مدخل إلى علم أصول الفقه

مدخل إلى علم أصول الفقه
7271 زائر
01-01-1970 01:00

مَدخل

إِلى عِلمِ أُصولِ الفِقهِ

إِنَّ الحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

أمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كَلَامُ اللهِ، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُها، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أمَّا بَعْدُ:

فهذا -أيُّها الإخوة- لقاؤُنا الأوَّل في هذِهِ الدَّورة المبارَكة، في درسِ «أُصولِ الفِقهِ».

ودرسُنا في «أُصولِ الفِقهِ»؛ سيكونُ موصولًا بِرسالةٍ لطيفةٍ كتبَها مؤلِّفُها؛ ليُيَسِّر فَهْمَ هذا العِلم على طالِبيه؛ ألا وهو: الشَّيخُ عبد الرَّحمن بن ناصرٍ السَّعدي -رحمهُ اللهُ-تعَالى-.

وبين يَدَي هذِهِ الرِّسالة، وهذا البحثِ العِلميِّ؛ لا بُدَّ مِن طرح أمورٍ؛ تكونُ مداخِلَ عِلميَّةً لهذا العِلم، ومسائل أصليَّةً بين يَدَيه.

أمَّا أوَّل ذلِك وأهمُّه: فالإشارةُ إِلى أمرَين مُتضادَّين، مُتعلِّقَين بهذا العلم:

أوَّلُهما: أنَّ هذا العِلم دخلتْ فيه دواخلُ ليست مِنه، واختلطَتْ بِمسائلِه مسائلُ خارجةٌ عنهُ.

هذا الأمرُ الأوَّل، وسيأتي ذِكر بعضِ كلامِ أهل العِلم فيه.

أمَّا الأمرُ الثَّاني: فهو ما يتعلَّق بِدعوى ظاهرُها فيهِ الرَّحمة، وباطِنُها مِن قِبَلِه العذابُ، سَمعناها وقرأناها مِن بعضِ المُعاصِرين مُتَّصلةً بهذا العِلم؛ وهي دَعوى: «تجديد علمِ أُصول الفِقهِ».

وهذه الدَّعوى -مِن حيث هي- قد تكون مقبولةً؛ إذا كان هذا التَّجديدُ صادِرًا من أهلِه، وخارجًا على نَسَق العِلم الصَّحيح، المُشارِ إليه في حديثِ تجديدِ الدِّين -الحديثِ المشهور-: «إنَّ اللهَ يَبْعَثُ على رَأْسِ كُلِّ مائةِ سَنَةٍ مَن يُجدِّدُ لهذِهِ الأمَّة أَمْرَ دِينِها» -أو كَما قال-عليهِ الصَّلاةُ السَّلام-؛ وذلك: بإحياءِ ما اندَرَسَ منه، وبَعْثِ الهِمم في النُّفوس، وما يتَّصِل بذلك.

لكن: إذا كان هذا التَّجديدُ -المدَّعى- صادرًا مِن أناسٍ يُريدون فَرطَ عِقدِ هذا العِلم، ويُريدون التَّبديدَ تحتَ شِعار التَّجديد!

فهذا يكون -حِينئذٍ- أمرًا إدًّا!

وسيأتي ذِكرُ شيءٍ مِن النُّقولِ والبيان في هذا البابِ -أيضًا-.

أمَّا أوَّل ذلك -وهو ما ذكرناهُ مِن أنَّه قد دخل «عِلمَ أُصول الفِقهِ» ما ليس منه-؛ فعِندنا ثلاثُ كلماتٍ؛ وهي كلماتٌ عَزيزاتٌ:

أوَّلها وأخطرُها: كلامُ شَيخ الإسلامِ ابن تَيميَّةَ -رَحمهُ اللهُ- في كتاب «الاستِقامة» -(1/50)-، لمَّا ذَكر أهلَ الكلامِ؛ قال:

«ثم إنَّهم صنَّفوا في «أُصولِ الفِقهِ»، وهو علمٌ مُشترك بين الفُقهاء والمتكلِّمين؛ فبَنَوهُ على أصولِهم الفاسِدة».

فدخل هذا العِلمَ هذِهِ الأصولُ الفاسدةُ؛ لاشتِراك أهلِ الكلام في التَّأليف فيه.

يقولُ الإمامُ الشَّاطبي -رحمهُ اللهُ- في أوائل «الموافَقات»، (1/47-أو نحوها-) يقول:

«كلُّ مسألةٍ مرسومةٍ في أصولِ الفِقهِ لا يَنبني عليها فُروعٌ فِقهيَّة، أو آدابٌ شرعيَّة، أو لا تكون عَونًا على ذلك؛ فوَضْعُها في أصولِ الفِقهِ عاريَّة».

(عاريَّة)؛ يعني: أنَّها مُستعار؛ ليس أصلًا، ولا ثابتًا.

«والذي يوضِّح ذلك» -وهذا كلامُه، وتتمَّة قولِه- «أنَّ هذا العِلم لم يختصَّ بإضافتِه إِلى الفِقه؛ إلا لِكَونِه مُفيدًا له، ومُحقِّقًا للاجتِهاد فيه».

نحنُ عندما نقول: «أُصول الفِقهِ»؛ هذا مُضاف ومُضاف إليه، إذا كان هذا هو أَصلُ ذاك؛ فهل يكونُ الأصلُ مَبتوتًا عما أُضيف إليه؟ أم يكونُ قائمًا عليه، راجِعًا إليه؟

قال: «فإذا لم يُفِدْ ذلك»؛ يعني: أنَّه مُفيدٌ للفِقه، ومُحقِّق للاجتِهادِ فيه، «فإذا لم يُفدْ ذلك؛ فليس بأصلٍ له، ولا يَلزمُ -على هذا- أن يكونَ كلُّ ما انبنَى عليهِ فَرعٌ فِقهيٌّ مِن جُملة أُصول الفِقه»؛ لماذا؟ لأنَّها أُمورٌ ليست مِنه -وإن كتبتْ في المؤلَّفات فيه-.

قال: «وإلا؛ أدى ذلك إلى أن يكونَ سائرُ العُلوم مِن أصول الفِقهِ؛ كعِلم النَّحو، واللُّغة، والاشتِقاق، والتَّصريف، والمعاني، والبَيان، والعَدد، والمساحة، والحديث، وغير ذلِك من العلوم التي يتوقَّف عليها تحقيقُ الفِقهِ، وينبني عليها مسائلُه».

يُشير إِلى أنَّ «علمَ الأُصول» -كما سيأتي شَرحُه- فائدتُه العُظمَى: تحقيقُ الأدلَّة، وتحقيق كيفيَّة النَّظَر فيها، فإذا كانت أيَّة مسألةٍ تخرج عن هذا الأصل، وتُغادرُ هذا الأساسَ؛ فإنَّها -حينئذٍ- ليستْ ذاتَ صلةٍ به، ولا يُقال: (هذِهِ تَنفعه، أو تُفيده)؛ فإنَّ كثيرًا مِن العُلوم تَنفعُ وتُفيد؛ لكن: أن يكونَ لها مِساسٌ قويٌّ، واتِّصالٌ بيِّن، غير أن تكون بعيدةً -مِن جهةٍ-، أو أن تكونَ ذات أثرٍ خفيٍّ -مِن جهةٍ أخرى-.

قال: «وليس كذلك؛ فليس كلُّ ما يَفتَقِرُ إليه الفِقهُ يُعدُّ مِن أُصوله؛ وإنَّما اللازِمُ» الحتمُ، الواجب: «أن كلَّ أصل يُضافُ إِلى الفِقه لا يَنبني عليه فِقهٌ؛ فليس بأصلٍ له»، قال: «وعلى هذا: يَخرجُ عن «أصول الفِقه» كثيرٌ مِن المسائل التي تكلَّم عليها المتأخِّرون، وأدخلوها فيه».

والحقيقة: أن دخول هذِهِ المسائل إِلى هذا العِلم -مِن غير تِلكُم الضَّوابط المرعيَّة، والأصولِ الشَّرعيَّة-؛ جعل هذا العِلمَ جافًّا، وجعل هذا العِلمَ عَسِرًا، وجعلَ هذا العِلمَ غيرَ ذي قابليَّة للاستِفادة منه، والإفادةِ به مِن كثيرٍ مِن الطُّلَّاب؛ فلا نرى مِن المُقبِلين عليه، المُجتمِعين إليه؛ إلا عددًا يسيرًا؛ لأنَّ النَّاس تتخوَّف مِنه، وهو ليس كذلك؛ إذا ضَبطنا أصولَه العِلميَّة الدَّقيقة.

نعم؛ هذِهِ الدَّواخل والزَّوائدُ العاريَّة -الَّتي وصفها الشَّاطبيُّ بهذا الوصف- قد تكونُ هي السَّببَ في ذلك -كلِّه-.

من هنا لتحميل التفريغ كاملًا

   طباعة 
0 صوت
Powered by: MktbaGold 6.5