما شيئًا قريبًا جدًّا يكاد أن يكونَ واحدًا، فإذا قلنا (منهج) وقلنا (منهاج)؛ كان ذلك شيئًا واحدًا.
علينا أن ننظر إلى أصل كلمة (المنهج). يُقال في اللغة، كما في »القاموسِ« وفي »لسان العرب«، وفي »صحاح الجوهريِّ«. . وغيرها مِن الكُتب والمعاجِم. . ولا أقولُ و(القواميس)؛ لأن (القاموسَ) اسمُ كتابٍ، وليس صِفة كتاب. الفيروز أبادي عندما ألف كتابَه المعجميَّ اللغويَّ مُسميًّا إيَّاه: »القاموسَ المُحيط، والقابُوس الوَسيط، في جَمعِ ما تَفرَّق مِن كلامِ العَربِ شَماطيط«؛ هذا اسمُ الكتاب، وليس صفةَ الكتاب. صفةُ الكتاب: (معجم). لكن -الآن-: مِن الكلمات التي تأخذُ مدًى أوسعَ مِن لفظِها وحقيقةِ مَدلولها: هذه الكلمة! صِرنا نسمع: (القواميس)، ونقصد إيش؟ المعاجم أو المُعْجَمَات! يجوز أن نقولَ (مَعاجِم) و(مُعجَمات) و(مَعاجِيم)؛ بينما هي اسم كتاب، اسم معجم؛ وليست هي صفةً لِكتابٍ هذه حالتُه.
ففي الكُتب والمعاجمِ المؤلفةِ في اللغة: يُقال: (نَهجَ الطريقَ نَهجًا ونُهوجًا) و(أنهجَ الطريقُ)؛ (نَهَجَ) تتعدَّى بمفعولٍ؛ يعني مُتعدِّيَة، (أنهَجَ) لازِمة؛ (أنهجَ الطريقُ)؛ (نَهجَ الطريقَ)؛ بينما (أنهجَ الطريقُ) لازِمة؛ بِمعنى: الوُضوح. قال: (أي وَضَحَ واستَبانَ، وصار نَهْجًا بيِّنًا)؛ هذا أصْلُ مَعنى (المنهج)، وأصلُ اشتِقاقه. قال: و(طريقٌ نَهِجٌ)؛ أي بَيِّنٌ واضحُ. و(مَنْهَجُ الطريقِ): وَضَحُهُ، يُقال: (وَضَحُ النَّهار) يعني: انتشارُه وظهورُه، و(المِنهاجُ)؛ كالمنهج؛ هذا كلام -أيضًا- أئمةِ اللغة يؤكِّد ما أشرنا إليه -ابتداءً-.
وفي التنزيلِ الحكيمِ في سُورةِ المائدةِ: {لكلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}. في »صحيحِ البُخاريِّ« -في مُعلَّقاتِه-: قال ابنُ عباسٍ: »{شِرعةً ومِنهاجًا}؛ أي: سَبيلًا وسُنَّةً«. فـ (المنهاجُ) -إذًا-: الطريقُ الواضحُ، ويُقالُ: (استَنْهَجَ الطريقُ) -كما قُلنا (أنهجَ الطريقُ)؛ لازِمَة- و(استَنْهَجَ الطريقُ)؛ لازِمة؛ أي: صارَ نهجًا. ورَوَى الإمامُ الدارِمِيُّ: عن العَباسِ -رضيَ اللهُ عنه- قال: »وَاللهِ؛ ما ماتَ رَسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ- حتَّى تَركَ السَّبيلَ نَهْجًا واضِحًا«.
ونُقل هذا في كتب اللُّغةِ وشَرحِ الغَريبِ بلفظِ: »حتى تَركَكُم على طريقٍ ناهجةٍ«. والحقيقة: عندما راجعتُ النصَّ في الكُتبِ؛ لم أجِدْ هذا اللَّفظَ مُسنَدًا؛ وإنما كأنما هو بالرِّوايةِ بِالمعنى لِلَفظِ رِوايةِ الدَّارِمي -الذي أشرتُ إليهِ-.
ومِن بابِ الفائدةِ نقولُ: أثرُ العباسِ -المرويُّ في سُننِ الدارِميِّ- (مُرسَلٌ)؛ بمعنى: أن فيه انقطاعًا بين التابعيِّ والصَّحابيِّ.
قال: (ونهجتُ الطريقَ): أبنْتُه وأوضحتُه، و(نهجتُ الطريقَ): سَلكْتُه، و(فلانٌ يَستنهِجُ سبيلَ فُلانٍ): أي يَسلكُ مَسلَكَهُ، و(النهجُ): الطريقُ المُستقيمُ. هذا ما ذُكِر في »لِسانِ العَرَب« وفي »مُختارِ الصِّحاح« للرَّازي، و-حتى- في الكُتبِ المعجَميَّة المُعاصرة؛ ككِتاب: »المعجم الوَسيط«.
وبعضُ الناسِ قد يَستقلُّ قدرَ كِتابِ »المُعجم الوَسِيط«!
وهذا مما يُتظرَّف به: أنني كنتُ في مكتبَةِ شيخِنا الإمامِ أبي عبدِ الرَّحمنِ الألبانيِّ؛ فطَلب مُراجعةَ مسألةٍ لُغَويَّة، فكان أحدُ الإخوةِ الجالِسينَ مَوجُودًا؛ فمَدَّ يدَه على كتابِ »المعجَم الوسِيط«! فقُلتُ: له: هُنالِكَ ما هُو آصَل: »القاموسُ المُحيطُ«، و »الصِّحاحُ« للجوهَريِّ، حتى لو قُلنا: »تاج العروس« للزَّبيديِّ، وهو مِن أعظمِ الكُتب -وإنْ كان متأخرًا-. فقال شيخُنا -رَحِمهُ اللهُ -مستدرِكًا-: (لا؛ بل قد يكونُ لهذا فائدةٌ متميِّزة عن تلكَ الكُتب)؛ لماذا؟ لأنَّ الذِين ألَّفوه عُلماء لُغويُّون متخصِّصون، اطَّلعوا على تلك الكتب، وجَمعوا ألفاظَها؛ وسهَّلوا سردَها، أو طرحَها، أو معناها.
وأنا أقول: هذا كلامٌ صَحيح، لكن؛ الجمعُ بينهما هو الأفضل؛ أنْ تنظرَ إلى طرائقِ اللُّغويِّين القدماء، ثم تجمع إليها كلام اللُّغويِّين المعاصِرين.
كتابُ »المعجم الوسِيط« في مجلَّدين، اختصَـروه في مُجيليدٍ صغيرٍ سمَّوه: »المعجَم الوَجِيز«، وهنالك أصلٌ لهذا »المعجمِ الوَسيـط« الذي اختُصِر مِنه »المعجَمُ الوَجيز« بعنوانِ: »المعجمِ الكَبيرِ« -أيضًا- ألَّفَه -كما ألَّف الكِتابَين الآخَرَيْن- مَجمع اللغة العربية في مصـر؛ ثلاث مُجلَّدات ضِخام في (حَرفِ الألف) -فقط-!! في (حرفِ الألف) -فقط- ثلاث مجلَّدات!!
يجـوزُ أن نقـولَ: (ثلاث مجلَّدات)، ويجوزُ أن نقولَ: (ثلاثَة مُجلَّداتٍ). إذا قُلنا: (ثلاثة مجلَّداتٍ)؛ على اعتبـارِ أنَّ المُفرَد (مُجلَّد)، وإذا قُلنا: (ثَلاث مُجلَّدات)؛ على اعتبارِ أنَّ المُفرَد (مُجلَّدة) -أي بالتأنيث-، وكلاهُما جائزٌ -إن شاء الله-. إذًا: هذا ما ذكرَتْه -حولَ كلمةِ (مَنهَج)، وأصلِها اللُّغَويِّ- كتبُ اللُّغةِ؛ كـ »لسان العرب«. . وغيرِه -مِما أشرنا إليه-.
خلاصةُ القَولِ: أن أصلَ كلمةِ (المنهَج): تُطلَقُ -في لُغةِ العَربِ- على الطريقِ، أو السُّلوكِ، لكن هذا الطريقُ، وهذا السُّلوك -أو المسلَكُ- له صِفاتٌ: أنَّها واضِحة. . أنَّها ظاهِرةٌ. . أنَّها مُستقيمةٌ. . أنَّها بيِّنة. لا يمكن أن يُقال: (منهَج) -في أصلِ الأمْر-؛ إلا إذا كان هذا مَعناه، وهذا حقيقَتَه.
أمَّا -كما قُلنا- (المنهج) في القُرآنِ؛ فقد ذكَرْنا معناه، حتى ذَكرَ الإمامُ الطبريُّ قولَه: {لكلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} قال: »أي: سَبيلًا بيِّنًا«؛ كلام الإمامِ الطَّبري في تفسيرِه: »جامعِ البَيانِ في تأويلِ القُرآن«-. والإمامُ ابنُ كثيرٍ في »تفسيرِه« ذكرَ (المنهاجَ) وقال: »هو الطريقُ الواضِحُ السَّهلُ، والسُّننُ الطرائقُ« أي: البيِّنةُ والواضحةُ.
وأما لفظُ: (السُّنَّة) ففي »صحيحِ مُسلمٍ« ضِمن حديثٍ طويلٍ فيه قصُّ رُؤيةِ بعضِ الصحابةِ على رسولِ الله -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-، فقال رسولُ الله -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: »رأيْتَ خَيْرًا« وهذا مِن بابِ التَّفاؤل؛ هو يُريدُ أن يُعبِّرَ له رُؤياه؛ فصدَّر له كلمةَ: »رأيْتَ خَيْرًا« قبل أن يبدأَ بالتَّفصيلِ والشـرحِ والتَّفسير والتأويل. قال: »رأيْتَ خَيْرًا، أمَّا (المنْهَجُ العَظيمُ)؛ فالمَحْشـَر«؛ لأنَّ كلمةَ (المنهَج) وردت في الرِّواية، وهي: عن عبدِ اللهِ بنِ سَلَّامٍ -رضيَ اللهُ عنه- قال: »رأيتُ -على عَهدِ النبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- رُؤيا؛ رأيتُ كأنَّ رجلًا أتَاني فقالَ لي: انْطَلِقْ. فذهبتُ مَعهُ؛ فسَلكَ بي (مَنهجًا عَظيمًا)«؛ فالمنهجُ -هنا- بالاسْتعمالِ اللغوي الصِّـرف والمحْض؛ وهو: الطريقُ الكبيرُ الواضحُ البَيِّن، قال: » أمَّا (المنْهَجُ العَظيمُ)؛ فالمَحْشـَر«. . إلى آخِرِ الحديثِ، وهُو في »صحيحِ الإمامِ مُسلمٍ«. وهُنا وَرد اللَّفظ: (المنهج).
هنالك روايةٌ في »مُسند الإمامِ أحمد«: أنَّ النبيَّ -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- قال: »تكونُ النبوةُ فيكُم -ما شاء اللهُ أنْ تكونَ-، ثمَّ يرفعُها اللهُ -إذا شاءَ أنْ يَرفَعَها-، ثم تكونُ خِلافةٌ على مِنهاجِ النُّبوة، فَتكونُ -ما شاءَ اللهُ أنْ تكونَ-، ثم يرفَعُها -إذا شَاء اللهُ أنْ يرفَعَها-، ثم تكونُ مُلكًا عَاضًّا [وفي رواية: عَضوضًا]، فَيكونُ -ما شاءَ اللهُ أنْ يكونَ-، ثم يَرفَعُها -إذا شاءَ أنْ يرفَعَها-، ثم تَكونُ مُلكًا جَبْرِيًّا [أو: جَبريَّةً]، فتكون -ما شاء الله أن تكونَ-، ثم يرفعُها اللهُ -إذا شاءَ أنْ يرفَعَها-، ثم تكون خلافةٌ« طبعًا »تكون« -هنا- تامَّةً، ليست ناقصة -ترفع الأول وتنصب الثاني-. »ثم تكون« أي: تقع »ثم تكون خلافةٌ على منهاج النبوة«، ثم سكت. طبعًا؛ يجوز أن نجعلها -على اعتبار ما قبلها مما ورد-أيضًا- ناقصة، لو قُلنا: »ثم تكون (خلافةً) على منهاج النبوة« أي: (هذه خلافةً على منهاج النبوة)؛ أيضًا هذا جائز في اللغة -إن شاء الله-تعالى-.
هذا المعنى اللغوي واستعمال بعض نصوص القرآن والسُّنة في هذا المعنى.
الآن؛ هنالك استعمالاتٌ لأهلِ العلم لكملةِ: (مَنهج) أو (مِنهاج):
مثلًا: الإمام الباجي -أبو الوليد سُليمان الباجي- ألف كتابًا سمَّاه: »المِنهاج في ترتيبِ الحِجَاج« أي: الاحتجاج والمناظرة. شيخُ الإسلام ابنُ تيميَّةَ ألَّف كتابَ »مِنهاج السُّنةِ النبويَّة«، كتابُه »الاستقامة« ذُكر -في بعض الكتبِ والمصادر- أنه بعنوان: »مِنهاج الاستِقامة«، وهكذا في كتب كثيرة.
حتى في العصـر الحديث: الشيخ الشنقيطي له كتابٌ اسمُه: »منهجُ التشـريعِ الإسلاميِّ وحِكمَتُه«. الشيخ ابن سَحمان ألف كتابًا سمَّاه: »منهاجُ أهلِ الحقِّ والاتِّباع«. أخونا الفاضل الشيخُ عبدُ العظيم بدوي له كتابٌ اسمُه: »منهجُ التلقِّي بين السَّلفِ والخَلَف«. الدُّكتور مُصطفى حِلمي المصري له كتابٌ اسمُه: »قواعدُ المنهجِ السَّلفيِّ عند ابنِ تيميَّةَ«. هنالك رسالةُ دكتوراه طُبِعت -قريبًا-في مجلدٍ- بعنوانِ: »المنهج السَّلفيِّ: تَعريفُه، تاريخُه، مَجالاتُه، قواعدُه، خصائصُه«.
العبدُ الفقير ألَّف كتابًا بعنوان: »إنَّها سلفيَّةُ العَقيدةِ والمنهَج«. وهذا الكتاب مما تفضل الله -تعالى- به علينا وتكرَّم -سُبحانه-، وهو ذو الفضل والكرم؛ بأن قرَّضه وراجعَه وقدَّم له: الشيخُ عبدُ العزيز بنُ باز -رحمه الله- وكانَ ردًّا على سلسلةِ مقالاتٍ كتبها رجلٌ كان حاقدًا -وأعني ما أقول-، كانت السلسلة بعنوانِ: »ما هي السَّلفيَّةُ التي يُريدُها الألبانيُّ؟« (!) -في جرائد سيَّارة!-؛ فكان عنوان الكتابِ هُو الجواب: ما هي السَّلفية؟ »إنَّها سَلفيَّةُ العقيدةِ والمنهَج«.
ولكن -مِن باب الإنصاف-: هذا الرجل -الذي كتب هذه المقالات السَّيِّئة- يبدو أنه كان مدفوعًا، ثم استيقظ وتنبَّه -بعد وفاةِ الشيخ الألباني-، وقرأتُ لهُ مقالًا -وإن كانَ صغيرًا، في زاويةٍ مِن صحيفةٍ لا يَكاد يَبينُ- يقولُ مُعلِنًا فيها التَّراجعَ عما كتب، واستغفارَه ربَّه عما فرَّط.
وأهلُ السُّنَّة يَفرحُون بعودةِ العائدِ ممن غابَ وذهب وانحرف، بل يَفتحون له الأبواب، ويهيِّئون له الأسباب، ويكونون عونًا له على الشيطانِ، لا أن يكونُوا عونًا للشيطانِ عليه؛ بأن يُغلِّقوا أمامَه الأبواب، وأن يُشكِّكُوا في نيَّتِه، وأن يَطعَنُوا في توبتِه، مَن فتح لكَ بابًا فأعنْه على أنْ يفتحَ الباب على مصـراعيْه، فإن كان ذا نيَّةٍ خبيثة؛ فسيفضحُه الله، عامِله أنت على النيَّة الطيبة.
وهذا الذي كان، و-فعلًا- منذ ذلك الحين؛ لم نرَ من الرجلِ إساءةً؛ لا لشيخِنا الإمام، ولا لإخوانِه العلماء الأعلام، ولا لتلاميذِه، ولا لِشـيءٍ مِن دعوته. هذا الذي نرغب، وهذا الذي نَطلب. فكان هذا الكتاب: »إنَّها سلفيَّةُ العَقيدةِ والمنهَج«.
والمقصود: أن مصطلح (الَمنهج)، أو (المِنهاج) أصلُه كلمة لُغوية وردت في القرآن، وردت في السُّنَّة، ووردت في استعمال أهلِ العلم -القُدماءِ والمعاصِرين منهم-على وجهِ السَّواء.
حتى كلمة (الَمنهج) في اللُّغات الأخرى. في اللغة الإنجليزية -أيضًا- توجَد كلمة (الَمنهج)، ولهم فيها تعاريف قريبة جدًّا مِن المَعنى الاصطِلاحي الذي نذكره.
مثلًا: في »المعجم الفلسفي« وقد ألَّفه طائفةٌ كبيرةٌ من العلماء المتخصِّصين -مُسلمين وغير مسلمين، عَربًا وأعاجِم-: (المنهج) هو الطريق الواضح في التَّعبير عن شيءٍ، أو في عَملِ شيءٍ، أو في تعليمِ شيءٍ، طِبقًا لمِبادئَ مُعيَّنة. طبعًا نحن لا نتكلم -هُنا-عن مبادئَ مُعينة؛ نتكلم عن الإسلامِ، وعن كتابِ الله، وعن سُنَّـة رسول الله -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-، لكن هم بصفتهم يتكلمون في ألفاظٍ اصطلاحية عامَّة، ليست مُتعلقةً بمنهجٍ مُعيَّن، أو بِدِينٍ مُعيَّن، أو بمبدأ مُعيَّن؛ ذَكروا هذا الشَّـيء.
حتى (مَجمع اللغةِ العربيَّة) ألَّف مُعجمًا فلسَفيًّا -أيضًا-؛ فذكروا: أن (المنهجَ) هو -بوجهٍ عام- وسيلةٌ محدَّدة توصِّل إلى غايةٍ مُعيَّنة.
طبعًا؛ هنالك تفسيراتٌ أخرى ذَكَرتْها بعضُ الكتب: كعبد الرحمن بدوي في »مَناهج البحث العِلمِيِّ« ذَكَر له تعريفًا، ويوسف خيَّاط في »مُعجَمِ المصطلحات العلميَّة والفنيَّة« ذكر -أيضًا- تعريفًا. . وهكذا.
إن عرفنا اللفظ مِن حيث أصلُ وُرودِه، ومن حيث اشتقاقُه اللغوي، ومن حيث مَعناه الاصطلاحي، ومِن حيث -أيضًا- تطبيقاتُ أهل العلم في استعمالِه؛ لا بُدَّ أن نذكرَ التفريقَ بين (المنهجِ) و(العقيدة) بالاصْطِلاحِ الإسلامي الشـرعيِّ.
فإذا ذكرنا (العقيدة)؛ فهي ما يجبُ اعتقادُه؛ مِن أصول الإيمان، وأركانِه، وواجباتِه. إذًا: العقيدةُ أمرٌ مُتعلِّق بأركانِ الإيمانِ الغيبيَّة، وما لها مِن صِلة واقعيَّة في حياة المسلمين. هذا إذا ذكرنا العقيدة.
وإذا ذكرنا (الَمنهج) -الآن لنربط (الَمنهَج) بالمعنى اللغوي، و(الَمنْهَج) بالتطبيق الاصطلاحي الشرعي-: (الَمنهج) -على ما أشرنا إليه-: هو الطريقُ الذي يقرِّر به المسلمُ أصولَ الدِّين وفروعَه، وما فيه مِن سُلوكٍ ومُعاملات وعباداتٍ وأخلاقٍ وغير هذا وذاك. إذًا: كأننا نقول: المنهج هو الطريق المنضبِط الذي نُطبِّق -مِن خلالِه- دينَ الله؛ في عقيدتِه، في أحكامِه، في سلوكِه، في معاملاتِه.
وعَليه: فبِقَدرِ ما يصيبُ الخللُ المنهجَ؛ بقدرِ ما يكونُ ذلك مؤثِّرًا في العقيدة، وفي الدِّين، وفي الأحكام، وفي العباداتِ.
هذ التفريق من حيث العلمُ.
أقول: هذا يبيِّن لنا أمرًا ثانيًا وهو: أنَّ (المنهجَ) أعمُّ مِن العقيدة. كلمة (المنهج) أعمُّ مِن العقيدة؛ لأن كلمةَ (العقيدة) متعلِّقة بأصول الإيمان، بينما (المنهج) مُتعلِّق في الإيمانِ والأحكام والأخلاقِ والسُّلوكِ والمعاملات.
ما فائدةُ إنسان -وهذه نقطة أخرى- أن يكون ذا عقيدةٍ -كما يقولون، أو كما يزعمون، أو يزعم البعضُ- صاحب عقيدة سلفيَّة، لكنَّ سُلوك هذا المنهج على غيرِ طريق السَّلف! وهذه آفةٌ أخرى: يُقال: فلان سلفي العقيدة، لكنه؛ تبليغيُّ المنهج، أو تحريريُّ المنهج، أو إخوانيُّ المنهج. .! أنا أقول: تلك إذًا قسمةٌ ضيزى! لأنَّ المنهج هو السِّتار الحامي، والجدار الواقي لهذه العقيدة، ولا بُدَّ أن يغلبَ أحدُهما الآخر؛ فإما أن يُصبِح منهجُك كعقيدتِك سَلفيًّا -وذلك ما نبغي-، أو أن [تنقل] وتتقهقرَ في عقيدتِك لتصبحَ خلفيًّا، حزبيًّا، تحريريًّا، تبليغيًّا، أو غير هذا وذاك.
لكن هذا الواقع في الحقيقة نر ى أناسًا كذلك. . ولو شئتُ لسمَّيتُ: (فلان الفلاني)؛ له كتب في العقيدة؛ إذا نظرت في كُتبه العقائديَّة؛ لا تكادُ تَلمس عليه خَللًا، لكنْ؛ ما فائدة هذه العقيدةِ التي قيَّدت صاحبَها بآصارِ الحِزبية؟! والتي كبَّلت صاحبَها بأغلالِ العصبيَّة؟! مما سيؤثر -ولا بُد- على هذه العقيدة التي -فِعلًا- موجودة، لكنها تتأثر كالكُوبِ = الكأس. إذا كـان الكأس نظيفًا، ووُضعتْ فيه مادة وسِخة؛ سَيتوسَّخ -لا شكَّ-. والعَكس: إذا كان الكأسُ وسِخًا، ووضعتْ فيه مادةٌ نظيفةٌ ستتوسَّخ، إذًا: لا بُدَّ أن يكونَ هنالك تأثير -سلبيًّا كان أم إيجابيًّا-، فإما أن يغلبَ المنهجُ العقيدةَ لتصبحَ منحرفةً مثلَه، أو أن تغلبَ العقيدةُ المنهجَ ليُصبحَ على الطريقِ السَّداد المستقيم كذلك -سواءً بسَواء-.
هذه أيضًا نقطةٌ أخرى: مِن الكلمات التي تُذكرُ وقرأناها في كتب الحرَكيين المعاصِرين قولُهم: (سَلفيَّةُ المنهَج، وعَصـريَّة المواجَهة). هنا استعمال (المنهج) في غير موضِعه! هنا استعمال (المنهج) بمعنى: العقيدة، واستعمال (المواجهة) بمعنى المنهج والسُّلوك، وهذا من باب التلاعب بالألفاظ والمصطلحات! فكأن هؤلاء رأوا في علمائِنا، ورأوا في أئمتِنا ما يُسمُّونه بـ (الرَّجعيَّة).
وأنا قرأتُ بأمِّ عَيني، بخَط يدِ الشيخِ الأستاذِ (محمد بهجت الأثري) [وقد تُوفي قبل سنواتٍ قليلة، وهو مِن علماء العراق، وهو مِن تلاميذ محمود شكري الألوسي، عُمِّر عما يكاد يكون إلى مائة سَنةٍ أو قريبًا مِن ذلك]، قرأتُ بخطِّ يدِه على كلمةٍ كتَبها بعضُ الكُتَّاب المعاصِرين يقول: »تأثُّر الإمام الِمزِّي بالفِكر السَّلفيِّ« فكتب عند كلمة »الفِكر السَّلفي« تعليقًا قال فيه -وأنا أنقلُ مِن خطِّه فيما أحفظ -بالحرْف-، وقرأتُها منذ خمس وعشـرين سَنة- يقول: »أرى لو أنكَ كتبتَ: (فِكرَ الأصالة)؛ [يخاطبُ المؤلِّف والكاتب] لأن بعضَ مَن تعرفُ نبزَ (السلفيَّةَ)، أو جعلَ (السلفيَّة) نبزًا مُرادِفًا للرجعِيَّة«!
إذًا: كلمة السلفية -وهذا قد يكون له بابٌ آخر- قد يستعملها البعضُ -الآن-؛ الشُّيوعيون والماركسيُّون. . وهؤلاء، إذا استَعمَلوا كلمة (السلفيَّة) يقصدون بها (الرجعيَّة)! لا يَقصدون بها الرجوعَ إلى أصول الدِّين التي فيها الثَّبات، وفيها الاستقرار؛ لذلك يَجعلون هنالك سَلفيَّة في التصوُّف! ويجعلون سلفيَّة في النصـرانيَّة! ويجعلون سلفيَّة في المِلل والنِّحل الكثيرة! لماذا؟ لأنهم يعتبرون هذا نوعًا مِن الرجعيَّة، ولا يعتبرونَه على الأصل العِلمي الذي نحن نؤصِّله ونقرِّره.
إذًا: هذا مِن باب التلاعب بالألفاظ والمصطلحاتِ والذي ينبغي رَدُّه وكبتُه.
قرأت -في هذا اليومِ- كلمةً لأول مرةٍ تَطرقُ سَمعي، أو تراها عَيني، رأيتُ بعضَ الحاقِدين على دُعاةِ منهج السَّلفِ، وعلى أئمَّته عندما ذكر الدعوةَ السَّلفيَّة، وعندما ذَكَر اهتمامَهم بالمنهجِ والعَقيدة؛ قال: (هؤلاء ينبغي أن يُطلقَ عليهم: المَناهِجَة)! وهذا مِن أقبح التنابزِ بالألقابِ، الذي لا حقَّ فيه ولا صوابَ! ولا حول ولا قوة إلا بالله.
آخر نقطة أذكرُها -مِن باب أمانةِ العِلم-: أنني قرأتُ في »الفتاوى المكيَّة« للشيخ مُقبل بن هادي الوادِعي أنَّه دخل على إحدى المكتباتِ، فوَجد مكتوبًا على بعضٍ من جوانبِها: (كتب المنهج)، ووضعوا في المكتبةِ -نفسِها- جانبًا آخرَ، أو في جانبٍ آخر بطاقةً كُتِب عليها: (كتب القُرآن والسُّنَّة)؛ فقال: (ارفعوا هذه الكلمةَ = (المنهج)؛ لأن (المنهج) هو القُرآن والسُّنة، لا يوجد مَنهج بغيرِ قُرآن وسُنَّة)، فلم يرتضِ الشيخُ مُقبل -رحمه الله-تعالى- استعمالَ كلمةِ (المنهج) على المعنى الذي قد يُؤدِّي إلى التفريقِ بين العلمِ وسُلوكِه -مِن جهة-، وبين تطبيقِ الكِتاب والسُّنة -مِن جهة أخرى-. حتى قيل: إنه جاءه طلبتُه يقولون له: نريدُ أن تُدرِّسَنا المنهج؛ فقال: وماذا نُدرِّس نحن إلا »البخاري« و»مسلم« و»ابن كثير« و»ابن جرير«؟! هذه علومُ القرآن والسُّنة، هذا هو المنهج.
لكن الأمر -كما ذكرنا- نَحمِلُه على أحسن مَحامِلِه، ونأخذه على أكرمِ وُجوهِه، فالشيخ مقبل -لا شكَّ ولا رَيب- مِن علماء هذا الزمان الأكابر الذين نفع اللهُ بهم اليمنَ، قد كانت بيئتُه -كلُّها- شيعيةً حتى الآن انقلبَ أكثرُها إلى السُّنة، وليس -فقط- إلى السُّنة؛ بل إلى العِلم والتعلُّم والتَّعليم ونشـرِ السُّنَّة ومُناصرتِها. واللهُ المُستعان، ولا حولَ ولا قُوةَ إلا باللهِ -سبحانه وتعالى-.
فإذا أحد مِن الإخوة عنده سؤال مُتعلِّق فيما نذكره -الآن- مِن كلمةِ (المنهج) وما يتصل؛ بها فلا بأس أن نأخذ سؤالًا أو سؤالين في هذا الأمر. وأما الأصول المنهجية التي سنطرحها؛ فسيكون في كل مجلسٍ -مما سيأتينا-إن شاء الله- بابٌ في قضيةٍ ذات أثرٍ ونفعٍ -إن شاء الله- لنا ولإخوانِنا -جميعًا-. والله المستعان، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله، وآخرُ دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
من عنده سؤال -أيها الإخوة!-فيما سمعتُم-. تفضل.
س/ [غير واضح].
ج/ قد يُقال. فحينئذٍ: يكون الاستعمال لُغويًّا. قد يُقال. لكنْ؛ إذا قلنا: (منهج)؛ فنقصد -بذلك- السلوك الذي تَبعتْه هذه الجماعة أو تلك، وهو سُلوك واضح فيه انحرافُهم، ليس بالضـرورة، لكن استعمال القُرآن: {لكلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}، (مِنْهَاجًا) حقًّا -لا شكَّ، ولا رَيب-؛ إذًا: الأصلُ في استعمال كلمة (المنهج) إذا أُطلق ؛ أنه يُرادُ به: (المنهج الحق). ولكن؛ إذا استُعمِل بما تتوضحُ فيه صِفتُه، أو بما يُضاف إليه مِن بيان يَكشف انحرافَ هذا الشـيء أو ذاك؛ فهذا كما يُقال: (مِنهاج الضلالة)، أو (مِنهاجٌ ضالٌّ)؛ حينئذٍ: لا نحتاج إلى أن نأخذَ (المنهج) -هنا- على ذاك المعنى؛ وإنما هو على المعنى اللغوي. والله -تعالى- أعلم. نعم؛ تفضل!
س/ [غير واضح].
ج/ بالعكس. الذي ذكرتُه فيه تطبيقٌ تامٌّ -تمامَ المعنى- لما تُشيرُ إليه مما تقول إنه أشكل عليك. بمعنى: الآن أنت ذكرتَ زيدًا وعَمْرًا. واقع زيدٍ وعمرو هذا -في الحقيقة-، ولو كانت عقيدتُه -في نفسِه- في باب الأسماء والصفات، أو الألوهية، أو الإيمان، أو ما أشبه؛ سَلفيًّا، لكن؛ انحرافُه المنهجيُّ، وخللُه المنهجي أثَّر على هذه العقيدة! لم تَعد معاملاتُه وولاؤه وبراؤه على العقيدة، لم يعُدْ مُقدِّمًا لأهلِ السُّنَّةِ بسببِ عقيدتِهم؛ وإنما صارتْ نظرتُه وتطبيقاتُه مرتبطةً بمنهجِه المنحرفِ أكثرَ مِن ارتباطِه بعقيدتِه -في نفسِه- التي أصابَها الخللُ والوهَن بسببِ ذلك المنهج. وهذا تطبيقٌ حَسن لنفس الذي ذكرت إليه، وهو -في الحقيقة- تأييد وتوكيد، وليس هو إشكالًا -إنْ شاءَ اللهُ-. نعم؛ تفضل!
س/نحن نقول في بعض اللقاءاتِ: (ننهجُ منهَج السلف)؟
ج/(ننهَج) -هنا-: بمعنى (نتَّبع ونسلك)، وهذا في المعنى اللغوي.
س/ ونقول -أيضًا-: (نتَّبع)؛ أيهما [..]؟
ج/لا فرق. المعنى لغوي، واللغة فيها اتِّساع -واللهُ -تَعالَى- أعلَم-. تفضل.
س/(المنهج) -بالمعنى العام- [هل يجوز لنا] أن نقول: يشمل الإسلام كلَّه، لكن [...] كلمة (المنهج) في عصرنا هذا: هل يُقصد به: منهج سلفنا، وفهم سلفنا للكتاب والسنة في كيفية تعاملهم مع أهل البدع، ومع ...
ج/ ليس شرطًا قضية التعامُل، المنهج يشملُ الفَهم. الفَهم شيءٌ مُتأصِّلٌ في الذَّات؛ بينما التعامل شيء مُتعدٍّ إلى الآخرِين. فالمنهج -بالاصطلاح العام- ونحن ذكرنا هذا، ذكرنا: كلمة المنهج أشمل مِن العقيدةِ؛ لأنها تشمل العقيدة والأحكام والعباداتِ والسُّلوك. لكن؛ عندما نقول: (أصول في المنهج)؛ لا نقصد بها الدِّين الذي يشمل العقيدة ويشمل كذا، ولكن؛ نقصد بها أصول الفَهم المنقول عن السلفِ الصالح في التفهُّم للدِّين، وفي التعامل في مسائل العِلم مع الآخَرِين -سواءٌ مِن المبتدِعين أو مِن أهلِ السُّنة وغيرِهم-. نعم؛ تفضَّل!
س/( غير واضح )
ج/ نحن ذكرنا -بارك الله فيك- أن المعاني اللغوية قد تتداخل، وبالتالي: الذي ذكر أن (العقيدة) أشمل مِن (المنهج)؛ جعل المنهج -هنا- بالمعنى الاصطلاحي الضيِّق -الذي أشرتُ إليه أنا والأخ الكريم-قبل قليل-. أما المصطلح الأوسع للمنهج؛ فهو شامل للدِّينِ -كلِّه-، {لكلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}، فهذا أشمل؛ لا يشمل -فقط العقيدة- حتى نقول بأنه عقيدة؛ بل هو يشمل العقيدة والأخلاقَ والأحكام والمعاملات والسُّلوك. . وغير ذلك...
س/ هل كل مَن خالف شيئًا مِن المنهج يَكونُ مُبتدِعًا؟
ج/ هذا بابٌ مستقلٌّ يجب بحثُه وطرقُه.
س/يقول: أيهما أهمُّ: المنهج أم العقيدة؟
ج/ أظنُّ أننا ذَكرنا ذلك، وأشرنا إلى الصِّلة بين المنهجِ والعقيدة، وأنَّ العقيدةَ الصالحةَ إذا لم يكنْ لصاحبِها منهجٌ صالِح؛ فإنه سيؤثِّر عليه، وبالتالي: فأنا أعتقدُ أنَّ المنهج بالمعنى الدقيق -الذي ذكرناه- أهم مِن العقيدة؛ لأنَّك لا تتخيل صاحبَ منهجٍ صحيحٍ تكون عقيدتُه باطلة، واللهُ المستعان.
   طباعة 
0 صوت
Powered by: MktbaGold 6.5