الانتصار لأهل السنة والحديث - دماج

الانتصار لأهل السنة والحديث - دماج
4240 زائر
01-01-1970 01:00

بسم الله الرحمن الرحيم

إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

أمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كَلَامُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُها، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أمَّا بَعْدُ: فمِن الأحاديثِ التي اشتهرت على ألسنةِ كثيرٍ من النَّاس، وهي لا تَصحُّ نسبتُها إلى رسولِ اللهِ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- ما يُردِّده كثيرٌ من الوعَّاظ، ويَتردَّدُ على ألسنةِ كثيرٍ من الخُطباءِ؛ مِن أن النَّبيَّ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- قال: «مَن لم يَهتمَّ بأمرِ المسلمين؛ فَليسَ مِنهم».

وهذا الحديث يوجَد ما يُغني عنهُ بما هو أضبطُ معنًى وأصحُّ نسبةً؛ فرسولُ الله -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام- يقول: «المؤمنُ للمؤمنِ كالبُنيان، يَشُدُّ بعضُه بعضًا»، ويقول: «المسلمُ أخو المسلمِ»، ويقول -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام-: «مثلُ المؤمنينَ في تَوادِّهم وتراحُمِهم؛ كمَثَلِ الجَسدِ إذا اشتكى منهُ عضوٌ تداعى لهُ سائرُ الجَسَدِ بالحُمَّى والسَّهر».

وفي «سُنن التِّرمذيِّ» -بالسَّندِ الصَّحيح-: «أن النَّبيَّ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام- وأبا بكرٍ وعُمرَ كانوا يسهرون في شؤونِ المسلمين»؛ أي: اهتِمامًا بهم، وتفقُّدًا لأحوالِهم، ومُعالجةً لأدوائِهم.

أقول هذه المقدِّمةَ -بين يدَي هذا المجلسِ لأمرٍ جدَّ في واقعِنا في هذه الأيَّام القليلةِ، مع أنِّي كنتُ قد وطَّنتُ نفسي وهيَّأتُها أن يكون مجلسُنا هذا استمرارًا للمَجالسِ السَّابقة في شرح كتابِ «الإبانةِ الصُّغرى»؛ لكن -أحيانًا- تطرأ أمورٌ تجعلنا نتأنَّى في بعضِ الأمرِ، ونؤجِّل أمرًا، ونعجِّل بأمرٍ.

ففي غَمرةِ ما تحياهُ الأمَّة العربيَّة في هذه الأيَّام مِن فتنٍ ومِحنٍ، وما يُسمَّى ب(الرَّبيع العربي!)، ومظاهراتٍ، وثورات، وانتِخاباتٍ، وفوضى، وصراعٍ على الكراسي والمناصِب، وتهاتُرٍ، وتَدابُرٍ، وتناحُرٍ!!

أقولُ: تَضيعُ في طيِّ ذلك كثيرٌ مِن المسلَّماتِ، وتضمحلُّ أصنافُ الحقائقِ، وقد ينقلبُ الحقُّ ليغدوَ باطلًا، ويعودُ الباطلُ ليظهرَ حقًّا.

مما رأيناهُ ورأيتُموه فيما يَجري في اليمنِ: أنَّ كثيرًا من القائِمين بالثَّورةِ هُم شيوعيُّون، أو زَيدِيُّون؛ بل لعلَّكم رأيتُم صورةَ ذلك الثَّائرِ الشُّيوعيِّ (تشي جيفارا) كيف أنَّه تُرفعُ صُوَرُه في مواضعَ شتَّى؛ فهو قُدوتُهم وأُسوتُهم!

لا نقولُ هذا دِفاعًا عن الرَّئيسِ اليمنيِّ؛ فهو -ككثيرٍ مِن أمثالِه- أساءَ وأفسدَ، وها هو ذا -بعدَ مماطلةٍ كبيرةٍ- يُوَقِّع -كما يقولون- على التَّنحِّي، وإن كان مُوقِّعًا على التَّنحِّي في الصُّورة، ولا يزالُ ملتصِقًا بالكرسي في الحقيقة، والدِّماءُ لا تزالُ تَسيلُ!

في خِضمِّ هذه الأخبارِ -التي تتناقلُها الفضائيَّاتُ، وتُكرِّرها الجرائدُ والصُّحفُ- تُغِيبُ بعضُ الأخبارِ، أو تُغيَّب! ولعلَّ هذا التَّغْيِيبَ -ولا أقولُ: الغياب- يكونُ مقصودًا؛ فهو جزءٌ مِن اتِّفاقيَّاتٍ، أو مُؤامراتٍ، أو مُواطآتٍ -على مذهبِ (أعطِني؛ أُعطِك)؛ واحدة بواحدة-.

مِن ذلك -على سبيلِ البيان، ولا أقول: على سبيل المِثال-وهو موضوعُ مجلِسنا في هذه الأمسيةِ المبارَكةِ-إن شاءَ اللهُ-، وأبتدئُ فيها بقولِ الشَّاعر:

لمثلِ هذا يموتُ القلبُ مِن كَمَدٍ /// إن كان في القَلبِ إسلامٌ وإيمانُ

دِماءُ المسلمين في سوريَّا غاليةٌ علينا..

دِماء المسلمين في اليمنِ غاليةٌ علينا..

دِماء المسلمين في مصرَ غاليةٌ علينا..

ودِماء كلِّ مسلمٍ -لو كان في أقصى الدُّنيا-؛ فهو عزيزٌ على اللهِ، وغالٍ علينا..

لكنَّنا نتكلَّم عن موضعٍ غَيَّبهُ الإعلامُ، وضيَّعهُ السَّاسةُ!

ولعلَّ ذلك -كلَّه- مقصودٌ مُراد!

بل لو سألتُ عامَّةَ المسلمين -اليومَ- عن اسمِ المكانِ الذي أُشيرُ إليه -وسأذكرُه-؛ لَكُنتُ على مِثل اليقين أنَّ الكثرةَ الكاثرةَ لم تسمعْ به! وأنَّ مَن سمعَ به لا يعرفُ عنه شيئًا! ومن عرفَ عنه شيئًا؛ يُقالُ له: (عرفتَ شيئًا وغابتْ عنكَ أشياءُ)!!

وما ذاك؛ إلا لكونِ الإعلامِ قد طوَى صفحةَ هذا المكانِ؛ وطوى كاميراتِه ومُراسِليه عن أن يكونَ لهم وُجودٌ، أو حُضورٌ، أو بيانٌ، أو نقلٌ لشيءٍ ممَّا يجري في ذلك المكان، وهو: (دمَّاج) في اليمن.

الكلُّ يسمعُ -الآنَ- في اليمن: المظاهرات التي في تَعز، والمظاهراتِ التي في صنعاءَ، والجيش الذي انقسمَ إلى قِسمَين، والقبيلة الفُلانيَّة، والقبيلة الفُلانيَّة، ولا يسمعُ -مِن بين ذلك كلِّه-لا قليلًا، ولا كثيرًا- عن دمَّاج!

دمَّاج: قريةٌ صغيرةٌ في محافظةٍ كبرى في اليمن اسمُها: محافظةُ صَعدة، ومحافظةُ صَعدة -كسائرِ محافظاتِ اليمن وأغلبِها- (زيديَّة)، و(الزَّيديَّة) فرقةٌ من فِرق الشِّيعةِ؛ لكن ليس شرُّها وخطَرُها كشرِّ الرَّافضةِ الإماميَّة الاثنا عشريَّة الجعفريَّة، وكلُّها أسماءٌ لمُسمًّى واحدٍ؛ فحِقدُ هؤلاء دفينٌ، وبخاصَّة أنه صار لهم وجودٌ وحضورٌ في دنيا السِّياسة والحُكم والاقتصادِ.

وفي اليمنِ طوائفُ من الزَّيديَّة تأثرتْ وتماهتْ مع هؤلاء الرَّوافض، وهُم مَن يُسمَّونَ ب(الحوثيِّين)، وكلمة (الحوثيِّين) -لأنَّها تتردَّد في الإذاعات والفضائيَّات والصُّحف والمجلَّات والجرائِد-؛ عندنا بعضُ معرفةٍ بها، وعلمٍ بشأنِها.

قبل أربعين سَنةً: قام أحدُ خِرِّيجي الجامعةِ الإسلاميَّة في المدينةِ المنوَّرة -مِن تلاميذ الشَّيخِ الألبانيِّ والشَّيخ ابنِ بازٍ-رحمهمُ اللهُ-جميعًا-، وهو يَمنيٌّ مِن صعدةَ، ويسكُن دمَّاج -وهو بلده الأصلي-، قام وحيدًا يدعو إلى الكتابِ والسُّنَّة، يدعو إلى عقيدةِ السَّلف، يدعُو إلى مَنهجِ السَّلف، يدعو إلى ردِّ البِدعِ والمنكراتِ والضَّلالات، يدعو إلى التَّوحيد، يدعو إلى العلمِ بالعلمِ -لا شيءَ غيرُ العِلم-، وهو: الشَّيخ مُقبلُ بن هادي الوادِعيُّ -أيضًا؛ رحمهُ اللهُ-تَعالَى-، وكان الشَّيخ مُقبلٌ -يومذاك- فَرْدًا، لم يكنْ معه أحدٌ يَنصُرُهُ، أو يُناصِرُه؛ لكنَّه صبرَ، وثابر، وجَدَّ، واجتهَدَ، وأقبلَ على العِلمِ والتَّعلُّم والتَّعليمِ؛ حتى صار دُرَّة اليمن.

ولعلِّي أَقولُ -للمرَّةِ الأولى- شَهادةً سمِعْتُها بِأُذُنيَّ لأحدِ قُضاةِ اليمنِ السُّنِّيِّين المحسوبِ أنَّه زَيدِيٌّ لكنَّه -في حقيقتِهِ- سُنِّيٌّ، قبل ثلاثينَ سنَةً -بالتَّمامِ والكمالِ- (سَنة 1981) أو (82)، سألتُه -في عمَّانَ-، وقد كان أتى في زيارةٍ علميَّة لبعضِ دُور العِلم، وهو: القاضي مُحمَّدُ بنُ إسماعيلَ الأَكْوَع، وأُسرةُ (الأَكوَعِ) من الأُسَر والبُيوتاتِ العِلميَّة الكُبرى في اليَمنِ، وفيها قُضاةٌ وعلماء، وهذا الشَّيخ مُقدَّم فيها، وهو قاضٍ، وكان مُشرِفًا على (الجامعِ الكبيرِ) في صنعاءَ، وهو مِن أكبرِ المكتباتِ، الجامِع الذي يحوي أكبرَ المكتباتِ التُّراثيَّةِ المخطوطة، فيه آلافٌ مُؤلَّفةٌ مِن الكُتُب المخطوطةِ، سألتُه -قبل ثلاثين سنةً-، وأظنُّ أنَّ دعوةَ الشَّيخ مُقبل يومئذٍ كانت لا تزالُ في أوَّلِ نَهضتِها، ولم يمضِ عليها إلا عشرُ سَنوات، أو أكثرُ بقليلٍ.

قلتُ له: ماذا تقولُ في الشَّيخ مُقبلٍ؟ قال: (وفَّقه اللهُ، أحيا اللهُ بهِ السُّنَّةَ في تلك البلاد)، واللهُ على ما أقولُ شهيدٌ.

والشَّيخُ الأَكْوعُ -رحمهُ اللهُ-يومئذٍ- كان مسؤولًا في الدَّولة، وكان ذا مَنصبٍ عالٍ، وهو -أيضًا- في رحمةِ الله، ولا نُزكِّيه على الله -رحمهُ اللهُ-تعالى-.

الشَّيخُ مُقبِل -رحمهُ اللهُ- بمُثابرته على العلم والتَّعلُّم والتَّعليمِ أوجدَ كيانًا عِلميًّا يكادُ يكونُ مُتميِّزًا في العالم -كلِّه-، ولا أقول: في العالم العربي، أو في اليمن، مع أنَّني -فوا أسفي!- لم أتشرَّف بلقائِه، لكنَّه في أُخرياتِ أيَّامِه -وهو يتعالجُ في أمريكا- جرى اتِّصال بيني وبينه -رحمهُ اللهُ- اطمأنَنتُ فيه على صحَّتِه، واطمأنَّ فيه على دعوتِنا، وهكذا ينبغي أن يكونَ الحالُ بينَ طُلاب العلم وأهلِ العلم القائمين بالدَّعوةِ إلى الله.

وهذا المركزُ العلميُّ في دمَّاج لا أُبالغ إذا قلتُ: قد خرَّج عشراتِ الآلافِ مِن طلَّاب العِلمِ في الدُّنيا -كلِّها-، وألَّف وخرَّج وحقَّق وصنَّف خِرِّيجو هذا المركزِ العِلميِّ لا أبالغ إذا قلتُ: آلافَ الكُتبِ والمجلَّدات العلميَّة التي كلُّها في نُصرةِ العقيدةِ والسُّنَّة والتَّوحيد، وردِّ البدعةِ والضَّلالةِ والخرافة، مع أنَّهم -بالمقابلِ- لا يتدخَّلون في السِّياسةِ مُطلقًا، ولا يطرُقون أبوابَها، ولا يَلِجون أسبابَها.

ولَما مات الشَّيخ مُقبلٌ -رحمهُ اللهُ-وللأسفِ-من جهةٍ أخرى- حصل تفرُّق بين تلاميذِه -رحمهُ اللهُ-؛ فأخذ هذا المركزَ بعضُ تلاميذِه، وذهب كبارُ الطُّلاب -أو عددٌ منهم- إلى مُدُنٍ أُخرى في اليمن؛ منهم مَن ذهب إلى صَنعاء، منهم مَن ذهب إلى مأرِب، منهم مَن ذهب إلى الحُدَيدة، منهم مَن ذهب إلى إِب.. وهكذا؛ ولكنْ: نفع اللهُ بِجميعِهم في كلِّ موقِعٍ حلُّوا فيه؛ فالمركزُ -وإن حصل شيءٌ مِن الاختلاف-وللأسف!- لكن هذا المركزُ أنتجَ مَراكز، وهذه الشُّعلةُ أثمرت أنوارًا عمَّت اليمنَ -كلَّه-.

لكن: الاختلاف شرٌّ!

ولو كانوا بعدُ كما كانُوا قبلُ؛ لكانت كلمتُهم أقوى، ولكان أثرُهم أعظم.

تأتينا الأخبارُ -منذ أكثرَ مِن أربعين يومًا-: أنَّ الحوثيِّين في صَعدةَ -حول دمَّاج- أطبقُوا على إخوانِنا أهلِ الحديث -هنالك- الحصارَ، ومنعُوا عنهم الموادَّ الغذائيَّة، مع أنَّهم -في الأصلِ- لا يأكلون إلا كَفافًا؛ يعيشون على الفُول والأرزِّ والخبزِ -على أقلِّ القليل-؛ لأنَّ غذاءَ الرُّوح أعظمُ -عندهم- وأجلُّ من غذاءِ البدنِ، وحاجة الإنسانِ للعِلمِ أكثرُ مِن حاجتِه للطَّعامِ والشَّرابِ، الطعامُ والشَّراب تحتاجُه في اليومِ مرةً أو مرَّتين؛ لكنْ حاجتُك للعلمِ بقدرِ عدد أنفاسِك.

هكذا الواقع، وهكذا الحقُّ، وهكذا ترجَمهُ إخوانُنا -هنالك-جزاهم الله-تعالى-خيرًا-.

ومنذ ثلاثةِ أيَّام، أو أربعةِ أيَّامٍ -بعد أن أثَّرُوا فيهم تأثيرًا قويًّا في الحصار، ومنعوا عنهم إمداداتِ الشَّراب والطَّعام، وقطعوا عنهم الكهرباءَ-؛ بدؤُوا بقصفِهِم بالمدافع والقنابلِ والرَّشَّاشات.

اتَّصل بي -اليومَ- بعضُ إخوانِنا في اليمن -بعد أن اتَّصلتُ بهِ لأسألَه عن الواقع وآخِرِ الأخبارِ-أعني في دمَّاج-؛ فقال لي بأنَّ آخرَ عددٍ -منذ أن بدؤُوا بالقتالِ-؛ صار أربعةً وعِشرين قتيلًا مِن إخوانِنا أهلِ الحديث وطلبةِ العلمِ -هنالك-، نحسبُهم عند الله شُهداء، ولا نُزكِّيهم على الله.

وأمَّا الجرحى؛ فبالعشرات.

لكنَّه أخبرني -وأرجو أن يكونَ هذا الخبرُ حقيقيًّا-: أنَّ هنالك أكثر مِن ست مائةِ مُقاتلٍ مِن القبائل ذَهبُوا لفكِّ الحصارِ -هذا؛ اليوم-، ومُساعدة إخوانِهم في دمَّاج، وإعانتِهم فيما هم قائمون به ضدَّ هؤلاء الحوثيِّين المجرِمين -قاتلهم اللهُ أنَّى يؤفكون-.

وفي فجر هذا اليوم -وقد جاءتني هذه الأخبار-: رأيتُني أكتبُ شيئًا مِن الشِّعر، وسُبحان الله؛ توافقَ عددُ أبياتِه مع عددِ القتلى -نحو أربعةٍ وعشرين، أو خمسةٍ وعشرين شهيدًا -ولا نُزكِّيهم على الله-، وهذا الشِّعرُ فيه نوعٌ مِن التَّواصُل الأخويِّ الوجدانيِّ، ونوعٌ من التَّوجيهِ العِلميِّ والتَّربويِّ الذي نرجو أن نستفيدَ منه، وأن يستفيدوا منه، وأن يكونَ عاقبةُ ذلك -كلِّه- نَصرَهُم على عدوِّهم، وخذلانَ هؤلاء المُجرِمين، والنَّصر لأولئك الصَّالحين، وما ذلك على الله بِعزيزٍ.

أذكر لكم -أيُّها الإخوة- الشِّعرَ، والرَّسول -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام- يقول: «إنَّ من الشِّعر حِكمة»، وأرجو أن يكونَ فيه شيءٌ من الحِكمة، وأيضًا: الرَّسول -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام-وبعضُ أهلِ العلم يجعلُه موقوفًا على بعضِ الصَّحابة-: «الشِّعرُ كلامٌ، حسَنُهُ حسَنٌ، وقبيحُهُ قبيحٌ».

قلتُ:

باسْمِ الإلهِ الرَّبِّ دومًا أَفْخَرُ /// وبهديِ وحيٍ دائمًا أتبصَّرُ

(دمَّاجُ) يا إخوانَنا تستنصرُ /// مِن هَولِ رافضةٍ لها قد دمَّروا

هذي الحقيقةُ فاعلَمُوها إِخوَتي /// إنَّ الحقائقَ ليس يُمكنُ تُسْتَرُ

قد فرَّغوا للعلمِ أكثرَ وقتِهِم /// ومِن السِّياسةِ دائمًا قد نَفَّرُوا

هُم إخوةٌ في العلمِ في مِنهاجِنا /// أبناءُ (مُقْبِلِنا) المحدِّثِ فاذكُرُوا

قد حَكَّمُوا للدِّين فيما بَينَهُم /// نورَ الشَّريعةِ فيهمُ قد أمَّرُوا

مِن (صَعدةٍ) صعدُوا بنهجٍ رائقٍ /// بالسُّنَّةِ الغرَّا وبِدْعًا أخَّرُوا

(دمَّاجُ) يا إخوانَنا تتذمَّرُ /// مِن صَمتِ كُلِّ العُرْبِ إذ لم يُنكِرُوا

ها هُم ذوُو حُوثيَّةٍ بِخَباثَةٍ /// قد كَشَّفُوا بِهُجومِهِم ما أضْمَرُوا

قَد قاتَلُوا بِتَوحُّشٍ قد زَمْجَرُوا /// أنيابَهُم بِدَفينِ حِقدٍ كَشَّرُوا

بِقنابِلٍ ومَدافِعٍ مجنونةٍ /// عن ساعدٍ للحربِ ها قد شَمَّرُوا

فلْتَنصُروهم بالدُّعاءِ أقلَّهُ..

أقلُّ القليل أن ندعوَ لإخواننا.

نسأل اللهَ العظيم، ربَّ العرشِ الكريم، يا ذا الجلالِ والإكرام؛ أن تَنصرَ إخوانَنا المسلمين في كلِّ مكان، وإخواننا في دمَّاج -على وجهِ الخُصوص-..

لأنَّ حرب الحوثيِّين لأهل الحديثِ في دمَّاج ليست حربَ سِياسةٍ، ولا حربَ كراسي ولا مناصب؛ إنَّها حربُ عقيدةٍ، حربُ سُنَّةٍ وبِدعة، حربُ توحيدٍ وشِركٍ، حَربُ هُدًى وضَلال؛ بينما كثيرٌ مما يَجري لا تُرفعُ فيه إلا رايةُ الحريَّةِ والعدالةِ والمساواة والظُّلم!!

فوق هذا -كلِّه-، وقبل هذا -كلِّه-: الحربُ هنالك حربُ عقيدةٍ ودِين، دينُ حقٍّ يُراد كَبتُه بِدينِ باطلٍ يُرادُ فرضُه.

وعندما قال ذلك الشِّيعيُّ في كتابه المنشورِ والمشهورِ -والمطبوع في بلاد العرب في لُبنان(!)-؛ يقول: (أمَّا الإلهُ الذي خليفةُ نبيِّه أبو بكرٍ؛ فليس هذا الخليفةُ خليفَتَنا، وليس هذا النَّبيُّ نبِيَّنا، وليس هذا الإلهُ إِلَهَنا)!! إذن: دينُهم غيرُ ديننا!

الحرب في دماج حرب عقيدة.

فلْتنصروهم بالدعاء أقلَّهُ /// واللهَ ربَّ العالَمين فكبِّروا

هذا الزَّمانُ زمانُ شِيعةِ فارِسٍ /// فاستيقِظوا مِن قبلِ أن يتجَبَّروا

مِن قبلِ أن تأتي السُّيولُ لدارِكُم /// تَجتاحُكُم مِن غيرِ أن لا تشعُروا

إخوانَنا في (صعدةَ) الخيرِ اصْعَدُوا /// فوق الخِلافِ بِدُون أن تتغيَّرُوا

إخوانُكم أحبابُكم ولَئِنْ بَغَى /// بعضٌ على بعضٍ فهذا أكْبَرُ

فتَناصُحٌ وتَواصُلٌ وتَكامُلٌ /// لا بالتَّآكُلِ فهو شَرٌّ مُنْكَرُ

لا لستُ أقصدُ مَن تكشَّفَ حالُه /// مِن أهلِ جهلٍ بالضَّلالِ تَدثَّروا

فأُولاءِ قد طُويَ البِساطُ بساطُهم /// فبِبدعَةٍ ماجُوا وفيها أبحَروا

لكنَّ قصدي مَن لمنهجنا اعتَزَوْا /// وبنُصرةٍ لعقيدةٍ قد بادَرُوا

وبِمنهجٍ قد عظَّموا لِلِوائِهِ /// وبِضِدِّ أحزابِ الهوَى قد جَاهَرُوا

يا إخوتي آنَ الأَوانُ لأُلفةٍ /// فيها المحبَّةُ والسَّعادةُ تُنشَرُ

هيا اخْوتِي بالنُّورِ دَومًا أَقْبِلُوا /// بِطَرائقِ الخيرِ الكَثيرةِ بَشِّرُوا

وَالنَّصرُ آتٍ إنْ صَدقتُم ربَّكُمْ /// فلْتَقْبَلُوا ولْتُقْبِلُوا لا تُدْبِروا

والحقُّ نورٌ ساطِعٌ لا يَختَفِي /// والنَّصرُ آتٍ لا مَحالةَ أبشِروا

نسأل الله العظيمَ ربَّ العرشِ العظيمِ أن يُسمِعَنا بشائرَ الخير، وأماراتِ النَّصر، للإسلامِ وأهل الإسلام، فوق كلِّ ظالمٍ، وضدَّ كل مُبيرٍ غاشِم -مهما كان، وكيفما كان، وأينما كان-، {وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَن يَّنْصُرُهُ إنَّ اللهَ لقَوِيٌّ عَزِيزٌ }، {إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}.

يا إخواني: اجعلوا مِن خالِص أوقاتِكم، وأحاسِن مقاماتِكم لإخوانكم وقتًا تُخلِصون فيه لربِّكُم بالدُّعاءِ والتَّضرُّع، وأن تُلِظُّوا بهذا الدُّعاء؛ أن يُنجِّيَ اللهُ إِخوانَنا من شرِّ هؤلاء الأشرار، ومِن مكرِ هؤلاء الفُجَّار، الذين لم يُسالِموا مَن سالَمهم، وقد دخلَ للإصلاح بينهم عددٌ مِن أهلِ الإصلاحِ مِن وُجوهِ القبائل، وتمَّ الصُّلحُ في بعض المواطِن؛ ولكنَّهم نكلُوا ونكثُوا! وهذه عادتُهم، وهذا دأبُهم، وهذه سلوكيَّاتهم -عبر التَّاريخ-، مهما حاولوا أن يُحَسِّنُوا صورتَهم، ومهما حاولوا أن يُغيِّرُوا صفحةَ وُجوهِهم؛ إلا أنَّ حقيقةَ أمرِهم حقدٌ دَفينٌ مُتوارَث!!

هل تظنُّون أنَّ مَن يُكفِّر أبا بكرٍ وعُمر وعائشةَ وأبا هُريرةَ وأكابر الصَّحابةِ لكُم قدرٌ عندهُ؟!

هل تظنُّون أنهُ يُقيم لكم وزنًا؟!

هذا الذي يقول: (إنَّ القرآنَ محرَّف)؛ هل يؤمنُ بما عندكم، أو بما إليه تَدعُون؟!

هذا الذي يقول: (تاهَ الأمينُ، وخانَ جبريل)؛ ماذا تنتظرون منه -نُصرةً، أو إعانةً، أو أيَّ شيء فيه ولو بصيصٌ مِن نُور-؟!

لكنَّها السِّياسةُ التي تتلعَّبُ بعُقولِ النَّاس، وتتلعَّبُ بالأهواءِ، بناءً على المصالح الدُّنيويَّة المُؤقَّتة الزَّائلة المتغيِّرة.

لا يهمُّنا الهمجُ الرَّعاع..

يهمُّنا أهلُ النَّظرِ، وأهلُ الإدراك، وأهلُ التَّأنِّي في معرفةِ الحقائق، وفي معرفةِ مواقعِ الأقدام -بِإقدامٍ-، لا أن يُسَوُّوا بين المتغيِّرات، وأن يَخلِطُوا بين الأولويَّات؛ فيكونَ -مِن وراءِ ذلك كلِّه- فسادٌ -وأيُّ فساد!-.

أسأل اللهَ العظيمَ ذا الجلالِ والإكرامِ أن يَمُنَّ على إخوانِنا بالأمنِ والإيمانِ والأمانِ، وأن يَحقنَ دماءَهم، وأن يُجَمِّعَ شَملَهم، وأن يُوحِّد كلمتَهم، وأن يَربطَ على قُلوبِهم، وأن يُثبِّتَ أقدامَهم، وأن يَخذلَ عدوَّهُم، وأن يُكرِم شُهداءَهم -ولا نُزكِّيهم على اللهِ- بالحياةِ الأبديَّة، بِصُحبةِ النَّبيِّيين والصِّدِّيقين والشُّهداءِ والصَّالحين، وحسنَ أولئكَ رفيقًا.

وصلَّى اللهُ وسلَّم وبارَك على نبيِّنا محمد .....

   طباعة 
0 صوت
روابط ذات صلة

الدروس المتشابهة الدرس التالية
Powered by: MktbaGold 6.5