حَوْلَ المناظرة: للحقّ.. للعِبْرة.. للتاريخ

حَوْلَ المناظرة: للحقّ.. للعِبْرة.. للتاريخ
6609 زائر
01-01-1970 01:00
علي بن حسن الحلبي الأثري

حَوْلَ المناظرة: للحقّ.. للعِبْرة.. للتاريخ





الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيِّد المرسَلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فقد شاء لنا ربُّنا –تبارك وتعالى- أن نَسمعَ من هنا وهناك مقالاتٍ قبيحةً مخالفةً لدلائل العلمِ، وأمارات التقوى، تُنادي بقولٍ جريءٍ على الله -سبحانه- بتكفير شيخ الإسلام،
وعلم الأعلام، وإمام الهدى تقي الدين أحمد بن عبدالحليم ابن تيميَّة النُّميري، المتوفى سنة (728هـ) رحمه الله رحمة واسعة، وألحقنا به على خير.


فلمَّا سمعنا ذلك قفَّ شعرنا من هول ما سمعنا، وما كنَّا لنتصوَّر أن تبلُغَ هذه الجرأةُ المذمومة هذا المبلغَ عند واحدٍ: إذا كتب فإملاؤه خراب، وإذا تكلَّم فلغته يباب، وإذا نقل فنقلُهُ سراب!


وبلغ منَّا العجب ذَرْوَتَه لمَّا وصلنا خبرٌ من طريقه يطلُبُ فيه المناظرة، ويتحدَّى طلبةَ العلمِ ودُعاة السنّة في ذلك!!


وبالرغم من أنَّنا كُنَّا قد جالسناه سابقاً، وخَبَرناه، وعرفنا بضاعته! إلا أنَّنا وافقنا على مجالسته حِرصاً على بعض الأفاضل ممَّن أرخوا آذانهم له، وكما يُقال: القلوب ضعيفة والشُّبه خطَّافة!!


وعلى ضوء ذلك: قبلنا المناظرة في مسألتين -طلبهما هو، وادّعاهما-، وهما: أنَّ ابن تيميّة يقول بِقِدَم العالَم بالنوع! وأنه –رحمه الله- يُثبت الحدَّ لله –عزَّ وجل-!!


نقولُ: والدَّافع لنا لِقبول عَقْد هذه المناظرةِ هو الذَّبُّ عن أئمة الهُدى ونجوم الاهتدا، رحمهم الله، وجزاهم عنَّا وعن الإسلام خيراً، وبخاصة أنَّ اللهَ -سبحانه وتعالى- قد قال في كتابه العزيز: {إنَّ الله يُدافعُ عن الذين آمنوا}، وقال: {إنَّ الذين يُحبون أن تَشيع الفاحشةُ في الذين آمنوا لهم عذابٌ أليمٌ}، وقال: {والذين يُؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بُهتاناً وإثماً مبيناً}، وقال: {ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرمِ به بريئاً فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً}، وقال نبيُّهُ ورسوله سيدنا محمد –صلى الله عليه وسلم-: «من قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه اللهُ ردغة الخَبَال حتى يخرج ممَّا قال»، وقال: «سَبَّاب المسلم كالمُشرف على هَلَكةٍ..»، وقال: «سُباب المسلم فسوق»، وقال: «مَن قال لأخيه: يا كافر؛ فقد باءَ بها أحدُهُما»، وقال –صلى الله عليه وسلم-: «مَن كفَّر مسلم فقد كَفَر».


فأمرُ التكفير صعبٌ عسيرٌ، لا يُقبل فيه إلا ما كان ظاهراً جليَّاً لا يتطرَّقُ إليه شك، ولا يُداخله احتمال، ولا يَرِدُ عليه تأويل، فقد قال الحافظ ابن حَجَر العسقلاني في «فتح الباري» (13/8) شارحاً قوله –صلى الله عليه وسلم-: «.. إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه بُرهان»، قال –رحمه الله-: «أي: نصُّ آيةٍ، أو خبرٍ صحيحٍ لا يحتمل التأويل»، وقال الفقيه الأصولي أبو حامد الغزالي في «التفرقة بين الكفر والزندقة»(1) : «الذي ينبغي: الاحتراز عن التكفير ما وجد إليه سبيلاً، فإنَّ استباحةَ دماءِ المُصلِّين المُقرِّين بالتوحيدِ خطأ، والخطأُ في ترك ألفِ كافرٍ في الحياة أهون من الخطأ في سَفك دمٍ لمسلمٍ واحدٍ».


قُلنا: فكيف بجبل العلوم وصدر الأئمة شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله تعالى-؟!


فلمَّا كان اليوم الذي حُدِّدت فيه المناظرةُ فوجئِنا بعدة أمور:
أوَّلها: التحكيم! فلم نتفق قبل انعقاد المناظرة على وجود التحكيم أو كيفيَّته أو من هو الحكمُ!!


ثانيها: وجود العدد الكبير الجَمِّ من الحضور! وهو ما لم يُذكر لنا أو يَرِد على أذهاننا، فلم يأتِ معنا من الإخوة إلا عددٌ لا يتجاوز أصابع اليد الواحدةِ، علماً أنَّ المناظرَ المُكفِّر قد
طَعَن في مناظرِهِ المدافع عن أئمة العلم متهماً له أنه هو الذي أراد هذا العدد الكبير وحَرَص عليه.. وهو محضُ افتراء!


فلنرجع إلى التحكيم: إنَّ الحكم الذي وُضع وفُرض في المناظرة هو دكتور مُقرٌّ بأنَّهُ أشعري، ذو نزعةٍ صوفيّة!! والأشعريّة وكذا الصوفيّة مما ينتقدهما ويُشدِّدُ النكير عليهما شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله-، فكيف يكون مَن هذا حالُهُ حَكَماً؟!


ومع ذلك قبلنا الوضع على مَضَض؛ لأمور؛ أهمُّها: الظنُّ الحسن الذي يجب أن يكون مشاعاً بين المسلمين عامة والمنتسبين إلى العلمِ خاصَّة!

ولكن…
ها هو التاريخ يُعيدُ نفسه؛ فقد نقل الإمام ابن كثير الدمشقي في «البداية والنهاية» (14/37) صورةَ عقد مجلسٍ لابن تيمية فيه مناظرةٌ مع مُخالفيه، فقال بعد كلامٍ: «… فأخذ الشيخ [ابن تيمية] في حَمد الله والثناء عليه، فقيل له: أجِب، ما جئنا بك لتخطب!، فقالَ: ومَن الحاكمُ فيَّ؟ فقيل: القاضي المالكي، فقال له الشيخ: كيف تحكُمُ فيَّ وأنت خَصْمي؟؟…».


ثم بدأت المناظرة بيننا، وكانت حجّة المناظرِ المكفِّرِ بعضَ النصوص التي أجتزأها من كلمات ردَّ بها شيخ الإسلام على الفلاسفة والجهميّة والمعتزلة والأشاعرة، فهم جميعاً مشتركون في نَفي الصفات الإلهيّة إمَّا بالتعطيل أو بالتأويل، إمَّا جملةً وإما تفصيلاً!!


وهذا القطع والاجتزاء ليس من أصول العلمِ، وبخاصةٍ أنه مُجتَزأٌ ومُقتطعٌ من ردودٍ ومناقشاتٍ مع أقوامٍ لهم اصطلاحاتهم الخاصّة، ومناهجهم الخاصّةُ، وأساليبهم الخاصّةُ، فلا يُحكم على عقيدة إنسان من خلال كلماتٍ قصيرةٍ تضمَّنتها المناظرات المسترسلة، والمحاورات المُفصَّلة، وإنما يُعمد إلى كلامه الواضح الجلي البَيِّن الذي قرَّر فيه عقيدته تقريراً واضحاً ظاهرًا؛ لا لَبْس فيه ولا احتمال، فيُحمل –حينئذٍ- الكلامُ المُبهم أو الموهِمُ -إن وجد- على الكلام الصريح الواضح!


وهذا هو منهجُ الأصوليِّين الفُهماء، فضلاً عن عامّة العُقلاء في البحث العلميِّ، والنَّظر الفكري، لا أن تُقطع عبارةٌ أو فقرةٌ من بين كلامٍ طويل، ثم يُطلَق منها حُكمٌ ما سلباً أو
إيجاباً.


ولقد شرح شيخ الإسلام ابن تيميّة –رحمه الله- منهجه في البحث مع مُخالفيه شرحاً بيِّناً لا شك فيه:
فقال –رحمه الله- في «درء تعارض العقل والنقل» (1/43): «وأما مُخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم ولغتهم: فليس بمكروه إذا احتيج إلى ذلك، وكانت المعاني صحيحةً، كمخاطبة العجم من الروم والفُرس والتُّرك بلغتهم وعُرفهم، فإنَّ هذا جائزٌ حسن للحاجة، وإنما كرهه الأئمة إذا لم يُحْتَجْ إليه…


فالسلف والأئمة لم يذمّوا الكلام لمجرد ما فيه من الاصطلاحات المُولَّدة كلفظ «الجوهر» و«العَرَض» و«الجسم» وغير ذلك، بل لأنَّ المعاني التي يُعبّرون عنها بهذه العبارات فيها من الباطل المذموم في الأدلة والأحكام ما يجب النهيُ عنه؛ لاشتمال هذه الألفاظ على معانٍ مُجملةٍ في النفي والإثبات كما قال الإمام أحمد في وصفه لأهل البدع؛ فقال: «هم مختلفون في الكتاب، مُخالفون للكتاب، متفقون على مفارقة الكتاب، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جُهَّال الناس بما يُلبِّسون عليهم»، فإذا عُرفت المعاني التي يقصدونها بأمثال هذه العبارات، ووُزنت بالكتاب والسنّة -بحيث يُثبتُ الحقُّ الذي أثبته الكتاب والسُّنّة، ويُنفى الباطل الذي نفاه الكتاب والسنّة- كان ذلك هو الحق.


بخلاف ما سلكه أهل الأهواء؛ من التَّكلم بهذه الألفاظ نفياً وإثباتاً في الوسائل والمسائل، من غير بيان التفصيل والتقسيم، الذي هو من الصراط المستقيم.
وهذا من مَثَارات الشُّبهِ».


ثم قال –رحمه الله-: «فأما إذا عُرفت المعاني الصحيحة الثابتة بالكتاب والسنّة وعُبِّر عنها لمن يفهم بهذه الألفاظ، ليتبيَّن ما وافق الحقَّ من معاني هؤلاء وما خالفه، فهذا عظيم المنفعة، وهو من الحُكم بالكتاب بين الناس فيما اختلفوا فيه؛ كما قال –تعالى-: {كان النَّاس أمَّة واحدةً فبعث الله النبيِّين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحقِّ ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه}، وهو مثل الحكم بين سائر الأمم بالكتاب فيما اختلفوا فيه من المعاني التي يُعبِّرون عنها بوضعهم وعُرفهم، وذلك يحتاج إلى معرفة معاني الكتاب والسنّة، ومعرفة معاني هؤلاء بألفاظهم، ثم اعتبار هذه المعاني بهذه المعاني ليظهر الموافق والمخالف»(2).


هذا آخر كلامهِ -رحمه الله-، وهو كلامٌ عظيمٌ يوضح منهجه الدقيق، وفِكْره العميق في المناظرة والمباحثة.


وإذا عَرَفَ المنصف الذي يُريد في بحثهِ ونظرهِ رضوان الله والدار الآخرةَ هذا المنهج في البحث سَهُلَ عليه التوفيقُ بين ما قد يُشكل على تفكيره، بدلاً من أن يضرب النصوص بعضها ببعض فيجترئ في التَّقوِّل على عباد اللهِ، وأئمة العلمِ بغير علمٍ!


فلنرجع إلى مجريات المناظرة -على ضَوءِ ما سبق تقريره- فنقول:
إنَّ النصوص التي نقلها المُناظر المُكفِّر في مسألة قِدَم العالم بالنوعِ -المُدَّعاة-، قد تكون نصَّين أو ثلاثةً لا غَيْر، وهي نصوصٌ مجملة لا تُفهم مُجردةً عن النصوص الجليّة الواضحة كما سبق بيانُهُ، وبخاصَّةٍ أنَّ النصوص التي أوردها على إثبات «القِدَم» فيها -نفسِهَا- لفظ «المُحدَث» و«المخلوق»! فكيف يكون «المُحدَث» و«المخلوق» قديماً؟؟!!


إنَّ الذي ليس فيه شكٌّ ولا ريب هو أنَّ شيخَ الإسلامِ ابن تيميّة –رحمه الله- كان يَردُّ على مَن عطل الله -سبحانه- عن بعض صفاته، كالخلق، والإرادة، وغير ذلك، فقال –رحمه الله- في معرض شرحه لحديث عمران بن حُصين -مرفوعاً-: «كان الله ولا شيء معه» -كما في «مجموع الفتاوى» (18/225)-: «… الغَلَطُ في معنى هذا الحديث هو مِن عدم المعرفةِ بنصوص الكتاب والسنّة، بل والمعقول الصريح؛ فإنَّه أوقع كثيراً من النُّظَّار وأتباعهم في الحيرة والضلالِ، فإنهم لم يعرفوا إلا قولين: قول الدهريّة القائلين بالقِدم، وقول الجهميّة القائلين بأنه لم يزل مُعطَّلاً عن أن يفعل أو يتكلم بقدرته ومشيئتهِ، ورأوا لوازم كُلِّ قول يقتضي فساده وتناقضه، فبقوا حائرين مرتابين جاهلين!
وهذه حال من لا يُحصى منهم، ومنهم مَن صَرح بذلك عن نفسه، كما صرَّح به الرازي وغيره، ومن أعظم أسباب ذلك أنهم نظروا في حقيقة قول الفلاسفة: فوجدوا أنه لم يزل المفعول المعيَّن مقارناً للفاعل أزلاً وأبداً، وصريح العقل يقتضي بأنه لا بدَّ أن يتقدَّم الفاعل على فعلهِ، وأن تقدير مفعول الفاعل مع تقدير أنه لم يزل مقارناً له لم يتقدَّم الفاعل عليه، بل هو معه أزلاً وأبداً: أمرٌ يُناقض صريحَ العقل.


وقد استقرَّ في الفِطَر أنَّ كون الشيء المفعول مخلوقاً يقتضي أنه كان بعد أن لم يكن..».


ثم قال -رحمه الله-: «… فالفاعل يتقدم على كل فعلٍ مِن أفعاله، وذلك يوجب أنَّ كل ما سواه مُحدث مخلوق، ولا نقول: أنه كان في وقت من الأوقات ولا قُدرة، حتى خلق
له قُدرة، والذي ليس له قدرة هو عاجزٌ.


ولكنْ نقولُ: لم يزل اللهُ عالماً قادراً مالكاً، لا شِبْهَ له ولا كيف، فليس مع الله شيءٌ مِن مفعولاتهِ قديم معه، لا بل هو خالقُ كل شيء، وكل ما سواه مخلوق له، وكُلُّ مخلوق
مُحْدَثٌ كائن بعد أن لم يكن، وإن قدر أنه لم يَزَل خالقاً فعَّالاً».


ثم قال: «… وهذا أبلغُ في الكمال مِن أن يكون مُعطَّلاً غير قادر على الفعل، ثم يصير قادراً والفعلُ ممكناً له بلا سبب».


ثم قال (18/239): «وإذا ظنَّ الظَّانُّ أنّ هذا يقتضي قِدَم شيءٍ معه كان من فساد تصوُّرهِ، فإنه إذا كان خالقَ كُلِّ شيء فكل ما سواه مخلوق مسبوق بالعدم، فليس معه شيء قديمٌ بقدمه».


وقال في «درء تعارض العقل والنقل» (1/125): بعد كلام: «… فالذي يفهمه الناس من هذا الكلام أنَّ كل ما سوى الله مخلوق حادث، كائن بعد أن لم يكن، وأنَّ الله وَحْدَهُ

   طباعة 
0 صوت
Powered by: MktbaGold 6.5