كيف نفهم حديث السمع والطاعة لولي الأمر وإن جلد ظهرك وأخذ مالك ؟

السؤال: كيف نفهم حديث رسولِ الله -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- بالسَّمع والطَّاعة لوليِّ الأمر حتى لو جلدَ ظهركَ، وأخذ مالَك ؟

الجواب:

هذا الحديث من الأحاديث التي أجمع على فقهِها ورواياتها وصحَّتها علماءُ الأمَّة.

لكن: الحزبيَّة المعاصِرة -في سبيلِ تنفيذ أجنداتِها وأفكارِها- تتجاوزُ هذه النُّصوص، وتُحرِّف دِلالاتِها، وتَطعنُ في صحَّتها وثُبوتها؛ بغير علمٍ ولا إدراك.

كلمة (ولي الأمر) كلمةٌ تكادُ تكونُ كالغضبِ والسَّخط على هؤلاء الحِزبيِّين، ولا يكادون يتقبَّلونَها، أو يَسمعونها! مع أنَّها مُصطلحٌ قُرآنيٌّ نبويٌّ عِلمي.

ما معنى (ولي الأمر) -لغةً-؟

(ولي الأمر) -لغةً-: هو صاحبُ الحُكم، الذي بيدِه الأمر.

العُلماءُ: أولياء أمورِ الدِّين، والحُكام: أولياء أمور الدُّنيا.

بمعنى: أن الذي يقومُ بأمرِ الدِّين تحليلًا، وتحريمًا؛ بيانًا لحُكم ربِّ العالمين؛ هو العالِم؛ فهو ولي الأمر في هذه الجهة.

وبالمقابل: فإنَّ الحاكِم الذي يقوم بأمرِ الدُّنيا، ولهُ الكلمةُ النَّافذةُ في النَّاس؛ يأمر بسِجن هذا، ويأمر بإكرامِ هذا، ويَذهب بهذا، ويَأتي بهذا، وبيده السُّلطة والسلطنة؛ هذا وليُّ أمرٍ.

قد يقول قائل، أو يسأل سائل: فإذا وُجدنا في بلدٍ حاكمُها غير مسلم -مثل: لبنان-مثلًا-؛ حاكمها نصراني ماروني؛ فهل نُسمِّيه: (ولي أمر)؟

نقول: مُصطلح (وليِّ الأمر) مُصطلَح إسلاميٌّ؛ كما أنَّ مُصطلحَ (الشَّهيد) مُصطلح إسلاميٌّ.

الآن: صِرنا نسمعُ: (الشَّهيد البطل: جورج حنا بُطرس)! وهذا لا يمكن أن يكونَ!!

الإسلام هو الذي أتى بمصطلح (الشهيد).

الإسلام هو الذي أتى بمصطلح (ولي الأمر).

فيجب أن نضعَ الأمورَ في مواضعها.

النقطة الثالثة: قد يقول قائل، أو يسأل سائل: ولي الأمر مطلوبٌ الطَّاعة له إذا كان حاكِمًا بكتاب الله؟

فنقول: هل مِن الحُكم بكتاب الله: أن يأخذ مالك، ويجلد ظهرَك؟ ومع ذلك: أُمرتَ بالطاعة؛ لا مِن باب طاعتِه فيما يُخالف شرعَ الله؛ لكنْ كما جاء في بعض الأحاديث: " ولو على أَثَرَةٍ في أنفُسِكم "؛ يعني: لو أخذَ حقَّكم؛ الطاعةُ مِن بابِ ماذا؟ من باب: درء الفِتنة الكُبرى التي قد تترتَّب على المُطالَبة بالحُقوق الصُّغرى.

حتى هذا النَّصراني الذي يَحكم بَلدًا ما، ولو أنَّنا لا نقولُ فيه -ولن نقول فيه-: (ولي أمر)؛ لكن: أعطوني واحدًا مِن أهل البلد التي يكونُ فيها المُسلمون -مِن هؤلاء أو أولئك- يستطيع أن يُخالِف أمرَه -في أقل الأمور: في رخصة محلٍّ، في ترخيص سيَّارة، في قَطع إشارة مُروريَّة، في المُخالَفة في قانون الضَّرائب أو الجمارِك-وهي مُخالِفة للشَّرع-أصلًا-..؛ هل يستطع أحدٌ ممَّن هو تحت سُلطة هذا الحاكِم غير النَّصراني -الذي لا نقول إنه ولي أمر- أن يُخالِف أمرَه؟

الجواب: لا؛ لأنَّ هناك قوانين وأنظمة تَحكم النَّاس وتَضبطهم، بغض النَّظر: فيها طاعة، فيها مخالفة؛ هذا باب آخر.

ونبرأ إلى الله مِن كل ما يُخالف شرع الله -في قليلٍ، أو في كثيرٍ-.

إن طاعةَ أولياء الأمور -ولو خالَفوا شرعَ الله- بغير طاعتِنا لهم فيما يُخالِف أمرَ الله؛ قضيَّة مُتَّفق عليها بين أهل العلم مِن أهل السُّنة، ولم يُخالف في ذلك إلا الأشاعرة -حتى ليسوا جميعًا؛ بعضهم، وفئات منهم-، والمعتزلة، والشِّيعة الشَّنيعة، والخوارج.

أما أئمة السَّلف: البربهاري، الإمام أحمد، الإمام الآجُري، الإمام الخلَّال، الإمام اللالَكائي، الإمام ابن بطَّة..؛ هؤلاء أئمَّة السَّلف الصَّالح الذين ألَّفوا كُتب الاعتقاد الخالِد المَبني على أصول الكتاب والسُّنة؛ كلمتُهم واحدة.

فمَن رضيَ أن يكون سلفُه هؤلاء؛ فنِعمَّا هو، ومَن رضيَ أن يكون سلفُه: المُنخنقة والمَوقوذة والمُترديَّة والنَّطيحة؛ فـ: (إلى حيث ألقتْ رحلَها أمُّ قشعمِ)!

لسماع المادة


طباعة
Powered by: MktbaGold 6.5