{وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقولُون...} -تفكُّرٌ، وتدبُّرٌ-...

{وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقولُون...} -تفكُّرٌ، وتدبُّرٌ-...
196915 زائر
01-01-1970 01:00
عليّ بنِ حسنٍ الحلبيِّ الأثريِّ
{وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقولُون...}
-تفكُّرٌ، وتدبُّرٌ-...

... كثيرةٌ هي آياتُ القُرآنِ العظيمِ التي يجبُ على المُسلمِ -زيادةً على تلاوتِها- دراستُها، وتأمُّلُها، وتدبُّرُ معانيها، والتفكُّر بما فيها.

سواءٌ مِن ذلك ما كان في بابِ العقائد، أو الأحكام، أو القَصَص، أو التربية والسلوك -إلى غيرِ ذلك مِن مقاصدِ القُرآنِ الكريم-الكثيرةِ-...

ولعلَّ مِن أَجَلِّ ذلك قولَ الله -تعالى-: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُون. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِين .وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِين} - تربيةً، وتوجيهاً، وبياناً-؛ فقد تضمَّنَت هذه الآيةُ الجليلةُ القُرآنيَّة ثلاثةَ أُصولٍ -كُلِّيَّة-:

الأصلُ الأوَّل: بيانُ الطبيعة البشريَّة، والتنبيهُ إلى ما يَعتريها، وما قد يُصيبُها مِن بأسٍ، أو أذى، أو بلاء...

الثاني: كشفُ ما ينجُو به العبدُ مِن هذه الأدواء؛ وبأنجع دواء...

الثالث: التوكيد على الواجب المُستمرّ الذي لا يجوزُ للعبدِ الانفكاكُ منه، أو الانقطاعُ عنهُ...

ولـمَّا كان هذا النصُّ القُرآنيُّ العظيمُ مُخاطَباً به -أصالةً- النبيُّ -صلواتُ الله وسلامُهُ عليه- وهو المُسدَّدُ بالوحي، والمُؤيَّدُ بالعِصمة -صلّى اللهُ عليه وسلم-، بما فيه مِن إظهارِ ما أصابَهُ مِن أذَى مُخالِفِيه -ولو كان أذًى نفسيًّا-: كان ما قد يُصابُ به أتباعُهُ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-، والدَّاعُونَ إلى نهجِهِ، والقائمُونَ على نَشرِ سُنَّتِه -ونَصْرِها-: أوْلَى في شُمولِهِم بالخَبَرِ عنه، والحُكْم بهِ...

فلئنْ كان هذا (الضِّـيق) قد أصابَ سيّد ولد آدم -أجمعين- فأَوْلَى وأَوْلَى أن يُصابَ به أفرادٌ منهُم - أو جماعاتٌ-...

وقد تقرَّرَ -في عِلمِ الأُصولِ- أنَّ: «نُزولَ الآيةِ الكريمةِ على سببٍ لا يمنعُ مِن العُموم» -كما في «اللُّباب» (3/458) -لابنِ عادِل الحنبلي-.
إضافةً إلى ذلك -أيضاً-: «أنَّ لفظَهَا عامٌّ، وإنْ كان سببُ نُزولِها خاصًّا» -كما في «التسهيل» (2/440) -لابنِ جُزَيّ-.

وليس مُؤثِّراً على هذا العُمومِ كونُ الآيةِ نازلةً -أصلاً- في بيانِ أذى (الكُفَّار) للنبيِّ المُختار -صلّى اللهُ عليه وسلّم-؛ ذلكم أنَّ في المُسلمِين -ومنهم -فوا أسَفِي الشديد -مَن قد يُؤْذِي أخاهُ المُسلمَ أذًى شديداً، وفي التحذير مِن ذلك نُصوصٌ مُتعدِّدَةٌ؛ منها قولُهُ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: «المُسلمُ مَن سَلِمَ المُسلِمُونَ مِن لِسانِهِ ويدِه» -وكثيرٌ غيرُهُ-.

ولعلَّ قولَ الله -سُبحانَهُ-: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا}: يلتقي هذا المعنَى -تماماً- بشموليَّةٍ وسَعَةٍ-...

وقد قالَ الإمامُ الشافعيُّ -رحمهُ اللهُ- في الآيةِ -نفسِها-:
«وأنزلَ اللهُ -عزَّ وجلَّ- فيما يُثبِّتُه به إذا ضاقَ من أذاهم-: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُون. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ...}؛ فَفَرَضَ عليه إبلاغَهُم، وعبادتَهُ -سُبحانَهُ-..» -«تفسيره» (2/998)-.

وفي «تفسير الإمام ابن كثيرٍ» (4/689)- مُبَيِّناً المَعنَى الإجماليَّ للآيةِ الكريمةِ -بكلماتٍ عظيمةٍ-:
«أي: وإنّا لَنَعْلَمُ -يا مُحمَّد- أنَّكَ يَحصُلُ لك مِن أذاهُم لك: انقِباضٌ، وضِيقُ صَدْرٍ؛ فلا يَهِيدنَّكَ ذلك، ولا يُثْنِيَنَّكَ عن إبلاغِك رسالةَ الله، وتوكَّل على الله؛ فإنَّهُ كافِيكَ، وناصرُكَ عليهم؛ فاشتغِلْ بذِكرِ الله، وتحميدِه، وتسبيحِه، وعبادتِهِ...».

وما ذلك إلاَّ «لأنَّ العُبوديَّةَ أشرفُ المَقامات» -كما في «غرائب القُرآن، ورغائب الفُرقان» -لنظامِ الدِّين النَّيسابُوري-.

فَهُما -إذَنْ- بالجُملةِ- أصلانِ مَفروضان:
أوَّلاً: فرضُ البلاغ، والدعوة.
ثانياً: فرضُ عبادتِهِ، والقِيامِ بحُقوقِهِ.
وكِلاَ الفَرضَيْن يتضمَّنانِ -إشارةً- فَرضاً:
ثالثاً: الصبرُ على الأذى، واحتمالُهُ، والمُصابرةُ فيه.
ورحِمَ اللهُ الإمامَ ابنَ القيِّمِ -القائلَ في «مفتاح دار السعادة» (2/2):
«فليس الناسُ أحوجَ -قَطُّ- إلى شيءٍ أحوجَ منهُم إلى معرفةِ ما جاءَ به الرسولُ، والقيامِ به، والدعوةِ إليه، والصبر عليه، وجهادِ مَن خَرَجَ عنهُ؛ حتّى يرجعَ إليه.
وليس للعالَمِ صَلاحٌ بدون ذلك -ألْبَتَّة-، ولا سبيلَ إلى الوُصولِ إلى السعادةِ، والفوزِ الأكبر إلاّ بالعُبُور على هذا الجسمِ».

ويُستَفادُ مِن هذه الآيةِ الكريمةِ العظيمةِ فوائدُ جليلةٌ؛ لعلَّ أهمَّها:
الأُولَى: ضِيق الصَّدر أمرٌ طبيعيٌّ، يَقَعُ في نُفوسِ جِنْس الإنْسِ -جميعاً-كائناً مَن كان هذا الإنسان-...
كيف وقد أصابَ هذا الضِّيقُ أعظمَ إنسانٍ وطئتْ قدماهُ الأرضَ -عليه الصَّلاةُ والسَّلام-؟!

وما ذلك إلاّ «بمُقتضَى الجِبِلَّةِ البشريَّةِ، والمِزاج الإنسانيّ» -كما في «فتح القدير» (3/153) -للإمامِ الشَّوكانِي-؛ فالأمرُ -إذَنْ- كما قالَ ربُّ العالَمِين -سُبحانَه-: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ ...} -عليه أفضلُ الصَّلاة، وأتمُّ التَّسليم-.

الثانية: وُجود ضيق الصَّدر -هذا-، أو الألمِ النفسيِّ، أو التحسُّرِ -وما في معنَى ذلك -ومِن جَرَّائِهِ- لا يُنافِي الطبيعةَ البشريَّةَ، أو النَّفسَ المُؤمِنَةَ -ولو كانت مُلتزمةً بدينِها، مُجاهدةً نفسَها، طائعةً أمرَ ربِّها-...

ومِن المُقَرَّر: «أنَّ ضِيقَ الصَّدْرِ يكونُ مِن امتلائِهِ غيظاً بما يكرَهُ الإنسانُ» -كما في «المحرَّر الوَجيز» (3/376) -لابنِ عطيَّة-.

فكيفَ إذا كان ما يكرَهُهُ هذا الإنسان -أو ذاك- مُسلَّطاً مِن سفيهٍ لن يضبطُ نفسَه! أو جاهلٍ لمْ يُدْرِك ذاتَه! أو مُتطاول لا يتَّقِي ربَّه!؟!

فإنَّ ذلك سيكونُ أشدَّ أثراً، وأعظمَ وَقعاً -ولا بُدَّ-.

فإذا كان ذلك طَعناً في الدِّين! أو غَمْزاً في العقيدة! أو تشكيكاً في المِصداقيَّة! أو كذباً وافتراءً -مَحْضاً خالِصاً-؛ فهو أشدُّ بلاءً وحالاً، وأعظمُ سوءاً ومآلاً!!
الثالثة: أهمِّيَّةُ التِزام ما يُعينُ على الصَّبر، والاصطِبار، والمُصابرة -والتي هي مِن أعظمِ ما تُثْمِرُهُ الأعمالُ الصالحاتُ المأمورُ بها العبادُ -عُموماً وخُصوصاً- قولاً، وعملاً، واعتقاداً-...

وقد جاءَتْ نُصوصُ القُرآن الكريم بكلِّ ذلك -كثيراً، وكثيراً -جدًّا-؛ ومنه:
أ- {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُور..}..
ب- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ..}..
جـ- {فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ..}..
«{واصْطَبِرْ}: أبلَغُ في الأمرِ بالصَّبرِ مِن (اصْبِرْ)» -كما في «البُرهان» (3/34) -للزّركشي-.

الرابعة: الإشارةُ إلى عدمِ الاهتمامِ -أو المُبالاةِ- بالهَجْر العاطل! أو الطعنِ الفاشل! أو التكذيب بالباطل؛ فهذه -كُلُّها- حُجَجُ الضَّعَفَةِ! وأسلحةُ العَجَزَة!!

وهَمُّ الدَّاعِي إلى الله الحقِّ- الحقِّ-: الحقُّ؛ لا شيءَ غيرُ الحقِّ...

{قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُون}..

«أي: إنَّ اللهَ -الذي يَهْدِي ويُرشِدُ إلى الحقّ أهلَ الحقِّ-: أحقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمْرُهُ» -كما في «التفسير الوسيط» (2/547) -للواحدي-.

الخامسة: بيانُ العِلاج، ووَصْفُ الدَّواء؛ وهو التسبيحُ، والحمدُ، وذِكرُ الله، وطاعته، وشُكرُهُ، وعبادتُه... إلى حُلول الأجَل والموت -دُونَ تبديلٍ ولا تَغييرٍ-...
وهذا صريحُ ما خُتِمَت به هذه الآيةُ الكريمةُ مِن الأمرِ الإلهِيّ المُتَنَوِّعَةِ دلالاتُهُ وألفاظُهُ؛ أي: «أكثِرْ مِن ذِكر الله، وتسبيحِهِ، وتحميدِه، والصلاةِ؛ فإنَّ ذلك يُوسِّعُ الصَّدْرَ، ويشرحُهُ، ويُعينُكَ على أُمورِك» -كما في «تفسير السَّعْدِي» (ص437)-.

وقال الإمامُ الطبريُّ في «تفسيرِهِ» (14/154) -شارِحاً-:
«فافْزَعْ -فيما نابكَ مِن أمرٍ تَكرهُهُ منهُم- إلى الشُّكرِ لله، والثَّناءِ عليه، والصَّلاة: يَكْفِكَ اللهُ مِنْ ذلك ما أهَمَّك..».

ورَحِمَ اللهُ مَن قال:
وما كلُّ برقٍ لاحَ لي يَستفِزُّنِي*****ولا كُلُّ مَن لاقَيْتُ أرضاهُ مُنعِما
ولكنْ إذا ما اضطرَّنِي الضُّرُّ لَمْ أبِت*****أُقَلِّبُ فِكري مُنْجِداً ثُمَّ مُتْهِما
إلى أَنْ أرَى ما لا أَغَصُّ بذِكْرِهِ*****إذا قُلتُ قد أسْدَى إليَّ وَأَنْعَما


وأختِم بما وَرَدَ في القُرآنِ العظيمِ مِن كلامِ ربِّي -جلَّ في عُلاه، وعظُمَ في عالِي سَماه- داعياً إيَّاه بدعاءِ الصَّالِحِين-:
{ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا }...


واللهُ المُستعان، وعليه التُّكلان...



* * * * *
   طباعة 
0 صوت
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل
Powered by: MktbaGold 6.5