منتدى (كل السلفيين) .. لماذا؟!

منتدى (كل السلفيين) .. لماذا؟!
1924 زائر
01-01-1970 01:00
علي بن حسن الحلبي


إنَّ الْحَمْدَ لله؛ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُـوذُ بِالله مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ الله؛ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ؛ فَلاَ هَادِيَ له.
وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إلَهَ إلاَّ الله -وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ-.
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
أمـا بعـد:
ففي الوقت الذي نحرصُ فيه (نحنُ) على الائتلاف، والتجمّع، والاتفاق:
يَجِدُّ (غيرُنا) -وللأسف- في توسيعِ الاختلاف، وتعميق الخَلَل، وتجذير الافتراق!
فها هي ذي (بعضُ) المواقعِ السلفيةِ -التي (يُفْتَرَضُ) أنْ تكونَ (أنظفَ) المواقعِ، وأضْبَطَها، وأحسنَها، وأجمعَها للكلمةِ، وأتْقَنَها للمنهج: تُمارسُ -فوا أسفي الشديد- ألواناً مِن الضغط، وأصنافاً مِن (الإرهاب الفِكري!)...
وعلى مَن؟!
على إخوانِهم السلفيِّين...
على مَن معهم في المنهج...
في العقيدة...
في نُصرةِ السُّنَّةِ والدِّين...
في مُضادَّة البدعة والمبتدعين...
في مُناقَضَةِ الحزبيِّين، والتكفيريِّين، وجميع ذوي الأفكار المنحرفةِ!!
وَمَعَ ذلك:
تَحذِفُ تلكم (المواقعُ) مُشاركاتِ هؤلاء الإخوة...
وتشطبُهم من قوائِمِها..
وتُجمِّدهم مِن التعاون معها...
وتُوْقِفُهُم...
... صنائعَ باطلةً حِزْبِيَّة، وأساليبَ دخيلةً عصبيَّة؛ لا نقبلُها لأنفُسِنا، ولا نرضاها لإخوانِنا..
ولماذا؟!
لأنَّهم خالفوا مَن له يُقَلِّدُون -أو يتَّبِعُون!- في (بعضِ) مسائلَ قابِلةٍ للاجتهاد الشرعيِّ السائغِ:
سواءٌ في تقديرٍ مصلحةٍ معيَّنةٍ تُجلَبُ!!
أو ترجيح مفسدةٍ -ما- تُدْفَعُ!!
أو اختِيارٍ (اجتهاديٍّ) لقولٍ في شخصٍ انْتُقِدَت عليه مواقفُ، أو مقولات!!
فكان ماذا؟!
هل بمثل هذه (الترجيحات) -أو تِلْكُمُ (الاجتهادات)- يُفَرَّقُ بين السلفيِّين، ويُرمى المُخالِفُ لرأيٍ -ما- بالقولِ المُشين!؟
ولماذا لا يَعكِس هذا على أولئك؛ فيرمِيَهم بمثل ما رُمِيَ به؟!
فهل هكذا تُحَلُّ الخلافات؟!
وهل هكذا تجتمعُ الكلمة؟!
وهل هكذا يلتئمُ الجمعُ؟!
... لماذا لا نفتحُ صفحاتٍ مُشرِقةً للحِوارِ الأَخَوِيِّ الصادق الودود -ولو اخْتَلَفْنَا-؛ نُعَلِّم فيها غيرَنا أصولَ البحثِ العلميِّ، والمناظرةِ الصحيحةِ:
تكونُ فيه الحُجَّة بالحُجَّة...
والدليل بالدليل..
والبُرهان بالبُرهان..
... غَيْرَ مُكتفين بالتشغيب مِن بعيد!!
وغيرَ واقِفِين عند التلميحِ القبيح!!
وغيرَ مُنتَهِين إلى تضخيم الأمور -خَبْطَ لزقٍ- بغيرِ بيِّنات!!
نعم؛ هذا هو أكثرُ الذي يحدُثُ...
وما أجملَ ما قالهُ فضيلةُ الشيخِ ربيعِ بنِ هادي -وفَّقَهُ اللهُ- قبلَ أكثرَ مِن خمسةَ عشرَ عاماً- في كتابهِ «مُجازفات الحَدَّاد» (ص68) -ناصِحاً-:
«... لا نُضَيِّعُ أنفُسَنا وشبابَنا وأوقاتَنا في معاركَ مفتعلةٍ لضربِ المنهجِ السَّلَفِيِّ، وتفريقِ صُفوفِ أهلِه، وغَرْسِ الشَّحْناءِ والعداوة بين الشباب السَّلَفِيِّ، واتِّخاذِ الطَّعْنِ في أفرادٍ وَقَعُوا في بعضِ البِدَعِ قاعدةَ انطلاقٍ للدَّعْوَةِ يقومُ عليها الولاءُ والبراءُ، واحترافُ الكذِبِ، والطعنُ والتجريحُ لأهلِ السُّنَّةِ والحقِّ».
فهلْ دارَ الزَّمانُ دورتَهُ -مِن جديدٍ-؟!
... فلقد تابَعْتُ -بدقَّةٍ- (كثيراً) مِن المقالاتِ، والتعليقاتِ، والتأييداتِ -الجاريةِ في (المواقعَ)، و(الشَّبكات)!!!
فلمْ أَرَ في أكثرِ ذلك -والذي لا يُحْلَفُ إلاّ بهِ- إلاّ ما يُذَكِّرُني بقول القائل:

ألقابُ مـملكةٍ في غـير موضعِها كالهِرِّ يحكِي انتفاخاً صَوْلَةَ الأسَدِ!

طَعْناً وطَحْناً...
تبديعاً وتشنيعاً...
بالتهويل -ولا دليل-!
... أين (السلفية) التي لا تَعارُضَ فيها بين (تقدير العلماء واحترامِهم) -مِن جهةٍ-، وبين (قَبولِ ما وافَقَ الحقّ، وردِّ ما خالف الصوابَ -منهم-) -مِن جهةٍ أُخرى-؟!
هذه -واللـهِ- هي (السلفيةُ) الحقَّةُ...
الخالصةُ...
الصفيَّة...
النقيَّة...
وليست (السلفيةُ) -التي نفهمُ ونعرفُ- هي ذاك النمطَ الجديدَ الذي يتستَّرُ -اليومَ- وراءَ (أنوار) الإكبار للكِبار -مع أنَّهُ حقٌّ- لتسريب (ظلام) التقليد بثوبٍ جديد -وهو باطلٌ-!!
... ومِن أصعبِ شيءٍ على ذي العقل الرشيد: توضيحُ البدهيَّات، والتدليل على الواضحات!
إذْ هذا الذي أُقرِّرُهُ -الآنَ- هو حقٌّ خالصٌ؛ لا يختلفُ فيه -مِن السَّلَفِيِّين- اثنان، ولا يَنْتَطِحُ فيه كبشان..
ولعلَّهُ بالمثالِ يتَّضِحُ -أكثرَ- الاستدلال:
- أليس الشافعيُّ، ومالك، وأحمدُ، وإسحاق -وأمثالُهم مِن أئمة العِلمِ -: كباراً كباراً؟!
فلماذا لا نُقَلِّدُهُم؛ بل نرفُضُ تقليدَهم؟!
- أليس الألبانيُّ، وابنُ باز، وابنُ عُثيمين -ومَن في طبقتِهم-: كِباراً؟!
فلماذا لا نُقَلِّدُهُم؛ بل نرفُضُ تقليدَهم؟!
- أليسَ العبَّاد، والفَوْزان، وصالح آل الشيخ -ومَن هو مِثْلُهُم-: علماءَ؟!
فلماذا لا نُقَلِّدُهُم؛ بل نرفُضُ تقليدَهم؟!
... فلو رَضِينا بتقليدِ هذه الطبقةِ -الثالثةِ- حَسَبَ تقسيمي -هُنا- تحت أيِّ اسمٍ أو مُسَمَّى!- لكان أوْلَى وأوْلَى تقليدُ مَن قبلها -مِن الثانية-؛ فضلاً عن الأُولى!
فإذْ كان رَفْضُنَا لتقليد الطبقة الأُولى -وهي الأَوْلَى بلا شَكّ-؛ فرفضُنَا لتقليدِ الطبقة الثانية -فما بعدَها- أَوْلَى وأوْلَى...
بل نَبْذُ التقليد -بكافةِ صُورِه، وأشكالِه، وأسمائِه (!) - أعظمُ ما يُمَيِّزُ دعوتنا السلفيَّةَ المُباركة -والفضلُ لله -وحدَهُ- على غيرِها مِن دَعواتِ الأحزاب، المُفارقةِ لأدِلَّةِ الحقِّ والصواب...
وهذا تقريرٌ مُسَلَّمٌ، لا يحتاجُ إلى كبيرِ كلامٍ أو قولٍ -عند مَن يدري ويعقلُ-:
قال الإمامُ مسلمٌ في مقدِّمةِ «صحيحِه» (1/6):
«.. فلا يُقَصَّرُ بالرَّجُلِ العالي القَدْرِ عن دَرَجَتِهِ، ولا يُرْفَعُ مُتَّضِعُ القَدْرِ في العلمِ فوقَ منـزلتِه؛ ويُعْطَى كُلُّ ذي حَقٍّ فيه حَقَّهُ، ويُنَزَّلُ منـزلتَهُ».
وعليه؛ فإنَّ آفتَنا الكُبرى -اليومَ- مِن باب (الدُّود مِن العُود!)-:مِمَّن يُسَرِّبُ إلينا التقليدَ بثوبٍ جديد؛ ظاهرُهُ فيه الرحمةُ، وباطنُهُ مِن قِبَلِهِ العذاب!
نعم؛ قد يفقدُ (البعضُ) آليةَ النظر، أو القُدْرَةَ على الاجتهاد: (فيُجِيزُ) لنفسِه -أو يُجَوِّزُ له غيرُهُ!- تقليدَ عالمٍ ما:
فهذا لا بأسَ به -ألْبَتَّةَ-...
لكنْ؛ أنْ يجعلَ هُوَ (تقليدَه) -هذا -الذي جُوِّز للضرورةِ- واجباً على غيرهِ، يُنْكِرُ على غيرِه -بسبِبِه- رَفْضَهُ عليه، ويُوَجِّهُ -فيهِ- سهامَه إليه:
فهذه انتكاسةٌ عُظْمَى، مُسْقِطَةٌ لأبجديَّات منهج السلَف العظيم، الذي تلَقَّيْناهُ عن ساداتنا المُجْمَع على جلالتهم: الشيخ ابن باز، والشيخ الألباني، والشيخ ابن عُثيمين -رحمهُمُ اللهُ -أجمعين-..
والذي نراهُ -اليومَ-: عكسُ ذلك-تماماً- ظهراً لبَطْنٍ-؛ إذْ (كِدْنَا) لا نَرَى تعظيماً للدليل بقَدْرِ ما نَرَى تعظيماً لِـ(بعضِ) الشيوخ -مِـمَّنْ هُم يستحقُّونَ الاحترامَ -بلا شكٍّ-!!
ولكن؛ ما هكذا تُوْرَدُ الإبلُ -يا قوم-؛ فـمِنَ المُقَرَّرِ عند كُلِّ ذي عَقْلٍ مِن التقليدِ (مُحَرَّر): أنَّ أقوالَ العلماءِ -مهما كانوا (كِباراً)- يُحْتَجُّ لها، ولا يُحْتَجُّ -مُطلقاً- بها...
فَلِمَ نُغالِطُ أنفُسَنا، ونُغَلِّطُ غيرَنا؟!
وقد قال الإمامُ ابنُ رَجَبٍ الحنبليُّ في «الفَرْق بين النصيحةِ والتَّعْيير» (ص8 - بتحقيقي/ طَبْع سنة 1406هـ):
«كان أئمّةُ السَّلَفِ -المُجْمَعُ على علمِهم وفضلِهم- يَقْبَلُونَ الحَقَّ ممَّن أوردَهُ عليهِم -وإنْ كان صغيراً-، ويُوصُونَ أصحابَهم وأتْباعَهُم بقَبُولِ الحقِّ إذا ظَهَرَ في غيرِ قولِهم».
... سلفيَّةً هادِيَةً سديدةً...
ومنهجيَّةً عاليةً رشيدةً...
لا تختلِطُ فيها الحُقوقُ...
ولا يُشَوَّهُ فيها بدَعاوَى العُقوق!
فَحَقُّ احترامِ العالمِ (الكبيرِ) لا يَنْقُضُهُ حقُّ مطالبتِه بالدَّلِيل المُشْرِق المُنير...
فلا (كبيرَ) في العلمِ إلاّ العِلمُ...
أمَّا ذوو (التقليد) وأصحابُهُ: فيخلِطُون، ويَغْلَطُون، بل ويُغَلِّطُون!!!
... كُلُّ ذلك بفارغ الكلام، وخفيف القولِ...
فلا نُطيل!
وبعدُ:
فلماذا (كُلّ السَّلَفِيِّين) -في هذا (المنتدى) الأمين-؟!
حتى تجتمعَ الكلمةُ على بيِّنَةِ الهُدَى...
وحتى تَأْتَلِفَ القُلوبُ على نورِ الحقِّ...
وحتى تذوبَ الفوارقُ (العُنصريَّةُ) -جميعاً-...
وحتى تَضْمَحِلَّ مِن أذهانِنا أدنى (أدنى) صُوَرِ العصبيَّةِ المقيتةِ...
وحتى تَنْمَحِيَ مِن قواميسِنا وجوهُ (التقليد) ونظائرُه -تحت أيِّ اسمٍ، وتحت أيِّ ذريعة-...
ليكون (مُنتدانا) اسماً على مُسمَّى -بإذنِ الله-؛ على نحو ما قال الإمامُ أبو عبد الله الحاكمُ النَّيْسَابُورِيُّ -ولمْ يَسْلَمْ -رحمهُ اللهُ-؛ فَقَد (اتُّهِمَ) بالتَّشَيُّع!- في كتابِه «معرفة علوم الحديث» (ص3) -في معرِضِ مدحِه لأهل السُّنَّة-:
«وأهلُ السُّنَّة -قاطبةً- إخوانُهُم-».
... نَعَم؛ نُريدُ السلفيةَ المشرقةَ المضيئةَ:
سلفيَّةَ الحُجَّة والدليل..
لا سلفيةَ التقليد العليل، والتعصُّب الذليل لمحض الأقاويل!!
حتَّى يكونَ الانتصارُ للحقِّ: لأنَّهُ (حقّ)؛ لا لأجلِ أحدٍ -ما- كائناً مَنْ كان!- مِن فُضَلاءِ (الخَلْق)...
ولستُ أستبعدُ -بعدَ كُلِّ هذا الإيضاح والتوضيحِ -أن يأتيَ ظالمٌ لنفسِه -ولغيرِه!- ليتَّهِمَ (مُنْتَدَانا) هذا -كالعادةِ!- تشويهاً وتَهْويشاً- بأنَّهُ مِن دُعاة (المنهج الأَفْيَح)!!!
أو رُعاة التمييع والتضييع!!!
فنقولُ:
(لا)... بل ألفُ (لا)...
فنحنُ -والحمدُ للـهِ- وحدَهُ- على المنهج السلفيِّ الغالي العزيز المُتَمَيِّز...
منهج السلَف الصالحِ؛ الذي حَمَلَ رايَتَهُ -بقُوَّةٍ وثبات- أئمَّتُنا الكِبار، وعُلماؤُنا الثِّقات؛ في سِلسلةٍ ذهبيَّةٍ مُباركة، لا يَفُتُّ عَضُدَها تشكيك، ولا يَفُلُّ حديدَها توهين!
وكما قيل: (الشمسُ لا تُغَطَّى بغِربال)!
فالحقُّ أبلج، والباطلُ لجلج -على كُلِّ حال-..
وأخيراً:
لن يكونَ (مُنتدانا) -هذا- سيفاً ضِدَّ أيِّ (موقع) سلفيّ، ولا سِلاحاً مُوجَّهاً نحو أيِّ (أخٍ) سلفيّ:
فلا تعنُّتَ، ولا إرهابَ...
لا تهديد، ولا وعيد...
لا إسقاط، ولا تَضْلِيل...
مع إقْرارِنا -ابتداءً- بأنَّ الدّافِعَنا (!) لإنْشاءِ هذا الموقع -أساساً-: ما مُورِسَ علينا -وعلى إخوانِنا- مِن جهةِ تِلكَ (المواقع السلفيَّة!)-وللأسَفِ!- مِن ظُلْمٍ شديد، وكَبْتٍ مديد، وقولٍ غير حقٍّ ولا سديد!!
فالأمرُ - مَعَهُم (!) - على نحوِ ما قيل -قديماً-:

وظلمُ ذوي القُربَـى أشدُّ مـضاضةً على النفسِ مِن وَقْعِ الحُسامِ المُهَنَّدِ!

... ولكنَّنا سَنَظَلُّ نُنَاصِحُ، ونتناصَحُ..
ونتواصى بالحقِّ، ونتواصى بالصبرِ..
وسنحرصُ -جدًّا جدًّا- على الرِّفْقِ، واللِّينِ..
وسنحرصُ -أكثرَ وأكثرَ- على جمعِ كلمةِ (كُلِّ السلفيِّين)..
حتى نرجعَ كما كُنَّا:
مثالَ الوحدةِ والائتلاف..
مثالَ الجمعِ والاتِّفاق...
كما هو شعارُ السُّنَّةِ، وإطارُ أهل السُّنَّة...
وبِقَدْرِ مُفارقتِنا لشعارِهم: تكونُ مُخالفتُنا منهجَهم وحقَّهم -رضيَ اللهُ عنهُم-...

ومِن بابِ {فاقصُصِ القَصَصَ لعلَّهُم يَتَفَكَّرُون}: أُوْرِدُ -لسائرِ إخوانِنا السلفِيِّين (المُختلفين!) -كيفما كانوا- {لَعلَّهُم يفقهون}- ما ذكرهُ الإمامُ العلاّمةُ محمد بن عبد الهادي الحنبلي (المُتَوَفَّى سنةَ 744هـ) -رحِمَهُ اللهُ- في كتابِه «الانتصار» (ص189-190)؛ ذاكِراً -رحمهُ اللهُ- بعضَ أحوالِ (شيخِهِ) شيخ الإسلام ابنِ تيميَّةَ -رحمهُ اللهُ-:
«فلما كان في رابعِ شهرِ رجبٍ -مِن سَنَةِ إحدى عشرةَ وسَبْعِمائَة-: جاء رجلٌ -فيما بَلَغَني- إلى أخيهِ الشيخ شَرَف الدِّين -وهو في مسكنِه بالقاهرةِ-، فقال له:
إنَّ جماعةً بجامعِ مصرَ قد تعصَّبوا على الشيخ [ابن تيميَّة]، وتفرَّدوا به، وضربوه.
فقال: حسبُنا الله ونِعْمَ الوكيل!
وكان بعضُ أصحاب الشيخ جالساً عند شرف الدين، قال:
فقمتُ مِن عنده، وجئتُ إلى مصرَ، فوجدتُ خلقاً كثيراً مِن الحُسَينية -وغيرها- رجالاً وفُرساناً- يسألون عن الشيخِ؟
فجئتُ، فوجدتُهُ بمسجد الفخرِ -كاتب المماليك- على البحر، واجتمع عنده جماعةٌ، وتتابَعَ الناسُ، وقال له بعضُهم:
يا سيِّدي؛ قد جاء خَلْقٌ من الحُسينية، ولو أمرتَهم أن يهدموا مِصْرَ -كُلَّها-؛ لفعلوا.
فقال لهم الشيخ: لأيِّ شيء؟!!
قال: لأجلك.
فقال لهم: هذا ما يحقّ.
فقالوا: نحن نذهبُ إلى بيوتِ هؤلاء الذين آذَوْكَ، فنقتلُهم، ونُخَرِّبُ دُورَهم؛ فإنهم شَوَّشُوا على الخَلْقِ، وأثاروا هذه الفتنةَ على الناس.
فقال لهم: هذا ما يَحِلُّ.
قالوا: فهذا الذي قد فعلوه معك، يَحِلُّ؟!! هذا شيءٌ لا نصبرُ عليه!! ولا بُدَّ أنْ نَرُوحَ إليهم، ونُقَاتِلَهُم على ما فعلوا..
والشيخُ ينهاهُم ويزجُرُهم.
فلمَّا أكْثَرُوا في القولِ، قال لهم:
إمَّا أنْ يكونَ الحقُّ لي، أو لكم، أو للـهِ:
- فإنْ كان الحقُّ لي: فهم في حِلٍّ منه.
- وإنْ كان لكم: فإذَنْ؛ لا تَسْمَعُوا منِّي، ولا تستفتوني! فافعلوا ما شئتم!
- وإنْ كان الحقُّ لله: فاللهُ يأخُذُ حقه -إن شاء- كما يَشَاءُ-!!
قالوا : فهذا الذي فعلوه معك؛ هو حلالٌ لهم؟!
قال: هذا الذي فعلوهُ: قد يكونُونَ مُثَابِينَ عليه، مأجورين فيه!
قالوا: فتكونُ أنتَ على الباطلِ، وهم على الحق!؟ فإذا كنت تقولُ: إنهم مأجورون، فاسمعْ منهم، ووافِقْهم على قولِهم!!
فقال لهم: ما الأمرُ كما تزعُمون؛ فإنَّهم قد يكونون مجتهدين مخطئين، فَفَعلوا ذلك باجتهادِهم، والمجتهدُ المخطئُ له أجرٌ!!!». اهـ.
أقولُ -وبهِ سُبحانَهُ- أَصُولُ وأَجُولُ-:
فبربِّكُم:
أينَ نحنُ مِن هذا الإمام؟!
ومِن أخلاقِه العِظام؟!
والذي هو -بحقٍّ- شيخُ الإسلام...
أين؟! أين -أيُّها الكِرام-؟!
... نرضى (منكم) -بل مِن (أنْفُسِنا) قبلَكُم!- بأقلَّ مِن هذا، وأدْنَى:
- نرضى باحتمالِ الرأيِ المخالفِ -ضمن إطارِ العِلم والحِلْم-..
- نرضى بالسَّماعِ لِـمَنْ له (اجتهادٌ) يُخالفُ ما نحنُ -أو أنتم!- عليه- ضِمْنَ ضوابط الشرع الحكيم-...
... كُلُّ ذلك ضِمنَ أصلِ أهلِ السُّنَّةِ الأثيل، ومنهج السَّلَف الأصيلِ -النَّافي كُلَّ دَخيل-: رَبْط الحقِّ بدلائلِه؛ لا بقائلِه؛ نُناقِشُهُ، ونُحاوِرُهُ.
فَلأَقُلْها -بصريحِ العِبارةِ-:
حتَّى هذا -كما هُوَ- كِدْنا لا نراهُ إلاّ في كتاب...
أو تحتَ تُراب...
... فواغَوْثَاه...

* * * * *
   طباعة 
0 صوت
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل
Powered by: MktbaGold 6.5