الجرح والتعديل -أصول وضوابط- ، للشيخ علي الحلبي

الجرح والتعديل -أصول وضوابط- ، للشيخ علي الحلبي
6761 زائر
01-01-1970 01:00

إن الحمد لله ، نحمده ، ونستعينه ، ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، وسيئات أعمالنا .
من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له .
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .
أما بعد : فإن أصدق الحديث كلام الله ، وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم - وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار .
وبعد : فإننا نَذْكُرُ ونُذَكِّرُ ونكررُ – دائما – بقول النبي – صلى الله عليه وسلم – في حديث مروي من طرق ، والذي صححه جماعة من أهل العلم وهو قوله – عليه الصلاة والسلام - : يحمل هذا العلم من خلف عدوله ، ينفون عنه تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين (1) .
فهذا الحديث – أيها الإخوة في الله – أصل من أصول المنهج العلمي الإسلامي ، وقاعدة من أجل قواعده ، وأس من أبين أسسه ؛ ذلكم أنه يبين مهمة لا تنقطع ، ووظيفة لا تنفد ، ومسؤولية جسيمة ملقاة على كواهل عدول الأمة : من العلماء والأئمة .
هذه الوظيفة وهذه المهمة مبنية على ما ورد في الحديث ( ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ).
كيف للمسلم أن يميز بين المبطل والمحق ؟
وكيف له أن يتميز له المدعي من صاحب الحق ؟
وكيف له أن يدري على وجه السداد والتمام : الجاهل من العالم . لن يكون له قدرة على ما هو أدنى من ذلك - فضلا عن الوقوف على حقيقة ذلك - إلا ضمن قواعد علم الجرح والتعديل .
هذا العلم الذي بدأت بواكير قواعده تُبنى وتؤسس في عصر أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ثم تبلورت ، وازدهرت ، وتقعدت في عصر الفتنة ، كما ورد عن بعض التابعين [[ لم يكونوا يسألون عن الإسناد ؛ فلما وقعت الفتنة قالوا : سموا لنا رجالكم ، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم ، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم ]] (2) .
وكلمة ابن المبارك (3) – في ذلك – عالية غالية ( لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء ) .
والإسناد - بطبيعة الحال – لا يكون قائما في الهواء ، ولا موجودا في الخيال ، وإنما الإسناد مبني على قواعد ( علم الجرح والتعديل ) .
هذا العلم الذي تميزت به هذه الأمة عن غيرها من الأمم ؛ حتى لقبت – بحق – أمة الإسناد .
ولقد كتب بعض كُتَّاب النصارى في كتاب له صنفه حول ( مصطلح التاريخ ) وبهذا الاسم ! قال – بتعبيره الذي لا ينبني على شرع ؛ وإنما هو مبني على عقل - وليس العقل دائما يوافق الشرعَ - وإن كان مقصود الكافر فيما قال معروفا وواضحا ، وظاهرا ولائحا – قال : يجب على الأمم كلها أن تنحني – إجلالا – للأمة الإسلامية لما قررته ، وقعدته من قواعد الجرح والتعديل التي حفظت بها سيرة نبيها ، وتاريخ أمتها .
وهذا العلم – أيها الإخوة – كما أسلفت – يحمله الخالف عن السالف ، ويتلقاه الطلاب عن الشيوخ ، ويأخذه الأبناء عن الآباء ، ويتناوله الأحفاذ عن الأجداد : دائرة متاكلمة الأطراف ، ومنهجا متنامي الحقائق ؛ حتى يكتمل في هذه الأمة دورها ، وينتشر نورها . وليس – فقط – هذا العلم كما يتوهم المتوهمون هو علم فقط في الجيل الأول ، أو في العصر الأول ، أو أنه مقصور على كتب السنة، والحديث ، والأثر ! لا !
ولكنه ممتد – كما ورد في الحديث – ( يحمل هذا العلم من كل خلف ) أي من كل جيل ، فهذه إشارة إلى الاستمرار ، والعلو ، والوصول ، وليس إلى الانقطاع ، وليس إلى الانفصال ، وليس إلى البتر .
ورحم الله من قال : [[ لولا حملة المحابر لخطبت الزنادقة على المنابر ]] (4)!
لماذا ؟
لأن أهل العلم هؤلاء يبينون وجه الحق ، ويحذرون مما خالفه فضلاء الخلق ، فهم قائمون بالهدى ، ممتلئون بمائه وهوائه ، منتعشة قلوبُهم وعقولُهم ببهائه وجلائه ، وليسوا هم – فيما يفعلون – على أهوائهم يرتكزون ؛ وإنما هم بقواعد العلم وأهله عالمون عاملون .
وبالتالي – أيها الإخوة – فإنا كلامنا في هذا المجلس – الذي نرجو أن يكون مباركا – مؤصل حول بعض القواعد العلمية العملية ، والنظرية التطبقية في آن معا حتى تتضح الصورة ، وتظهر الحقيقة ، ونكون على ما يريد ربنا ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) [الآية (142) من سورة البقرة ] .
هذه المحاضرة ليست محاضرة فيما يتعلق بابن أبي حاتم ، أو ابن المديني ، أو أبي زرعة ، أو البخاري ، أو تلميذه الترمذي ، فضلا عن ابن حبان أو العقيلي ، أو ابن عدي ، وإن كان هؤلاء هم الذين أسسوا هذا العلم وقعدوه ، وتبثوه ورسخوه ، لكن كلامنا في هذه الأمسية الميمونة – إن شاء الله – متعلق بالتطبيق العلمي لهذه القواعد في العصر الحاضر ؛ سواء أكان هذا التطبيق :
متعلقا بالأفكار بعيدة عن أعيانها .
أو بالأعيان والدعاة إلى تلك الأفكار .
أو بالمؤلفات ، والتصانيف ، وما أشبهها مما يتصل بتلكم الأفكار وبأصحابها ، والقائمين بها .
وعليه – أيها الإخوة في الله – فثمة قواعد مهمة أبدأ بذكرها الواحدة تلو الأخرى ، وأذكر ما يتصل بها من حقائقها وشيء من أدلتها ؛ حتى يستنير العقل ؛ ليحيى من حي عن بينة ، ويهلك من هلك عن بينة - في علم يتجاذبه أقوام ولا يقيمونه على وجهه – إلا من رحم الله منهم - .



[ القاعدة الأولى ]




أما أول هذه القواعد أو أولاها - أيها الإخوة في الله – فهي ( أن المتكلمين في الرجال لهم شروط وصفات ) وليس كل ذي قلم ، أو أيُّ ذي لسان يحقّ له أن يتكلم في هذا العلم ، أو أن يكون منه بسبب ؛ وإنما لا يتكلم في هذا العلم – إذا نظرنا في كتب التاريخ ، وفي كتب الجرح والتعديل - التي أرختها تلكم التواريخ – نرى أنه في كل قرن ثمة أفراد قليلون ، وعلى الأصابع معدودون ، ومن أهل العلم معرفون : هم الذين – بهذا الأصل – يقومون . فليس الأمر مشاعا لكل أحد ؛ وإنما لا يقوم به إلا من اتصف بالصفات العالية ، وكانت فيه الشروط الغالية .
ومن أجل هذا صنف الإمام الذهبي – وهو من أكابر علماء الجرح والتعديل المتأخرين – كتابا سماه [[ ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل ]] (5).
إذن هم أفراد ، ومذكورون ، ومنصص عليهم ، ومعروفة أسماؤهم ، ليس كل من قال : هأنذا يكون حقا هو ( ذا ) وإنما هم فئات – التزكية فيهم واضحة ، والبينة من أمرهم جلية ، ويتكلمون بالأمانة ، والحق ، والحجة ، والبينة .
والعلامة الحافظ السَّخَاوي الذي جاء بعد الإمام الذهبي بنحو قرنين إلا قليلا له رسالة بعنوان ( المتكلمون في الرجال ) (6) – أيضا – تكلم فيها في القاعدة نفسها .
إذن : أول صفات المتكلم في الرجال في هذا العلم أن يكون :
خليا عن الأهواء .
أن يكون ذا أمانة .
أن يكون ذا علم .
أن يكون ذا تأنٍ .
أن يكون ذا بصيرة .
أن يكون ذا نظر دقيق ، وفهم عميق ؛ وإلا فإن كل نقص في هذه الصفات يكون نقصا في : أحكامه ، في أقواله .



[ القاعدة الثانية ]




أما القاعدة الثانية فهي من القواعد العلمية المقررة في كل العلوم وهي قولهم ( الحكم على الشيء فرع عن تصوره ) فلا يستطيع المتكلم في الجرح والتعديل أن يحكم بالحق على أحد من الخلق ، إلا إذا أحاط بالأمر المطروح – على الأقل – من جوانبه كافةً ، لا أن يتناول شيئا ويغيب عن أشياء ، أو أن تُغيَّبَ عنه أشياء ، وإنما عليه بالإحاطة ، كما أسلفت – على الأقل – فيما هو يسأل عنه ، أو يبحث فيه ، حتى يدفع الشبهة ، ويدرأ كل إشكال ، ويضم النظير إلى النظير ؛ حتى يكون عاملا حكمه ، أمينا في بيناته ، وهكذا كان طريق أهل العلم في الحديث ، فإنهم كان عندهم من حكم على أحاديث قاعدة الاعتبار وهي : النظر في الطرق والشواهد والمتابعات ؛ حتى يكون الحكم على هذا النص صحيحا .
وكذلك يكون النظر في الجرح والتعديل بأن لا يؤخذ قول وتترك أقوال ، وإنما يعمل بهذه الأقوال ضمن القواعد ؛ مثلا :
إن الجرح المفسر مقدم على التعديل المبهم .
أن هنالك من المجرحين من هو متعنت .
أن هنالك من المعدلين من هو متساهل .
أن التعديل المبهم يقبل إذا لم يقابل بجرح ، وهكذا في قواعد دقيقة لابد أن تطبق هذه القواعد ؛ حتى يكون الحكم صحيحا على قاعدة ( الحكم على الشيء فرع عن تصوره ) .
وكذلك – قد – يكون هنالك راوٍ لا يعرف فيه جرح ولا تعديل فنرى من طرائق أهل العلم وأساليبهم أنهم كانوا يعتمدون السبرَ ، والاستقراءَ ، والتتبعَ في النظر في روايات هذا الراوي ؛ حتى يحكموا عليه من خلال رواياته ، فإذا وجدوها موافقة لروايات الثقات ، فإنهم يأتمنونه ، ويقبلونه ، فإذا لم يجدوها كذلك فإنهم يردونه ويجرحونه ، ويطعنونه ، لكل حسبه ، ولكل سببه ، ولكل طريقته ، فليس الأمر هكذا ملقى على عواهنه في أمور هي من أهم أمور الدين ، ومن أعلاها ، وأولاها ، وأغلاها .

[ القاعدة الثالثة ]

كذلك أيها الإخوة قاعدة ثالثة
( أن منهج الجرح والتعديل مبني على الأصالة العلمية وليس هو من التقليد في شيء ، ولا إلى التقليد في شيء )
من أجل هذا فإننا نرى الحفاظ – متقدميهم ومتأخيرهم – يختلفون فيما بينهم حول أو في تصحيح الأحاديث وتضعيفها ، فكم من حديث صححه مسلم ضعفه البخاري ، مع أن البخاري شيخ مسلم ، ومع ذلك لم يروِ عنه مسلم في صحيحه !
كم من حديث صححه البخاري وضعفه أبو حاتم أم ولده ، وهكذا .
فلو كان التقليد مبنيا عليه هذا المنهجُ العلمي لقلد بعضهم بعضا ، وأخذ بعضهم من بعض ، ونقل بعضهم عن بعض ، لكن الأمر لم يكن كذلك ألبتة ؛ وإنما كان لكل نظره ، ولكل اعتباره ، ولكل اجتهاده – والاحترام ، والتقدير ، والتبجيل هو الأصل بينهم حتى ولو اختلفوا !
لماذا ؟
لأن اختلافهم في التطبيق ، وليس في التأصيل .
فاتفاقهم في التأصيل هو القاعدة ، ثم اختلافهم في التطبيق ، فيما كان أهلا للاجتهاد في هذا التطبيق فهو منه مقبول ، وعنه غير مرذول !
أما أن يقرأ البعض ورقات منتوفةً من هنا وهنالك ، ومشقوقة بعد التي واللَّتي ، ثم يتصدر : يجرح ويعدل ، فإن أولى قالات التجريح يجب أن تكون موجهة فيه ، ومهدفة إليه وعليه !
هذا العلم له قواعده المبنية على الأصالة ، والقائمة على الاستقلالية ، ليست على التقليد ولا إلى إليه ، ولكن هذا بمقابل لا ينفي أن يأتمن بعضُ أهل العلم بعضَهم في قليل من الأمور التي تخفى ، وهذا أمر طبيعي ؛ ولذلك كم من مرة سمعنا مشايخنا يقولون : لابد للعالم – ولو كان كبيرا – أن يقلد في بعض الشيء ؛ لأنه ليس كاملا ، وليس بكل شيء محيطا .
وها هنا نقطة في هذا المقام تَـبِـين وتظهر وهي ( العمل بخبر الثقة ) فقد فرق علماء الجرح والتعديل بين ( التقليد ) وبين ( العمل بخبر الثقة ) فجعلوا أخذ المبتدئ - أو قليل العلم - لتصحيح العالم أو تضعيفه ، وجرحه أو تعديله - أقول : جعلوا ذلك من باب ( العمل بخبر الثقة ) وليس من باب ( التقليد ) ؛ لأن باب التقليد مبني على التعصب ، بينما باب ( العمل بخبر الثقة ) قائم على الثقة بأمانة هذا المتكلم ، وبنصحه ، وصدقه ، وعلمه ، وفهمه ، فمن ها هنا هذا التفريق الدقيق .
وعليه أيها الإخوة : فإن أهل الحق ممن عندهم سوية من العلم عالية لا يجعلون مجرد الكلمة تقال في رجل سبيلا يجرحه ، ولا مجرد القول في عالم سني ، أو طالب علم نبوي ، أنه يكون ساقطا ، أو مسقَطاً إلا وافق ذلك حجة ، وبينة ، ودليلا ، أما أن يكون مجرد التوقيع ، أو الختم ، أو البصمة : مسقطة أو رافعة فليس هذا من الحق ولا إلى الحق .
وأختم هذه النقطة - وهي الأصل الثالث – بذكر أمر مهم وهو : أن فتح باب التقليد فتح لباب التعصب ؛ وبالتالي فإن التعصب ليس بعلم ، كما أن التقليد ليس بعلم ، فالمتعصب الذي يتعصب لزيد اليوم فإنه قد يتعصب عليه في الغد !
لماذا ؟
لأنه ليس ذا أهلية ؛ ولأن هذا الذي يقنعه بسطوته ، أو بإرهابه ، أو بصولجانه قد يردعه غيرُه في الغد ، فيصبح هذا المتعصب له اليوم متعصبا عليه في الغد ، لكن إذا كان العالم يأتمن طلبة العلم ، ويقربهم ، وينصحهم ، ويسددهم ، ويقومهم ، فإن هذا يكون كالطُّـنُبِ للبيت تثبتُه ، وترسخُه ، وتجدرُه أما أولئك المتعصبون لمجرد الأسماء ، أو الأعيان ، أو الجاه فإنهم سرعان ما ينقلبون ، ويرتكسون ، وينتكسون ، فوالله لا يُتَكَـثَّرُ بهم ، ولا ترفع الرؤوس إليهم .

[ القاعدة الرابعة ]

أما النقطة الرابعة ، فإن اختلاف علماء الجرح والتعديل في :
الرواة .
والفرق .
وفي المنتسبين إليها ، أمر لاينكر ، فلو نظرت في كتاب ( الميزان ) ، في كتاب ( التهذيب ) ، في غيرها من الكتب سترى من الرواة من يوصف بأنه مجروح ، وفي الوقت نفسه يوصف - من غير هذا الجارح - بأنه عدل ، أو يوصف من ثالث بأنه لا يعرفه .
وقد ترى آخر يوصف بأنه رافضي ، أو ناصبي ، وترى بعضا من أهل العلم يدافعون عن هذا ، ويذبون عن ذاك .
ابن جرير الطبري اتهم بالتشيع من أقوام ، ودافع عنه أقوام (7) .
أبو إسحاق الجوزجاني اتهم بالنصب - النصب أنه ناصبي ، ليس النصب أنه نصاب - ودافع عنه أقوام من أهل العلم (8) .
، فلو كان مجرد القول مسقطا ؛ لما وجد للدفاع مكان ، ولا للقول الآخر موضع ، ولكن هكذا أهل العلم يختلف بعضهم مع بعض ، لكن أكرر انطلاقا من قواعد صحيحة متفقة عليها ، ثم يكون اختلافهم في التطبيق ، وتنزيل هذه الحقائق ، والأصول النظرية على الواقع وعلى الأعيان .
فهم لا يختلفون أن الرفض والتشيع بدعة ، وأن النصب والنواصب مبتدَعة ومبتدِعة ، ولكنهم قد يختلفون في عبارة حكيت عن زيد ، أو مقولة نقلت عن عمرو ، فمن ثبتت عنده هذه المقولة فإنه يجرح ، ومن لا فلا ، فلنتأمل هذه النقطة أيها الإخوة في الله ، والاحترام قائم ، والاعتبار السني قائم ، فلم يبدع بعضهم بعضا ، ولم يضلل بعضهم بعضا ، نعم قد يخطئ بعضهم بعضا ، فهذا أمر محتمل ، وهذا أمر مقبول ، لكن من غير أن يصل الحال إلى الأوحال – عياذا بالله – هذه تكون قاصمة الظهر – نسأل الله العافية - .
انتهى الوجه الأول من الشريط .


وهذا بداية الوجه الثاني منه :

.... واختلافهم في ابن صياد أهو الدجال الأكبر ، أم لا معروف ، ومع ذلك لم يكن منهم هجر ، ولا زجر ، وإنما كان بينهم ، وفيهم ، ومنهم ، وإليهم : التقدير ، التوقير .
ونقطة متعلقة بهذا الأمر – أيها الإخوة في الله – أيضا – وهي : أن اختلافنا في غيرنا من :
مبتدع .
من حزبي .
من حركي .
من تكفيري .
من صوفي .
من غير ذلك ممن ليس بنقي ، لا يجوز أن يكون سببا نختلف فيه فيما بيننا ، فإن اختلفنا ، فليكن الاختلاف موصولا بوجهات النظر ؛ حتى ينصح بعضُنا بعضا ، ويوصل بعضنا حقه لأخيه ، أما أن نختلف فيما بيننا ؛ لأننا اختلفنا في هذا المبتدع ، أو في ذاك ، فنتدابر ، ونتقاطع ، ونتهاجر ، ونتصارم ؛ فإننا سنفتت بعضنا بعضا ، ولو بعد حين !
ومن سيكون الفرح ؟
ومن سيكون المسرور ؟
ومن سيكون ذا الحبور ؟
إلا هذا المبتدع الهالك المغرور !
لماذا ؟
لأنه أصبح ينظر وينتظر ، ينظر إلى الخصام ، وينتظر النتيجة (9) ؛ ليكون واحدٌ من هؤلاء المختلفين ساقطا ، فيرتاح منه ، وينأى بنفسه عنه .
فهذا الاختلاف الذي – قد – ينشأ بين أهل السنة ؛ لأنهم اختلفوا في غيرهم ، لم يختلفوا في غيرهم بسبب اختلافهم في الأصول ، أو في القواعد ، أو في التأصيل المنهجي ، وإنما اختلفوا في تطبيق هذه القواعد والأصول عليه .
فما عرفتُه قد لا تعرفه ، وما وقفتَ عليه قد يكون غائبا عني ، ويكون حكمي بقدر علمي ، ويكون حكمك مبنيا على معرفتك ؛ فتكون النتيجة منك بحسبك علمك ، ومني بحسب جهلي .
نعم ، هنالك خطأ ، لا يمكن أن يكون زيد أو عمرو سنيا ومبتدعا في آن ! لا بد أن يكون : إما سنيا ، وإما مبتدعا ، ولكن قد تختلف الأنظار ، كما اختلفت – من قبلُ – الأقوال .
لا يمكن أن يكون ثقة ، ومتروكا في آنٍ ، وإنما هذا يكون باختلاف الأنظار في الحكم على هذه الأفكار .
وكذلك – أيها الإخوة – لا يلزم من هذا الأمر – الذي أسلفته وذكرته من أن اختلفنا في غيرنا لا يجوز أن يكون اختلافا بيننا – أقول : لا يلزم من هذا أن نسكت عن الحق ، أو أن نغمض عيوننا عن الحق ، أو نغلق باب التواصي بالحق ، والتواصي بالصبر .
باب البيان ، باب النقد ، باب الراد ، فهذه أبواب مشْرَعة ، ولكن لمن هو أهل لها ، وبقواعدها المنضبطة ، وأصولها الأمنية .

[ القاعدة الخامسة ]

أما الأمر الخامس أو القاعدة الخامسة فهي ( قاعدة النصيحة ) والنصيحة أيها الإخوة هي الدين كما قال سيد المرسلين – عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم – ( الدين النصيحة ) (10) - مبتدأ وخبر ، كما قال عليه الصلاة والسلام ( الحج عرفة ) (11) ، هو الحج ليس عرفة فقط ! الحج : عرفة ، وطواف ، وسعي ، وغير ذلك من الأركان ، وإحرام ، وإهلال ، وتلبية ، لكن لما كان عرفة ، والوقوف فيها : أجلَّ المواقف ، وأعظمَ الأركان ، كان مثل هذا التخصيص ، ومثل هذا الحصر ، وبمثله ورد هذا الحديث النبوي ( الدين النصيحة ) ، ولم يكتفِ عليه السلام والسلام بأن يقول ذلك ( مرة ) بل قاله ( ثلاث مرات ) ( الدين النصيحة ، الدين النصيحة ، الدين النصيحة ) ثم مع هذا كثير منا – وللأسف – يهمل النصيحة ولا يعملها ، يتركها ولا يتمسك بها ، يجتنبها ولا يكون بجنبها ؛ مما أدى إلى :
تقاطع المودات .
وتصارم القلوب .
وإفساد النفوس – عياذا بالله تبارك وتعالى - .
والمنصحون – في جملتهم – ثلاثة أصناف :
أما الصنف الأول – والأَوْلَى – فهو السني الذي يبذر منه الخطأ والخطيئة ، فهذا السني هو أولى الناس بالنصح . لا أن نقف عن نصحه ، وأن نبتره ، وأن نقطعه ؛ لأنه أخطأ – ولو مرة أو مرتين - .

فلننظر إلى :

قواعده .
وإلى أصوله .
هل هي قواعدُ سنيةٌ ، وأصول سنية أم لا ؟ كما ورد عن بعض السلف ( أهل السنة مرفوعون عالون ولو قعدت بهم أعمالهم ) ؛ لأن قواعدهم صحيحة .
وأهل البدع مقهورون مخذلون ، ولو كثرت منهم أعمالهم ؛ ولذلك شيخ الإسلام ابن تَـيْـمِـيَّـة يقول – رحمه الله – : صحة التوحيد مع كثرة الذنوب خير من قلة الذنبوب مع فساد التوحيد (12) .
فجعل الأصل ماذا ؟
جعل الأصل : القاعدة ، والأساس ، والجذر ، والبنية ، ولم يجعل القاعدة والأساس : مجرد الفعل ، ولو كان خطأ أو خطأين .
إذن هذا السني الذي يصدر منه الخطأ والخطآن ، هذا يجب أن يُـتعاهَـد بالنصح ، وأن يُـتعاهَـد بالتذكير ، وأن يُـتعاهَـد بالبيان .
ثم الثاني : المنحرف الأصلي ، إنسان بعكس الأول : قواعده مبتدَعة ، وأصوله منحرفة ، ومع هذا فلا ننقطع عن نصحه ، ومن القائمون بنصحه ؟ أهل العلم الكبراء ، المأمنون الأوفياء ، وليس كل من هبَّ ودَرَج ، فإن الذي هب ودرج قد يصنح ، فإذا به هو المنصوح ، يريد أن يؤثِّر فإذا به المتأثر ؛ لذلك كان من أقوال السلف ( لا تمكن أذنيك من صاحب بدعة لئلا يورث في قلبك فتنة ) (13).
[[ دخل رجلان من أصحاب الأهواء على بن سيرين فقالا : يا أبا بكر نحدثك بحديث .
قال : لا .
قالا : فنقرأ عليك آية من كتاب الله .
قال : لا ؛ لتقومان عني ، أو لأقومن .
قال : فخرجا .
فقال بعض القوم : يا أبا بكر ! وما كان عليك أن يقرآ عليك آية من كتاب الله تعالى ؟
قال : إني خشيت أن يقرآ علي آية فيحرفانها فيقر ذلك في قلبي ]] (14) .
ويقول الحسن البصري [[ إذا رأيت مبتدعا في طريق ، فخذ في طريق آخر ]] (15) .
يقول الذهبي : نعم ؛ فإن القلوب ضعيفة ، والشبه خطّافة (16) .
نسأل الله العافية .
فهذا ينصحه الكبراء المأمنون – كما قلتُ – ليس العامةَ من الناس - فضلا عن الرَّعاع منهم - .
وهذا لو نصح في هذا الخطأ ، أو تلك الخطيئة ، فإنه أصلا مبتدِع ، فقد يرجع عن خطأ أو اثنين ، ولكنَّ أصوله المنحرفة لا تزال فيه ، ولا يزال غارق فيها ، فلنتامل هذه النقطةَ ، فإنها عكس الأولى سواء بسواء .
ثم الثالث
المبهم ، مجهول الحال ، المستور ، الذي لا يعرف فهذا أيضا ينصح ؛ لأنك لا تعرفه ، ونصحك له يكون في أعلى درجات الأمانة ؛ لأنك تقدم النصيحة خالصة ، من غير خلفيات تجعلك توجه النصيحة بصورة سلبية ؛ إذا كان منحرفا ، أو بصورة إيجابية ؛ إذا كان سنيا صادقا ، فأنت تقدمها من غير مؤثرات ؛ لعل الله يهديه .
ولو تأملنا – أيها الإخوة في الله – في أنفسنا – نحن الحاضرون – ها هنا لَمَاذا رأينا ؟
يقينا ! كان منا فاسق !! بل قد يكون كان منا كافر !!!
فنحن نعرف بعض الإخوة المهتدين الذين كانوا على غير دين الإسلام ، ثم وفقهم الله ، ونوَّر بصائرهم إلى هذا الدين .
ونعرف أناسا كانوا حزبيين غارقين ، فصاروا سنيين موحدين .
ونعرف أناسا كانوا مبتدعين منحرفين ، فصاروا دعاة إلى منهج السنة والحق واليقين ، ( كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم ) [ الآية (93) من سورة ( النساء ) ] . نعم .
ثم أيها الإخوة في الله – هؤلاء النفر الثلاث ، أو الأقسام الثلاثة ، لا يخرج ردُّ فعلهم عن النصيحة عن وجهين :


الوجه الأول : أن يكابروا فيها ، ويعاندوا بها ؛ حتى لو كان هذا المنصوح سنيا ! فإذا كابر وعاند ؛ فإن ذلك – قد – يكون سببا في إسقاطه ، وبُعْده ، وابتداعه ؛ لأنه كابر الحق ، فإذا رجع فحيَّ هلا به ، مع التحذير من هذا الغلط ، أو ذلك الخطأ .
أو أن يكون مجتهدا ، أو متأولا هذه النصيحة على وجه من وجوه الحق ، كمثل مسائل الخلاف العلمي ، أنا أعطيك حجتي ، وأنت تعطيني حجتك ، وأنا أسمع ما تقول ، وأنت تسمع ما أقول ، قد اقتنع ، وقد لا اقتنع ، قد تقتنع ، وقد لا تقتنع ، قد نخرج متفقين ، وقد نخرج مفترقين ، وهكذا .
فإذن هذه الصورة – صورة الاجتهاد في عدم قبول هذه النصيحة – تختلف عن صورة الإنكار ، والمكابرة ، والعناد – والعياذ بالله - .
ومع ذلك ! حتى عند العناد فأنا لا انصح أن يُصدر الواحدُ منا ( فرامانا ) لإخراج فلان من السنة ، أو تبديعه ، أو قمعه ، دون أن يكون منه رجوع إلى أهل السنة ، وإلى علماء السنة ، وإلى القائمين بهذا المنهج من أهل الأمانة والعدالة الشرعية .
وها هنا نقطة مهمة جدا في باب النصيحة – أيها الإخوة في الله – وهي : أنه ليس من شرط النصيحة أن تكون صحيحة ، فقد أنصحك نصيحة لا تقنع مني – أصلا – أن تكون نصيحتُـك هذه صحيحةً ، هذه نقطة .
وبالتالي فإننا نعلم من ها هنا خطأ بعض الناس الذين ينصحون إخوانهم ، ثم لا يستجيب لهم هذا الأخ ؛ لاجتهاد ، أو تأول ، أو لعدم قناعة : فإذا بهم يقولون : نصحناه فلم ينتصح ! سبحان الله ! السلف كانوا يتهمون أنفسهم ، كانوا يلتمسون العذرَ لأغيارهم .
لماذا لا تقول : نصحته ولم أقنعه بحجتي ؟! فتجعل التهمة راجعةً إليك ، صادرةً منك ، لا أن تقول : لم ينتصح ، كأنه معاند أو مكابر ، وقد تكون أنت المقصرَ في نصحك ، أو غير القائم في بيانك .
إذن ليس من شرط كل نصيحة أن تُقبل ؛ لأن الناصح قد يقصر ، والمنصوح قد لا يقتنع ، نعم .

[ القاعدة السادسة ]

أيضا من النقاط المهمة : باب المعذرة ؛ وأعني بالمعذرة ها هنا المعذرةَ الشرعيةَ ، وأعني بذلك : فتحَ الباب للمخالف حتى يرجع ، فقد تزول شبهته ، ويصبح أخاً لك في الله ، وكما قلت :
كم وكم من مبتدع صار سنيا .
ومن حزبي صار داعية حق .
ومن تكفيري صار مهتديا ، وهكذا .
إذن – كما يقول أهل العلم - : المؤمنون عذراون ، والمنافقون عثارون (17) .
والرسول صلى الله عليهم وسلم – قال في بعض الصحابة الذين كانوا يُحَدُّون في بعض الكبائر – وقد سمع من ها هنا وهنالك كلماتٍ خارجةً عن الحد الذي ينبغي أن يكون عليه أهل الحق .
النبي - عليه الصلاة والسلام - يقول لأصحابة الكرام – وهم خير من وطئ الحصى – بعد الأنبياء والرسل – يقول : لا تكونوا أعوانا للشيطان على أخيكم (18).
فلماذا نحن نكونوا أعوانا للشيطان على أناس كانوا بالأمس القريب معنا ، ومنا ، وفينا ، فأخطأوا ، لماذا لا نفسح لهم المجال ؛ حتى يرجعوا ، ويعودوا ؟! لا نقبل أن يرجعوا ويعودوا هكذا ( صلحة عرب ) كما يقال ، ولكننا نقبل ونرضى ونذل إذا رجعوا بالحق إلى الحق في دائرة الحق .
فبالله ليعمل كل منا اختبارا لنفسه ، وينظر ، ويتأمل إذا عرف أن سنيا ما صار ( مبتدعا ) أو صار ( منحرفا ) ، أو خُتِمَ عليه بمخالفة الحق ، والمنهج ، والدين ، هل ذلك يفرحه ، أم يحزنه ؟
أنا أقول : يحزنه ؛ لأنه خسر أخاً له في الله .
ونحن لماذا ندعو إلى الله ؟ إلا لنهدي الضالين ، ونجلب المنحرفين ، ونرشد التائهين .
نعم ، قد يقول قائل : نحن نفرح ؛ لأننا طبقا الشرع في فلان ! سبحان الله ! هذا ليس في الباب الذي أريد ، وإلا تطبيق الشرع يكون في أي شيء ، لكن طالما أنك داعٍ إلى الله فأنت - الآن - في دعوتك : للكافر ، أو الفاسق ، أو المبتدع ، وهم الأصناف الثلاثة المعروفة ؛ فأنت بذلك تفعل :
لتفرح به إذا اهتدى .
وينتعش به قلبك إذا رجع .
وتتقوى به إذا أصاب .
فإذا ضل السني ، أو انحرف المهتدي ؛ فإن ذلك يجب أن يكون بالعكس :
يزعجه .
وتأسف منه .
وتسخط له .
ثم ترجع الكرة من جديد ، هذا الحد الأدنى ، أن تدعوه من جديد ، اعتبره مبتدعا من المبتدعة ، وفاسقا من الفساق ، وكافرا من الكفار ، أفيكون هذا في مأمنٍ من أن تدعوه إلى الله من جديد ، ولو بفتح باب للمعذرة ؛ ليرجع منه ، ويعود إليه ، ويستقيم عليه ، نعم .
فهذه – أيها الإخوة – نقطة مهمة وينبغي أن نعذر ، ونكرر النصح ؛ حتى نشعر بأن لا فائدة ، ولقد رأينا عمل عدد كبير من مشايخنا بذلك أنهم :
صبروا .
وصابروا .
واحتملوا .
وتأنوا ، والمرة تلو المرة تلو المرة ، فإذا آيسوا من العود كان منهم ذلك النقد ، وذلك الرد ، وذلك القمع الذي به نحقق شرع الله في ( الولاء والبراء ) على وجهه الحق ، وبصورته الحق .
وإلا لو لم نفتح باب المعذرة – أيها الإخوة – فإن هذا الذي يتكلم بين أيديكم معرض للخطأ ؛ لأنه بشر كالبشر ، فقد يغلط الغلط أو الغلطين ، فإذا بمن هم في سن أبنائه ، أو في مرحلة طلابه ، أو أقرانه ، إذا بهم يبدعونه ، وإذا بهم من السنة يخرجونه ، وإذا بهم يطعنونه ، ويرمونه !!
لماذا ؟
لأنه أخطأ ! ومن ذا لا يخطئ - كما يقول الإمام الذهبي - : أمالك ؟ أشعبة ؟!(19)
من ذا لا يخطئ ؟ لكن هذا الخطأ قد يكون طبيعة بشرية ، إذا كان في إطاره ، دون الإصرار عليه ، ودون المكابرة فيه ، ودون أن يكون مبنيا على شعبةِ بدعة ، أو باب فتنة ؛ وحتى ولو كان !! فيجب النصح ، والمعذرة ، والتكرار له ، فإن رجع وإلا : إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم (20) .
فلنذكر هذه الأمور على وجهها الحق ، قبل أن ننظر إلى أنفسنا فلا نرى إلا خيالاتٍ ، وأشباحا ، وصورا كرتونية :
ليس فيها علم .
وليس فيها حق .
وليس فيها هدى .
وليس فيها استقامة على دين الله ، ولا ثبات على منهج الكتاب والسنة بمنهج سلف الأمة .
فالمعذرة التي نريدها هي المعذرة الشريعة بضوابطها المعروفة المرعية .

[ القاعدة السابعة ]

ومن القواعد – أيضا – وهي القاعدة السابعة ( معرفة الأصول العلمية التي نميز من خلالها السني والخارجَ عن منهج السنة ) وإلا من الممكن ( كلمة غير واضحة وهي عند (20:29) ) أن أرى رجلا لا يحرك أصبعه في الصلاة ، فأقول : أنت مبتدع ! وهذا جهل .
ممكن أن أرى إنسانا يضع ركبتيه إذا هوى السجود قبل يديه ، فنقول : أنت خارج عن السنة وأهل السنة !! هذا باطل أيها الإخوة .
لابد أن نعرف المسائل والأصول التي إذا خولفت منا ، أو عنا يكون صاحبها مبتدعا ، وخارجا عن السنة وأهلها .
من ذلك - مثلا – تزكية أهل البدع ، والثناء عليهم .
ولما كان من قواعد السلف أن الرجل يعرف بمخرجه ، ومدخله ، وبمجالسه (21)، وكان قولهم [[ من استتر عنا ببدعته لم تخف ألفته (22) ]] (23) كان ذلك من أسباب سقوط هذا الذي يظن أنه منتسب إلى السنة وليس منتسبا إلى السنة ، فحينئذ قد يكون هذا الإنسان : جاهلا ، أو غير عالم ، أو متوهما في هذا المبتدع أنه سني – ولا يكون سنيا – فينصح ، ويعذر ، وتقدم له المعذرة على وفق النقاط السابقة التي ذكرناها ضمن ضوابطها الشرعية ، وأصولها المرعية .
ومن ذلك – أيضا – التكفير بدرجاته ومراحله !
فمن الناس من يكفر الناس كلهم – وقد رأينا بعض أولئك - .
ومنهم من قال : لا أعرف مسلما على وجه الأرض إلا أنا ورجلا في شرق باكستان !!
فقط اثنان !!!
ومن الناس من ناقشناه في التكفير ، وأن الظلم ظلمان ، والكفر كفران ، وأن الظلم قد يكون غير الكفر ، وهو مصر أن الظلم هو الكفر ، والكفر هو الظلم ، وأن الظلم – كله – مخرج من الملة ، وأن الكفر – كله – مخرج من الملة ! فلما قلنا له : فماذا تقول بقول الله - تعالى – على لسان يونس - ( لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) ؟ [ الآية (86) من سورة ( الأنبياء ) ]
قال : كان كافرا يومئذ !! . والعياذ بالله تعالى .
وكم من الناس كَـفَّـر : أباه ، وزوجه ، وولده ؛ لأنه لم يقنع بقوله ! فهؤلاء عايشنا بعضا منهم .
المكفرة الموجودون اليوم هؤلاء ( تقليد التقليد ) ليسوا هم الأصليين !! هؤلاء ( تقليد التقليد ) أيها الإخوة ، وهم في الحقيقة أهون من غيرهم بكثير وكثير جدا ، لكن هنالك فرق : أن بعضا من أولئك كان عنده علم ، وأن معظم هؤلاء جهلة .
كذلك من ضمن الأمور التي يجب أن تعلم كأصول يميز منها السني من المبتدع – مثلا – الخروج على الحكام المسلمين ، فذكر أهل العلم في عقائدهم ، وفي مصنفاتهم الاعتقادية : أن الخروج على الحكام المسلمين ، وأولياء الأمور هو باب خارجية مضلة – والعياذ بالله تبارك وتعالى - .
وأن هذا إذا كان ووقع فإن له شروطا ، معتبرة منها :
ظهور الكفر البواح .
ومنها أن لا يكون ذلك إلا من أهل العلم الأثبات الأقحاح .
ومنها أن تكون المظنة في المفسدة بإذهابها أكثر من التوهم بوجود مصلحة تترتب عليها مفسدة أكبر .
وهكذا في شروط ، وشروط ، وشروط ، لا يكاد يحسن سماعها ، فضلا عن فهمها الكثرة الكاثرة من الناس ، فضلا عن تطبيقها ، أو القيام بها .
وهكذا فهذه أمور مهمة .
لكن أنبه أن بعض أهل السنة قد تظهر منهم كلمة يتوهم أنها مبنية على هذا القول أو راجعة إلى ذاك القول ، أو قائمة على ذلك القول من الأقوال المنحرفة المخرجة عن منهج السلف فابتداء نخطئ الكلمة ، ابتداء نخطئ الكلمة ، ونقول : هذا غلط يجب الرجوع عنه ، لكن بالمقابل لا نتهم صاحبها بالاعتقاد ؛ لأننا نعلم تاريخه أنه على السنة السَّـنية ، وأنه على المناهج السُّـنية ، فإذا أصرَّ فنرجع إلى القاعدة التي ذكرناها : من النصح ، والمعذرة ، فإذا عاند فأيضا يلحق بأم قشعم !

[ القاعدة الثامنة ]

وأما القاعدة الثامنة فهي ( استعمال الأسلوب النبوي في النقد ) فاللين في موضعه حكمة ، والشدة في موضعه حكمة ، ولكن حتى في اللين والشدة فنحن نحرص على هداية الناس :
كافرهم .
وفاسقهم .
ومبتدعهم .
ولا نحرص أن نخرج المسلم إلى أن يصير كافرا ، أو الطائع لئن يغدو فاسقا ، أو السني لئن يضحي مبتدعا ، وإلا فلماذا ألف شيخ الإسلام ابن تَـيْـمِـيَّـة كتاب ( الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ) في ستة مجلدات ، ولماذا ألف الإمام ابن القيم - تلميذه - كتاب ( هداية الحيارى من اليهود والنصارى ) إلا لهداية الضال ، وإرجاع التائه ، نسأل الله الهداية لنا ولكم ولهم .
فاللينُ في موضعه حكمة ، والشدةُ في موضعها حكمة ، فالمغفلُ للينِ المتلبسُ بالشدةِ في كل أمر مخالف للحق ، والعكس بالعكس : المتلبس باللين ظانا أنه الهدى بقين مغفلا الشدة التي يجب أن تكون في موضعها ، وأن تركن في موقعها فهذا – أيضا - غالط بيقين ، والحق أن تكون القاعدة العلمية الشرعية المنضبطة هي التي تميز موقفك هذا ليكون : لينا أو ترفعك وتدفعك ليكون موقفك ذاك موقف شدة ، وموقف عُـرُش يليق بقمع هذا الذي يظن نفسه على شيء ، وليس هو على شيء .

[ القاعدة التاسعة ]

أما النقطة التاسعة فهي التنبيه على منهج غزانا ، ودخل عقولنا ، إلا من رحم الله ، وهو منهج وضعه المبتدعون ، وأرسى قواعده المنحرفون وهو ( منهج الموازنات بين السيئات والحسنات ) (25) كما يفعله كثير من الحزبيين ، وغيرهم .
فإذا انتقدت مبتدعا قالوا لك : هذا المبتدع عنده كذا وكذا من الخير ، وعنده كذا وكذا من الشر !! وهذا المنهج غير معلوم !! هذا المنهج معلوم إذا كان هذا المنتقَد من أهل السنة ، أو إذا كنت تكتب عن حياته ، وتؤرخ لسيرته ، أمَـا وأنت تحذر منه في موضع الجرح ، وفي موضع النقد والنقض فينبغي أن تهمل حسناته ، وإنما تذكر سيئاته ، فلحسناته أهلُها ، الذاكرُوها ، والرافعُوها ، والمشيدُوها ، والمحتفلون بها ، المحتفون بذكرها ، فإذا ذكرت الحسنات في هذا المقام – وهو النقد والنقض – فإن هؤلاء سريعا ما يتركون النقدَ ، ويتمسكون بهذه الحسنات المزعومة ، وحصل هذا في امتحان فعلته أمام بعض الناس كنت جالسا في مجلس فيه بعض من هؤلاء النفر فقلت لهم : أنا سأطبق اليوم أمامكم هذا المنهج الذي تتدعون ( منهج الحسنات والسيئات ) فماذا أنتم فاعلون ؟
قلت لهم : فلان الداعية رجل ما شاء الله ! رجل يصلي ، ورجل يجاهد ، ويزكي وفي سبيل الله ، ويصلي ، لكنه بالمقابل :
يؤول الأسماء الصفات .
ويسب الصحابة .
ويطعن في موسى - عليه الصلاة والسلام - .
وينكر حجية الآحاد في العقيدة .
وينكر علو الله على خلقه .
فماذا أنتم قائلون ؟
فسكتوا !!
هم يريدون من منهج الموازنات هذا أن نسكت عن إبداء الحق ، وألا نذكر الحق ؛ لذك نحن نقطع الطريق عليهم ابتداء ، فلو ذكرنا الحسنات هم لن يقبلوا ، فكيف إذا لم نذكرها ؟!

[ القاعدة العاشرة ]

ومع هذا فإننا نسأل الله التوسط الشرعي في هذا المنهج وهي النقطة العاشرة هو الأصل بلا غلو ولا إفراط ، ولا قصور ولا تفريط ، وبخاصة أننا رأينا أناسا اليوم يميعون علم الجرح والتعديل ، ولا يقبلونه ، ويزهدون فيه ، ويردون على أهله ، فإذا بهم يقومون بعين ما هم ينهون الناس عنهم .
فنحن ضد هذه الميوعة ، ونحن لسنا مع هذا التمييع ، وإنما نحن مع الوسطية الشرعية التي تنأى بنفسها ...


انتهت مادة الشريط التي عندي !

   طباعة 
0 صوت
Powered by: MktbaGold 6.5